|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
(5)- مسألة " الشقة "! مر أكثر من ثلاثة أشهر منذ أن بدأت إقامتي الجديدة بدمشق ،.. كان من المفروض - عندما وصلت المطار - أن أذهب مباشرة داخل سيارة إسعاف الى مستشفى / المواساة / لأن حالتي الذاكرية كانت متدهورة الى حد التوهان ..ولكن صديقي محمود - سامحه الله - أخذني مباشرة الى فندق / الفراديس /.. لقد تصور صديقي ، أن ذاكرتي التي تخلخلت منذ ثلاثين سنة يمكن أن تعود ببساطة الى حيويتها المعهودة بمجرد أن اشرب من ماء / الفيجة /، واتنفس هواء حديقة / السبكي / واتمتع بمشاهدة شموخ / قاسيون / وأصلي في الجامع الأموي ..! لم يخطر ببال محمود أن مرضي قد يكون معديا ، ويهدد كل من يحتك بي ..أو أنه في منأى عن الشفاء العاجل .. وعاملني كانني إنسان طبيعي لايستحق الاحتراز منه ..؟ ذاكرتي .. بالفعل - أخذت في التحسن .. وقد أصبحت أتكلم دون / رأرأة / أو تردد .. واقرأ الجريدة العربية أمام الناس بدون خجل ، وافهم مناجاة العشاق ، ولا أكثر من الالتفات المتوجس عندما أسير . واتسكع في الطرقات حتى آخر الليل دون عائق .. واشترى من / سوق الجمعة / ماأشاء بأبخس الأثمان ، وأقرأ ما أريد ، واكتب ما أريد ، وآكل ما أشتهي .. وحتى التحية صرت استقبلها يومياً بكل طراوة ووضوح .. يقول لي المحيي : صباح النور ..؟ فأرد عليه بكل فصاحة وزهو: ما أطيب قهوة زرزور .. ويضحك السامع إعجاباً بسرعة تلاؤمي ، وبداهتي .. امور كثيرة .. وكثيرة لم أكن أذكر شيئاً عنها، قبل وصولي الى دمشق ، عادت الى ذاكرتي ، وأضحيت أعيشها كواقع جميل ، يهزني سعادة وحبورا .. ولكن هذا لا يعني أنني شفيت تماما .. فمازلت أعاني من بعض المخلفات المرضية ..ومن بينها .. نسياني لمجموعة كبيرة من أعز الأصدقاء .. ما هي أسماؤهم ..؟ أين هم ..؟ عناوينهم ..؟ لا أذكر شيئاً ..! كما نسيت أجزاء هامة من خريطة دمشق القديمة،.. لقد بهرني التغيير العمراني وانتشاره المذهل ، فأنساني ما كان قبله .. ووقع لي ما يحدث لأي محدق في عين الشمس ، ثم يدير نظره عنها ، فلا يرى إلا ضباباً مبقعا ، يتراقص كسحب صيفية متلاشية ..! حاولت في جولة أن استرجع أفياء رياض الغوطتين وسرحت كالفراش ، شمالاً وجنوباً ، وكاد الاسمنت أن يمزق جناحي ، لولا أن عثرت على موقع حدائق / ورد الشام / فحومت بين دفاتها ، مأخوذا بروعة جمالها وسحر بيانها ، ورونق الوانها . فقبلت جبين التاريخ الحي .. وانتعشت ذاكرتي قليلا .. واهدتني صديقة حكايات عن حنيني / يامال الشام / فعادت بي إلى منابع الاحساس بفتنة الماضي ونشوة الذكريات .. وشعرت كأن وعياً يستيقظ بين ناظري ، وينبثق كالنور .. فتذكرت محموداً إنه لم يزرني منذ أيام..! وادركت أنني أصبته بعدوى مرضي النسياني .. وربما تكون هذه العدوى قد مست بعض أصدقائي الآخرين ايضاً ..؟ ولكن كيف لم تصب عدواي النسيانية ، جاري الذي كرى لي / شقة / في عمارته .. مع أنني أتلاقى معه ، واحادثه ، واعطس في وجهه يومياً ..؟ كيف لم تسر عدوى النسيان اليه ..!؟ مع أنه كان دائما ينسى أن يصلح لي جهاز التلفزة ، وينسى أن يركب لي المدفأة .. وينسى حتى أن يأتي بمسمار لتثبيت مغلاق الباب ..! لقد نبهني اليوم بترصد ، إن موعد انتهاء الايجار سيحل بعد غد ، وعلي أن أبحث عن شقة أخرى ، لأن هذه تنتظر ارتفاعا صاروخيا في قيمة الكراء تبعا لارتفاع درجات الحرارة في الصيف ..! يعلم الله أنني كنت ناسيا وضعي كمستأجر ، ويظهر أنني كنت اعتقد بان المنزل الذي اشغله ، منزل منسي ، أو لا صاحب له ..! ياإلهي .. كم هو مزعج ، تسارع الأيام ، في هذا الزمن البطيء بهمومه .. الثقيل بمشاكله .. وبدأت بالبحث عن شقة على غير هدى .. انتقل من مكتب عقاري الى آخر .. من / الجسر الأبيض / إلى / البرامكة / إلى حي / اليرموك / إلى برزة/ .. وكانت الشقق الشاغرة كثيرة ..ولكن الاسعار ، نار على نار ، لا يطيقها الا سادة المارك والدولار ..! - يبدو أن اسم الشقة ، مشتق من الشقاء كالمشقة .. وهذه مجرد شقشقة وردت من ذاكرتي المتشققة ..! اكتشفت أن سعر كل شىء في دمشق زاد بنسب معقولة منذ الخمسينات حتى اليوم .. الألبان ، الأجبان لحم الخرفان .. البسه الصبيان .. الفواكه والخضر ، وعصير الرمان .. / الريان / كل شيء زاد عن سعره القديم بصورة معقولة ، إلا ليرة الايجار فقد أصبحت تساوي خمسمائة ليرة أو تزيد ، عن ايام زمان وهذا مالم يكن في الحسبان ..!؟ من المؤكد أن الحقائق القاسية تؤذي ذاكرتي فتسبب لها بعض الانتكاسات البهلوانية ، وأنا الآن في حيرة من أمري ..؟ لقد اعجبت ب / ملحق / شاهدته في مرتفعات / المهاجرين / ولكنني لا أذكر المكتب الذي دلني عليه ..! دخلت مكتبا في / المالكي / وقلت لصاحبه : أنا مستعد لكراء الملحق الذي اريتني إياه في منطقة / باب مصلى / فتأملني السمسار جيداً ..ثم ابتسم بأدب وقال لي : اله يشفيك ياحجي .. -سألته : الست انت أبو حسان ، صاحب مكتب / المزرعة /..؟ -أجابني .. لا ياحج .. مع السلامة .. وخرجت غاضبا من مكتبه .. إن ابغض شىء عندي ، هو أن يناديني أحدهم بياحجي أو ياحاج .. خاصة وأنني إلى حد الآن لم أقم بأداء فريضة الحج حتى لو أديتها ، فهل لأحد الحق أن يطلق علي اسمها .. لماذا لايسمى أبو بكر الصديق بالحاج أبو بكر ..؟ ولو نادوا عمراً لضربهم بدرته .. ثم إنني أؤدي كل عام فريضة الصوم ، فلماذا لاينادونني بيا صايم .. ولو نادوني بها لرفضت ..!؟ ماذا كنت اقول .. ذهبت إلى مكاتب / ركن الدين / وانحدرت مع الأرصفة .. كان المسجد بطوابقه الأربعة يعج بالمصلين ، فقطعت صفوف الراكعين ، والساجدين ، والجالسين وتقدمت من الامام ، وهمست في أذنه : سيدي الفاضل هل بإمكانكم أن تعلنوا في خطبة الجمعة ، (ان هناك مسلماً بدون سكن ، يبحث عن شقة جيدة ورخيصة، للايجار) .. ومن قضى حاجته فله أجر الدنيا المحتوم ، وإجر الآخرة المعلوم وربت الامام على كتفي ، وقال لي بجدية فصيحة: وفقك الله يا أخي ، فنحن لانشغل بال المسلمين بالقضايا الجزئية البسيطة .. لقد دخلت المسجد لأداء فريضة الجمعة . ولا أدري كيف نسيت .. وغادرت قبل قيام الصلاة .. أظن أنني نسيت سبب وجودي في الجامع ، وحسبت أن دخولي اليه ، كان فقط من أجل طرح سؤال الشقة على الامام . في المساء التقيت بصديق مهندس ، فأصر على دعوتي لتناول العشاء معه ، فامتنعت .. وبعد الحاح واصرار امتطينا سيارته الفخمة وانطلقنا .. جال بخاطري سؤال رهيب : اين أنام الليلة ..؟ وهممت بعرض مشكلتي السكنية على هذا الصديق .. نعم .. سأخبره بمجرد وصولنا إلى المطعم .. وشردت قليلا حيث شعرت بنوع من الذعر ، عندما توقفت السيارة فجأة وسمعت الرفيق يقول لي: .. لقد وصلنا .. استيقظ ..! فاجبته بعفوية .. أين نحن ..؟ - طبعا .. أمام المطعم .. وبهرتني الأضواء اللامعة، وغمرتني الروائح الشهية ، فجلسنا ، وأكلنا ، وتكلمنا ، وضحكنا ثم تودعنا .. وانصرفت .. ناسيا تماماً مسألة الشقة ...!؟ دمشق 27 / 7/ 1995 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |