" ألواح مبعثرة من ملحمة السقوط " - عبد الرحمن عمار

مجموعة شعرية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

" اللوح العاشر"

جنحتْ بك النجوى‏

إلى مرِّ البكاءِ..‏

توزّعتكَ شواطيءٌ‏

واستوطنتكَ زخارفُ الكلماتِ‏

يا وجهاً تضيعُ صفاتُهُ‏

عبثاً على دربٍ بلا هدفٍ.‏

وقد كانت فصولُ الأمسِ‏

في رؤياكَ مورقةً‏

تحمّلُ قادمَ الأيامِ‏

إيقاعاً جديداً.‏

ها أنتَ مبتدأُ النهايةِ‏

في جحيمِ الموتِ‏

مصلوبٌ على حطبٍ تجمعَّ.‏

فارتمتْ في النارِ قامتُكَ الظليلةُ‏

واستحالتْ في مجامِرها‏

قديدا.‏

ها أنت غرَّبكَ الغريبُ‏

عن الديار‏

وكنتَ قبل اليوم في أفاقِها‏

قمراً وليداً.‏

ها أنت غرّبَكَ الغريبُ،‏

وطاردتكَ ذئابُهُ‏

فوجدتَ نفسكَ‏

في مراجيح الصدى متصدّعاً‏

متهدّماً‏

متجرّداً من صحبةِ الأحبابِ‏

تغرز ناعباتُ الطيرِ‏

في دمك الشرودا.‏

ياما رستْ عيناكَ‏

في صدفِ العيونِ‏

ورحتَ تبحثُ في مرايا السائلينَ‏

عن الأنينِ‏

وعن لهاثِ البحرِ‏

والصحراءِ‏

والعظمِ الرميمِ.‏

فما تقولُ إذا رماكَ العشقُ‏

في محرابِهِ وعداً شهيداً..!؟‏

الصمتُ قاموسٌ‏

له لغةٌ مكبّلةٌ على شفتيكَ‏

والعجلاتُ دارتْ‏

ثم مرّتْ فوق وجهِكَ‏

والمدى غسقٌ‏

فقلْ لي من خلالِ الصمتِ،‏

هل من بقعةٍ بيضاءَ‏

أو خضراءَ‏

أو حمراءَ‏

تستهويكَ عبرَ دبيبِها الضوئيِّ...؟‏

قل لي:‏

كيف ينحسرُ الزمانُ‏

عن المكان...!؟‏

وكيف ينسجُ ذلك التنين‏

من جلدِ الخراف له برودا...!؟.‏

الصمتُ قاموسٌ على شفتيكَ‏

ثمةَ‏

دمعةٌ تحبو‏

وتحرقُ عند مجراها الخدودا.‏

ها أنتَ في أنواءِ رحلتكَ‏

الثريّةِ بالأسى‏

" جلجامشٌ"‏

دارتْ بك الأقدارُ‏

وانقلبتْ بكَ الأحوالُ‏

مات رفيقُ دربِكَ‏

تهتَ في مسراكَ‏

أو بلواكَ،‏

والأفعى وراءكَ‏

يستبيح لسانُها عشبَ الحياةِ‏

وأنتَ في يتمٍ‏

وفي سفرٍ‏

وفي ليلٍ من الأهوالِ‏

تفقدُ كلَّ شيءٍ..‏

تفقد الإبصارَ‏

والطرقاتِ‏

والأملِ المجنّحَ‏

والخلودا.‏

دمُكَ السبيلُ إلى الركوعِ‏

وشمسكَ أنطفأتْ بأيدينا‏

وصدرُكَ في سُباتِ الشرق‏

مقبرٌة‏

تَوسَّع قاعُها‏

وامتدَّ‏

فارتفعتْ على دمِنا البيارقُ‏

واستكانتْ في فضاءِ الروحِ‏

سودا‏

***‏

هذي معاولنا،‏

تُهيلُ على الأماني‏

التربَ‏

قرباناً " لآلهة الرضى"‏

وتجيءُ‏

ثم تروح أرتالُ البوارجِ‏

والسفائنُ‏

عند ناصيةِ النهارِ...‏

تروح تشحنُ ما تبقّى‏

من خلاياكَ الأسيرة،‏

والعيونُ بصيرةٌ‏

وقصائدُ الشعراءِ تعلنُ صمتَها‏

أو تطرقُ الأبوابَ شاديةً‏

وسائلةً.‏

سلاماً أيها الوطنُ‏

الذي احترقتْ مدامعُهُ‏

دهوراً‏

والذي عانى‏

وكم عانى،‏

أتدري أيها الوطنُ المعلّق‏

بالمشانقِ‏

كيف أصبحتِ الشرايينُ النضيرةُ‏

والغصونُ المورقاتُ‏

وزهرُها المنثورُ‏

للأيدي قيودا...!؟‏

***‏

أسرت بكَ الأحزانُ‏

عبر دجى القرونِ الماضياتِ‏

الآتياتِ‏

إلى مضاربِ أمةٍ‏

أَلِفَتْ خريفَ حياتها‏

دهراً مديدا‏

واستعذبتْ سحرَ الوصولِ‏

إلى ربيعِ الذلِّ عاريةً‏

ولاهيةً على وجعِ الثرى،‏

فمشتْ على حرماتها أمم‏

وعاثتْ في جوانبها‏

وعاثتْ‏

ثم عاثتْ‏

لا تُردُّ لها سهامٌ‏

أو يباتُ لها قرارٌ.‏

والعواصمُ..‏

أطبقتْ فمها العواصمُ‏

عندما نالت مفاتيح الأمان سلالةٌ‏

جعلتْ تضاريسَ البلادِ،‏

سهولَها وجبالَها‏

عرشاً وأوسمةً‏

وحطّتْ بين كفَيْها معادلةً‏

تهونُ رموزُها،‏

فهناك أغلالٌ وأنيابٌ‏

تمزّق في محافلِها النهودا‏

وهناك طاولةٌ ومائدةٌ‏

وشعبٌ قد طوى شفةً‏

على شفةً‏

يدوم لكي تكون رقابةُ‏

تحت النعالِ مباحةً‏

يحيا ،‏

كما يحيا صدى الموالِ‏

خلف هوامشِ الدنيا‏

ويحفرُ كلَّ يومٍ في مفازتِهِ‏

لأنفسِهِ المحارقَ واللحودا‏

هي حشرجاتُ الموتِ‏

تأتيه دراكاً،‏

طلقةٌ في الصدرِ تلهو‏

ثم تأتي طلقةٌ في الظهرِ‏

مبهمةً‏

ويمشي موكبُ الطلقاتِ‏

في وسط الجنازةِ‏

مُقْفَلَ القسماتِ‏

يحمل في اليد اليمنى عناوينَ الزنادِ‏

وفي اليدِ اليسرى‏

تعابيرَ الحزانى والورودا.‏

***‏

هذي فلسطين التي كتبتْ‏

على رملِ الصحارى‏

أو على زبدِ البحارِ نداءَها.‏

والليلُ مسكونٌ بصورتهِ‏

ومرهونٌ لارصفةٍ مهرّأةٍ‏

وسكينٍ مثلّمةٍ‏

وأوراقٍ ممزّقةٍ،‏

وريحُ الخوفِ تعبثُ في البقايا‏

ثم ترسمُ عند كلِّ هُنيهةٍ ..‏

في كلِّ منعطفٍ عماءً سرمدياً‏

أو وعيدا.‏

هذي فلسطينُ التي انطفأ اللهيبُ‏

أمامَ غربَتِها‏

وأصبحَ في مشاعرِنا جليدا‏

وتحوّلتْ في موطنِ الأسرارِ‏

أو في روضةِ السمّارِ حانوتاً‏

نبيعُ ونشتري فيه الدمَ العربيَّ‏

أسماءَ الأماكنِ‏

والملامحِ‏

والحدودا‏

***‏

للحلمِ زنبقةٌ بلا حوضٍ ولا ماءٍ‏

فكيف تعيشُ زنبقةٌ،‏

وهذا الحلمُ من دَرَكٍ‏

إلى دَرَكٍ‏

يسير محطّماً‏

ويهيم في غده طريدا‏

ونظلُّ نحن،‏

كما يشاء الآخرونَ‏

نسير...‏

نتبعُ ظلّ ذاك الحلمِ‏

في أعماقِ دائرةٍ‏

تدور بلا جهاتٍ‏

والجنونُ جحيمنا التالي‏

وفي الأرجاءِ متّسعٌ لأغنيةٍ‏

يرافقُ نَوْحَها كفنٌ‏

ووجدانٌ‏

وذاكرةٌ‏

ونكتب نارَها وشماً‏

وملحمةً‏

على ورقِ السقوطِ.‏

لقد تخلّى سيفُنا عنّا‏

تجرّدَ حلمُنا منا..‏

انطوى،‏

لم يبق في يدنا سلاحٌ‏

غيرَ أن نمشي على رأسٍ‏

موجهةٍ بحاسوبٍ‏

ونمحي من هويتنا الهويةَ‏

راكعين أمام " آلهةِ الرضى"‏

عرباً - يهودا‏

دمشق - القصير‏

1995-1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244