" ألواح مبعثرة من ملحمة السقوط " - عبد الرحمن عمار

مجموعة شعرية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

" اللوح لثاني"

قبسٌ من الأحزانِ مدّ ظلالَه‏

في عالِم النجوى‏

وطاف على الأزقِّةِ والبيوتْ‏

قبسٌ من الأحزان‏

مبدأُه المرارةُ في دمي‏

والمنتهى،‏

بعد انكسارِ الضوءِ..‏

بعد نوازلِ الأيامِ‏

ساحَ إلى دمي‏

وهناك يركنُ .. مايزالْ‏

ويدور ما بين الوجوهِ لهيبُهُ‏

فتهدّمت آياتُ أحلامِ البلادِ...‏

تهدّمت مابين أنيابِ الضواري‏

وارتمى وقعُ الهوانِ‏

على مواعيدِ الغمامْ،‏

مزقاً هي الأحلامُ صارَ وجيبُها‏

ومدائنُ الأحبابِ لوّثَها جنونُ النفطِ،‏

أعلنَ موتَها زحفُ الرقابِ‏

إلى معاقرةِ السلامْ.‏

يانفسُ هلّي في المدى‏

وتكلمي يا نفسُ...‏

فيضي في شرايين السهوبِ نداوةً،‏

إني، كما احترقَ الصدى،‏

ألفَيْتُ ذاكرتي‏

وإني في جنوح العاصفاتِ‏

أمدّ أرديةَ العناء مع السؤالْ:‏

من أين تبتديءُ الدموع رحيلَها..؟‏

من أين يبتديءُ الكلامْ...؟‏

من أين سيّدةَ الهوى،‏

أجتازُ نحوكِ غربةً‏

تمتدّ كالموتِ البطيءِ...؟‏

وكيف أُلقي في حنانِ الصدرِ‏

أسرارَ الفؤادِ،‏

وأغمض العينينِ من ولهٍ‏

وأرحل قارئاً كفَّ الأسى‏

في ذروةِ الشجرِ الغمامْ...؟‏

ففي النفسِ حاجاتٌ إليكِ كثيرةٌ‏

أرى الشرحَ فيها والحديثَ يطولُ(1)

فكيف إذا رُدْتِ الفؤاد صبابةً‏

وأصبحتِ نبضاً بالحنينِ يجولُ‏

سَرَيْتُ طويلاً في رباكِ مولّهاً‏

سرابُ الضحى للخائبين دليلُ‏

سلامٌ على الأحباب دمعاً ومقلةً‏

له في سكونِ العادياتِ حلول)‏

***‏

شجنٌ على شجنٍ تراكمَ‏

واستوى سفراً،‏

به الكلماتُ ناسُلةٌ على الأطلالِ‏

أتعبها الهيامْ‏

وحروفُها مخضرّةٌ في لوحِها الأزليِّ‏

هزّي يا حزانى الحيّ أغصانَ الشجرْ‏

حانتْ مواعيدُ الصلاةِ على الجراحْ‏

واستحضري الحلمَ الذي قد كان يحيا‏

في شرايين الأَنامْ‏

واستنبطي أَلَقَ الخطى‏

وأمشي بنورِ اللهِ‏

واغْتَسِلي بذاكرةِ المَطرْ‏

هذا هو الشجنُ المباركُ‏

يرتدي ما بين نازلة الدهورِ‏

طقوسَه حمماً‏

مزّينة بأعشابِ السماءِ‏

ويستوي سفراً‏

ويبتدئُ الكلامْ‏

****‏

والتّينِ‏

والزيتونِ‏

والبلدِ الأمينْ‏

وقبورِ أجدادي‏

سأرحلُ في جنونِ الشعر عشقاً‏

نحو وجهكِ والندى‏

وأجوبُ آقاقَ المهالك عنوةً‏

وأَرُودُ من قلبِ المفازةِ هولَها‏

وأظلُّ أعشقُ من رؤاكِ‏

ثمارَها‏

وعذابَها‏

وأمدُّ جسراً بين فاتحةِ المواجعِ‏

وانكسارِ الضوءِ في ألقِ العيونْ‏

أقسمتُ أن أبكي على قدميكِ‏

مبتهلاً‏

ولن أخشى على عنقي الهزيلِ‏

من الإبادةْ.‏

هل يملكُ الأحبابُ غيرَ دموعِهم‏

والقلبِ‏

والأملِ المسوّرِ بالشهادةْ...!!؟‏

أقسمتُ أن أطوي الفيافي‏

باحثاً عن ظلّكِ المشطورِ‏

في سرِّ الخرائطِ‏

باحثاً عن أبجديّات الركوع‏

من المحيط إلى الخليج‏

إلى مشارف قاسيونْ‏

وأنا أجولُ ،‏

وأحتمي بالصمتِ والترحالِ،‏

أحملُ في عشيّاتي قواميسَ العبادةْ‏

وأقول:‏

يا بلدَ الأسى،‏

من أيِّ ناحية أراكَ..‏

أراكَ في جوعِ العصورِ طريدةً،‏

تمتدُّ نحو عناقها كلُّ المخالب..‏

كل مَن سالتْ رغائبُهُ‏

وشطّ لعابهُ ، طرباً،‏

على إِطلالةِ الشرفاتِ‏

واحتلّتْ دياجيه العيونْ.‏

هذا هو البلدُ الذي‏

ماعاشَ من ألفٍ من الأعوامِ‏

إلا في صديدِ جراحهِ‏

وجراحُهُ تنسالُ في ليلِ العتابا‏

وردةً‏

تلهو بها الشهواتُ صاخبةً‏

وتحفرُ قبرَها المجهولَ وشماً‏

في قلوبِ الخائفينْ.‏

هذا هو البلدُ الذي‏

يلتمُّ في كفنٍ‏

تـُرى هل تسترُ الأكفانُ عريَكَ...!؟‏

أم تـُرى،‏

هل تستعيدُ الأرضُ وهجَ شبابها.‏

والصدرُ يلقى حلمَه المفقودَ..!!؟‏

هم جعلوكَ مسلوبَ الأماني‏

يستميل القبرُ هيكلكَ المهدّم‏

والدبيبُ رجاؤك المنخورُ‏

في زمن الأنينْ‏

ها هم سوادُ الناسِ‏

ينتسبون في شغفٍ إليكَ‏

أوان يبتديءُ الكسوفُ سبيلَهُ‏

بين الفجيعةِ والجنونْ،‏

وأوان - ياصيفَ العذابِ-‏

يمدّ تنّينُ الجحيمِ لسانَهُ‏

وتـُزلزَلُ الصحراءُ زلزلةً،‏

تدكُّ رمالَها ونخيلَها‏

فتفرُّ من هولِ الحكايا)،‏

في براري الموتِ،‏

عن أولادِها الأمُّ الحنونْ.‏

ها هم سوادُ الناسِ‏

ينتسبون في شغفٍ إليكَ‏

أوان ترتادُ الرماحُ جماجمَ الموتى‏

وتشرعُ بالصليلِ‏

وترتوي أشداقُها.‏

من غيرِأن تروي الرؤوس غليلَها‏

في ساحةِ الوطنِ الملوّثةِ الجبينْ.‏

هاهم سوادُ الناسِ‏

ينتسبون في شغفٍ إليكَ‏

أوان تبتهجُ القصورُ‏

وتحرقُ الكافورَ في صخبٍ‏

وتجتمعُ العوالمُ كلُّها،‏

أمراؤها‏

وكلابُها‏

والقاتلونْ‏

وأبو رغالٍ(2) يستردّ ضلالَه‏

ويصيرُ مطواعاً‏

كخاتمِ ساحرٍ في أصبعٍ‏

يهدي الفرنجةَ في أراضي اللهِ‏

والبلدِ الأمين‏

(1) - البيت لشاعر عذري.‏

(2) - عندما توجه أبرهة الحبشي لغزو مكة، تطوّع أبو رغال ليكون دليلاً له في الطريق، ولما مات بين مكة والطائف، ودفُن هناك، صار الناس يرجمون قبره، وفي ذلك يقول الشاعر:‏

وأرجم قَبرَه في كلِ عامٍ كرجمِ الناسِ قَبرَ أبيِ رغالِ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244