" ألواح مبعثرة من ملحمة السقوط " - عبد الرحمن عمار

مجموعة شعرية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

" اللوح لخامس"

النفطُ ينهضُ من عميقِ الأرضِ‏

فوّاراً‏

يحاكي الصمتَ في ليلِ الخليجْ‏

ويهلُّ في الصحراءِ أغنيةً مجنحةً..‏

هديلَ يمامةٍ بيضاءَ.‏

يبعثُ في مدى الآفاقِ‏

رائحةَ الأريجْ‏

وتدور في الأذاهانِ عذبُ مشاعرٍ‏

تلدُ الأماني الغافياتِ‏

وتنثني نحو العيونِ الواجفاتِ‏

وشوقِها الصافي الحنونِ.‏

" تبارك الرحمن..‏

مانسي العبادَ‏

فجودُهُ يمشي إلى راحاتنا "‏

قالت جياعُ الأرضِ‏

وانتظرتْ‏

تلوّن في أماسيها‏

حكايات السنابل والنضوجْ‏

***‏

النفطُ ينهض غارساً راياته‏

فيضاً من الأسرارِ‏

عند مفارقِ الطرقاتِ.‏

فاستهوتْ منابتُها خطى الغرباءِ.‏

قرشُ البحرِ تستهويِهِ‏

رائحةُ الدمِ المسفوحِ‏

من بُعدٍ بعيدٍ‏

دون أن يدري مكاناً للفريسةِ‏

لا يضلُّ طريقَهُ أبداً‏

كذاك النفطُ ينهُض‏

ثم تختلطُ الشعوبُ بخيرها وشرورها‏

وتمدُّ اسبابَ الغوايةِ‏

صوبَ كثبانِ الرمالِ‏

وتزرع الأشواكَ في عمقِ الصدورِ‏

وتعتلي الصهواتِ آمرةً.‏

ولم تغفلْ أياديها اللعوبةُ‏

عن مفاتيحِ الخزائنِ والدروجْ‏

وتجرُّ ناصيةَ الزمانِ‏

مع المكانِ وأهلهِ،‏

فتصير سنبلةُ الجياع‏

بوعدِها الميمونِ مبهمةَ الخطوطْ‏

وألو الأوامرِ في بلادِ اللهِ‏

والنفطِ المعتّقِ‏

يقتنون لذائذَ الدنيا بلا شبعٍ‏

ويسترخون كالجَيفِ الطريحةِ‏

بين أروقة الملاهي‏

والبروجْ.‏

ينسون مسألةَ البلاد‏

وصوتَها الذاوي‏

وأسماءَ الأماكن‏

والجدودِ‏

ووعدِهها الآتي،‏

ولا يدرون من أمرِ الحياةِ‏

سواكَ يارفعَ السياطِ وهزَّها‏

وسوى منادمةِ العواهرِ‏

والغطيطْ.‏

وتروحُ سنبلةُ الجياعِ‏

تلوبُ..‏

تسأل عن مراسيلِ الهوى‏

من غير أن تلقى سوى خيباتِها.‏

والنفطُ من جهةٍ‏

يصيرُ منابعَ الأهوالِ‏

يدلقُ نارَه سيلاً جحيمياً‏

ويهدرُ جارفاً طوالَ البلادِ‏

وعرضَها.‏

ويصير من جهةٍ‏

كما النهرُ الوديعُ‏

يصبُ في سفنِ البحارِ‏

وينتهي عِقداً شهيَّ اللونِ‏

تلبسُهُ المدائنُ حول أطرافِ المحيطْ‏

***‏

" ياسامعين الصوت"(1)

حمّلني الشراعُ سلامَه‏

وحنينَهُ‏

وتلا بصمتٍ قلبُهُ المحزونُ‏

فاتحةَ السورْ‏

وأوان حرّكتِ الدموعُ شغافهُ،‏

انطلقَ الشراعُ مهاجراً كالطيفِ‏

يرسمُ ما تخبئُهُ عوادي الدهرِ‏

في ليلِ القدرْ‏

فَرأَتْ عيوني‏

في الغدِ الآتي القمرْ‏

ينشقُّ في عليائِهِ،‏

نصفٌ يحاكي عارَه الأبديَّ‏

منطفئاً،‏

ونصفٌ صار شاهدة‏

على طللِ القبورِ‏

وفي لهيبِ النارِ يحترق المطرْ‏

سفرٌ .. سفرْ‏

حطَّ الغرابُ على الطريقِ‏

إلى هَجَرْ‏

"ياسامعين الصوت"‏

هل يمشي على الارض الشجْر..!؟‏

لا ترمقوني هكذا‏

ما جنّ صاحبُكم‏

ولا أغوتْهُ ساحرةٌ‏

ولا صوتي صدى لغوٍ‏

ولكني أرى شجراً‏

يسيرُ إلى البلادِ(2)

فصَدّقوني‏

وأرى غرابَ البينِ‏

يبحثُ في دياجيرِ الليالي‏

عن عيوني‏

وبقيتُ التمسُ الرجاءَ‏

لعلّني..‏

ولعلَّهم‏

لكنهم ، ياديرتي، ما صدقوني‏

ومضوا إلى حيث الغوايةُ‏

ترتدي عُرْيَ الفتونِ‏

وتُركتُ منبوذاً‏

ومن أرقي على أغصان داليتي‏

تحرّقني شَجونَيْ‏

" ياديرتي مالِكْ علينا لومْ(3) "‏

لومِكْ على من سامَر الأفعى‏

وأسلمَها مفاتيح الدخولِ‏

إلى يقيني‏

وأجازَ أن تضعَ البيوضَ‏

على فراشي‏

ثم تلعقَ من صحوني‏

وأنا المعلّقُ بالحبالِ‏

على الرمالِ‏

أمدُّ من جَزَعٍ لساني صارخاً‏

إبّان تنقصفُ السهامُ‏

على جبيني‏

فاجتازَ من عمقِ الدهورِ‏

هتاف أفئدةٍ‏

تراءت عند ذاكرتي‏

فعانقها حنيني‏

وعلا الحنينُ‏

وفاضَ منبعُهُ‏

وشكلَّ جدولاً يجري‏

ويغسلُ باللهيب طِريقه الموصودَ‏

من زمنٍ‏

ويصنع من رمادِ الموتِ‏

ملحمةً‏

فطوبى للذي يسِعى‏

إلى نفضِ الغبارِ عن الصدورْ‏

طوبى لمن يمضي‏

يعمّرُ حلمَه‏

في خفقِ أجنحةِ الصقورْ‏

طوبى لمن هزّتْ مطارقُه‏

جدارِ الليلِ‏

فاختلجتْ خيوطُ الفجرِ‏

فوق الراحتينْ‏

طوبى لكلِ حكايةٍ تُروى‏

وينقلها إلى الأسماعِ‏

نخلُ الرافدينْ‏

(1) عبارة تراثية شعبية.‏

(2) إشارة إلى اسطورة زرقاء اليمامة‏

(3) - مطلع أغنية لأسمهان.‏

- إشارة إلى بيت الشاعر عبد يغوث الحارثي قبيل أن يُقتل:‏

أقول وقد شدّوا لساني بنسعةٍ معاشرَتَيْمٍ أطلقوا من لسانيا‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244