الربع الخالي - محسن خضر

قصص - منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:56 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

امرأة وحيدة في مجرة التبانة

"ها أنا وحدي‏

وأمشي مثل ذئبين معاً فوق المياه‏

رافعاً بالمخلب الأزرق‏

ميزان جروحي‏

تسقط الأنجم كالفخار في قبضة روحي‏

ثم أعوى‏

كي توافيني دلافين البحار"‏

"محمد على شمس الدين"‏

- من سنوات الأرق-‏

1- اللهم أجعله خيراً‏

ثلاث دقات بالمقبض الحديدي على الباب فتحت فوهة الجحيم، أجفل القلب المسكون‏

بالترقب، أي تبديل طرأ على ناموس الكون هذه الليلة! أتستديم استدارة الأرض؟ وهذه النجوم‏

النصف نائمة والنصف ساهرة متى تركن للتقاعد؟ وفي المبتدأ سادت الديناصورات العالم حتى‏

طردت من الخدمة لبطئها الشديد، ولم تصرف مكافأة نهاية الخدمة، لو أكل نيوتن التفاحة بدلاً‏

من التحديق فيها لجنب الكلبة "لايكا" مصيرها الأليم، للدهشة فصول للتفاحة؟‏

- المهندس طارق الصاوي؟‏

- نعم‏

- شقيق السيدة حنان الصاوي‏

- هه! نعم . ماذا؟‏

- من فضلك وقع هنا، طلب حضور إلى قسم شرطة.. لمقابلة السيد معاون المباحث.‏

للكوابيس ألوان زاهية. يستدعي كوابيسه السابقة. مررت بهذه الحالة من قبل. خيمتك‏

بالكتيبة 47 مشاة، ظلام سيناء المقبض نسمع عواء الذئاب مختلطاً بدمدمة الجماجم. ربما‏

تنتسب إلى أزمنة الفراعين أو العثمانيين، ربما كان جدك الأكبر واحداً منهم، ابن عم لأمك‏

سقط في هجوم الغدر الثلاثي في 56، فلتحترم رقدته، وجارك عادل الأبيض راح في مذبحة‏

67. كيف أميز أرواح الشهداء من عفاريت البغاة؟‏

تترك شمعة مضيئة في الخيمة، نخفي أطرافنا بمهارة تحت غطاء البطاطين. للدفء‏

شهوته الطاغية، فمن يستحضره لرقدتنا.‏

كثيراً ما استيقظت في الليل يشطرني الخوف والبرد، طابور من الجرذان يطأ جسدك،‏

ويناهز الواحد منها حجم قطة متوسطة، أتأكد من احكام الغطاء حولي، رفيقي السمين يمد كفه‏

بضربة مباغته تدك أقربها إلى يده، تهرب بقيتها مؤقتاً قبل أن تعاود هجماتها، يخلد رفيقي إلى‏

استنامته اللذيدة يؤشرها شخيره المنتظم الثقيل، هل تشم الفئران رائحة خوفك؟‏

2- ولله في خلقه شئون‏

عالمي كنت: النهر والضفتين، الخشية والرجفة فالدعة والسكون. تستحضر ردود‏

أفعاله: انقباض عضلات وجهه حاجباه المرفوعان الأقرنان الكثيفان لازمته عندما يتشكك فيما‏

يسمعه.‏

كفه تمسح خصلة شعره المنزلقة على جبينه في حركة آلية، كتفاه المنحنيان من تأثير‏

جلوسه الطويل فوق المكتب، أصابعه ترسم حروفاً وأشكالاً وهمية في الهواء الطلق عند‏

انفعاله، أنسي يوم ارتميت في صدرك يوم طلاقي، يهبني الحضن احساساً مركباً من الدهشة‏

والرفض والتحنان، يمتص الجدول البارد سعير نحيبك وتداعيك، وتتكفل كفك الرابتة علي بأن‏

تهبني اطمئناناً حقيقياً وسلوى مستديمة.‏

قادم في الطريق إلى قسم الشرطة لتنفجر فضيحتي في وجهه، بتحنانه وألمه الممزوج‏

بالدهشة، فبأى وجه أطالع اشراقته؟ سنواتك السبع التي تكبرني بها سدّي وسندي.‏

عندما نجحت في الاعدادية كنت في الصف الثاني الابتدائي، وعندما أنجزت مشروع‏

تخرجك بكلية الهندسة كنت أتعثر في امتحان الثانوية العامة، وعندما انهيت معهدي ذا العامين‏

كنت قد انهيت مدة تجنيدك، عند تخرجي بكت أمنا واحتضنتني وطرت بي في الهواء وسط‏

ضحكاتنا الصاخبة علامات محفورة في ذاكرتي: تسلمك خطاب القوى العاملة، فرحة أول‏

مرتب، بهجة سفرك في مهمة تدريب إلى فرنسا، نزهاتنا وأحاديثنا وأحلامنا... ويوم تسلمت‏

بطاقة معايدتك الأولى من باريس كتبت لي:‏

أختاه، عالمي ضيق بدونك، فمتى يعود لعالمي اتساعه وتمدده؟‏

3- الملك لله... الملك لله‏

تعرف ما بين الوريد والوريد من عشق قطرة الدم وقطرة الدم من صلة قربى، وما بين‏

الزفرة والزفرة من تواد، وما بين المرفق والساعد، والعين والحاجب، والرقبة والرأس،‏

والشفة والشفة، والكاحل والساق.‏

لزمن الأكاذيب قدرة عجيبة على التخفي والمراوغة، وللوجوه لمعة مريبة أخاذة،‏

للتصريحات نعومة الأفاعي وملمس المياه تنطلي على السذج رحم الله أمي يخزني دعاؤها‏

المفضل "ربنا يسعد أوقاتكم" وقبل وفاتها الخاطفة أوصتني بك "خيتك يا طارق، دمك ولحمك،‏

فليس لها رجل سواك"‏

توصيك بي بالحاح:"في أيامنا العصيبة يا ضناي يندر وجود الرجال، أخوك الحائط‏

والسد، فلوذي به".‏

عندما أوصلتك إلى منزل عريسك، وعدت وحيداً تنازعني شعور أن الوحدة والراحة عيناك‏

في رنوهما الأخير نشدت الصفح، وكأنك تعتذرين عن انفراط عقدنا.‏

يوم وارينا أبانا مثواه الأخير عدنا ثلاثتنا منكسرين لأئذين ببعضنا البعض، وعندما‏

رقدت أمنا في دار الحق، أعسرتني المسؤولية وشاقني أمرك، وعدنا وحيدين منفردين‏

بفجيعتنا، وبعد وداعك عدت وحيداً إلى وطننا، الشقة الخاوية إلا مني، أدرت المسجل وغسلني‏

صوت فيروز من حزني بعض الشيء تماماً كما كنا نفعل سوياً. سأسمعها بمفردي منذ الآن‏

فصاعدً.‏

الملك لك، الملك لك، استقبلنا الحياة بالصرخة ونودعها بالشهقة فطوبي للمحزونين. وما‏

بين المنبع والمصب يمضي نهر العمر طاوياً أسراره في جوفه.‏

4- والله يفعل ما يريد‏

تقاسمنا اللقمة والثوب والفرح’، لا يمل أبونا من ترديد عبارته المفضلة عندما يضيق به‏

الحال "استرها يا كريم".‏

في أيام مراهقتك كنت أسمعه يتلو عليك وصيته، التي لا أعي معناها جيداً "يا بني، إذا‏

أردت أن يحبك الله فخفه وأطعه، وإذا أردت أن يحبك المخلوقون، فأحسن إليهم، وأرفض ما‏

في أيديهم، وإذا أردت أن يثرى مالك فزكه، وإذا أردت أن يطيل الله عمرك فصل ذوي‏

أرحامك" يضغط أبونا على العبارة الأخيرة وكأنه يستودعك سره وأمانته وهمه.‏

عندما كبرت فهمت التعويذة التي يلقنك أبي أياها باستمرار، أما أنت فكنت تردد في‏

أوقات ضيقك أو ضيقي عبارتك المميزة الساخرة" فليدم الله علينا الفقر والجدعنه" وتسرع أمي‏

تكمل في جزع "والستر يا بني".‏

لو نطقت يمينك لقالتا: كنت كريماً معي، ولو نطقت عيناك قالت: كنت تؤثرني على‏

نفسك.‏

يوم سفرك إلى فرنسا أودعتك خصلة من شعري، وعند عودتك ابتعت لي أجمل فستان‏

ارتديته في حياتي: فستان فرحي.‏

تخونك عيناك عندما تسمع أغنية عبد المطلب "ودع هواك" يبثها المذياع. ترمق صورة‏

أبينا بانكسار، تعرف كم كان يحبها ويرددها عندما يكون مزاجه رائقاً، وعندما أنسى وأشعل‏

عود بخور، تسح عيناك، فقد كانت تلك عادة أمي كلما كانت هادئة، فتملأ المنزل برائحة‏

البخور.‏

زوجي كان يغير منك، تصارحني بشكوكك نحوه فأكذبك ولكني واجهته بالحقيقة في‏

مشاجرة بيننا "أظافر أخي برقبتك" يشتعل وتمتد يده نحوي في وحشية.‏

غداة زفافي أنذرته ضاحكاً "وأنت تزورنا في الصباحية":‏

- سامزقك إذا مسستها بسوء.‏

وعندما فاض بي ذات مرة، وبحت لك بعذاباتي، وطالعت آثار عدوانه فوق وجهي‏

وذراعي كدت تفتك به، وقد استحلت عدوانياً لا عقال لك. جاء كلامي في النهاية مرفأ‏

خلاصي الوحيد من نذالته: البخل والوحشية ولتكن خيبتي حملاً آخر ينوء به كاهلك.‏

5- والكاظمين الغيظ‏

ها هي ذي تسير بجانبك خافضة الرأس، أين جدران العالم الأربعة لأستند إليها‏

"ضبطناها في منزله اثر بلاغ من مجهول، مديرها في العمل، ادعت أنها جاءت في مهمة‏

عمل، ولكن ضبطت في ملابس منزلية، سأكتفي بتعهد في هذه المرة، قلبي معك، وأثق في‏

حسن تدبيرك".‏

يستدعي من الذاكرة مشهداً مماثلاً في فيلم لعمر الشريف وهو يجر أخته الساقطة، ثم يجبرها‏

على القفز في النيل ويتبعها بدوره، أحسدك أيها النهر العجوز على التهام كل هذه الفضائح‏

دون تذمر، فبأي وجه نلقاك.‏

عندما أحضروها من الحجر رمقتك بنظرة لا تنساها، أي نقطة يبدأ عندها الانحدار:‏

وشت النظرة بشعور الخزي أم التضرع؟ للسقوط جنسية مزدوجة، زاوية قائمة لا يكون مثلنا،‏

تحتاج معظم الأنواع الحيوانية إلى اجتماع اثنين، لماذا لا يكون ثلاثة: الذكر والمؤنث وجنساً‏

ثالثاً؟ ما المانع أن نتخيل عالماً يولد فيه الانسان باجماع ثلاثة أفراد بدلاً من اثنين؟ قد يكون‏

النسل عندها مفزعاً: ديناصورات وسحالي وقناديل وديدان وساعتها ينقرض البشر، فأي ملهاة‏

نمارسها ساعتها؟ ستتغير قوانين الأرث بالتأكيد، ويحمل الأبناء أسماء ثلاثية لأبائهم، ومن‏

تكون له الكلمة العليا في الأسرة: الذكر أم الأنثى أم الجنس الثالث؟ يبقى للجنس الكلمة العليا‏

في كوكبك أيها المسكين، يمتلك كل طرف نصف الحقيقة، وتحتاج الحقيقة المخبوءة إلى واحد‏

صحيح لتنكشف وتروج، أحسد الكائنات العديمة الأعضاء التناسلية التي تتكاثر بالانشطار أو‏

التبرعم، وتستغني عن طرف آخر.‏

آه لو ينسحب ذلك على نوعنا البشري، آه لو فعلناها مكتفين بذواتنا، ألا يغدو العالم أكثر‏

بهاء واشراقاً؟‏

اكسري الصمت يا امرأة، فلننبس بشيء، فلينفجر أحدنا أو يختفي، من أكون في نظرك:‏

عمر الشريف أم خط الصعيد؟‏

6- والنفس أمارة بالسوء‏

للوحدة قانونها النافذ وسطوتها الآسرة، تنحسر المدينة إلا عنك.‏

وأنت يا عالمي ودفئي سافرت إلى البلاد المشرقية، وخلفتني دونك وحيدة، فأي حيز‏

يلفني وأي فراغ يضمني، امرأة مطلقة وحيدة في مدينة صاخبة عجوز، عرف مديري نقطة‏

ضعفي، رجل ناجح قوي يجيد ادراة الاسطوانات الكاذبة المعسولة، وامرأة وحيدة محبطة لأخ‏

غائب، لعله استمع إلى أغنية القلب الكسير، يغدو العالم بك أكثر امتلاء وأرحب، تبدأ المكيدة‏

بكلمة محايدة، فعبارة موجبة، فعرض مفتوح، فمبادرة صريحة وقحة تصب في أذن امرأة بلا‏

ذكر، مصيدة كبيرة تبتلعك وفخ تعيه ولكنك تندفع. للجدران برودتها لعللك كابدتها بعد‏

زواجي، في الأمسيات الباردة الصامتة تطبق عليك الجدران فتصهرك وتتركك بلا أمل.‏

تشي المدينة ببرودتها وتسخو بفضائحها، وعندما لا يكون متاحاً لك إلا أن تستنشق‏

أكسجين الأكاذيب والخيانة، أين يكون الفكاك؟‏

رجل قوي كاذب وامرأة وحيدة محبطة.‏

أفرغت ما بمعدتي وأنا أشم رائحة عرق المرأة المكتنزة المتهمة بالاتجار بالمخدرات‏

كانت أبشع رائحة شممتها في حياتي.‏

رجل قوي يضمك إلى دفئه ويغويك بفحولته ويخدرك بأكاذيبه فلتكن فضيحتي نقطة‏

تضاف إلى نهر الخزي في مدينتنا.‏

امرأة وحيدة في مدينة بائسة، في وطن عجوز، في كوكب بالمجموعة الشمسية بمجرة‏

التبانة يضم الكون مائة مليار مجرة كمجرتنا، بها عشرة مليارات تريليون نجماً.‏

يوجد بمجرتنا فقط 400 مليار نجم، ومن كل هذه النجوم لا يعرف سكان كوكبنا سوى‏

نجم واحد هو الشمس، وأصغر نجم يمر بسقف الكون الذي يظلل امرأة وحيدة محبطة، يحتوي‏

عشرة آلاف شمس كشمسنا في الحجم، أو تريليون كرة أرضية!‏

من أبلغهم بسقوطي: مطلقي أم زوجته؟‏

تكلم، أخرج من جلدك، اسحقني أو هبني الخلاص، لم أحتمل سفرك طوال ثلاث سنوات‏

كاملة تسخو فيها بمكالمة هاتفية كل أسبوع، وعطلة شهر في كل عام، فهل تحتمل فضيحتي.‏

7- والعافين عن الناس‏

اخترت طريقك يا بنت أبي هذا نيري وقدري، فلا تعاتب يا ابن أمي، قيل لي يا غريبة‏

عني: لو أهلناك لهذا، لما احرقناك بهذا، من أذن لك بفض ما طويناه ومن أباحك الاطلاع‏

على ما خبأناه، أهذا فراق بيني وبينك يا رجلي الوحيد في المجرة، أحببتك فلا تبتغض،‏

أخلصت فأقلعت، وسألتك فسافرت، وأبطأت فتعثرت، وغبت فجبنت ووقعت، من يقاسمني‏

وحدتي وخيبتي، ثلاثة رجال في طريقي: الغادر والقادر والمأخوذ، قال الأولان! إنني رائعة‏

في الفراش، وتركني الثالث لأواجه المدينة وحدي، فهل تقاسمني فضيحتي يا أعز الناس، لو‏

يقع زلزال، تطيح بنا سيارة، أو يقضي الله أمره، من يقطع هذا الصمت الممرور- الذي يلفنا؟‏

أعجز عن الاستدارة نحوك، وأن أحدثك، كيف سيضمنا منزل واحد، ومن يمد يده فيستعيد‏

عصر البراءة والعذوبة، سأريحك من عاري، قسم الله أن نفترق ويمضي كل منا في طريق،‏

ما طعم السقوط يا بنت أبي؟ هل أستسيغ طعم الصفح لو صفحت يا ابن أمي؟‏

من..؟هل..؟‏

القاهرة في 10/7/1995‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244