سقط الرؤى - محمود نقشو

شــــــعر - عن منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سِقْطُ الرؤى

أهطولُ حزنٍ عندَ بارقة الصباحِ..‏

أم الخشوعُ يورّدُ الوجهَ المعتّقَ بالبكاءْ؟‏

في شرفتينِ تنقطانِ العمرَ من شفةِ اللهاثِ،‏

وتشربان تنهّد الأطيافِ..‏

من شفةِ المساءْ‏

خيرٌ صباحكما،‏

وطابَ تنهدّي..‏

يا دمعتينِ ارتاحتا في العينِ..‏

إنّي مُتعبٌ..‏

أتلمَّسُ الأشياءَ مذعوراً..‏

فيرتجفُ الشتاءْ‏

وأضمُّ بعضي بينَ عاصفتينِ من خوفٍ ولقيا..‏

لا تريدان افتراقي،‏

والمساءُ على شفا وهمِ اللقاءْ‏

إنّي ألوبُ..‏

دوائري لا تستميلُ مع الهبوبِ،‏

وصحوتي خصلٌ مدلاّةُ الشحوبِ..‏

تُفَتِتُ الذكرى على جهة البقاءْ‏

هذا صباحٌ أجردٌ يلهو بذاكرةِ المحبّ،‏

ولستُ معترفاً تماماً بالسقوطِ،‏

وأدّعي أن الرفوفَ تحيطني بطيوفها..‏

كي لا أغيمَ،‏

ولا يجرجرني الشرابُ إلى الشرابِ‏

ويبتدي فيَّ الحداءْ‏

هذا صباحٌ أسودُ القطراتِ..‏

لا نملٌ يقطّعني فيصحو الميتونَ على احتراقِ تلهّفي..‏

لا نحلةٌ تلجُ السكونَ،‏

وبَوحُ هاءْ‏

إنَّ المسافةَ ضفّتانِ ويسقطُ النهرُ القديمُ،‏

ودمعتانِ وينتهي فينا الغناءْ‏

لكنني المسكونُ بالفوضى وباللاشيء..‏

كنتُ شربتُ خابيةَ القنوطِ وما أفاقتْ نْهدةٌ‏

وأراكَ منحطماً عليَّ تُحيطني بفضائكَ الشوكيِّ..‏

أدخلُ في دوائركَ العصيّةِ..‏

لم أَجِدْكَ ولم تجدني أيّها الباقي من الجدوى سؤالاً..‏

في عناقيدِ السماءْ‏

هل ظلمةٌ مرَّتْ على دمنا؟..‏

أوانَ تقطعّتْ فينا خيوط الصمتِ،‏

والأشياءُ باهتةٌ على خطِّ الأفولِ،‏

ونقطةٌ زرقاءُ حائرةٌ على أفقِ البياضِ..‏

تدورُ في رحم المكانِ..‏

فلا يُضاءْ‏

وأراكَ منقسماً عليَّ تزيدني حلكاً..‏

فيخبو الأخضرُ المحزونُ في فلكِ اليباس،‏

وأنتَ لا تذكيهِ..‏

لا تبكيهِ‏

إمّا يطلعُ القمرُ الشفيفُ من الشرابِ..‏

على الخطوطِ الداكنْه‏

وأنا حمامُ الوقتِ يصدحُ في الرفوف الساكنهْ‏

وأراكَ تبحثُ في الفراغِ عن الذينَ ضممتهُمْ شطرينِ منغلقينِ..‏

يحتارُ الخرابُ بأيّ إسمٍ يبتديهمْ،‏

والرؤى بكْرٌ وعيناكَ انتهاءْ‏

هاتانِ قنطرتانِ من لوزِ المساءِ،‏

وذاكَ وجهٌ يابسُ القسماتِ ينأى بالفتونِ،‏

وهذهِ أشلاءُ خابيةٍ تُعتّقُ حزننا حتّى النبيذِ،‏

ودفقةِ البلّور من شفةِ الدعاءْ‏

وأنا أودعُ وجهتين من الشرودِ،‏

وأختبي في الفكرتينِ:‏

دمي،‏

وهدأة وجهها النبويّ..‏

يا وجع النداءْ‏

يا زرقةً لا تنتهي،‏

ومسافةً في المستحيل من البلادِ..‏

تُمَزِقُ الرؤيَا..‏

فنكسَرُ مرّتين على تخوم الاشتهاءْ‏

زمنٌ تكسّرَ بين بارقتينِ من عسلٍ،‏

وخمرٍ يانعٍ..‏

ثم استراحَ على الورقْ‏

في دفقتينِ من النعاسِ،‏

وحرقتينِ من الألقْ‏

يا خالقي..‏

يمّمتُ وجهي للقلوعِ فلم يَعُدْ وجهي،‏

وجفني ما احترقْ‏

وشربتُ داليةَ القنوطِ فلم يَبُحْ كأسي بشيءٍ من مراثينا القديمةِ‏

والشجونْ‏

يا خالقي..‏

هربَ الصحابُ إليَّ حينَ شربتُهُمْ..‏

دمعاً وقافيةً حرونْ‏

واستوثقوا بدمي زمانَ السنديانِ..‏

فما توزّعَ نرجسٌ عندَ الجدارِ،‏

ولا تفتّح زيزفونْ‏

حتى استراحَ الوقتُ في جهةِ الخزامى..‏

ساعة الوجعِ الخؤون‏

فإذا البلادُ سوى البلادِ،‏

ونصفُهُمْ في الكأس يغرقُ،‏

والسدى ظلٌّ لخيلهُمُ الجريحة،‏

واللظى نصفانِ في هذا السكون‏

واللجتان تراودان الأقحوانَ على الهطولِ..‏

فلا أُودّعُ في الطلولِ مسافةَ الأصحابِ،‏

أو وجعَ المطرْ‏

كي أستعيدَ قطافهمْ‏

فيما تبقّى من أثرْ‏

وأسيرُ عكسَ الوقتِ..‏

أدخلُ في وحولِ الخوفِ.‏

ألهو بالكلامِ المرتخي،‏

والغارباتِ من الصورْ‏

زمنٌ تحدَّبَ وانكسرْ‏

وأنا الوصولُ،‏

وليسَ من جسرٍ إلى جهتي يلملمهمْ،‏

وينقطعُ الخرابْ‏

وأنا الحصولُ،‏

وآخرُ الصيفِ الكسيرِ يلملمُ الأيّامَ..‏

في الدفقِ المذابْ‏

عشرونَ صمتاً،‏

والسرابُ هو السرابْ‏

والموتُ ليسَ الموتَ،‏

والساعاتُ عاثرةُ الخطى‏

فيما تبقّى من شرابْ‏

وحدي أموتُ دقيقةً وأعودُ للشفقِ الرخيمْ‏

والجرحُ مندملٌ كأنَّ مساءَنا عِنَبٌ،‏

وحانتنا سديمْ‏

وكأنَّ حُرْقتنا تجدّفُ في الدماءِ،‏

وتشربُ وكأننا الوجع الرجيم‏

وكأننا قصبٌ على طرفِ الخسوفِ يئنُّ..‏

في المجرى الأخيرِ،‏

وحارقِ الشوقِ القديمْ‏

والعاشقونَ الطيبّونَ تحدّروا..‏

فأفاقَ نجمٌ صار غيماً..‏

أمطرتْ زفراتهُ شوقَ الرمالِ‏

تنهّدتْ كلُّ الظلالِ..‏

فمرَّ صيفٌ..‏

مرَّ لونٌ ..‏

مرَّ دَهْرٌ فوقَ شرفتنا الصغيرةِ..‏

والورى يتقاسمونَ الخوفَ والذكرى،‏

وأصرخُ..‏

علَّ ينتبه المكانُ،‏

وشقوتي فوقَ الشراعِ،‏

وآهِ يا خَدَري الرغيدَ إذا ترامى الظلُّ في كأسي،‏

ومدَّ الحزنُ ساقيةً إليَّ فملتُ غرباً..‏

في مرامي لجةٍ سكرى..‏

على جهةِ الوداعْ‏

وارتاحَ قوسُ الصمتِ فوقَ تدفّقِ المنفى،‏

وأسئلة الشراعْ‏

وتماوجوا.. حتى الهشيمِ ونارهمْ لا تُرتجى،‏

والليلُ منسدلُ اليقينْ‏

يا خالقي..‏

نزفَ السقوطُ دماءَهُ،‏

وتقدّمتْ فينا الحرائقُ والسنينْ‏

وأنا أبعثرُ ما استطعتُ الخوفَ..‏

علّي في التشكّلِ أرتقي جمر الخصوبةِ والحنينْ‏

فمتى ينامُ الطيبّونَ..‏

متى ينامُ الليلُ عندَ لها ثهمْ‏

والنارُ تخبو في الجبينْ؟‏

والصبحُ يطلعُ في الوريدِ،‏

وفي شغافِ العاشقينْ؟‏

هل كانَ يُمكنُ أن نموتَ بغير ما متنا بهِ..؟‏

هل كان يمكنُ أن نفصّلَ وقتنا لغةً وذاكرةً،‏

ولا تصحوا الوساوسُ كي تلامسَ قبّةَ الروحِ الكسيرةَ‏

أو يجلجلنا المكانْ؟‏

يا صاحبي..‏

أينَ الزجاجةُ إنني متناثرٌ جهةً،‏

ومنعقدُ اللسانْ ؟‏

فمتى سترتعش الحروفُ،‏

ووجهها جُمَلٌ من النجوى،‏

وأرصفتي دخانْ؟‏

يا صاحبي.‏

والقيظُ في جوفي يُرَمّدُ ما تبقّى من أساورَ..‏

في القطوفِ الوارفهْ‏

ودمي على دمهِ يعومُ،‏

وبيننا تلكَ الخطوطُ الراجفهْ‏

وتحدّني حزناً وعاصفةً..‏

شبابيكُ البلادِ الخائفهْ‏

تلك التي هربتْ إليَّ..‏

فما التقيتُ بضوئها جهةً لأشواقِ الصباحْ‏

إنّي أعوذُ بوقتها والخوفُ أروقتي،‏

وأطلبُ رشفتينِ وضمّةً من دفئها،‏

وخزامتينِ ودفقةً من سالفِ الألقِ المذابِ،‏

وشرفتينِ بلا صُدَاحْ‏

وحمامتين تنقّرانِ الحبّ من شفةِ الجراحْ‏

إنّي أعوذُ بصمتها..‏

تلك المدينةُ حينَ تثقبني وأعشقُها..‏

وترجمني فأذرفها..‏

متى حانَ الهروبُ المستحيلْ‏

إنّي أعوذُ بحزنها،‏

وأعوذُ باللقيا إذا هامَ المحبُّ بها،‏

وأنهكهُ الجوى،‏

وهواجسُ التذكارِ، والقمرُ النحيلْ‏

وأرى دمي أرجوحةَ الموتِ العقيمِ،‏

وموجةً بين التمنّعِ والصهيلْ‏

أمضي إلى اللاشيء..‏

أو يأتي إليَّ أوانَ ترحلُ غيمةٌ بدمي..‏

ويشربني الرحيلْ‏

يا خالقي..‏

يا خالقي وجعي طويلْ‏

والروحُ عائمةٌ على سطحِ الشرابِ،‏

ولستُ منهزماً تماماً كي أصدّقَ ما اراهُ،‏

ولستُ منتظراً تفتّحَ موجةٍ في الكأسِ..‏

ترسمني على الألقِ القليلْ‏

إنّي أصدّقُ وجهها،‏

والعاشقين،‏

ووجهةً تمتدُّ من روحي إلى الوجعِ الظليلْ‏

وبقيّةَ الباقينَ من وطنِ النسورِ،‏

وموجةَ الصيفِ الجميلْ‏

لم يبقَ منهمْ غيرَ نزفِ السنديانِ،‏

وشائكِ الوقتِ القتيلْ‏

إنّي أعوذُ بظلهّمْ..‏

حين المرافيءُ لا تلوحُ،‏

ولا يعرّشُ سوسنٌ في الروحِ‏

ساعةَ يغربونَ إلى الهباءْ‏

وترومهمْ عيني،‏

فيشتعلُ الهبوبُ بوردتي الأولى..‏

فأمشي في الأمامِ إلى الوراءْ‏

وتبوحهمْ شفتي فيرتفعُ الشحوبُ..‏

ولا أرى وطناً،‏

وذاكرةً تخرّبَ شكلها،‏

وتمزّقَ الوجهُ الخضيلُ..‏

فما الوعودُ،‏

وما الحدودُ،‏

وما رؤايْ؟‍‏

إلاّ الحرائقُ في اليبابِ،‏

وشقوةُ الدربِ المحدَّدِ في خطايْ‏

وأعدُّ أحبابي..‏

فلا أُحصي سوايْ‏

ذهبوا..‏

فلا تجدينَ منهم رفّةً..‏

يا دفأهمْ بينَ الضلوعِ ورجفةِ المنفى،‏

وأطواقِ الغيابْ‏

ناموا.. فمّدي ظلّكِ الزاهي إلى رئتي،‏

وأشرعة الشرابْ‏

أنتَ الأخيرةُ في مسائي السرمديّ،‏

ودفقةَ الأطيابِ في لججِِ الرِغابْ‏

والبعضُ منكِ تلعثمٌ،‏

وجميعكِ استعصى عليَّ..‏

فما ألوّنُ زرقةً في المستحيلِ من السرابْ‏

يا سيّدَ الفلواتِ..‏

أمطَرَنا الحنينُ بدفقهِ،‏

والخصب يرجمنا،‏

وساقيةُ الضياءْ‏

والكلُّ يدخلُ في العقيمِ من النهارِ،‏

ولا تميلُ الشمسُ غرباً..‏

حين يحرقنا الشروقُ..‏

فنمتطي ظلاًّ هباءْ‏

ونمرُّ بينَ الخمرِ والسيفِ الجليلِ..‏

فلا نشاءُ لقاءَنا..‏

حتى يشاءْ‏

والظلُّ مرتفعٌ،‏

وقافلةٌ تمزَّقُ في العراءْ‏

والليلُ منطفيءُ العواءْ‏

قالوا: " تمنّعَ وقتنا..‏

عقمَ النهارُ..‏

فلا البذورُ‏

ولا النذورُ‏

ولا الرجاءْ‏

تنهلُّ من جرحٍ تمزَّقَ مرّتينِ،‏

وغامَ ثالثةً..‏

فماتَ بظلّهِ الدوريُّ،‏

واحترقَ الهواءْ "‏

قالوا: " ويقتلنا الأحبَّةُ في ضفافِ خميلةٍ سكرى..‏

ندورُ..‏

ندورُ في طمي المسيلِ ويغربُ الآتي بعيداً..‏

كي نراهُ،‏

ولا نراهْ "‏

لكنَّ بعضاً من رؤاهْ‏

تنسابُ في دمنا عناقيدَ اشتعالٍ..‏

تستميلُ ملامحَ الآتينَ..‏

ترسمهمْ على الشفقِ النضيرْ‏

ويلّفنا تذكارهمْ فيصيبهمْ وجعُ الدماءِ،‏

ولا تورّقُ فكرةٌ في الطيبينِ،‏

ولا تزهّرُ كأسنا عنباً وشكوى..‏

آخرَ الوجعِ المريرْ‏

حتّى الحدائقُ لا تصفّقُ‏

والفصاحةُ لا تطيرْ‏

ونمرُّ في الأفقِ الرمادِ..‏

دقائقَ الوطنِ الأخيرْ‏

فنفيضُ نجوى وافتتاناً..‏

في ارتعاشاتِ الحريرْ..‏

إنّي اعوذُ برشفةٍ..‏

هي آخرُ الوطنِ المصفّى في فراغِ الرأسِ..‏

آخر ما يظللّني إذا عصفَ الدويّْ‏

ومتى تقدَّمَ في المشيبِ الكأسُ،‏

وانتبهَ الشرودُ لما لَدَيّْ‏

إنّي أعوذُ بهدأةٍ لا تُرتجى..‏

زمنَ الدموعْ‏

يا سيّدَ الفلواتِ..‏

وحدي في الهشيمِ أعدُّ أشياءَ الصباحِ..‏

فما أرى النهرَ الولوعَ،‏

وليسَ للظلّ اكتمالُ أو طلوعْ‏

لا شيءَ يطلعُ في البياضِ لأبتديهِ،‏

وننتمي جهراً لوقتٍ واضحِ القسماتِ..‏

أوسرّاً لصمتٍ غامضٍ..‏

وقتَ الولوعْ‏

إنّي على خشبِ النزوعْ‏

أهوي إلى جسدٍ تفرّقَ بعضهُ ضديّنِ،‏

والباقي تضاءل في الضلوعْ‏

صبيّ المساءْ بكأسنا،‏

و لنبتدىء هذا الخشوعْ‏

يا هدأةً تنسابُ في شفقِ الخريفِ..‏

إذا الخريفُ يريدني حجرَ الذهولِ،‏

ونقطةً حيرى على ماءِ الأفولِ،‏

وفكرةً غرقى..‏

كأسئلةِ الشراب المُختصرْ‏

هذا دمي..‏

هذا اليبابُ،‏

وهذه أرجوحتي،‏

ولهاثَ أوردةِ الحجرْ‏

هذا مساءُ الطيّبينَ،‏

وشاهدٌ هذا الحصى..‏

هذا الخواءْ‏

أنَّ الشغافَ سخيّةٌ‏

والروحُ بالغةُ الشقاءْ‏

وغداً ستلتهم الحروفُ لساننا،‏

ويموتُ بعضُ الميتّينَ بمستهلّ دمائهمْ،‏

والطيبّون يهللونّ:‏

" متى اللقاءُ..‏

متى اللقاءُ...‏

متى اللقاءُ؟ "‏

حزيران 1994‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244