بـدل الـوقـت الضائـع - فيـصل خليـل

شعر- من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المرآة

تخدعُهُ المرآةْ‏

وكلُّ ما يحدثُ أنَّها‏

تغيِّرُ الجهاتِ‏

أو تبدِّلُ الصفاتْ‏

***‏

تخدعُهُ المرآةْ‏

لأنْها تُنزلُ حاجبيهْ‏

وتكثر الخطوطَ في جبينهِ‏

وتسفحُ الغروبَ‏

في عينيهْ‏

***‏

تخدعُهُ المرآةْ‏

لأنّها تضخُّم الندوبْ‏

وتقرأُ الحروفَ بالمقلوبْ‏

وتُظهر الغالبَ. .‏

كالمغلوبْ‏

***‏

تخدعُهُ المرآة‏

لأنها تستبدل الأسواقَ‏

بالأشواقْ‏

وتمزجُ الآفاقَ‏

بالأنفاقْ‏

***‏

تخدعُهُ المرآة‏

يختلطُ المكانُ‏

بـ. . . الكمينْ‏

يختلطُ اليسارُ باليمينْ‏

والياسمينةُ التي يحملّها‏

في يدهِ‏

تطعنُ كالسكّين. .‏

***‏

تخدعُهُ المرآة‏

لأنّها‏

تزوّرٌ الحقيقة‏

وكلّما قرَّبَ منها عُشبةً‏

يابسةً‏

صاحت بأعلى صوتها :‏

حديقةْ !‏

***‏

تخدعُهُ المرآةُ‏

أو‏

تصدقُهُ المرآةْ‏

لأنّها،‏

في كل مرَّةٍ،‏

تضحكُ من نظرتِهِ‏

قائلةً :‏

هيهاتْ ! چ‏

المحارب‏

حاول أن يعرفَ. .‏

هل يحلُمُ ؟‏

فوق رأسهِ‏

يلتمعُ " النيونُ "‏

لا المضاربْ !‏

ومثلما لو كان في "تبوكْ"‏

يقاتلُ الأعداءَ ،‏

لكنْ ،‏

دونما جواربْ !‏

وأبصر الأقران في " اليرموك "‏

يشكونَ من تأخرِ القروضِ‏

في " البنوكْ "‏

وكثرة الاعلانِ‏

عن قواعدِ السلوكْ‏

وكان بعضُهمْ‏

يصْبغُ حاجبَيْه‏

وبعضُهمْ‏

يضفُر شَعْرَ رأسِهِ‏

وبعضُهَمْ‏

يمشي على يديهْ !‏

وسمِعَ الكثيرَ‏

عن ضآلةِ الأجورْ‏

وعن وقوفِ الناسِ‏

في الطَّابورْ‏

وكانَ كلُّ شارعٍ‏

يكتظ بالغريبِ ،‏

والعجيبِ ،‏

والمواربْ‏

والنّاسُ. .‏

واللباسُ ،‏

واللُّغاتُ ،‏

و" الشِّيكاتُ ". .‏

من مُخْتَلفِ المشاربْ‏

وشاهدَ التّاركَ ،‏

والمتروكْ‏

وشاهدَ المالكَ ،‏

والمملوكْ‏

والماءَ ،‏

والهواءَ ،‏

والحنطةَ ،‏

والنّساءَ. . .‏

في القواربْ !‏

وحارَ في الزَّحمةِ‏

هل يَضربُ ؟‏

أم يُضربُ ؟‏

أم...يُضاربْ ! چ‏

أوَّل الكلام. . .آخر الأوهام‏

(1)‏

يَشّهَدُ أنَّ كلَّ حكمةٍ‏

يحفظُها‏

مالحةُ الطَّعم‏

كماءِ البحر‏

***‏

يشهدُ أنَّ كلَّ كلمةٍ‏

يودُّ لو يقولُها‏

ساخنةٌ‏

كالجمر‏

***‏

يشهَدُ‏

أنَّ كلَّ فكرةٍ‏

تبرقُ ،‏

أو تلوحُ في أحلامِهِ‏

يحسنُ أن تئنَّ في الحديدِ‏

أو..تُحبسَ في الرُّخامْ‏

***‏

يشهدُ. .‏

أنَّ..ليس كلُّ هاجسٍ‏

يُمكن أنْ يُطلقَ بين الناسِ‏

كالحمامْ. .‏

(2)‏

ولم يكن يجهلُ أنَّهُ‏

يعبرُ..‏

بينَ الصُّبحِ‏

والغسقْ‏

وأنَّهُ‏

لنْ يجدَ الخلاصَ إن نأى‏

وأنَّهُ‏

إذا دنا احترقْ‏

ولم يكن يجهل أنَّهُ‏

مقامرٌ بكلِّ ما لديهْ‏

وكلِّ ما يحمل في عينيهْ‏

في كلِّ نقطةٍ‏

من جرحِهِ‏

تلامس الورقْ‏

وأنَّهُ. .‏

حَاولَ شيئاً‏

يشبهُ الغرقْ..‏

(3)‏

صدَّقَ أنَّهُ‏

يأكُلُ..‏

حين أكل الثَّريدْ‏

صدَّقَ أنَّهُ‏

عيَّدَ‏

حين لبسَ البذلةَ‏

والحذاءَ‏

يومَ العيدْ‏

صدقَ أنَّهُ‏

صفَّقَّ‏

أو غنّى كما يريد‏

وأنَّهُ..‏

ليسَ من الأقنانِ‏

أو..‏

ليسَ من العبيدْ‏

صدَّقَ أنَّهُ. .‏

لو لمْ يكن يعرفُ‏

ما القديمُ في الأمرِ‏

وما الجديد..‏

(4)‏

كانَ إذا ما ضحكوا..‏

يضحكُ‏

أو بكوا..‏

بكى‏

ولطمَ الخدَّينِ‏

إن همْ لطموا الخدودْ‏

وكانَ مثلَ كلِّ سيِّدٍ‏

في قومِهِ‏

تعلَّمَ الصُّمودْ‏

واحترفَ الإباءَ كالمعهودْ‏

وفي الليالي ،‏

حينما ينامُ أهل الأرضِ‏

كانَ يعبرُ الحدودْ‏

لكنَّهُ، كانَ، ككلِّ ليلةٍ‏

يصفعُهُ اليهودْ‏

ومثلَ كلِّ ليلةٍ‏

يُفيقُ مذعوراً على القصفِ‏

وتغشى أنفهُ‏

رائحةُ البارود..‏

(5)‏

ومثلما علَّمهُ أستاذُهُ‏

عن ظهرِ قلبٍ‏

حفظَ الحروفَ بالترتيبِ :‏

حرفَ العينِ ،‏

حرف الرّاءِ ،‏

حرفَ الواوِ ،‏

حرفَ الباءِ...‏

لكنْ ،‏

كلَّما أرادَ أن يتابعَ النَّشيدَ‏

سدَّتْ حلقهُ رصاصةٌ‏

أو حاجزٌ‏

ونسيَ الحروفَ من جديد‏

وعادَ ،‏

مثل كلِّ مرةٍ ،‏

لصمتهِ البليدْ..‏

(6)‏

هو الذي‏

تعبُرُهُ النِّصالُ‏

رغم زحمةِ النِّصالْ‏

***‏

هوالذي أصغى‏

- وكانَ يحفظُ المّوالَ-‏

حتى آخر الموّالْ‏

***‏

هو الذي مرَّ عليه الصُّبحُ،‏

والمساءْ‏

هوالذي استجار‏

بالنَّارِ‏

من الرّمضاء (1)‏

وميَّزَ الزِّحافَ، والإقواءْ (2)‏

وخبرَ المعلنَ، والمخبوءَ ،‏

والضّائعَ بينَ بينْ‏

وكانَ..‏

إنْ قدَّمَ خُطوةً‏

أخَّرَ خطوتينْ‏

لأنَّهُ تعلَّم الزّئيرَ. .‏

لا الثغاءْ‏

لأنَّهُ. .‏

لم يُتقنِ الرَّقصَ‏

على الحبلين‏

(7)‏

لكنَّهُ..‏

كانَ كمنْ يحصدُ رغوةً‏

أو يخنقُ الهواءْ‏

أو يُشهرُ الخنجر..في الخلاءْ‏

لكنّهُ. .‏

كان كمن يُجلسُ سيلاً‏

فوقَ ركبتيهِ‏

كي يهدأَ‏

أو يُعلمُ الذَّئاب أن تلتزم الصَّمتَ‏

وأن تكفَّ، في الليلِ ،‏

عن العواءْ. .‏

كانَ كمنْ يهمسُ‏

كي يسمعهُ الأفقُ‏

وكي..‏

تختفيَ الضوضاءْ‏

وينثر الكلامَ في طريقِهِ‏

مؤمِّلاً. .‏

أنْ يملأَ الخُواءْ‏

كانَ. . كمن يصرخُ‏

في داخلِهِ‏

كي يصلَ النّداءْ‏

(8)‏

مُنتظراً‏

آخر هذا الشجر اليابسِ‏

هذا الأفقِ العابسِ‏

هل يُفيقُ ذاتَ صيحةٍ‏

أو..ذاتَ نزوةٍ‏

( لو نزوةٌ )‏

هل يُثمرُ انتظارُهُ المُزمنُ‏

( لو في الظنِّ )‏

هل يأتي إليهِ صوتُهُ‏

مُقترحاً...‏

أن يبدأَ الكلامْ‏

أمامَهُ ،‏

أن يبدأَ الكلامْ‏

أمامَهُ ،‏

أن يلجمَ الشِّعرَ ،‏

وأن يُقلِّمَ الأوهامْ چ‏

الصّورة والأصل‏

(1)‏

ملتمعاً..‏

في برك الماءِ‏

وممتدّاً خيالُهُ‏

إلى الرصيف‏

وكلما حاولَ أن يقطفَ‏

غيمةً‏

أو. . وردةً‏

تبللت يداه‏

وفككت جملتهُ‏

سنابكٌ‏

تخوضُ في المياه‏

وحارَ..‏

كيفَ يستردُ وجههُ‏

النظيفْ..‏

(2)‏

خمسونَ شاحنةْ‏

مرَّتْ أمامَ البابْ‏

خمسونَ شاحنةْ‏

بالقمح،‏

والنبيذِ ،‏

والزبدةِ ،‏

والأغراب !‏

خمسونَ شاحنةْ‏

وشارعٌ يملؤُه الضَّبابْ‏

وكلُّ ما ينالُهُ‏

موعظةٌ في النحو والإعراب‏

وكانَ كلَّ ليلةٍ‏

يجلس عند البابْ !‏

(3)‏

يسألُ :‏

كيفَ النّبعُ،‏

بالدُّعاءِِ،‏

لا يفورُ‏

والأشجارُ لا تخضرُّ‏

والنِّساءُ ،‏

بالنُّذورِ ،‏

لا تجيءْ ؟‏

وكيفَ لا تُمطرُ، في الصباحِ ،‏

قهوةً‏

وفي المساء عنباً‏

براءةُ البريء ؟‏

يسألُ :‏

ماذا تفعلُ الجرأةُ بالجريءُ ؟‏

(4)‏

ولم يكنْ‏

ينتظرُ الشُّرفةَ‏

أو..ينتظرُ الأزهارْ‏

ولم يكن ينتظر التفاتَةَ الزُّرقةِ‏

فيما يُشبهُ النهارْ‏

ولم يكن يحلمُ بالنجومِ ؟‏

والأقمارْ‏

أرهقهُ انتظارُهُ‏

وكانَ يومُهُ ككلِّ يومْ‏

يُقنعهُ‏

بأنَّهُ يعيشُ كالصبّارْ‏

وكانَ مثلَ كلّ يومْ‏

يُرهصُ بالتكرارْ‏

وبارتداء معطفِ اليوميِّ،‏

والوهميِّ‏

والموتِ. .‏

بلا إنذارْ !‏

(5)‏

واعتاد أن يُصغي إلى المذياعِ‏

أو. . يُشاهدَ التّلفازَ‏

أو يقرأَ في الجرائدْ‏

وكانَ لا يعجبُ :‏

كيف ، هو ، نفسهُ‏

لا غيرهُ‏

يُدعى إلى الموائدْ‏

ويحتسي النَّبيذ‏

من مختلفِ المكائد‏

وكانَ لا يعجبُ‏

كيف هو نفسُهُ‏

يكونُ المشهدَ ،‏

والشاهد ،‏

والمشاهد !‏

(6)‏

يذكرُ أنّهُ‏

أنذرهم بالعصفْ‏

يذكرُ أنَّهُ‏

أنذرهمُ‏

بنومِ أهلِ الكهفْ‏

يذكرُ أنَّهُ‏

أنذرهم بالبيع والشراءْ‏

وكلِّ ما يصلحُ للعبيدِ ،‏

والإماءْ‏

يذكر أنّهُ‏

أنذرهم ببذلة النّادِلِ‏

أو..بضحكة السمسارْ‏

يذكرُ أنَّهُ‏

أنذرهمْ‏

بهربِ الأشجارْ‏

وبأزدهار الموتِ..‏

لا..في الليلِ‏

بلْ..في وضحِ النَّهارْ‏

(7)‏

وكانَ..لا يجهلُ‏

كم ترتفعُ الأسوارْ‏

وكانَ لا يجهلُ‏

كيفَ يفهمُ الذبيحةَ الجزَّارْ‏

وكانَ لا يجهلُ أنَّهُ‏

يلعبُ بالدُّخانِ‏

أو بالنَّارْ‏

وأنَّهُ..‏

مُسعَّرٌ في السوقِ"1"‏

كالبقول ،‏

والقرفة ،‏

والبهارْ‏

وأنَّهُ يُعْلَفُ‏

كي يُؤكَلَ كالخروفْ‏

أو..يُساقَ كالحمارْ‏

وأنه. .‏

وكلَّ من يحبُّهُ‏

يعيش تحت رحمةِ السمسارْ..(2)‏

(8)‏

- تدور..‏

قال :‏

- الأرضُ لا تدورْ‏

الدَّهرُ لا يدورْ‏

والأرضُ لا تدورْ‏

فلمْ تزلْ مطرقةٌ‏

تهوي على سندانْ‏

ولم يزل بينهما إنسانْ‏

الأرضُ لا تدور‏

ولم تزل يحكمها نقدٌ وصولجانْ‏

وساحرٌ يقرأُ في الدخانْ‏

وحاجبٌ..يُصرِّف الأمورْ‏

الأرضُ لا تدور‏

والقتلُ قطبها الذي‏

في كلِّ لحظةٍ‏

يُمعنُ في الظُّهرْ‏

......‏

وكانَ مؤمناً‏

بأنَّها تدور. .‏

(9)‏

وكانتِ الأزهارُ تختفي‏

لتظهرَ الأشواكْ‏

وكانتِ الظِّلالُ‏

تستلقي‏

بلا حراكْ‏

و. . هربتْ من فوقهِ سحابةٌ‏

كأنها تفرُّ من عراكْ‏

وربما ارتمتْ هناكَ خطوةٌ‏

وعبرتْ سيارةٌ..هناك‏

وكانَ كلُّ شيء‏

يديرُ ظهرهُ لكلّ شيء. چ‏

كيمياء‏

(1)‏

كان يحبُّ أمَّهُ الحنونْ‏

ومثلما تريدُ أن يكونْ‏

حاول أن يكونْ‏

***‏

كانت تريد أن يكونَ طيباً‏

فكانَ طيباً‏

للذئبِ ،‏

والثعلبِ ،‏

والثعبانْ‏

***‏

كانت تريد أن يكونَ هادئاً‏

فكانَ هادئاً..‏

يضربُهُ الزلزالُ ،‏

أو يقذفهُ البركانْ‏

***‏

كانت تريد أن يكون صابراً‏

فكانَ صابراً‏

و"صبَّر" الدِّماغَ ،‏

واليدينِ ،‏

واللسانْ ! چ‏

(2)‏

صفَّق للعصفور‏

حينَ طارْ‏

صفقَ للوجهِ الذي‏

تمددت صرختُهُ‏

وغادر الإطار‏

صفَّق للسيفِ الذي‏

يرفضُ أن يكونَ صامتاً‏

ومُطرقَ الرّأسِ‏

على جدارْ‏

صفَّقَ للشَّرفةِ‏

حين خرجت تستقبلُ النَّهارْ‏

وللمدينةِ التي‏

لم تعرفِ الأسوارْ‏

صفَّق للحبِّ‏

وللقلبِ الذي يختارْ‏

وحينما أرادَ أن يُسهمَ‏

في الحوارْ‏

طفا. .‏

مع التيارْ ! چ‏

(3)‏

كانَ. . مع الدجاجْ‏

ينامُ. .‏

كانَ هادىءَ المزاجْ‏

كان لهُ عُنقٌ. .‏

ولكنْ‏

لم يشاهدْ ، مرةً ،‏

مُنتفخَ الأوداجْ‏

ولم يكن يعرفُ ما " المكياج " (1)‏

ولم يكن يعرفُ ما "المكساج" (2)‏

وكانَ. . مثلَ كلِّ خائفٍ‏

يؤمنُ بالأبراجْ‏

و. . مثلَ كلِّ عاقلٍ‏

يُفضلُ السكونْ‏

ويؤثرُ البقاءَ‏

في منأىً‏

عن العيونْ‏

وكانَ لا ينكرُ أنَّ بيتهُ زجاجْ‏

وأنَّهُ منهمكٌ‏

بخبزهِ اليوميِّ‏

لا بالعاج‏

وحين طالت يدُهُ. .‏

صاحَ :‏

أنا الحجّاج ! چ‏

(4)‏

أغمضَ عينيه على الجميلْ‏

أغمضَ عينيهِ‏

على اللطيفِ ،‏

والبهيِّ ،‏

والوارفِ ،‏

والجليلْ‏

أغمضَ عينيهِ‏

على الغابةِ‏

والقُبّةِ‏

والأحجارِ‏

والمهر الذي يحاولُ الصَّهيلْ‏

أغمض عينيهِ‏

على النّاعمِ ،‏

والفسيحِ ،‏

والضّاحكِ ،‏

والممتدَّ،‏

والأثيلْ. .‏

أغمضَ عينيهِ على نهارهِ‏

وحينما استيقظَ في كرسيِّهِ‏

أيقنَ أنَّ ليلهُ طويل. . چ‏

(5)‏

كانَ يرى‏

ويقرأُ الأشياءْ‏

حينَ يقرأ العنوانْ‏

فلم يكن يعيش في " هاواي " (1)‏

أو في جزر " المرجانْ " (2)‏

ولم يكن في حاجةٍ ،‏

كي يفهمَ القولَ‏

لترجمانْ‏

ولم يكن يُضطر للحاسوبِ ،‏

كي يحسبَ ما يكونُ‏

أو يحسبَ ماذا كانْ‏

***‏

كانَ يرى ويقرأُ الأشياءْ :‏

قائمة الطعامِ ،‏

والأرباحَ‏

والألوانَ‏

والجيرانَ‏

والبذلةَ‏

والحذاءْ‏

وكلَّ ما تنشرهُ‏

جرائدُ الصَّباحِ‏

أو جرائدُ المساءْ‏

كان يرى. .‏

ويعرفُ الشَّهم‏

من الفاشوش..‏

وأينَ كانت تختفي " البنتُ "‏

وكيفَ يظهر " القاشوش "‏

كان يرى. .‏

ويعرفُ الشَّاطر خلفَ علبِ القصائدْ‏

والساذجَ البريء ،‏

والمنحازَ ،‏

و" اللعِّيبَ ".‎،‏

والمناكدْ‏

وحينما تشتدُّ. .‏

كيف " تصرفُ " الشدائدْ‏

***‏

كان يرى‏

ويدرك الأمور بالخبرةِ ،‏

والتجريبِ ،‏

والفراسةْ‏

ولم تكن تأخذهُ الحماسةْ !‏

وكانَ. . إن سألتَهُ‏

يُجبكَ هامساً :‏

أرجوك ! لا أدخلُ في السياسةْ ! ! چ‏

وجوه في الذاكرة‏

(1)‏

أنزلَ وجههُ عن الجدارْ‏

وكانَ جدُّهُ‏

وخلفهُ جماعةُ الثّوار‏

ينحتُ شاربينِ‏

مثل الليل‏

تحتَ أنفِهِ‏

وفمُهُ يقترحُ النَّهارْ‏

أنزلَ وجههُ‏

عن الجدارْ‏

أنزلهُ‏

وأنزلَ المزمارْ‏

والنَّبعَ ،‏

والحنطةَ ،‏

والحصانَ ،‏

والأشجارْ. .‏

أنزلَهُ‏

وغيَّر النَّبرةَ ،‏

والإيقاعَ ،‏

والحوارْ‏

وكلّما صادفَ. .‏

أن ألقى على مكانِهِ‏

نظرتَهُ‏

استدارْ‏

وأغلق البابَ على تألُّق الصَّهيلْ‏

ووطَّنَ النفس على الرّحيلْ‏

يريد أن تختفي الطيورُ ،‏

والأزهارُ،‏

والأحجار‏

يريد أن يختفي النَّبيل‏

يريدُ أن يختفي الأصيلُ‏

والجميلْ‏

وكانَ كلَّ ليلةٍ‏

حين يعودُ خاسراً‏

يبصر عينينِ‏

على جدار !.. چ‏

(2)‏

أخرجَ عينَ الماءْ‏

وأخرجَ الغيم الذي‏

يسبحُ في السماءْ‏

***‏

أخرجَ حرَّ الصَّيفْ‏

وشوقَهُ للضَّيفْ‏

***‏

أخرجَ من صندوقه القديمِ‏

ما خبَّأهُ..‏

من صدفِ الطفولةْ‏

أخرجَ من دفترِهِ‏

أشجارهُ الجميلةْ ،‏

الشمسَ ،‏

والشُّرفةَ ،‏

والأشواقْ. .‏

وقمرَ الحبِّ الذي‏

لا يعرف المحاقْ‏

أخرجَ من دمائِهِ‏

عنترةَ العبسيّ‏

وعروةَ بن الوردْ‏

أخرجَ من دماغِهِ الطّائيَّ ،‏

وابن رُشدْ‏

أخرجَ من خيالِهِ‏

روايةَ القبيلةْ‏

وقصصَ الفرسانِ ، والعشّاق‏

أخرجَ ما لديهْ‏

كلَّ الذي يذكرُهُ‏

كلَّ الذي يحبُّهُ‏

أخرجَ وردَهُ ، ونارَهُ. .‏

أخرج كلَّ ناصعٍ‏

وطيِّبِ المذاقْ‏

وأسرعَ الخطا‏

إلى الأسواقُ ! چ‏

(3)‏

يُقسم من يراهْ‏

أنَّ الذي مرَّ أمَامهُ‏

سحابةٌ صيفيَّةْ‏

أو دميةٌ خرساءْ‏

أو..‏

ورقٌ‏

يحملُهُ الهواء.‏

***‏

ملتصقاً‏

بأيِّ حائطٍ‏

ولائذاً‏

بأيِّ شرفةٍ‏

يمشي وقد أسرعَ نبضُهُ‏

وارتعشت يداهْ‏

ولم يكن يسمعُ‏

ما تسمعُهُ أذناهْ‏

ولم يكن يُبصرُ‏

ما تُبصرُهُ عيناهْ‏

كانَ يداوي جُرحه بـ " الآهْ "‏

وكلّما استعادَ ما رآهْ‏

أطبق جفنيهِ وقال :‏

- لم أكنْ‏

كيف يكون حاضراً‏

من كانَ غائباً‏

أكانَ وحده ؟‏

ألم يكنْ سواهْ ؟‏

***‏

و..‏

كانَ كلُّ خبرٍ يسمعُهُ‏

يبدأُ بالحديثِ عن طريقةٍ‏

للشَّكّ في رؤاهْ‏

وكانَ كلّما اشترى جريدةً‏

أبصَرَ نفسَهُ‏

يئنُّ في قيودِهِ‏

وتنزلُ السكّينُ في وريده‏

وتنزفُ الدمِّاءُ‏

من معناهْ ! چ‏

(4)‏

ضاقت به دروبُهُ الصغيرةْ‏

ضاقت به حارتُهُ‏

ولم يعد يعجبُهُ الفُستانُ ،‏

والصغيرةْ‏

......‏

يخرجُ من شمسٍ على التلالْ‏

ومن حصىً يلمعُ في النَّهرِ‏

ومن صفصافةٍ‏

توزّعُ الظلالْ. .‏

يخرجُ من سحابةٍ‏

تهدرُ في الوديانْ‏

ومن غروبٍ يرفع الأذانْ‏

يخرجُ من لطافةِ العشّاقْ‏

من رقَّةِ الوداعِ..‏

أو‏

من فرحِ المشتَاق..‏

***‏

غيرَّ جلدَهُ‏

ووضع القناعَ فوقَ وجهِهِ‏

وبدّل القمصان‏

وعرفَ السُّلمَ ،‏

والمكتبَ،‏

والديوانْ‏

وقلم الحمرةِ ،‏

و" التايورَ "‏

والتسريحة القصيرة ْ‏

وعبَرَ الشوارع الكبيرةْ‏

وكانَ. . كلَّما. .‏

أوغَلَ في خروجِهِ‏

أوغَلَ. .‏

في النسيان. . چ‏

بدل الوقت الضّائع‏

يبحث عن مكانِهِ‏

يبحث عن زمانِهِ‏

يستقرىء اللحظةَ‏

والبُرهَةَ‏

والنُّقاطَ‏

والبنودْ‏

وكانَ ظنَّ أنَّهُ موجودْ‏

وحينَ صاحَ الدّيكْ‏

أنكَرَهُ الصّديقُ ،‏

والشريكْ‏

ولم يكنْ أكثرَ من سحابةٍ‏

ضاعتْ على الحدودْ‏

وجُملةٍ‏

أغفلها السَّاردُ ،‏

والمسْرودْ. .‏

***‏

كانَ لَهُ‏

أن يلعبَ النَّردَ‏

معَ البقّالْ‏

ويشتري " البوشارَ "‏

في الشارع‏

للعيال‏

وأنْ يجيبَ ،‏

كلَّما سأَلتهُ ،‏

عن حالِهِ الواقفِ :‏

" ماشي الحالْ "‏

***‏

كان لهُ الخيارُ :‏

أن يحترفَ الملاكمةْ‏

أو..يرفع الأثقالْ‏

وأن يزورَ بيتَ جدِّهِ‏

في آخرِ التّلالْ‏

***‏

كانَ لهُ‏

أنْ يألفَ المنادمَةْ‏

ويقرأَ " الزّير " ( 1)‏

و" ألف ليلةٍ وليلةٍ " (2)‏

ويسهَرَ الليلَ ،‏

على حكاية الشَّاطِرِ ،‏

والبطّالِ ،‏

والمحتالْ‏

***‏

كانَ لهُ‏

أنْ يكرهَ الصَّيفَ‏

أو الخريفْ‏

وأنْ يكونَ معجباً‏

بشكل " مادونا " (1)‏

ووجه عُمرِ الشريف (2)‏

***‏

كانَ لهُ‏

أنْ يأكلَ الجبنةَ ،‏

والزّيتونَ ،‏

في الفطورْ‏

وأن يزورَ ، في صباح العيدِ ،‏

ما شاءَ من القبورْ‏

وأن يقولَ :‏

سعُيكمْ مشكورْ‏

***‏

كانَ لهُ‏

أن يمتطي درّاجةَ الهواءْ‏

أو..يستقلَّ الحافلةْ‏

أو..يسكبَ الحليبَ في الإناءْ‏

كانَ لهُ..‏

أن يجمعَ الزُّهورْ‏

أو يكتبَ الأشعارَ بالفحمِ ،‏

أو الحبرِ‏

أو الطَّبشورْ‏

وأنْ يزيدَ نغماً‏

إن شاءَ. .‏

في الطّنبورْ‏

وأنْ يُحييّ السَّابلةْ‏

ويُظهرَ السرورْ‏

***‏

كانَ لهُ‏

أن لا يقولَ كلمةً‏

وأن يظلَّ صامتاً‏

منتظراً..أنْ يصلَ البريدْ‏

وأنْ يكونَ نُسخةً‏

عن كلّ واحدٍ‏

يذهبُ ،‏

أو يجيءُ‏

منْ " لندن "‏

أو " باريس "‏

أو " مدريد "‏

ولم يكن عليهِ‏

أن يرفعَ صوتهُ‏

بالشَّجبِ ، والتَّنديدْ‏

ولم يكن عليهِ‏

أن يُفسِّرَ البعيدَ‏

بالقريبِ‏

أو يُفسِّرَ القريبَ‏

بالبعيدْ‏

***‏

كانَ عليهِ أن يكونَ عاقلاً‏

وهادئاً‏

ككفَّتى ميزانْ‏

وأنْ يكونَ فطناً‏

يعرفُ أينَ ينبتُ الموزُ‏

وأينَ ينبتُ الرُّمَّانْ‏

وما الذي يهبُّ في الصَّحراءِ‏

أو يسبحُ في البحارِ‏

أو يسقطُ فوقَ السَّطحِ‏

أو ينزلُ في الشّطآنْ‏

وما الذي يُمكنُ أن يأكلهُ الخروفُ‏

حينَ تُعشبُ السفوحُ ،‏

والوديانْ‏

وماالذي يحفظُ شعر رأسِهِ‏

وما الذي يبيّضُ الأسنانْ‏

***‏

كانَ مُطالباً‏

بأنْ يحنَّ ،‏

كلَّما سافر ،‏

للرّبوعْ‏

ويُتقنَ الخروجَ (1)‏

والرُّجوعْ (2)‏

ويلزمَ الجناسَ، والمقابلةْ (3)‏

ويستجيبَ ،‏

كلَّما استجوبَ،‏

للمساءلةْ‏

***‏

ولم يكنْ عليهِ‏

أن يميِّزَ الغثَّ ،‏

من الثمينْ‏

ولم يكن عليهِ‏

أن يشغلَ يومَهُ‏

بالظنِّ،‏

والتَّخمينْ‏

ولم يكن عليهِ‏

إلاّ أن يقولَ ،‏

بعدَ كلَّ " عطسةٍ " :‏

" آمينْ "‏

ولم يكن عليهِ‏

أن يحمل همَّ الناس‏

في " قاشان " (1)‏

وما الذي يحدثُ‏

في أطراف " أصفهانْ " (2)‏

ولم يكن عليهِ‏

أن يسألَ‏

إن كانَ من الأحرارِ‏

أو كانَ‏

من الخصيان..‏

***‏

وأفلتَتْ من يدِهِ الأمورْ‏

ولم يعد يعرفُ في الساحةِ‏

ما يدورْ‏

ولم يعد يعرفُ في الشارعِ‏

ما يدورْ‏

ولم يعد يعرفُ‏

في غرفتِهِ‏

وفي سريرِ نومِهِ الوحيدِ‏

ما يدورْ‏

وحارَ ؛‏

هل يضحكُ ؟‏

أمْ يصمتُ ؟‏

أمْ يبكي على المغدورْ ؟‏

وهل يظلُّ واقفاً‏

ينتظر التَّيارَ‏

في عزلتِهِ‏

مثلَ عمودِ النّورْ ؟‏

وهل يكون جيّداً ؟‏

أن يشتري الخبزَ‏

منَ الفرنِ‏

أم التنّور ؟‏

***‏

كانَ يودُّ‏

لو يكونُ مثلَ غيرهِ‏

لو يستطيعُ أن يكونُ مثلَ غيرِهِ‏

يضحك ،‏

أو يسير‏

أو يجلس. .‏

مثلَ غيرِهِ‏

لو كانَ يستطيعُ‏

أن يلمعَ كالذَّهبْ‏

أو كانَ مثل غيرِهِ‏

مدوّراً ،‏

وجاهزاً للعرضِ ،‏

والطَّلبْ‏

أو كانَ مثلَ غيرِهِ‏

يسطيعُ أنْ يُقشِّرَ الكلام‏

ومثلما يُبدِّلُ القمصانَ‏

في خلوتِهِ‏

يُبدِّلُ الأقلامَ ،‏

والأعلامْ‏

***‏

الساعةُ الخمسونْ‏

الساعةُ الخمسونَ والدقيقة الخمسونْ‏

ولم يكن يعرفُ كيف - مثل غيرِهِ -‏

يستخدمُ الفرشاةَ ،‏

والمعجونْ‏

أو كيفَ-مثلَ غيرهِ-‏

يزيلُ كلَّ هاجسِ‏

بالماءِ ، والصّابونْ‏

الساعةُ الخمسون‏

والدقيقةُ الستون‏

الساعة الخمسونَ‏

والدقيقةُ السبعونْ..‏

***‏

ومرَّتِ الأيَّامُ‏

ثمَّ انقضتِ الشُّهورْ‏

و..مثلَ غيرِهِ‏

أدركَ كيف يستميلُ‏

عمَّهُ النَّاطورْ‏

ومثلَ غيرِهِ. .‏