مذكرات النساي (( الشامية ))..! - محمد بلقاسم خمار

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(5)- مسألة " الشقة "!

مر أكثر من ثلاثة أشهر منذ أن بدأت إقامتي الجديدة بدمشق ،.. كان من المفروض - عندما وصلت المطار - أن أذهب مباشرة داخل سيارة إسعاف الى مستشفى / المواساة / لأن حالتي الذاكرية كانت متدهورة الى حد التوهان ..ولكن صديقي محمود - سامحه الله - أخذني مباشرة الى فندق / الفراديس /..‏

لقد تصور صديقي ، أن ذاكرتي التي تخلخلت منذ ثلاثين سنة يمكن أن تعود ببساطة الى حيويتها المعهودة بمجرد أن اشرب من ماء / الفيجة /، واتنفس هواء حديقة / السبكي / واتمتع بمشاهدة شموخ / قاسيون / وأصلي في الجامع الأموي ..!‏

لم يخطر ببال محمود أن مرضي قد يكون معديا ، ويهدد كل من يحتك بي ..أو أنه في منأى عن الشفاء العاجل ..‏

وعاملني كانني إنسان طبيعي لايستحق الاحتراز منه ..؟‏

ذاكرتي .. بالفعل - أخذت في التحسن .. وقد أصبحت أتكلم دون / رأرأة / أو تردد .. واقرأ الجريدة العربية أمام الناس بدون خجل ، وافهم مناجاة العشاق ، ولا أكثر من الالتفات المتوجس عندما أسير . واتسكع في الطرقات حتى آخر الليل دون عائق ..‏

واشترى من / سوق الجمعة / ماأشاء بأبخس الأثمان ، وأقرأ ما أريد ، واكتب ما أريد ، وآكل ما أشتهي .. وحتى التحية صرت استقبلها يومياً بكل طراوة ووضوح .. يقول لي المحيي : صباح النور ..؟‏

فأرد عليه بكل فصاحة وزهو: ما أطيب قهوة زرزور .. ويضحك السامع إعجاباً بسرعة تلاؤمي ، وبداهتي .. امور كثيرة .. وكثيرة لم أكن أذكر شيئاً عنها، قبل وصولي الى دمشق ، عادت الى ذاكرتي ، وأضحيت أعيشها كواقع جميل ، يهزني سعادة وحبورا .. ولكن هذا لا يعني أنني شفيت تماما ..‏

فمازلت أعاني من بعض المخلفات المرضية ..ومن بينها .. نسياني لمجموعة كبيرة من أعز الأصدقاء .. ما هي أسماؤهم ..؟‏

أين هم ..؟ عناوينهم ..؟ لا أذكر شيئاً ..!‏

كما نسيت أجزاء هامة من خريطة دمشق القديمة،.. لقد بهرني التغيير العمراني وانتشاره المذهل ، فأنساني ما كان قبله .. ووقع لي ما يحدث لأي محدق في عين الشمس ، ثم يدير نظره عنها ، فلا يرى إلا ضباباً مبقعا ، يتراقص كسحب صيفية متلاشية ..!‏

حاولت في جولة أن استرجع أفياء رياض الغوطتين وسرحت كالفراش ، شمالاً وجنوباً ، وكاد الاسمنت أن يمزق جناحي ، لولا أن عثرت على موقع حدائق / ورد الشام / فحومت بين دفاتها ، مأخوذا بروعة جمالها وسحر بيانها ، ورونق الوانها . فقبلت جبين التاريخ الحي .. وانتعشت ذاكرتي قليلا ..‏

واهدتني صديقة حكايات عن حنيني / يامال الشام / فعادت بي إلى منابع الاحساس بفتنة الماضي ونشوة الذكريات .. وشعرت كأن وعياً يستيقظ بين ناظري ، وينبثق كالنور .. فتذكرت محموداً إنه لم يزرني منذ أيام..! وادركت أنني أصبته بعدوى مرضي النسياني .. وربما تكون هذه العدوى قد مست بعض أصدقائي الآخرين ايضاً ..؟‏

ولكن كيف لم تصب عدواي النسيانية ، جاري الذي كرى لي / شقة / في عمارته .. مع أنني أتلاقى معه ، واحادثه ، واعطس في وجهه يومياً ..؟ كيف لم تسر عدوى النسيان اليه ..!؟‏

مع أنه كان دائما ينسى أن يصلح لي جهاز التلفزة ، وينسى أن يركب لي المدفأة .. وينسى حتى أن يأتي بمسمار لتثبيت مغلاق الباب ..!‏

لقد نبهني اليوم بترصد ، إن موعد انتهاء الايجار سيحل بعد غد ، وعلي أن أبحث عن شقة أخرى ، لأن هذه تنتظر ارتفاعا صاروخيا في قيمة الكراء تبعا لارتفاع درجات الحرارة في الصيف ..!‏

يعلم الله أنني كنت ناسيا وضعي كمستأجر ، ويظهر أنني كنت اعتقد بان المنزل الذي اشغله ، منزل منسي ، أو لا صاحب له ..!‏

ياإلهي .. كم هو مزعج ، تسارع الأيام ، في هذا الزمن البطيء بهمومه .. الثقيل بمشاكله ..‏

وبدأت بالبحث عن شقة على غير هدى .. انتقل من مكتب عقاري الى آخر .. من / الجسر الأبيض / إلى / البرامكة / إلى حي / اليرموك / إلى برزة/ .. وكانت الشقق الشاغرة كثيرة ..ولكن الاسعار ، نار على نار ، لا يطيقها الا سادة المارك والدولار ..!‏

- يبدو أن اسم الشقة ، مشتق من الشقاء كالمشقة .. وهذه مجرد شقشقة وردت من ذاكرتي المتشققة ..!‏

اكتشفت أن سعر كل شىء في دمشق زاد بنسب معقولة منذ الخمسينات حتى اليوم .. الألبان ، الأجبان لحم الخرفان .. البسه الصبيان .. الفواكه والخضر ، وعصير الرمان .. / الريان / كل شيء زاد عن سعره القديم بصورة معقولة ، إلا ليرة الايجار فقد أصبحت تساوي خمسمائة ليرة أو تزيد ، عن ايام زمان وهذا مالم يكن في الحسبان ..!؟‏

من المؤكد أن الحقائق القاسية تؤذي ذاكرتي فتسبب لها بعض الانتكاسات البهلوانية ، وأنا الآن في حيرة من أمري ..؟ لقد اعجبت ب / ملحق / شاهدته في مرتفعات / المهاجرين / ولكنني لا أذكر المكتب الذي دلني عليه ..!‏

دخلت مكتبا في / المالكي / وقلت لصاحبه :‏

أنا مستعد لكراء الملحق الذي اريتني إياه في منطقة / باب مصلى / فتأملني السمسار جيداً ..ثم ابتسم بأدب وقال لي : اله يشفيك ياحجي ..‏

-سألته : الست انت أبو حسان ، صاحب مكتب / المزرعة /..؟‏

-أجابني .. لا ياحج .. مع السلامة .. وخرجت غاضبا من مكتبه .. إن ابغض شىء عندي ، هو أن يناديني أحدهم بياحجي أو ياحاج .. خاصة وأنني إلى حد الآن لم أقم بأداء فريضة الحج حتى لو أديتها ، فهل لأحد الحق أن يطلق علي اسمها .. لماذا لايسمى أبو بكر الصديق بالحاج أبو بكر ..؟‏

ولو نادوا عمراً لضربهم بدرته .. ثم إنني أؤدي كل عام فريضة الصوم ، فلماذا لاينادونني بيا صايم .. ولو نادوني بها لرفضت ..!؟‏

ماذا كنت اقول .. ذهبت إلى مكاتب / ركن الدين / وانحدرت مع الأرصفة .. كان المسجد بطوابقه الأربعة يعج بالمصلين ، فقطعت صفوف الراكعين ، والساجدين ، والجالسين وتقدمت من الامام ، وهمست في أذنه : سيدي الفاضل هل بإمكانكم أن تعلنوا في خطبة الجمعة ، (ان هناك مسلماً بدون سكن ، يبحث عن شقة جيدة ورخيصة، للايجار) ..‏

ومن قضى حاجته فله أجر الدنيا المحتوم ، وإجر الآخرة المعلوم‏

وربت الامام على كتفي ، وقال لي بجدية فصيحة:‏

وفقك الله يا أخي ، فنحن لانشغل بال المسلمين بالقضايا الجزئية البسيطة .. لقد دخلت المسجد لأداء فريضة الجمعة . ولا أدري كيف نسيت .. وغادرت قبل قيام الصلاة .. أظن أنني نسيت سبب وجودي في الجامع ، وحسبت أن دخولي اليه ، كان فقط من أجل طرح سؤال الشقة على الامام .‏

في المساء التقيت بصديق مهندس ، فأصر على دعوتي لتناول العشاء معه ، فامتنعت .. وبعد الحاح واصرار امتطينا سيارته الفخمة وانطلقنا ..‏

جال بخاطري سؤال رهيب : اين أنام الليلة ..؟‏

وهممت بعرض مشكلتي السكنية على هذا الصديق .. نعم .. سأخبره بمجرد وصولنا إلى المطعم .. وشردت قليلا حيث شعرت بنوع من الذعر ، عندما توقفت السيارة فجأة وسمعت الرفيق يقول لي:‏

.. لقد وصلنا .. استيقظ ..! فاجبته بعفوية .. أين نحن ..؟‏

- طبعا .. أمام المطعم .. وبهرتني الأضواء اللامعة، وغمرتني الروائح الشهية ، فجلسنا ، وأكلنا ، وتكلمنا ، وضحكنا ثم تودعنا .. وانصرفت .. ناسيا تماماً مسألة الشقة ...!؟‏

دمشق 27 / 7/ 1995‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244