|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:55 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
صباح جديد أشرق على، الجاحْ، وَرَشْ قَمَرْ حَارَاتْ بعطرِ فوَّاحْ. سألتُ أهالي حارات: - كم تبلغ السُّقْمَة من العمر؟لم يستطيعوا الردَّ على السؤال، واكتفوا بالقول بأنها موجودة منذ عهد جدهم الأول ريحان العظيم الذي كما يزعمون ذكر تاريخ ميلادها في ملحمته الطويلة التي كانت أجيال القرية السابقة تتناقلها شفاهة أباً عن جد ولم يفكر أي منهم بتدوين كلماتها لذلك فقد انمحت معظم أبياتها من ذاكرة القرية التي أصيبت بالغيبوبة وفقدان الاحساس بالزمن في القرون الماضية وعندما صحت من سباتها ألفَتِ القافلة قد مرَّت منذ وقت بعيد فراحوا يطاردون غبارها.. فَلاهُم أدركوا القطار ولاهُم احتفظوا بالحمار!!" على حد تعبير عود الحِنَّاء. وسألتُ طلاب السنة النهائية من المرحلة الثانوية: - من منكم يحفظ -ماتيسر- من أبيات الملحمة؟أجاب أحدهم بصوتٍ متهكم: - إنها تقليعة قديمة ياأستاذ، وخارج المقرر الدراسي.لم أعرهُ انتباهاً. بقيت انتظر كابتاً حنقي وآلام تقلصات المعدة التي انتابتني فجأة. مرَّ بعض الوقت دون أن ترتفع أي اصبع للاجابة عندئذ عصرني اليأس في معصرته فتقطر العرق من جبيني وفيما كنتُ أهم بالقاء كلمة في وداع العام المدرسي رأيتُ يد فتاةٍ تترددُ في الهواء، فقلتُ بعجلٍ: - تحدَّثي ياقمر.وقفت وقالت بصوتٍ حَيِيْ: - السُّقَمَة وجمعها سُقَم: شجر عظام لهُ ثمر مثل التين إذا اخضرَّ فإنما هو حجر صلابة فإذا أدرك اصفر شيئاً فشيئاً وحلا حلاوة شديدة وهو طيِّبُ الريح يتهادى.... أشارت إلى السُّقَمة التي تستظل المدرسة بظلها ومضت تقول: وفي سُقَمَةِ حارات قال جدنا ريحان:عند ملتقى الرَّياح التي تهبُ من كل اتجاه برأس الأكمة حيثُ يسطعُ النور تقفُ سُقَمَة عُمرِيَّة كأنها الحكمة ترصد السحب والمواسم والوجوه التي تمرق من أمامها كاللمحة لاتتحسر على ماضٍ فات ولايصيبها الحاضر بالاغماء في نُجُبِ جذورها تدفن النذور والتمائم وتحت ظلها تعقد المواثيق وتقام طقوس الماء والنار الحصاد والسفاد والبذار لحاؤها دواء لكل عله وفي ثمارها السر كله. ¯ ¯ ¯ارتعشت أغصان السُّقَمَة.. رنَّ الجرس فداس الضجيج على رئته.. تجَّمع الطلاب تحت السُّقَمَةِ وطافوا حولها طواف الوداع وهم يرددون نشيد حبهم:
شخصت وجوههم إلى ثمار السُّقَمَة الناضجة... اهتزت أهداب الشجرة وصفقت أوراقها. أحاطت بها هالات فسفورية وانسكب النور على عيونهم. تبادلوا اشارات مرحة فيما بينهم تَنُّم عن فهمهم لغة السُّقَمَة بعدئذ هتفوا جذلين: "أنتِ السُّقَمَة.. نحن الأغصان. ثم تفرقت بهم الطريق. عندما بلغت قمر قمة المنحدر الصخري المؤدي إلى القرية ناداها صوت رخيم فرجفت حمامة قلبها وتجمدت فوق الصَّفا، عبقت الورود المرسومة على قميصها، الشِّيت، فعطرت الأرجاء. بعد مضي وقت قصير شَّدتها قوة غريبة إلى الخلف وعادت القهقري تمشي فوق خيط نميم من الدخان الوردي ولم يرجع إليها رشدها إلاَّ حينما ارتطمت بجذع السُّقَمَة عند ذلك تلفتت في كل الاتجاهات وهي تمسح الغشاوة من عينيها لكنها لم تجد حتى أثراً لصاحب الصوت الذي نادها فسألت نفسها المنزعجة..." أشبح الأكمة؟." هتفت بفزع.." أتراهُ القُطرب؟!" بيد أنها تذكرت قول الجد ريحان بأن السُّقَمَة لاتمكن الجان من الاقتراب منها فهدأت نفسها وجلست متكئة إلى ساق السُّقَمَة وهي تضم حقيبتها بين ركبتيها، وفيما كانت تفكر بالأمر سقطت ثمرة من ثمار السُّقَمَة على رأسها فهبت من مكانها مبهوتة. ألتقطت الثمرة ونظفتها بكُمِّ قميصها، أكلتها، فعاد البهاء إلى وجهها.. هتف الصوت من جديد: - لذيذة!!احست ببرودة تسري في عظامها وهي تفتش عنه... - أنا هنا فوق السُّقَمَة....رفعت رأسها وأجالت ببصرها بين أغصان السُّقَمَة المتشابكة.. التقت عيناها بعينيه. كان هناك بين الفروع الخضراء، واسع العينين بِحَوَل واضح، في عنقه طوق نوراني، متزراً بإزارٍ بنفسجي، وفيه من كل عناصر الأرض لون. وبدون سابق تفكير تلت قمر مقطعاً من الملحمة: حيظي ياحوامل المُزْنِ وياجمرات الحواس اضطرمي فالبرد القارس يخطفني مني... ثم تساءلت: - أهذا... عود الحنَّاء؟!- بشحمه وبلحمه...- للسُّقَمَةِ دارة من لهب!!- وثمار من ياقوت.. ياشمس!!- شمس !! .. ألم تعرفنيبلى. لكن القمر لا يضيء في النهار!! - لاتمزح!.- صرتِ كثمرة سُقَم...- متى عدتَ؟- وقت الطَّوَاف..- أفي مهمة؟- إنه الحنين إلى مراتع الصِّباء..- طال غيابك!- مباركة أيتها الشمس.لمست عذق الكاذي على خدها المتورد وهي تشكره، ثم أردفت: - لقد تغيرت كثيراً ياعود الِحنَّاء..- إنها مهنة قَصِّ الآثار ياقمر..- لماذا ناديتني؟السُّقَمَة تدعوك إلى مآدبتها فاصعدي. - انها عالية:- انهزام أم يأس؟- قلق..- عجز أم عدم ثقة؟لاتكن قاسياً..!! - طيري كالجدة مريم وكأُمك غالية.- وهل هناك هدف؟- السُّقَمَة لاتكشف أسرارها..- أنا خائفة..- أمن أرق اليقظة؟- من فكرة الطيران..- من تحول الجسد!!. أنت طفلة:- لا..أرجوك..- هل نبدأ إذاً؟- لنؤجل ذلك إلى وقتٍ آخر..- السُّقَمَة لاتؤجل، والأمر ليس بيدي..- لماذا وقع الاختيار علي أنا بالذات؟- لأنك أحرزت نجاحاً...- لم أكن من الأوائل!!- امتحان الصبر يختلف!- أنت غامض!- كالنوم مثلاً!!- كباطن الأرض..- لافرق..- أشعر بالجوع- التهمي نفسك!- اقطف لي بعض الثمار..- المائدة على السُّقمة وليست على شماريخ الأكمة...- حَيَّرتني!!- من حَيَّر الحيرة؟ أنا؟ أم أنتِ؟!- ماأطول المسافة بيننا؟!- أمن، داخلك تخرج الكلمات؟- من عَظْمةِ عنادي..- أحب الوضوح- وأن رفضت؟التَّمنَّعُ ممنوع.. - أ أنا مجبرة- في بذور الثمار مايجلو العين وماينعش الذاكرة.- أهو لغز؟- الحياة سلة من الألغاز...- لا احب المغامرة.- جيل متخاذل!!- ماذا؟- تتساءلين كما تساءل الجدُّ ريحان في ملحمته: ماذا.. كيف.. لماذا؟-" وهل الجبل المسحورنزل الوادي يقطفُ كاذي؟" -" من أطفأ اتلام الأرضبأثير أزرق؟..." -" وهل الباب الكابيهو فعلاً بابي؟" -" أم بابُ ضبابي؟"-" ومتى تشرقمن كُمِّ الجوهر شمس بلادي؟" - لماذا ترتعشين؟.-" البرد القارس تحت الجلديخطفني مِنِّي ريحان الموت تريحنَ فيَّ ياروح السُّقَمَة لاتتركني دعني اتفرس في البصر المنقوع بشعاع الأعراس وليرحمني من علق مزمار حياتي بين الأقواس زِدني من ثمر السُّقم وقرون "البِسبَاس" لاتخذلني فالصمت الحساس لايرويني والقمر الساخنُ لايشبعني هطل المطر في وادينا وتوارى الحب في اضلعنا من يبلغنا أن السُقَمَة تتقصفُ سكرى فوق الأكمة؟." - أنا.. وهذا دليلى.. اْلقَفِيهِ ياقمر.- ماهذا؟.. لحاءُ مضفور وأوراقُ سُقَم!!- تجردي من ثيابك القديمة والبسيه.- الحب: طائر مُعَلِّيلكن جسمي بلاريش عريانْ يرقصْ وَيَغْلي!!؟ ارتعدت قمر حارات وتَنَمَّلت أطرافها. رفعت رأسها لترى ماإذا كان عود الحناء يرقبها. لكنها لم تجد له أثراً وكأنهُ ذاب كفص الملح. اعترتها نوبة من الضحك ثم مادت الأرض تحت قدميها وقذفت بها مسافة. تطايرت خصلات شعرها الفاحمة الطويلة. تموَّجت أوراق السُّقمِ فوق ردفيها وفخذيها. دارت تحت لظى الشمس ولم تلبث أن طارت. اهتز فرع السُّقَمَة الذي حطَّت عليه وأحدث هسهسة. استندت إلى فرعِ عمودي وهي تدلك جفون عينيها لتزيل آثار الدوخة والزغللة، بعد ذلك أكلت من ثمار السُّقمة ورشقت عود الحنَّاء بنظرة جانبية وابتسامة ناعمة وقالت له: - أين أختفيت؟- في التجويف الأسطواني.- أللسقمة تجويف؟- ألم يقل الجد ريحان: "في تجويفها ونُجُبِ عروقها تدفن النذور.."؟- نسيت ذلك .- ستتذكرين بعد حين.هزَّت شعرها الغزير فانسدل وغطى جواهر جسمها. نظرت عبر الأوراق إلى القرى المعلَّقة فوق الجبال وإلى الوديان السَّحيقة. أحست بعصارة ثمر السُّقَم تدفع الدم إلى وجهها.. - هل ترينَ "الضَّاحة"؟- ذلك الجلمود المحدب من الصخر أسفل الجبل؟!- نعم.. فيما مضى كانت هناك صخرة عظيمة يصعب ارتقاؤها، وكانت تدعى "دُقْمُ الموت"، من أحجارها بنى الأهالي هذه المدرسة وقد اختاروا هذا الموقع.. هنا، في رأس أكمة حارات لاعتقادهم بأن السُّقَمَة هي رمز الحكمة . حملوا الحجارة الضخمة على ظهورهم غير آبهين بمشقة ارتقاء عقبة الجبل وحدث ذلك في العام التالي لانفلاق محارة اللؤلؤ. ومحارة اللؤلؤ اسم اليوم الذي قضوا فيه على الساحر الدجال الذي مسخ نفسه على شكل طائر الرخمة ومسخ جيشه وزمرة أعوانه على شكل غربان وكلاب وبوم وقرود. في ذلك اليوم فجروا" دُقم الموت" ولعلك تعرفين بقية الحكاية. وتقول الاسطورة: إن الرخمة أوكما يطلق الأهالي عليها أسم عبد الرُّخام": طائر أبقع على شكل النسر خِلقة -لاخُلُقاً-، مبقع بسواد وبياض وهو من أشر الطيور.. موصوف بالغدر والقذر، أصفر المنقار، أصم. وسبب صممه أن النبي موسى عليه السلام لما توفى تكلم بوفاته، وكان يعرف مكانه فأصمه الله حتى لايرشد أحداً إلى موضعه".انشدت قمر بصوت حزين: -" عبد الرُّخامأكل الجُثَّةُ وخَلَّى العظام.." أدرك عود الحناء سبب بكائها..مسح الدمع من وجنتها وقال: - هل روت أمك تفاصيل الحدث؟- ماتت قبل أن أعي ماكانت ترويه- وأهالي القرية؟-" هاجر الشبان إلى الغربة ومن بقي نسي.."- وكتب المدرسة؟- لاتروي...- جفاف!!نكست رأسها فتعثرت النسمات بشعرها وكشفت عن نهدين فتيين صامتين. زفر عود الحناء زفرة طويلة وهو يرسل نظرات شاردة إلى القرية، وبعد لحظات أنشد مقطعاً من نقش سبائي قديم: - أَلِنُ الجَبَّارينظر اليكم بعين الرضا يتحنَّنُ عليكم يافرسان قدمتم أرواحكم قرابين للعزَّة وعجلتم بزيارته قَوِّسي لهم ظهرك ياسماء وياأرض اركعي إنَّا لنلمحُ في باطنكِ براكينا." تبادلا نظرات حائرة ثم أشار عود الحناء إلى القرية وطلب من قمر أن تأكل مزيداً من الثمار وشرع يحدثها عن الجدة مريم شاعرة وعرافة القرية التي ماتت قبل انفلاق المحارة بربع قرن، بيد أن الذاكرة الشعبية نسيتْ حولياتها التي لم تدون هي الأخرى رغم غناها بالقصص والحكايات والحكم والأمثال التي ترصد أحداث زمنها وقد تنبأت بحدوث تحولات في القرية ومن ذلك قولها في عبد الرخام: عبد الرخام دجَّال سيفُهْ صَمْيلُه لاترهبوا صوتُه ولاذيولُه قووُّا القلوب يـَ هْلي وشَمروا لُهْ ونَتِّفوا ريشُهْ وحنجِلوا لُهْ وكسروا دُقْمُهْ اللَّه يَزيلُهْ." وقالت متنبئة في شق الطريق إلى القرية: " بابْور جَدِيدْعشِّقْ إلى النَّجودةْ أَخَذ بْنات حارات كما الزَّبودَةْ." وفي الكهرباء التي لم تكن معروفة آنذاك: ياكَهرْبَة قلبي ضَوِّي العمارات ضوي بيوت صنعاء ودور حَارات: في غضون ذلك امتزج رحيق السُّقم مع الدم الجاري في الشرايين وأحدث خدراً في الجسد مما جعل حلمة النهد المشرغة بالحمرة تطل برأسها من بين أصابع قمر حارات ثم اختفت عندما أسندت رأسها إلى مرفقيها. توهَجَّت عينا عود الحناء كمرايا النسر وفيها حدَّقت قمر فرأت وياللعجب قريتها مكبرة. رأت الدُّور، والناس البهائم، قلائد المدرجات الزراعية الخضراء، خيوط الكهرباء والهوائيات، دخان فضي ينفذ من فتحات المطابخ ويتوه في الفضاء الواسع. الصور واضحة وملوَّنة، قريبة حتى أنه يمكن للأنامل لمسها. أصابع الديناميت تفجرُ الصخور الصَوَّانية وتشتتها إلى أشلاء. الآلآت الحديدية تزمجر وتخرج من مناخرها دخان الغضب. الجرارات ترفع كواسحها إلى عين السماء وتنزلها بجلافة إلى القاع ثم تندفع من جديد إلى الأمام بوثبات سريعة ومتحدية وتغرز أسنانها البلاتينية في جثث الأشجار والأحجار.. تنطح كل العوائق التي تعترض طريقها وهي تخور ثم تلقي بأحمالها إلى الهاوية العميقة وترتد كالاعصار إلى الوراء وتكر كرَّة أخرى لإزالة ماتبقى من بثور على وجه الطريق. تختلج الرموش السوداء وتظهر المشاهد تباعاً، في تلك الأثناء كتمت قمر ضحكة مجنونة كادت أن تقفز من حلقها عندما شاهدت "نوفان" أقوى ثيران القرية ينادي "دَوْجَع" بهمة دارِ الرَّيكان من "سوم الحول"، ولما أتاهُ ردها حرَّك رأسهُ فرحاً واستدار يَجُرُّ "النبال" خلفهُ بثقة ومهارةٍ متلافياً نبتات الزرع الشَّابة، عندئذٍ أدركت قمر حارات أن لحظة لقائه بحيببته تقترب ولهذا تراهُ يبذلُ جهداً مضاعفاً وخارقاً للعادة، فالمثل يقول: "الثور القوي يبتلُ في الصَّالِبِ"، وهاهي التربة التي كانت صلبة قبل قليل تنهار خلف قوائمه وتتعرى كاشفة عن أثدائها الطينية، فيما أخذ (البَتُولُ) ينطُّ خلف ثوره بقدمٍ واحدة والرجل الأخرى تدوس بقوةٍ على "سَحْبِ النِّبالِ" فينغرز أكثر في الطين الجاف، وراح البتول يلهث ليُسمع الثور أنفاسه فَنَخْسُ البتول ينفع الثور كما قال الحكيم علي بن زائد، ومن جوانب (المِضْمَدِ) المعترض رقبة الثور نوفان ينهجُ عرق يوم عمل مضني وحبيباتهُ تلمعُ تحت أشعة الشمس كالجواهر. ياإلهي! ماهذا؟ أكلبُ القرية حارس؟ الأمين!! غطت قمر وجهها بيديها من شدة الحياء، ومن خلال فتحات الأصابع رأت حارس يسير متعثراً إلى الخلف على غير عادته. مسلب الارادة ومؤخرتهُ قد التصقت في أرداف كلبة "قبع"، لاشك أنها أوقعتهُ في شراكها هذا الصباح وراحت تجرُّه خلفها بعد أن احكمت شد وتده بحلقات انبوبها الشَّبق.. أغوتهُ الملعونة وأسالت لعاب شدقيها. ماهذا أيضاً؟!.. طفل يبكي في حضن أبيهِ أمام باب المقصورة خائفاً من موسى الختان الذي يلمع بيد مزين القرية. وعلى سطح دارِ المعلافِ يجري حدُّ الفطام على الطفلة التي تتقيأ سائل الصَّبر المُرّ الذي طلتهُ أمها على حلمتي ثدييها الجافين. عجيب!! هذه حبوب نبتة البلكاء الصقت شعيراتها الدقيقة في ثوب الجدة قبول القاضي التي تجمع الأحطاب من محطبها فيما قطتها السوداءتتمسح بأذيال قميصها. أيْ!! أيْ!! قفزتِ القطة بصورة مباغتة صوب الدجاجة التي كانت تنبش التراب بمخالبها وتلتقط الحبوب والحشرات مع فراخها الزّغب وها هي الفراخ تفر مذعورة وتتجمع وراء أمها وهي تصوصئُ، الدجاجة شُجاعة، لم تهرب!، بل وقفت بثبات تَهيِّجُ ستائر الهواء باجنحتها وتقوقئ بعشرات الشتائم فالمثلُ يقول: "الهرجلةُ نصف القتال.."، والتوى ظهر القطة حتى صار كقوسِ تَأَبَّطَ شّرَّاً وانتفخ ذيلها كهراوة الشرطي وفي اللحظة المناسبة وقف عود يابس بين الخصمين، وعندما تجاهلتهُ القطة دار في الهواء نصف دورة وساط ظهرها فانسحبت وهي تطلق مواءً حاداً من شدة الألم. قالت قمر: "البادئ أظلمْ والمجوبُ أكرمْ!!."ولم تقف دموعها الضاحكة حائلاً دون متابعة شريط الصور الحية العجيب. فهاهم أولاد القرية يلعبون.. "سبعة صاد والدُّويَسْ وهُرِّي زاطَةْ." والبنات يلعبن.." التّبَارة والشَّعَرْيِرْ وغَابْ غَابُه." والمزارعون ينقون الزَّرع في المدرجات من الحشائش المتوحشة.. ينبشون التربة حول سيقان النباتات المنتقاة لحمل الثمار ويقلبونها (بالحِجَنِ) وبين الأغاني التي يرددونها في ذات الوقت ومن فرط سعادة قمر انطلقت تردد معهم بصوت شجي: " بَرَّادْ الله علينا.. هُوْ بَرَّادْبَرُودُهْ وعادُ حِيْنْ.. هو بَرَّادْ مـ أغْلى السحابه والطين.. هو بَرَّادْ مـ احلى عِشْقُ المُحِّبينْ.. هو بَرَّادْ والمطر يَنَّزُل امزان.. هو بَرَّادْ يروي قلوب الشِّبَانْ.. هو بَرَّادْ
المسجدُ مغلق.. لم يحن وقت صلاة الظهر بعد، أما الحاج عبد المولى عريف القرية فقد صلى الضحى وجلس يسبح بمسبحة اللُّول على سطح كريف المسجد، فيما العمة لُكُوك عائدة من البئر تحمل على رأسها جرَّة متعبة من تسلق العقبة. ياللهول... اغمضت قمر عيناها الخجلتين لكي لاتشاهد عورة عبده الأهبل التي اظهرها لصاحب الطاحون رداً على سؤال هذا الأخير المتخابث: "ماذا خلق الله ياعبده؟.." فأراهُ احليله. لكن من تلك التي تجري في المقبرة؟..ياللشيطان!!، إنها المعتوهةالذُّبابة تهرولُ هرباً من ظلها الملازم لها وبين الفينة والأخرى تلتفت إليه وتتوسل بتضرع أن يتركها وشأنها.. إنه عنيد لايسمع الكلام ولايفارقها إلاَّ في النهارات الضبابية وفي الليل أو ان لاذت بظل بيتٍ أو جدار. هاقد رفستهُ ولم يصرخ وظل يلاحقها كالعاشق المتيم على حد قولها. ثم هاهي تستعير حجرة كبيرة بحجم جبل الجاح من قارعة الطريق وترتقي رأس مشهد قبرٍ قديم ثم ترفع الحجرة إلى فوق هامتها وتصوبها نحو ظلها الذي كان هو الآخر يحمل حجرة أكبر من حجرتها، ومن شدة هلعها أزبدت وخرجت الرغوة من فمها الخالي من الأسنان، لحظئنذٍ تيقنت قمر أن نوبة الصرع التي تداهم الذبابةالهبلاء غالباً، قد حلَّ أوانها وفي التَّو رأتها تسقط من على المشهد وتقع فوق ظلها الذي توارى تحت جسدها المنتفض. على سطوح وشبابيك البيوت كانت أغصان الزَّبودَة والرياحين والعبيثران وازهار النرجس تتمايل كلما هب النسيم. فجأة انشق رأس قمر إلى نصفين.. عطست، وتشنج جسمها، سيطر عليها الخوف حينما عصفت الريح واشعلت قناديل السُّقمة فاختلجت طبقات الأرض ورعشت السَّقمة بعنف حتى أوقعت قمر حارات على قفاها ودحرجتها إلى الفوهة التي انفتحت بغتة عند ملتقى الفروع وبلمح البصر ابتلعها تجويف السُّقمة الاسطواني الرهيب. سأستعيد نفسي لأن نار الغيرة شبت في داخلي وقد سهوت ولم أذكر منذ البداية بأنني نقلت حكاية قمر بعود الحناء من دفتر مذكرات قمر جارات وبتصرف إذ من حقي كزوج أن اتصرف بحقوق زوجتي المادية والمعنوية واسطو عليها وانتحلها وانسبها إلى نفسي طالما قد دخلت عليها وأخذت عليها "ألاَّ تفارقني ولاتمنعني من نفسها ومن حقوقها ولاتتزوج بعدي.". سأتخطى حكاية حبنا الذي شهدته اشجار وأروقة الجامعة وازقة المدينة لأن تلك الذكريات تخصنا وحدنا ولابأس من القول ان قلبي قد علق بها منذ الطوَّاف حول جذع السُّقمة وظليت الاحقها حتى انشبت براثني لاأدري أفي قلبها؟ أم في جيدها!! فقرع طبل الوليمة وزفتنا الدفوف وزغاريد البكارى: " كُلُّهْ على شانكقَمَرْ تِهْنَى لكْ.." ومايؤرقني حقاً ويثير غيرتي وينغص حياتي هو حكاية تجردها من ملابسها أمام عود الحنَّاء الذي لاأعرفه. فياليتني لم أطلع على مذكراتها وياليتها مزقت دفترها قبل الزواج. أمَّاسببُ عدم اقدامي حتى الآن على احراق الدفتر أو تمزيقه فيعود في الحقيقة إلى قوة شخصيتها ويقظة ذهنها وحلاوة لسانها فقد نبهتني إلى أن مذكراتها مكتوبة بضمير الغائب ثم إنها لم تتعر بمحض ارادتها وان الخَضِر تَشَبَّه بصورة عود الحنَّاء، وقصارى القول اطفأت نار غيرتي وقدمت لي ثمار السَّقَم المجفف على طبق حَيْسي ثم أطلقت العنان لخيالها وواصلت سرد بقية القصة بنفسٍ واحد.. قالت: بعد أن ابتلعني تجويف السُّقمة رحتُ أهوي إلى أغوار لاقرار لها، فقدتُ وعيي لبعض الوقت وبعد ذلك رأيتُ فيما يرى النائم أنني تحولتُ إلى قُمْريَّة. أي كذلك الطائر الشبيه بالحمام -وكانت اجنحتي مقصوصة، أخذت أهذي بصوت غير مسموع.. "أين أَنت ياعود الحِنَّاء؟!. هل ارسلتني السّقمة في رحلة عجيبة إلى عوالمها السُّفلية؟.. لماذا غدرت بي؟. لم أكن استمع إلى الأنين الذي كان يهدر بداخلي وأنا أهبط بين ضباب التجويف الارجواني. بعد مرحلة وخزت انفي روائح عفنة وهيئ لي انني لمحت عناكب عملاقة تزحف في اتجاه هوام مقيدة بسلاسل كفقراتٍ صدئة وانني اسمع آهات مكبوتة لكائنات غريبة، لم ألحق أن اتعرف على مصدر الصرخات التي كانت تزمجر بحدةٍ، بيد أن عيني اليمنى انفتحت على عتمة برتقالية فابصرت هيكلاً عظمياً لوحشٍ أحنط وجماجم كلاب متحجرة في غضون ذلك تردد في التجويف نعيق غربان ونعيب بوم وقرقرة قرود فتقززتُ من مخاوفي وبدأت أتذكر.. اصبح هبوط جسدي ناعماً، بطيئاً ثم كأن الجاذبية تخلت عني وتركتني معلقة بين السماء والأرض.. انفتحت عيني اليسرى فالقيتُ نظرات متفحصة على التكوينات الهلامية التي احاطت بي. حتى الآن لم استطع حل لغز تلك العيون البلورية والحلمات المتهدلة والطحالب السوداء العطنة، بعد حين لمع برق اصفر وهطل مطر كدم العُصْفُر فبلل شعري وأحال جلدي إلى حراشف صفراء وفجأة بهرني ضوء ساطع هيج بصري وكاد يطفئهُ إلى الأبد، ولم تمض لحظات حتى انجذبت عيوني المتوتِّرة إلى الفتحة الدائرية التي شَقَّت للنور طريقاً فاندلق منها إلى داخل التجويف كحديد مصهور. عبر مسافة مَّيزتُ شكل أكمة وعليها سُّقَمة جرداء ورأيت قرية تشبهُ قريتنا و"دقم" لم أر أكبر منه في حياتي يقفُ شامخاً كالطود وسط "الضَّاحَةِ" المحدَّبةِ وفيه أخاديد كثيرة، كان الهواء راكداً في الخارج ومازاد من استغرابي أن عود الحنَّاء لم يكن على السُّقمة، كما أن المدرسة اختفت من تحتها، وتحت المنحدر الهابط نحو القرية رأيت خيمة من قصب الذُّرَةِ والدخن اليابسة وثمة أحجار ملس مدورة واجنحة تنكية مهشية ولفت انتباهي كائن حي يخرج من بين قصب الذرة والدم ينزف من رأسه. محطماً، متخشباً، تائهاً، اظلمتِ الدنيا في عينيه. تفرستُ ملياً في وجهه فالفيت ملامحه شديدة الشبه بملامح وجه أبي غيمان التي اعرفها من صورته المعلقة بجدار مفرج بيتنا من قبل أن أولد. ياإلهي!!.. أ أبي حي!.. أيعقل هذا؟ أم أنني في وهم؟ ولم أدر كيف أتأكد من ذلك وساورني شك من حقيقة ماأرى. لقد كنت في بطن أمي غالية جنيناً أو مضغة عندما اشعل أبي الفتيل وفجَّر "دُقم الموت" ثم طار إلى السماء واختفى بين النجوم، هكذا قالت لي أمي. تمنيت لحظتئذٍ لو يقف الرجل الذي أراه على قدميه حتى أتأكد من أنَّهُ فعلاً أبي، فعندي الدليل الذي يثبت ذلك.. ليتهُ يقف. فتحتُ فمي لأُناديه غير أن صوتي لم يخرج من حنجرتي وبقيتُ فاغرة فمي كالبكماء. شعرت بالخيبة وغصة كأنها السكين تحز رقبتي. اندفعتُ لأحشر رأسي في الفتحة فارتطم وجهي بحاجز صلب شَفَّاف وتقطر الرعاف من انفي فبقَّعَ صفرة جلدي ببقع حمراء. تربعَ الرجل، لكنه اخفى قدميه بفوطته الرَّثة فخاب أملي، وفي غمرة انفعالاتي ركضت إلى الحاجز الشفاف وكلت له اللكمات، بيد أنه ظل صامتاً كالقبر. ماالعمل؟ من جاء بهذا اللؤح؟.. بكيتُ بمرارة وفيما كنتُ اقاتل اليأس تنبهتُ أن للقرية سوراً وفي السور بضعة أبواب والأبواب موصدة واجتاح فراغ التجويف سجع حمام زاجل، كان عود الحناء قد علمني لغة الطير ولذلك فهمت لغة الحمام..: "تعطل الدولاب.. يرقات الطاعون. القطران.. قصف.. تهدم جدران. دبيب البق. ازيز الزنابير والبعوض والذباب. تهشم الجماجم.." كانت لغة الحمام عبارة عن شفرات لم أدرك معانيها إلاَّ في وقت متأخر. في تلك الأثناء وخزت شوكة حادة فم معدتي فقئتُ سائلاً يشبهُ القطران ثم لفني ظلام ليل دامس ولاح من بعيد ضوء مسرجة كابٍ يقارع أشرس ظلمة، كان يرتجف في كُوَّةٍ اغتصبها السَّخَام وتحت أخشاب سقف الغرفة الكئيبة رأيتُ الرجل نفسهُ يهذي. هذه المرة كان واقفاً وعندما توجه نحو الشُّبَاك وهو يعرج ضج داخلي وتوترت اعصابي فقد تأكدت أنه أبي.. إنه يعرج، إنه يعرج!! هكذا حدثتُ نفسي ثم شعرتُ بوحشة خانقة. كان يقلب يديه ويشدُّ شعر رأسه الأكرت،سمعتهُ يقول: "دُقم المنية: مقام عبد الرخام والغربان والكلاب والقرود الممسوخة: جيشهُ الحافي. أما البوم. أمهات الخراب: فَحُجَّابُ مقامه وجواسيسه. قضت الغربان والقرود على الزرع وبالت الكلاب في الينابيع والآبار فجفت. جفَّ الضرع وكنست مكنسة الساحر نجوم السماء.. قضى على العصافير. شَوَّه الوجوه وقَزَّم القامات. عمَّم القذر والعاهات. للقرية سور. في السور أبواب موصدة والعزلة: تشريع مُلزِمْ. الطاعون: خل وفي، لاتطفئي ضوءك يامسرجة البيت، كانت محاولة من المحاولات ولن تكون الأخيرة، تبَّاً لأجنحة- عباس بن فرناس- التنكية، لماذا لم تحملني حتى "دُقم المنية." والأحجار الملس المدورة -الراجمات- التي وضعتها حول حقوقي والحجرة الطويلة المدببة -باصقة اللهب- التي شددتها بين عظمتي فكَّيَّ لأقذف بهن في الوقت المناسب فوق مقام عبد الرخام وادكه دُكَّاً، هاهن الآن مستلقيات يندبن حظي بجوار اجنحتي التنكية المبرقعة بدمي. كانت الانطلاقة وقت الفجر من اعلى فرع من فروع السُّقمة صوب "دقم الموت" فالتحليق الذي لم يدم طويلاً ثم السقوط المريع. كان الفجر ملبداً بالنزيف عندما استلقفتني- ويالحسن حظي!! - خيمة قصب الذُّرة والدُّخن فانكسرت ساقي. الريح التي لم تقو على حملي حمحمت ولامتني لأنني لم أسأل النسر كيف يسبر أشرعتها ولأنني أيضاً نسيت أن أصنع ذُناباً.. يالغبائي كيف نسيتُ ذلك؟." مرَّ وقت وهو يلكم الجدار حتى تناثر منه الرَّوث والطين ثم فتح الشباك بعصبية حتى خلع درفته فمجت شمس الصباح الحمراء بشعاع أغشى بصري للحظات ولما زالت الغشاوة اجتاحتني سعادة غامرة لأنني رأيت باب دارنا يفتح فخرج منه أبي ومن بعده خرجت أمي غالية ودخلا في ضوء الصباح ثم سارا في "مخلافِ" القرية متجهين نحو الجبل، كانت أمي تتهادى خلف أبي بخطوات رشيقة، تتبعته خطوة إثر خطوة دون أن تحيد ولاحتى أنملة عن مواطئ القدم السليمة وآثار القدم الخشبية وكان الزنبيل الذي صنعته من سعف النخل يتمايل في يدها مقلداً تمايل قامة ابي النحيلة كقصبة السكر، ولاحظتُ أن ثمة توتراً غامضاً يلعب بأعصاب القرية وتوجساً يحوم في سمائها، ناحت الحمامة من ركن دار النجد كأنها تجيب عن أسئلتي: "كوكو.. نبذوا الخوف. كُرُكوكو.. اصبحوا واسعي الحيلة" فاستغربت من نباهتها. كانت القرية قد غابت خلف أبي وأمي عندما وصلا "هَيْجَة مِسْكَة" فاستقبلتهما نسمات الجبال العليلة ومن أدواحها استنشقا الطِّيب كلّهُ فزال التجهم الذي لمحته قبل ذلك من وجه أبي. التفتَ وحدج أمي بنظرات مفعمة بالحب.. خفق قلبي وأجابته وجنات أمي التي توردت وتلك السحب القرمزية التي كانت تتجمع في الأفق. مضى أبي يتفحص أوراق وازهار والياف الأعشاب البرية بسراجي عينيه وعروق أنفه وعدسات أصابعه. لم أقل لكَ من قبل أنه اكتسب خبرة كبيرة في تحضير الأدوية من الأعشاب وانه قد جرب الكثير منها على نفسه وتذكر أمي عدد المرات التي أخفق فيها وشارف على الموت لولا لطف الباري والمداواة بالتي كانت هي الداء على حد تعبيرها وفي الأخير توجهُ الأهالي كطبيب شعبي لايضاهى، فوشت به البوم وزج به عبد الرخام في سجن الضَّاحةِ سنين عديدة بتهمة الدجل والشعوذة ولم يفرج عنهُ إلا بعد أن كتب اقراراً بعدم ممارسة الطبابة ومع ذلك كانت تأتي إليه الناس سراً. ومن فتحة التجويف الدائرية شاهدت أمي وهي تقطف الأعشاب وتضعها في الزنبيل ولما بلغا حَيْد الطَّاهِش" كان الزنبيل قد امتلأ بالحرمل والحِزَنْبَل والبرَدقوش والخوعة والزعفران والمريمرة والعباب واعشاب أخرى لاأعرفُ أسماءها. في تلك الأثناء حملت الريح أغنية راعي غنم، اجتازت المسافات وانسابت عذبة ودافئة في الآذان: " أحبَّك قُلتهامن قَلب عاشقْ وفي حُبَّك إلى الأذنين غَارقْ.." وقف أبي غيمان شارد اللُّب يرنو إلى جبلِ الطَّيارِ فيما تجمدت أمي فوق صفا الحَيْدِ، وكأن أبي أحس بدماء ساخنة تندفع إلى جمجمته رأيتهُ يفترسُ أمي بنظرات نهمة وكمن تملكتهُ رغبة جامحة لفعل الحب في الفضاء المفتوح حث خطاه وضمَّ أمي إلى صدره بتهور وكما يبدو أن رائحة الأعشاب الطرية أثارت غُلمته فعض رقبة أمي فاعترتها رجفة وندت منها آهة وقالت له: - غيمان!!.. ماذا دهاك؟أجاب بأنفاس متقطعة: - غالية!..انسلت بخفة من بين يديه العرقتين وسددت إليه نظرة شزراء. آنئذ فقط لمحتُ تكور بطن أمي فانتفضت من القشعريرة التي سرت في بدني واعترتني حمى راقصة، أسمتُ بصري بوجه أمي الباسم وبيديها التي أمسكت بيد أبي ثم حطتها على بطنها فقال بعد أن اصدر شهقة فرح: - إنهُ يتحرك!!سألتهُ: - ماذا سنسميه؟رد بصوت قوي: - غيلان..- وان هي انثى؟- قمر..دارت امي حول نفسها وهي تهتف: - قمر.. قمر حارات..اعترتني حالة غريبة من الهيجان، ضربتُ الحاجز الشفاف بقبضتي المتشنجتين وركلته حتى أدميتُ قدمي، وددت في تلك اللحظة أن أكون هناك.. تفجرت براكين داخلي وجرجرت حديد عجزي وشرخ الحزن شغاف قلبي، سجعت الحمامة من جديد.." أنتِ هناك.. أنتِ هناك" فأخمد صوتها ثورة غضبي وثبتُ نظري في الفتحة الدائرية المشؤومة فخيل لي انها ازدادت اتساعاً عما قبل وتعجبت لذلك ولوضوح الرؤيا وصفاء الأصوات الآتية من خارج التجويف واستغربت من عدم استطاعتي الانفكاك من سياج السقمة المضروب حولي. فجأة دوى صوت النفير وقطع حبال تأملاتي فرفعت حاجبي وسمعت أبي يقول: - دنت ساعة الصفر ياغالية!!نشبت الحيرة أظفارها في وجهي وبرقت الدهشة من عيني عندما رأيتُ أبي يشد إزاره ويخرج من تحت حزامه درعاً من جلد الماعز ثم راح يقيس بعينيه المسافة إلى رأس أكمة حارات، وازدادت دهشتي عندما برك على ركبتيه ودسَّ رأسهُ بين ساقي أمي ثم رفعها فوق كتفيه ووقف يدق الأرض بحوافر فرسٍ استشعر الخطر ومالبث أن انطلق يصعد الجبل وثباً، كانت اندفاعته عاصفة حتى أن ساقه الخشبية راحت تتخطى الصخور والأشجار الشوكية القزمة وتقذف إلى خلفها بالحصى المنقدح بالشرر. وبلغ قمة الأكمة وقد هدَّهُ التعب ثم وضع أمي تحت السُّقمة وهو يزفر وصدره يصعد ويهبط كالكير، وقف يسترد أنفاسه فيما أسرعت أمي تخلع ثيابها باستعجال,. صرختُ فرعد صوتي لأول مرة في التجويف فقد رأيت أمي عارية، ماابدع قدها.. سبحان الخالق. وطفرت العبرات من عيني.. رأيت نفسي في انتفاخ بطنها، وبدون شعور تحسستُ بطني الضامرة وفي الحال غطى جلد الماعز عري أمي ورجفت الأرض ثم قذفت بها مسافة مترين من جذع السُّقمة وهي تضحك بلاانقطاع، لم الحظ كيف نمت لها أجنحة وكيف طارت إذ رأيتها تحط فجأة فوق فرع عال من فروع السُّقمة وشرعت تجمع أكبر قدر من الثمار ثم ناولت أبي الزنبيل الذي أضحى ثقيلاً وارسلت قبلة في الهواء تلقفها والدي مع الزنبيل ورد عليها بنظرة وارفة واتجه مباشرة إلى المنحدر الصخري ومن هناك أطلق الاشارة التي رددت الجبال صداها وبعد وقت قصير مزق الأذان لحم السكون. وقفت أمي على احد فروع السُّقمة العالية ترقب بانتباهٍ ماكان يجري في "دُقْمِ الموت" وهي ممسكة بأعلى غصن. في تلك الأثناء سمعتُ زمجرة رهيبة لطائر الرخمة وكأنه عرف حقيقة مايجري فقرر ادخال الرعب في النفوس أو هكذا خيل لي بعد أن بدأت الأحداث تتضح أمامي. وكمن أراد الامساك بزمام الأمور قبل استفحالها اعتلى عبد الرخام صهوة الريح وطار حائماً فوق القرية وهو يطلق اصواتاً بشعة..: "هذا الفرس وهذا الميدان!" في غضون ذلك عربدت الفوضى في الضَّاحَةِ وتلبدت الأجواء بسحب الخوف السوداء واعلنت حالة الطوارئ والاستنفار ثم أخذت الأمور تتطور بسرعة مذهلة. دوى نفير الهجوم وبعد ثوان احتجبت الشمس خلف أجنحة الغربان وانطلقت القرود والكلاب المسعورة من ثكناتها تزعق وتنبح باصوات تصم الآذان. سمعتُ ضجة كبيرة تتعالى من انحاء متفرقة في القرية أعقب ذلك وقع معارك ضارية وشاهدت أمي تثبِّتُ قدميها على الفرع الواقفة عليه تختبر ليونته وقدرته على حملها، ضغطت عليه بجسمها فانحنى كالقوس في ذات الوقت اقبلت اسراب الغربان إلى السُّقمة فشعرتُ بتهيج داخلي ودفقات من الدماء الثائرة تدبُ في جسدي ولمحتُ ياللهول، لمحتُ عبد الرخام في وسط حشد الغربان الهائل يندفع مصوباً نظرات نارية إلى أمي التي كانت تنظر إليه بهدوء وبلاخوف وتحدق في قوادمه ومخالبه الحادة التي خرجت من أغمدتها كالسيوف القاطعة، كنت ارتجف في التجويف واستبد بي القلق ازاء فكرة فشل مهمة أمي غالية الغالية، وكأنَّ أمي كانت تساورها نفس الفكرة فراحت تلتهم مجموعة من ثمار السُّقمة دفعة واحدة. ومثل زوبعة عنيفة انقضت طلائع الغربان على السُّمقمة وهي تطلق نعيقاً جنونياً، بيد أن أمي استجمعت قوتها ورعشت السقمة رعشاً متواصلاً وهي تطلق صرخات القتال المدوية فاستجابت كل الفروع والأوراق والأغصان لها وكالت اللطمات القوية وساطت وجوه وصدور الغربان المهاجمة التي انذهلت من هول المفاجأة فسقط العديد منها مضرجاً بالدماء ولفظ انفاسه في القاع فيما انحشرت غربان أخرى بين الأغصان المتشابكة الهائجة وفقدت ريشها وتكسرت اجنحتها، شنت فلول الغربان المتأخرة هجوماً وحشياً، واستمرت الحرب بين كر وفر ونجحت بعض الغربان في احتلال مواقع هامة على السقمة وحينما رأت الثمار انهمكت في التهامها بشراهة حتى تخدَّرت فتنبه عبد الرخام لذلك وصرخ وزمجر كأنه يامر الغربان بنقر عيون غالية ولما أدرك أن صرخاته ذهبت أدراج الرياح جن جنونه ولفَّ مدوماً حول السقمة. ادركتُ أن طوق الحصار قد اختل بفعل مقاومة أمي وعون السُّقمة فشعرت بارتياح عميق وقرأت معنويات أمي العالية من عيونها التي كانت تشع. انقض عبد الرخام بصورة مفاجئة وهو يسدد مخالبه الفتاكة إلى عيني أمي.. صحتُ محذرة، لكن أمي كانت مستعدة للهجوم المضاد فاهتبلت الفرصة الغالية التي كانت تنتظرها بصبر نافذ وضغطت بكل جسمها على الفرع الواقفة عليه كما يشد الرمح على الوتر وعندما أصبح عبد الرخام على قاب قوسين منها أو أدنى حررت جسمها فارتد الفرع المنحني وقذف بها مسافة في الهواء وبكل رشاقة واقتدار أمسكت بقوادم عبد الرخام الذي زعق زعقات مرعبة وتخبط في الجو فانقذته أجنحته القوية من السقوط وطار مرتاعاً والعرق ينضح من بين ريشه ثم التف بصعوبة حول السُّقمة وهو يحمل أمي كجدي من تلك الجداء التي اعتاد اصطيادها. كنتُ أبكي واضحك واصفق واهز شعري وارقص كالمجنونة في التجويف. رفرف قلبي بين ضلوعي وانا أشاهد أمي تحكم قبضتها على قوائم عبد الرخام، لكي لاتسقط من شاهق إلى أسفل سافلين وبعد أن تيقنتْ من أنها اتقنتْ دورها استنشقت الهواء المنعش وتركت الريح تداعب خصلات شعرها الطويلة. كانت معلقة كقرطٍ من العقيق يتدلى من أذن الفضاء، ولما وصلا إلى فوق المنحدر الصخري رأيتُ ألسنة النيران تضخ بدخان كثيف من مواضع مختلفة من القرية وسمعتُ قرقعة أسلحة بيضاء ونباح كلاب وقرقرة قردة واصوات حرب صاخبة. مرت اسراب من الغربان من تحت أقدام أمي ووجهت وجهتها إلى الضَّاحةِ وسمعت البوم تنعب بسرور في "دقم الموت" وكأنها تهيئ المراسيم لاستقبال زعيمها. كان عبد الرخام منتشياً وهو يحلق بزهو فوق القرية مستعرضاً قوته وجبروته، مشجعاً جيوشه على قمع الفتنة واطفاء نارها باسرع وقت. هاجت الكلاب والقرود حينما رأته يحمل أمي بين مخالبه وقاتلت بشراسة ليس لها نظير، ورأيت الأهالي وقد استولت عليهم رغبة مجنونة للتحدي فاندفوا كالحمم يرمون بأنفسهم في جحيم المعركة الضروس، انهالوا بالفؤوس والمجارف والحجنِ والعصي والسكاكين على رؤوس القردة والكلاب. في ذات الوقت جمعت الغربان صفوفها وشنت هجوماً كاسحاً على القرية وقصفت الأهالي بنعيقها الصَّاخب وانقضت كالعواصف تقتلع عيونهم وتنتزع القلوب من الصدور بمخالبها الجهنمية، غير أن أحجار المقاليع والسهام المسمومة والكمائن المنصوبة والأذرع القوية المعصوبة بالخِرَقْ والخيش المشبع بصمغ "الكُرَادِ" و "الدَّمدهان" كانت لها بالمرصاد.. كانت الحرب سجالاً وفقدت القرية الكثيرين من ابنائها. عمت البلبلة وسادت الفوضى في صفوف جيش عبد الرخام فنزعت متراجعة إلى الضَّاحة. في تلك الأثناء تكاثفت الغيوم في عيني الطائر الرخامي وأحَّس بالنار تشتعل في ضلوعه فانحرف فجأة عن مساره ومال في الفضاء بقصد التلاعب باعصاب أمي غالية وارسالها إلى عالم الأبدية. غامت الأشياء في عيني أمي وانزلقت يدها من فوق ريش الساقين فوقع قلبي.. استماتت أمي في السيطرة على القوادم الخالية من الريش هناك فوق المخالب تماماً فتنفستُ الصعداء ثم مرت ثواني كبتت أمي خلالها توتر أعصابها باستنشاق مزيد من الهواء النقي بعد ذالك وكأنها قررت أن ترد على غدر عبد الرخام . شاهدتها تحرك جذعها كبندول الساعة ثم دورتهُ كالخذروف في الجو وكانت تضحك وتضحك مما أحدث ارتباكاً في انسياب طيران الرخمة وعقدت لسانه المفاجأة فتخبط مضطرباً وخفق جناحيه بحركات معقدة ولم يخرج من المأزق الذي أوقعته فيه إلاَّ بشق الأنفس ومن ثم تابع طيرانه على غير هدى وكأن خنجر الخوف قد أغمد في صدره. زحف السرور إلى قلبي وتوهجت فيَّ جذوة الأمل عندما رأيت الملاية البيضاء في موضع النَّجُوَدة وقد شدت باحكام إلى جذوع الأشجار العالية فايقنت أن اللحظة الحاسمة قد حانت. سطعت من عيني أمي هزة روحيةعنيفة وهي تنصت بكل جوارحها إلى أصوات أهالي القرية التي كانت تناديها. ناديتُ أمي معهم: " ياماسكة السَّاقينإمسكي بِسَاقْ.." شعرتُ بأن كل ذرة من كيان أمي قد استجابت للنداء فداهمتها جملة من الأحاسيس المتناقضة وراحت تحضر نفسها للخطوة الأخيرة، لأخطر نقلةٍ على ضوئها سيتحدد مصير القرية. تجرَّدتُ من مخاوفي عندما سمعتُ أمي تقول: "الهي كن بجاهي.. عليك توكلت.. بسم الله، وبحركة خاطفة وموفقة نقلت يدها اليسرى إلى جوار اليد اليمنى وبكلتا اليدين قبضت على ساق واحدة من قوادم عبد الرخام ثم سحبته إلى الأسفل بكل ماأوتيت من قوة. كانت الشمس في أوج حماها عندما بدأت شوكة النصر تميل إلى صف الأهالي. خرجت البوم لاستقبال مقاتلي "دُقم الموت" العائدين بالجرحى وحينما عرفت منهم حقيقة الموقف ناحت بالنعيب وادركت انها لامحالة هالكة فحاولت الهرب غير أنها اصطدمت بأشعة الشمس الحامية فلم تقو على الرؤيا وراحت تخبط خبط عشواء. التهم الفزع وجه عبد الرخام واسودت الشمس في عينيه فتمزق في ظلمات الشك واختل توازنه، أحسَّ بالآم مبرحة في جسده وبانسلاخ عُروق ساقه التي امسكت أمي بها فتحول كل ثقلها إلى هذه الساق، حاول أن يقوم بمناورات في الجو فأخذ يخمش وجه الريح في محاولة يائسة للوصول إلى عيني ووجه واصابع أمي غالية، بيد أن كل محاولاته باءت بالخسران.. اصطك منقاره الأصفر وتصلبت أجنحته ولما ارتخى ذُنابه خارت قواه وعزيمته ثم هوى إلى أسفل سافلين تطلعت أمي إلى موقع الملاية البيضاء وبرغم الارهاق الواضح في وجهها استطاعت أن توجه هبوط عبد الرخام إلى النقطة البيضاء، كانت الريح مواتية، وكان قلبي طرباً يغني داخل تجويف السُّقمة والهبوط كان يجري بنجاح، وفيما كانت أمنا غالية تقترب من الأرض أخذت أحجام الناس -كما قالت لي لاحقاً- تكبر وتكبر في عينيها حتى صار الواحد منهم بحجم جبل "الجَاح" وجلجلت أغنية حبهم في دروب الفضاء: ياسُقَمةَ ياعالية ياأُمنا ياغاِلَيةْ | ||||||||||||||||||||||||||||||
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |