ديوانُ الزُّخرفِ الصغيرُ وبآخره نصٌ للجنون - مُصطفى خضر

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:39 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

هكذا أحلم..

هكذا أفتتحُ الآنَ نشيداً عربياً غامضاً، مضطرباً، مختلفاً...‏

أمتدحُ المهدَ الذي يحلمُ فيهِ الطفلُ بالبحرِقريباً من يديهْ!‏

ويرى ماءً كثيراً يهجمُ البحرُ عليهْ!‏

ويرى الحبرَ على دفترهِ يشحنُ بالماشيةِ الزورقَ،‏

يحصي حيواناتِ بياضٍ وسوادٍ ملأتْ أرصفةَ الميناءِ،‏

والبحارُ، مثلُ الخرقةِ الرثةِ، يقعي فوقَ بطنٍ،‏

يعصرُ الخمرةَ في حوضِ ضحى؛ أسماكه تطفو..وللحلم بقيهْ!‏

***‏

كيف لا أمتدحُ المهد الذي يحلمُ فيهِ الطفلُ بالبحرِ،‏

وفي المهدِ الذي يغفو كبحرٍ،‏

طلعتْ جنيةٌ خضراءُ تغريهِ بحلوى، وهديهْ!‏

وإذا ما اضطربَ الطفلُ بأغصانٍ من الرغبةِ،‏

فليبتدىءِ اللعبةَ في النصِ الذي توجزهُ الحمى،‏

ويلهو بمجازٍ، ويؤدي دورهُ في مسرحِ الخفةِ..‏

ولتكتمل السلطةُ بالنثرِ!‏

ففيه تهتدي أنثى إلى رائحةِ الفحلِ الذي ضاقَ به جثمانُهُ،‏

إذ أسلمَ الثروةَ للروحِ الخفيهْ!‏

وعلىالشاعرِ أن يبقى ضحيهْ!‏

*‏

هكذا أفتتحُ الآنَ نشيداً عربياً من موادِ السحرِ‏

في فينيقَ أو أكادَ، في ممفيسَ أو عيلامَ، في بابلَ أو صورَ...‏

وكانَ الطفلُ يغفو هادئاً كالبحرِ،‏

كانتْ جمهراتُ الحلمِ في دورةٍ ماءٍ قمريهْ!‏

ثم كانت ظلمةٌ إذ كان نور،‏

ومن الظلمةِ والنورِ استوت أرضٌ، تسمى عربيهْ‏

نزفتْ نسوتها، أحداقهنَّ امتزجتْ بالدمِ،‏

أو أعضاؤهنَّ انفجرتْ في هيكل يغلي بجمهور النفاياتِ،‏

إذا ما صعدَ الترتيلُ والتهليلُ والتغبيرُ والتكبيرُ،‏

والآلهةُ الأولى تآوتْ في إلهٍ أحدٍ،‏

واكتشفتْ هذا الفضاءَ الذكريّ الأنثويَّ،‏

اتحدتْ في جسدٍ، وابتكرتْ ماءَ الخليهْ!‏

ونمتْ في المسرحِ السحري بحراً آدمياً بعيونٍ آدميهْ!‏

وأباحَ البحرُ للحبرِ الذي حررهُ الطفلُ على دفترهِ أجنحةً‏

تحملهُ نحو صباحِ الأبجديهْ!‏

*‏

لمَ لا يفرحُ بالحلمِ الذي ينتجُ بحراً،‏

يجعلُ المهدَ على هيئةِ عرشٍ ذهبيّْ!‏

لمَ لا ينعمُ بالنومٍ القويّْ‏

وعلى دفترهِ تاجٌ وسيفٌ.. صولجانْ‏

وأثاثٌ من عقيقٍ وجمانْ!‏

*‏

لمَ لا يحلمُ بالبحرِ وبالأرضِ إذاً؟‏

هل يخرجُ الشاعرُ من روحٍ الطللْ‏

فيرى مثلَ سواه ما يرى، أو يُعتقلْ‏

ويرى البيتَ الذي يهجرهُ نحلٌ، ويكويهِ عسلْ‏

وتلبيهِ وجوهٌ حفظتهُ، ومقلْ‏

وأكفٌّ من حليبٍ وقبلْ!‏

وعلى الشاعرِ أن يبقى قوياً كالجبل!‏

*‏

كيف لا أفتتحُ الآنَ نشيداً عربياً غامضاً، مضطرباً، مختلفاً،‏

تعلنهُ مكتبةُ الصلصالِ، والشمسُ تربي أفقاً‏

تاريخهُ المائيُ من حرثٍ يضمُ العالمينْ!‏

نينوى مأواهُ أو بغدادُ، في طيبةَ أو بابلَ يثوي..‏

وبه يكتملُ الجسمُ الخرافيُّ الدفينْ!‏

يملأ الشرقَ جناحاهُ ببحرٍ وسماءٍ‏

إذ خطا الشاعرُ في يمٍّ، لهُ الحظوةُ:‏

حقاتُ بخورٍ ومحفاتُ عطورٍ ورحى من أرجوانْ‏

وخرافٌ وحبوبٌ وطيورٌ وثمارٌ وحقولْ!‏

*‏

... وعلى دفترهِ الطفلُ غفا‏

متعباً، مبتسماً بين هدوءٍ وذهولْ!‏

وإذا بالصوتِ يدعوهُ: أفقْ، يا مصطفى!‏

واقترب مني قليلاً.. اقتربْ، واقرأ!‏

وللحقِ فضاءٌ‏

كانَ مثلَ الشرقِ ينشقُّ عن النورِ،‏

عن النورِ حضورْ..‏

وعلى الشاعرِ أن يقرأ فيهِ‏

ويرى أسلافهُ، ثم بنيهِ!‏

كانَ فيهِ موقفٌ للعشق بين الرتقِ والفتقِ إذاً،‏

لا يستوي من يخلقُ الآنَ، ومن يخلقُ!‏

والأرضُ أفاقتْ في جذورٍ وبذورْ..‏

وعلى الطفلِ الذي يحلمُ وحدهْ‏

أن يرى في الأرضِ مهدهْ!‏

*‏

هي رؤيا ابتدأتْ، ثم انتهتْ، واكتملتْ ملأى..‏

وكانتْ فارغهْ!‏

فلمنْ افتتحُ الآنَ نشيداً عربياً غامضاً، مضطرباً، مختلفاً..‏

آهٍ،‏

وآهٍ من جنونٍ‏

في‏

اللغهْ!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244