ديوانُ الزُّخرفِ الصغيرُ وبآخره نصٌ للجنون - مُصطفى خضر

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:40 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سيناريو لأشياء مختلفة

ما الذي يمتلكُ الأنثى التي ضاعفتِ البذرةَ؟‏

من يكتشفُ الماءَ الذي تخلو بهِ،‏

ثمّ تربي جسداً أولَ بالخبزِ وبالملحِ،‏

فينمو بين كفيها.. يؤاخي بين ينبوعٍ ونهرِ!‏

وإذا ما نبّهتْ أعضاءهُ تحلو، وتلهو... ثم تجري‏

مهرةً من زخرفٍ يرقبها صمتي وفقري..‏

وأنا بذرتها أم سرُّها تعلنهُ، والأرضُ سري!‏

ما الذي يمتلكُ الأنثى التي تبتكرُ التاريخَ من عصرٍ لعصرِ!‏

2- نثر للصمت‏

ضاقَ بالعشقِ وبالعاشقِ وقتٌ وعبارهْ!‏

قبةٌ للشِّعرِ أم للنثرِ؟‏

للجسمِ الذي يلغي حضورهْ‏

أم لنصٍ شكلتهُ لغةٌ صادقةٌ أو مُستعارهْ!‏

كان معنى يهتدي بالصمتِ،‏

والعالمُ يغلي بالذكورهْ!‏

فبمن تحتفلُ الرؤيا، وتتلوها بشارهْ؟‏

أيُّ صمتٍ يؤذنُ الآنَ ببدءٍ عربيٍّ،‏

ومن الصمتِ إشارهْ!‏

3- عري أول‏

هل أنا العاشقُ حقاً، وهي كانتْ عاشقهْ!‏

وأنا البيتُ الذي تحفظهُ أو عتبهْ‏

أم أنا الجسمُ الذي تضمرهُ في روحها المضطربهْ!‏

ما الذي أحرثهُ فيها، وهل أحرثها حقاً؟‏

وفي تربتها تبذرني‏

كشهابٍ أنجبتهُ صاعقهْ!‏

ربما ألبسها، تلبسني، أخلعها، تخلعني..‏

وأراها تتجلى وحدها محتجبهْ!‏

4- أول اللعب‏

كانَ صمتٌ واعتباط وارتباكٌ وقنوطٌ..‏

كانتِ البرهةُ عجزا..‏

ثم كانت برهةٌ من ذهبِ أو من جمانْ‏

يدخلُ العاشقُ فيها.. يتآوى عاشقانْ!‏

واحدٌ في اثنينِ كانا، اتحدا، وامتزجا،‏

واكتشفا بيتاً وكنزا..‏

وأفاقا يلعبانْ..‏

أهما من توءمٍ يطلعُ منهُ توءمانْ؟‏

فمن الرمزُ إذاً؟‏

أنثى اطمأنتْ لذكرْ‏

بالذراري يستوي، أو يبتكرْ‏

لم يزلْ تاريخهُ الأولُ رمزا..‏

وعلى الأنثى التي تصحبهُ أن تملأ الآنَ المكانْ!‏

5- فضاء للاختلاف‏

لتكنْ مختلفاً في موقفِ الغربةِ..‏

فيهِ تنتمي الروحُ إلى معنى قديمٍ وحديثٍ‏

يعرجُ العاشقُ في قبّتهِ إذ كانتِ الهجرةُ في الداخلِ!‏

والخلوةُ تدعوهُ إلى الصحوةِ، والحضرةُ كالغيبةِ،‏

فيها انتهتِ الشهوةُ، شفّتْ كبياضٍ،‏

غمرَ الأعضاءَ والأجزاءَ والأشياءَ،‏

والحالُ هي الحالُ!‏

فهذا اسمُ عُطلتهُ مادةٌ ما،‏

وهو الياءُ، ومنهُ الألفُ!‏

*‏

لتكنْ مختلفاً بين وضوحٍ وغموضٍ،‏

بعد أن تنحنيَ الفكرةُ للسلطة، والسلطةُ للثروةِ!‏

هذا الجسمُ كاللاشيءِ، فيه اختلف المعنى،‏

وكانتْ كِلمٌ تختلفُ!‏

لتكنْ مختلفاً بعد حضورٍ وغيابٍ..‏

ربما تأتلفُ!‏

6- وردة الينبوع‏

وردةٌ نبهّتِ الينبوعَ، والتربةُ يعروها لهبْ‏

والأميراتُ الصغيراتُ اقتربنَ الآنَ في حقلِ القصبْ‏

وبخفينِ من الطينِ انحنى الطفلُ، الذي ضيعتهُ يوماً، عليّْ‏

بينما طيّرتِ الماءَ أكفٌّ بعنادٍ وغضبْ‏

والندى يقطرُ ما بينَ وجوهٍ وثديّْ..‏

للهوى كلُّ مدى، أو للمدى كلُّ هوى،‏

والصوتُ رجعٌ وصدى، أنشودةٌ خلفَ كوى‏

فيها ارتوى جسمُ الفتى، ثم اكتوى..‏

والضحى يلهو خفيفاً بالذهبْ‏

مثلَ طفلٍ حملَ الأرغفةَ الأولى من الشمسِ، ويدعوها إليّْ!‏

فانحنت، تضطربُ الكرمةُ بالخمرةِ، ما بين يديّْ‏

وأنا أشربُ كأسي، ثم أزكو في قناديلِ عنبْ!‏

آهِ من طفلٍ مضى في الأرضِ،‏

والينبوعُ شحَّ الآنَ،‏

والليلُ اقتربْ!‏

7- سيناريو حلم‏

كانَ لي أكثرُ من حلمٍ، وما زالَ..‏

ولم أحفل بتلك الفرجةِ المضطربهْ..‏

وأنا ماهمتُ بالجمهورِ، بالحلبةِ،‏

لم أخسر، ولم أربحْ، وما كنتُ شريكاً في رهانْ!‏

ثم لم يبق سوى أغنيةٍ أهمسها، تهمسني،‏

تهمسنا نافذةٌ أو عتبهْ..‏

والأميراتُ اللواتي كنَّ في البالِ، يغادرنَ زماناً طيباً كانَ..‏

وكانْ!‏

ربما أبحثُ عن مصباحِ شعرٍ هشمتهُ يدُ طفلٍ،‏

ربما أوقظُ جنيَّاً من الذاكرةِ الأولى،‏

وأصحو بين رؤيا ورمادٍ ودخانْ!‏

8- تربة الشعر‏

أهي التربة بيت وقماطٌ وسريرْ‏

تبحثُ النحلةُ فيها عن خطا دوّنتُها ما بين حقلٍ وقفيرْ‏

إذكوتني لذةٌ أبحثُ عنها،‏

وكوتني شهوةٌ تبحثُ عني!‏

ربما ضيعتُ ما ضيعتهُ، كيما أغني‏

فأعِنّي، أيها الشعرُ، أعنّي!‏

آهِ من حلمٍ صغيرْ،‏

آهِ من فقري، ومن شعري، ومنيّ!‏

9- أول السحر أوآخره‏

هذهِ ساحرةٌ أعرفها من قبلُ،‏

والجسمُ وديعٌ، يانعٌ، حلوٌ، خجولْ..‏

خطفتني في الحكاياتِ، وردتني إليها‏

وبعينيها فضاءٌ وشموسٌ وفصولْ!‏

وهي أنثى الماءِ والجمرِ معاً، عذراءُ ينبوعٍ، وخضراءُ، بتولْ..‏

وهي رؤيا افتتحت بالخلوةِ الشعرَ..‏

ولكنْ! أيُّ رؤيا!‏

حملتْ كل طفولاتي، وغابتْ،‏

وعرا الروحَ اضطرابٌ وارتباكٌ وذهولْ!‏

هذه ساحرةٌ تحيا معي الآن!‏

فهلْ أحيا لتحيا؟‏

10 - سنبلة الأسئلة‏

ما الذي يفعلهُ الكائنُ إن ضاقتْ به أرضٌ؟‏

وماذا يفعلُ الطفلُ إذا ضلَّ طريقهْ؟‏

لم لاتضطربُ الوردةُ في كفِ فتاةٍ،‏

ويرى العاشقُ فيها ثمراتٍ وحديقهْ؟‏

ولماذا سقطتْ أنشودةُ الجمهور إذ كرّرتِ الصمتَ؟‏

متى ينتبهُ القمحُ إلى الملحِ الذي يفسدُ؟‏

هل يكتشفُ القارىء معناهُ؟‏

متى يختارهُ المعنى فيختارُ الحقيقهْ؟‏

ولماذا يهدمُ الشاعر ما يبني،‏

ويبني بالعباراتِ حضورهْ‏

بحروفٍ من سوادٍ وبياضٍ ونقاطٍ مهملهْ!‏

وهل الموتُ ضرورهْ‏

أوّلتهُ، وأشاعتهُ حياةٌ،‏

ثم لم يبقَ لها معنى سواهْ!‏

ومتى يستيقظ الشعرُ إذا قام المغني من ثراهْ؟‏

لمَ لا تبتكرُ التاريخَ أنثى‏

ضمَّها بيتٌ قديمٌ وحديثٌ، صار رثَّا‏

وانتهتْ في أفقٍ من أسئلهْ!‏

أيَّ وقتٍ سنرّبيهِ، وفيهِ سوف تنمو سنبلهْ!‏

11- وردة الذهب‏

لكَ تلكَ الوردةُ الأولى كأنثى من لهبْ‏

بكرتْ عشتارُ فيها، واستوت في مخدعِ اللذةِ،‏

والعاشقُ يأوي بين ثديينِ من الماءِ،‏

ويجثو تحت ينبوعٍ جرى، ثم تلقّى ما انسكبْ!‏

وردةٌ ما انفتحتْ، ما انغلقتْ،‏

إلا ليخضرَّ نسيجٌ وقماشٌ وعُرى‏

وردةٌ تنهضُ في قلبِ الثرى‏

ويربيها الذّهبْ!‏

12- قبر آخر‏

لمَ لا يجمعنا مأوى سوى قبرٍ جماعيٍّ،‏

وللكائنِ حفرهْ‏

قطرةٌ من مطر أو من دمٍ تحيي عظاماً بليت فيها‏

فهل تطلعُ في جذرٍ وينبوعٍ وبذره؟‏

ومتى ينشقّ بيتٌ عن وريثٍ، لم تزل تغلبهُ الأنقاضُ،‏

أنقاضٌ من الأسلاف، أسلافٌ من الأنقاضِ،‏

والأرضُ التي يكبرُ فيها اقتسمتْ من قبلُ، أو من بعدُ،‏

ضاقتْ بالتماثيل التي يحرسها العبدانُ والسادةُ والأغرابُ،‏

والأوثانُ، إذ خالطها الكهانُ، يعروها هوى الألقابِ والأنسابِ،‏

والوقتُ الذي دونهُ الأعرابُ كالنسلِ الذي يرشحُ بالألفاظِ،‏

والوجهُ الذي مثل القفا، سيَّجهُ الرُحَّلُ والبدوُ بماءِ الشَّعرِ!‏

والشعرُ حدودٌ وسدودٌ ومهودٌ، ربما تختلُّ فيه لغةٌ،‏

تطمسُ معناها رموزٌ وكناياتٌ، تشابيهُ، استعاراتٌ..‏

فمنْ يجمعُ أعضائي وأجزائي على هيئةِ زهرهْ‏

أو على هيئةِ زلزالٍ لطيفٍ علنيّْ!‏

*‏

آهِ من قبرٍ جماعيٍ قديمٍ وحديثٍ، عربيّْ!‏

13- فضاء حجر‏

كلُّ وجهٍ تنتمي أمكنةٌ فيهِ‏

إلى أرض من الشمسِ، وأرضٍ من مطرْ!‏

تربةٌ بابلُ، آشورُ صخورٌ،‏

نينوى أم بعلبكُّ اقترنتْ بالضوءِ،‏

ثم انحدرتْ صورُ إلى البحرِ،‏

وللأهرامِ حفريّاتُ روحٍ معلنهْ..‏

فمن الطائرُ بين الأمكنهْ‏

والفتى من حجرٍ يُبعثُ حياً‏

بين أرضٍ من حجرْ‏

وفضاءٍ من حجرْ!‏

14- آخر الدنيا‏

أنتَ لم تهجمْ على دنيا سعيدهْ..‏

وانتهى أكثرُ من خمسينَ عاما‏

كنتَ فيها تغلقُ المعنى الذي تفتحهُ أنثى،‏

وتجلوهُ قصيدهْ!‏

وترى اللذةَ في السلطةِ والمتعةَ في الشيءِ،‏

ترى سحرَ حضورٍ دنيويّْ!‏

وإذا ما ضاقتِ الروحُ بجسمٍ ضاقَ بالدنيا هياماً ووهاماً..‏

وانتهت مثلَ طريدهْ‏

ما الذي ينتجهُ طينٌ مدمَّى، عربيّْ؟‏

ما الذي يفعلهُ الشعر الذي يأكلُ ما يأكلهُ،‏

والشمسُ مالتْ للغيابْ!‏

ولماذا كنتَ ما كنتَ!‏

مريداً أو شهيداً، ثائراً أو مستهاما..‏

*‏

أيها الشيخُ الذي لطخه حبرٌ خفيّْ‏

أنتَ لم تهجمْ على الدنيا!‏

فهل كانَ الذي حاولتهُ إلا كلاما..‏

أهي الفكرةُ وهمٌ أم حجابْ..‏

وعلى الدنيا التي تهجرنا، نهجرها، كانتْ سلاما!‏

15- آخر الانتظار‏

انتظر بعد ثلاثٍ برهةً للصلبوتْ!‏

انتظر قبلَ صياحِ الديك؟ِ شيئا!‏

انتظر حادثةً محتملهْ!‏

*‏

هكذا يضطربُ العالمُ في شبهِ هدوءٍ وسكوتْ..‏

تنتهي منظومةٌ، أو نظمٌ، جزءاً فجزءا..‏

ينتهي الكائنُ، والقتلى انتهوا، والقتلهْ!‏

وإذا الحضرةُ كالغيبةِ!‏

فيها يلدُ الآنَ، ويحيا، كي يموتْ!‏

ينتهي جوعانَ، ظمآنَ، وعريانَ.. وكلُّ الأرضِ لهْ!‏

فمتى يُبعثُ فيها؟ هل يربي وردةً أوسنبلهْ؟‏

ومتى يبني عليها الملكوتْ؟‏

*‏

انتظر! ثم انتظر كارثةً مثقلةً بالأخيلهْ!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244