البســـتـان - نصر الدين البحرة

مجموعة شعرية - منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أناشيد دمشقية ... في الغربة

-1-‏

كنتِ بالأمس‏

سيدة اللحظات،‏

والآن‏

أنت وحدك‏

أميرة الأمكنة‏

في الثلج الذي غمر كل شيء:‏

السهل والوادي‏

الجبل والأرصفة‏

وشعر الأطفال الشقر‏

وذرى الأشجار العالية‏

.. حيث أرى قلبك الأبيض‏

يتوهج وراء المسافات ...‏

مثل قمر ربيعيْ‏

*****‏

تمرّ بي الوجوه‏

مثل قطارات سريعة،‏

لاأريدها أن تقف.‏

تركض الأشياء‏

من حولي ،‏

كانها تدور‏

في دوامة صعبة‏

.. تكفهر الأمداء أمام عيني..‏

لا.. لأن السماء ملبدة بالغيوم‏

أو لأن الضباب‏

الذي هبط مع الصباح‏

حجب الأضواء والظلال،‏

... بل لأن وجهك‏

الواضح القسمات‏

لم يعد يشرق‏

في سمائي المسافرة‏

.. لأن عينيك الخضراوين‏

كبساتين الغوطة‏

أمستا بعيدتين‏

كأنهما نجمتان مهاجرتان،‏

****‏

الصوت لايصل‏

ولاالصدى‏

والجو ثقيل..‏

كأنه رصاص مسكوب‏

والأشجار عريانة..‏

كروح لم يدفئها الحب،‏

والطيور غادرت‏

إلى مواطن الدفء‏

وثمة قلب متعب‏

يتلفت بائساً‏

وقد افتقد دفقته الحارة.‏

-2-‏

"يكبر .. ينمو حبكِ‏

يجتاز البحر ويملأ رحب الأرضْ‏

تحتفل اللحظات بذكركِ‏

تنهلّ الكلمات‏

ويخصب هذا العمرْ‏

يابيدر ذاك الزمن الآتي‏

يأكل وعود الأرضْ..‏

ماأحلى النومَ‏

على هدبيكِ..‏

على ميلاد الصبحْ‏

.. هلّي ذكرى‏

ضيئي فجراً‏

أو كوني اللهب المحرقَ‏

يا حلم الكلماتْ ...‏

ها أشرق وجهكِ‏

في غابة هذا الثلجْ‏

هاأزهرَ‏

لوز العينين الأخضرْ‏

في وحشة .. هذا البستان المقفر."‏

-3-‏

أوقفت الزمن‏

على وقتكِ‏

عندك الشمس تشرق..‏

وعندي..‏

وراء جبال الجليد‏

وغابات الصقيع‏

يمعن الصبح في التواري‏

وراء الضباب والشفق‏

..ولكن وقت الحب‏

يعرف جيداً‏

كيف تغادر الساعات مداراتها‏

ليكون هناك،‏

زمان واحد...‏

وإذ تنهي الثواني‏

دورة صغيرة ..‏

على محيط الزمن..‏

تنتفض الدقيقة لتقول:‏

أحبك‏

وعندما تتراكم الدقائق‏

مثل أكداس الثلوج‏

يهبُّ القلب‏

وهو يغالب برودة الصقيع‏

ليعلن:‏

أحبك.‏

-4-‏

صرتِ أنت دمشق..‏

عصافير الشتاء‏

تهرب من البرد..‏

لتختبئ‏

بين أوراقك الدائمة الخضرة..‏

كل الطيور‏

هاجرت إليكِ‏

من هذا البلد البعيد‏

.. ورغم أن دخان المصانع‏

يلوث أنسام الصباح الباردة‏

خلف أكداس الجليد‏

في شوارع برلين العريضة الخاوية‏

فإن عطرك الناعم‏

كياسمين قاسيون‏

مازال يملأ صدري‏

ويمنحني القدرة على الصبر‏

***‏

.. أشربك‏

مع قهوة الصباح‏

في المقهى‏

الحافل بالغرباء‏

مثلما يفعل‏

أطفال الأحياء العتيقة‏

في هذه المدينة‏

التي احترفت الحب والحرب‏

حين يتجمعون ..‏

حول مدفأة البورصلان الكبيرة.‏

***‏

يذهب قطار‏

وتأتي حافلة،‏

يندف الثلج‏

ويتكسّر الصقيع‏

تشرق الشمس لحظة‏

ثم تغيب نهارات...‏

يخطف شاب قبلة‏

على الرصيف،‏

ويرتمي قلب‏

في عتمة المنعطف‏

يلقي طفل كرة ثلج‏

وترف عينا أمٍ.. كبرق‏

وأنا وحدي‏

احلم بعينين خضراوين..‏

وصدرٍ وسع كل أحلامي‏

-5-‏

"ياحبة هذا القلبْ‏

ياألق العمرِ‏

وسيدة الفرح الحاضر والآتي‏

إنّي ألقاك مع الفجرِ‏

في كل هبوب رياحْ‏

في كل مساءْ ...‏

إذ تزحف مسرعةً‏

نحوي العتمةْ‏

لتضيف إلى ليلي ظلمةْ‏

أنّي ألقاك مع السَحَرِ‏

إذ يغدو لون السحبِ‏

بلون رماد الأفئدة السوداءْ...‏

لكن سنا عينيك يضيءُ‏

فيمنح ذا الفجرَ بريقهْ‏

وتغني باسمكِ هذي الريحُ‏

الآتية من القطب أو الشرقِ‏

فتغدو عاصفة الثلج رفيقةْ‏

ويبدد عطركِ‏

حلكة هذا الغيم الداكنْ‏

في وحشة هذا الليلْ‏

وأراك بموكبك العلويّ‏

أميرة هذا القلبْ،‏

ياحبة هذا القلبْ."‏

-6-‏

تأكد الأمر الآن...‏

ليس جنوناً ولامرضاً‏

..إنه الحب‏

يقرع الأبواب‏

بكلتا يديه.‏

.. يطيب العيش‏

يحلو الصباح‏

يغدو مساكب مواعيد‏

تصبح لشعاع الشمس نكهة لذيذة ..‏

ترى العين الأجمل والأفضل،‏

تشتعل أغنية‏

تجرح القلب‏

ويغادر الأزرق‏

جدرانه المتقشرة‏

ليكون لونَ السماء والبحر.‏

ومع أن الأحمر...‏

يظل يروي حكايات الدم‏

لكنه يمسي لون الفجر‏

الذي لابد أن يأتي.‏

- 7 -‏

صوتكِ...‏

قمر الليالي الشاحبة‏

نشيد المسافات الطويلة،‏

وألق الشمس‏

في بيادر السحاب‏

لحن النهار الغارب‏

على شاطئ البحر..‏

طائر النار‏

والشفقُ الأبدي‏

-8-‏

يخيفني هذا الصباح‏

أحياناً.‏

كيف أمكن أن يتفجر‏

بكل هذا الضياء؟‏

من أين جاء‏

هذا البريق‏

الذي يبهر العيون؟‏

كيف يقدر القلب‏

ان يبحر‏

في منازل الشمس؟‏

وهل يقدر اليوم‏

أن يتجاوز ساعاته‏

الأربع والعشرين؟‏

وهل تستطيع الأرض أن تدور‏

أكثر من مرة واحدة‏

كل سنة؟‏

...مايخيف حقاً‏

ليس ذلك الصباح الباهر الضياء..‏

وحدَه الليلُ السرّيُّ‏

هو الأجدر بالخوف.‏

- 9 -‏

"ماذا لو أن الغربة قد طالت‏

لو أغلق هذا البحر الأبوابَ‏

فبتُّ بلا عينينْ‏

.. لو أن جبال الأرض ترامت من دوني‏

هل ثمة أقسى من هذا المنفى؟‏

.. لاصوتك يرسو في ميناء الليلْ‏

فيفكُّ الرصدَ‏

ويكسر أبواب الأحزانْ...‏

هل ثمة أقسى ...‏

من أن تنزف هذي الساعات السودُ‏

كأن اللحظة .. أكوام من صخرْ"‏

- 10 -‏

في الغوطة الشرقية‏

قرب الجسر‏

الذي نسفه ثائر منسي‏

شجرة حور‏

لم يرها أحد...‏

تصل جذورها‏

إلى مواطن الدفء الدائم..‏

ويرتفع جذعها‏

نحو أعلى نجمة‏

تراها العيون،‏

... هناك تكتب الظلال‏

أغنيات الأبد‏

وتنتقل على الغصون‏

طيور ..‏

جاءت من أعماق الكون‏

وتنبجس الينابيع...‏

شلالات من النور والنجوم ..‏

.. هناك .. فوق اللحاء الأخضر،‏

أبداً كعينيك..‏

كتبتُ اسمكِ‏

وجبلتُ دموعي وعرقي ودمي‏

وجعلت منها ازميلاً..‏

يستطيع أن يحفر اسمك‏

على أطراف السحب‏

وفوق غابات الفولاذ..‏

- 11 -‏

"يامالكةً سرّ اللحظاتْ‏

ياسيدة الزمن الآتي..‏

جيئيني في الحلمِ‏

.وصحوك حلمْ‏

جيئيني في اليقظةِ‏

يقظتك الأحلى..‏

رفّي أملاً‏

أو نور عيونْ‏

كوني ورداً‏

أو غصناً من زيتونْ ....‏

يملأ أيامي خضرةْ ...‏

ويؤمّلني الآن .. غداً‏

عمراً.. دهرا ...‏

ويبدد عتمة هذا الليلِ‏

فيمسي صبحاً مؤتلقا ..‏

فجرا....‏

ولقد أزف الميعاد بأن‏

يطلع هذا الفجرْ‏

هاأضواء الكون تطلّْ‏

هاعطر بساتين الشّام يهلّْ‏

ها وجهك يطلع أحلى‏

من قوس قزحْ‏

وتصوغ عصافير الصبح..‏

نشيد فرحْ.."‏

.... برلين 1981‏

???‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244