قصـة فـنان - ابراهيم كبة

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

جــنكـزخـان(1)

ديباجة‏

آه،ما أقسى الجدار‏

عندما ينهض في وجه الشروق‏

ربما ننفق كل العمر..كي ننقب ثغرة‏

ليمرّ النور للاجيال...مرّة‏

- أمـل دنـقل -‏

صحا على همّ جسيم.آلمه أشدّ ايلام.همّ يكاد يشبه خزى عريان طوّقته أغلال الهم.وبترت صلاته مع مملكة الأحياء.ثمّ بترت أيضا ايلافه للاشياء.تساءل في عجب:أين أصداء الأناشيد.ونشوة الغناء.ولم أهيم بلا مدار.وأين بشاشة الأمس وفتنة الذكرى.وهل أزفت ساعة الخلاص أم حانت ساعة القصاص.لاشئ يؤنسه الاّ خطرات الخيال.قال لنفسه:انّ ديكارت لاه وانّ المعرّى ساه.وقد نقش الفكر غضونا على أساريرى.وشاب شعرى.ثّم شفّ جهادى واجتهادى عن خواء وبلاء.واخجلتاه.آلمته خيبة مسعاه.وتبرّم من بلادته. بهرته سطوة الخمرة.وتردّد الى خمارة ميس الرّيم) حيث اعتلى أجنحة الخيال حتى قهقه لسانه وذرفت عيناه دما وعلقما.كيف يفرز المرض والأدواء جمالاً ورواء.لقد قال النبيّ:ايّاكم وخضراء الدّمن ولكنك تتشوّف.وتختلس نظرة تلو نظرة الى حسن زائل.وفي الأعماق نشوة حقا بيد انها نشوة الخمر.نازعه المكان في الحافلة شاب متين البنيان. له رأس ملاكم وأنفه.. انقض عليه. تبودلت لكمات عنيفة.طرحه على الأرض.تعالى لهاثه وسبابه.هتف دون أن يطرف جفنه:‏

-أيها الأخابث.انها خاتمة ضلالكم‏

الليل ساج والقمر ينّث اشعاعه اللازوردى على الأشياء.والأشباح هائمة في عماء الظلمة.وللصمت أزيز.غمز نجم ناء.ثمّة عكارة تكدّر ألق الأنجم وصفاء الليل.وهباء سابح في هواء راكد ثقيل.في ظلال الأشجار وأعمدة النور حياة خرساء.والظلمة عين دعجاء هائلة تثير قشعريرة في أوصاله ووجلا في نفسه.غاص في عتمة الطريق ندّت من أعماق الصمت والظلمة حشرجة كالقهقهة.ارتاع وتحفّز.أوهن الجزع ساقيه.سمع صليل الأسلحة ورأى الجياد والفرسان.صرخ بلا وعي:‏

-غارة...غارة!‏

عربد الفزع في أعماقه.أسلم ساقيه للريح.جرى حتى بدا له طيف شرطي فاره الجثمان.دنا منه لاهثا.ربت على منكبه.انبرى له. هاله مرآه.ودبّ في نفسه دبيب اليأس والهلع.كأنةٍ تترى.في عينيه نداء للموت.شهر مسدسه بغتة وأطلق نيرانه تتري.نزف جرحه بلا ألم.سحقه اليأس.استدار على أعقابه وجرى.سال دم قان أيضا من عينيه.نهبت قدماه الطريق والزمن.ذرى الأشجار أسنّة تخزه وخزا أليما.والظلال أشباح تتعقبه.أوراق أشجار الخريف تتهاوى مثل آماله.تلظّى في أتون هائج.لاح له القمر وسناه كعنكبوت ضخم.هوى الى حضيض اليأس وعتمة الظلماء.تماوجت أنغام صاخبة طوقته كأنشوطة.غاص في الطريق وغاص الألم في أعماقه.ضلّ طريقه الى منزله.عزفت ريح الخريف.ناء القمر.طفر خفّاش من قلب الظلمة هام في الفضاء.تفاداه.‏

تلألأت أنجم نائية في سماء عاتمة.لعله حلم أو كابوس.ولكن ما أدراه انّ اليقظة أضغاث أحلام.تاق الى ساعة صفاء وجمام.هذه وليمة للضباع والعقبان‏

جنكز هل يحيا‏

جنكز في بغداد (2)

خضّبت حمرة الفجر خطّ الأفق.وشابته سحائب دكناء.نبض قرص الشمس سال عرقه غزيرا.واصفّر وجهه.ألفى نفسه في مقبرة المدينة.جال بين الأجداث.تلا أسماء الموتى.جنكز خان الأول .جنكز خان الثالث.جنكز خان الثالث عشر.أصغى الى الأنين والآهات.شهد قيامة الموتى من رحم الأرض.تجمّعت العظام والتأمت أشلاء.دبّ عنكبوت ضخم على الثرى وتوارى تحت صخرة صغيرة.تعقبته هياكل وعظام الموتى.اشمأز وذعر.جرى حتى احتبس نفسه.تمثّلت له من أمامه ومن خلفه وعلى جنبيه.ألحاظها ترمقه كالأسل.تعثّر وكبا على وجهه.صرخ بلا صوت:‏

-ياالهي،رحماك‏

اختلج جسمه وتشنّج.انجاب غبش الفجر.طوى الظلام أشباح الليل.أغفى تحت شاهد قبر.نفث النهارلظى يوم قائط.أطبق طبيب الأعين على عنقه قائلا:‏

-حتّام تفر.انها النهاية أيها اللعين‏

طفر قرص الشمس من خلف حافة الأفق.قهقه.بينما غاصت الابتسامة على وجه طبيب الأعين.قال له:‏

1- قصيدة رؤية في عام 1956) - للسياب‏

-انّي أراه منذ آلاف السنين‏

-لا جدوى،عبث وقبض ريح‏

-لن تستطع استلال سرّ الحياة‏

-أستطيع اعادة النّور الى أعين ضرير‏

-الخيلاء يتمخّض ويلد مأساتك‏

-انّك أبله‏

-أنت أبله‏

اخضلّ النبات.ونضحت أغصان الصنوبر قطر الندى.والجثام لا يبرح...‏

امرأته كريح الشمال.لاتهابه ولا تخشاه.ولا تكاد تصمت الاّقليلا، الحلم،آه.امتزجت فظاعته مع مرارة الحياة.المتعة ممتعة حقّا حين تختلس اختلاسا.بثّ أحزانه وأشجانه للأفلاك والكواكب.اعتراه سقام.انها لا تصيخ لأنينه ولا تلين ولا تعطف على شكاة ضارعة.لم تعد تعبأ به.سرعان ما تلاشى اللين واللطف والرّقة .وشكا من فظاظة وجلافة في مسلكها حياله.حياته غدت مأتما.جاهد الطغيان ثم استكان له.في المنام شهرت عليه مدية ذات نصل حاد.استحالت الى لبؤة.صرخ يائسا:‏

-واغوثاه‏

ذكرى الحب والهيام أيضا تلاشت.ومحا نداء الدم قبس الحنان وخفقان الأفئدة.‏

-رحماك‏

لاشك أنها سكرة هذيان.وأنّ جنّة الهوى هي جنّة الهوى وشعاع الأمل لابد أن ينبثق من غسق داج.ولعل أنين اليوم أغاريد الغد.وحين تصيخ الى أنغام الكون والأفلاك تعلو شعاعا ساريا الى علياء الهمس والأنفاس والأفكار والأخيلة والأريج.وتسمو من عالم الشلل والعبث الأسود.آه.أنّى لي جناح طائر أو خيال حالم.أرقى به الى جنّة الأزهار والأنهار.الى دنيا سكرى من شذا الحب وعبق الأنسام.بوران أيضا أحبولة.فقأت عينه,حين هصر نهدا بوران.تثنّت وتأوّهت.حب لا شدو في أفيائه.تناثرت طمأنينته أشتاتا.ضلّ في فلاة الجفاء ولهه أغرودة.ووله بوران حقد أعمى.انها سلالة غربان التاريخ.‏

-أين أعتصم؟وكيف أعتصم؟‏

-مت على سنن أسلافك‏

-حسن.اضربي عنقي‏

غزل بوران اغواء بل غواية.وهيامه وغرامه حماقة وبلاهة.سحرته رهافة وجاذبية بوران.وهوى الى حضيض الحسّ وهي توهمه أنّه في أوج سعادته.تولته رغبة عارمة في مقاومة انحطاطه.ناشدته أن يؤوب.لكن انهماكه في ترميم شرخ النفس ردعه.انها تحيا حين يموت.كديدان الجثّة.طاش وعيه وصوابه حين أدرك أنه ثور يحمل الأرض على قرنيه.انّه الآن كائن بلا بصمة ولا أثر.في عطفة من عطفات طريقه الى المسجد عابثته عينا بوران.عينان زرقاوان تنبضان فتنة واثارة.وتنفثان شعاعا نورانيا خلابا.انتزعته من حياة الرهبانية.هجر صلاة الفجر.تردّى في أعماق الشقاء.لعلّ مأساته دعابة.لاريب أنّ امرأته أفعى.بيد أن بوران أفعى رقطاء.تراءت في غلالة حمراء شفافة.بدت كأنها عارية.انها شيطان في اهاب ملاك.عند انبلاج الفجر.أدار رأسه بخار الشمبانيا.صدر نافر وبشرة بيضاء ونحر عاجي وقوام لدن وصوت شجي.‏

-بوران.آه.انّ الأرض تدور حقا‏

-الحب ليس امتصاصا.انّه أريحية‏

قالت له:‏

-أنت قن‏

وقالت أيضا:‏

-وأنت حيوان‏

واستطردت:‏

-لاتظن انّك عبقرى،أنت ثمل فقط‏

هل هذه ثرثرة حمقاء أم حكمة صائبة‏

-بيننا هوّة عميقة‏

-هذا لبّ الحقيقة‏

-بوران.لدينا الارادة‏

-انها وهم.أنت آلة صمّاء‏

-اذا كنت حقا آلة صمّاء‏

-اذا كنت حقا آلة صمّاء،فما معنى هذه الآلام‏

التهمتها نظراته والتهمت هي حيويته.عندئذ أدرك أنّ الأحجار الكريمة أحجار.كيف نترجم صوت الالهام الى لغة.انّ الحياة ليل شتاء بارد.وأنت ملاك بلا روح وشيطان بلا أنياب.‏

عرف أنّ بوران بلا عائل وأنها لا تزاول أىّ عمل. بل تنفق على نفسها من ايجار بعض الحوانيت. وعمارة صغيرة تأتلف من ثلاثة أدوار.‏

-نحن عفن يا بوران والأثير صفاؤنا‏

أجابت:‏

-الأثير أيضا عفن‏

ياللطافة‏

.........‏

شهريار طاغية.وقصته مأساة‏

طريقه وعرة وشائكة.ادلهمّ المساء.ينبغي أن أقاوم الحمّى.وجم حين انفجرت قهقهة شيطانية.شعره أشعث أغبر.وعظام وجهه ناتئة.وصدغاه غائران.خيّم سكون عميق على المكان.عكّرت السكون نحنحة وحفيف ثوب.لجأ الى الشيخ تاج الدين.قال له الشيخ بعد امعان في الصمت:‏

-لاشفاء بلا مال.أنت في ريعان الشباب وعنفوانه‏

أيها اللص.هذه شعوذة‏

-أنت الآن في مملكة الحكمة الكبرى‏

-الألم مبرح‏

-نحن أداة السماء‏

-الى متى يدوم العبث‏

ثم أردف:‏

-ومتى يزول الاعتلال‏

رئيس شركة الخضار اله ونحن نسعى في ملكوته‏

هذه غارة بلا أدنى ريب.قالت له بوران:‏

بيننا لجج‏

وقالت له زوجته:‏

بيننا لجّة‏

جعلت ترقص وتتلوى وتغريه حتى جاشت أهواؤه‏

-نحن أطباء الأرواح والأنفس.لاتقلق‏

واستطرد قائلا:‏

-انّه الشيطان‏

نفض جيبه لديه.هذه خديعة وأكذوبة‏

خامرته ريبة.تلاشى يقينه.تملكّه احساس قاتم أنه في كهف عاتم. تناهى زئير حيوان.الحمّى مثل لسان لهب. أنظار الشيخ ولحيته وغرابة منظره تثير الرعب في قلبه.خارت عزيمته.سعى بلا جدوى الى التجلّد.نظراته تخزه بلا هوادة.اضمحلّت طمأنينته.‏

-تقترف الشروتروم النجاة‏

-الويل لي‏

-الويل لك‏

الأخطار تحفّ به، وثمّة قوى غامضة تجذبه الى أعماق هاوية.انّه راهب بين أهل الرذائل والآثام.ماسرّ سخط الشيخ عليه اذن‏

-أنت هائب‏

هاجمه ثعبان هائل.فغرفاه.صرخ بلا وعي.شلّه هول المنظر الليل جاثم مثل كابوس.تروم معجزة.بقاؤك معجزة. انقبض صدره من رائحة قمامة.غام محيّاه.تبادلا نظرات استياء.خفض بصره.قالت له بوران:‏

-صه.يامريض الزهرى‏

استولت عليه كآبة.رئيس شركة الخضار أحال العمال الى عبيد وأقنان. بثَّ شحناء وأهاج سخائم وبلبل صف. طفق يغيظه ويتحداه. لبث لا يحير.تهدّل شاربه ونما.‏

- 20/11/991 -‏

(1) نشرت في مجلة الموقف الأدبي ) - تموز 1993 السنة الثالثة والعشرون العدد 267.‏

(2) قصيدة رؤية ) في عام 1956 للسياب .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244