د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:56 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عربة الرغبة... عربة الجنون

في مقدمة كتبها وليامز لمسرحية(بيت الحيوانات الزجاجية) يقول"، هذه الملاحظات التي أدونها ليس المقصود منها أن تمهد لهذه المسرحية بل أنها تتصل بفكرة تكوين مسرح لدن طيع جديد ينتصب على أنقاض مسرح العرف والعادات والقصص الواقعية المستهلكة.أنني أريد للمسرح أن يستأنف الحيوية النشيطة كجزء من ثقافة البشرية". كانت مسرحية بيت الحيوانات الزجاجية أقل مسرحيات وليامز عنفاً واقتراباً من فكرة رسم عوالم مليئة بالشعر والحلم وترقب الأمل البعيد مع أنها امتازت ببناء درامي متكامل ورسم لشخصيات تنبض بالحيوية وتجسد الواقع من خلال نسيج فني شفاف. وعلى الرغم من أن العديد من نقاد المسرح اعتبر الأحداث فيها ذات مواضيع بسيطة فإن هناك الكثير من القصص التي يصطدم ابطالها بصلابة الواقع وتتمزق الاحلام العريضة التي تراودهم. ولعل التضاد القوي الذي يوجد الصراع في المسرحية يأتي من صعوبة التغلب على فكرة الحلم الجميل لدى أبطال المسرحية وصعوبة تغيير الواقع المر. وعندما ظهرت مسرحية( عربة اسمها الرغبة) توقع النقاد أن تكون نسخة مكررة من مسرحية (بيت الحيوانات الزجاجية) الا أن وليامز أذهلهم في حقيقة الأمر، اذ أن مسرحية (عربة اسمها الرغبة) حملت موضوعاً أكثر جرأة. وقد وصفها الناقد والكوت جنيز بعد العرض الأول بأنها مسرحية لانظير لها تعالج تحلل امرأة هي في الحقيقة تتحدث عن تحلل المجتمع باسره أو كما قال ألن دوانر أن مسرحية( عربة اسمها الرغبة) لاتختلف في عالمها عن جزيرة يسكنها افراد يشعرون بالوحدة، تحيطهم بحار قاتلة من جميع الجهات. ولعل هذه الآراء وغيرها هي التي حفزت الكاتب الفرنسي جان كوكتو لاعداد المسرحية وعرضها في عدد من المدن الفرنسية، وهي اول مسرحية لوليامز تنال شهرة كبيرة في عواصم أوروبا بعد أن طافت المدن الأمريكية وحققت نجاحاً كبيراً.‏

لقد استطاع وليامز بفضل ما لمسرحياته من كفاءة فذة في الأداء أن يجتذب فنانين بارعين في التمثيل، يضاف إلى ذلك أن الفرص لأداء مسرحياته مرغوبة إلى درجة كبيرة عند الممثل في المسرح فلقد كانت علاقات وليامز مع العاملين في المسرح جيدة مليئة بالتعاون وأنعكس ذلك على سمعته كمؤلف وفنان حيث اكتسب لقب المؤلف المسرحي الشعبي.‏

إن الجدال الذي احاط بحياته ومنهجه يرجع بدرجة كبيرة إلى محاولاته الجادة في أن يجعل للدراما شكلاً متميزاً ويسترد لها وظيفتها المتقدمة من خلال تصوير التراث الشعبي بصيع درامية اقرب إلى الواقع، فحقق بذلك نجاحات مسرحية رغم الشروط التجارية التي كانت تفرض على النتاجات المسرحية.‏

إن تنسي وليامز يشاطر فريقاً كبيراً من المؤلفين المسرحيين المعاصرين كثيراً من الأهتمامات، فمسرح وليامز ينفرد بخصائصه وموضوعاته على العكس من الاتجاهات المسرحية التي أرسى قواعدها كتاب من أمثال بيرا نديللو، وبرشت، وجيرود، وسارتر، واليوت، وأونيل، فهو يحاول من خلال مجموعة المسرحيات التي كتبها أن يعد للدراما في أمريكا شكلاً ومضموناً متقدماً على الانموذج المسرحي الأوروبي، وهو بذلك يسعى باحثاً عن الطريق ومجرباً الأشكال التي توصله إلى قاعدة يتجاوز من خلالها اللفظ إلى قالب درامي يتحمل تناقض المستويات العقلية والمنطقية التي تؤدي بالنتيجة إلى تفسير علاقات الأشياء بالكون وترسم ملامح التجربة الانسانية. وللوصول إلى أهدافه اختار في كتابة المسرحية لغة بسيطة يمكن لمختلف مستويات المشاهدين فهمها وموضوعات مأخوذة من البيئة المادية والعاطفية لتجسد بصراع خفي جوانب من التداعي والانهيار الرهيب في كيان العادات والتقاليد والأفكار المحافظة.‏

ان الأفكار الواردة في مسرحية (عربة أسمها الرغبة) اراد منها وليامز الافصاح عن مشاعره في موضوع الموت كما يقول الناقد " روجيه أسيلينو." ان وليامز كان يتوهم اثناء كتابة مسرحيته (عربة اسمها الرغبة) أنه مريض بالسرطان وان صداقته الطيبة مع الروائية " كارلسون هكولارز" هي التي ساعدته على الشفاء من ذلك الوهم السقيم، فلم يكن من المستغرب أذن ان تكون المسرحية مشحونة إلى هذه الدرجة بأفكار غريبة من الموت.‏

تستمر الأحداث في المسرحية بالاقتراب من حافات الانهيار الكامل، وتبدو الشخصيات تسير بعزم ترسم بدقة ملامح مرحلة من التفكير العميق في ذهن الكاتب وليامز وهو يناقش افكاراً بالغة الحساسية.‏

لقد تأثر تنسي وليامز بأفكار فرويد في علم النفس والتأثيرات التي علقها على دوافع السلوك الجنسي بإعادة النظر في الشخصية والعلاقات الإنسانية، تلك الأفكار التي أوجدت مدرسة علم النفس الحديثة وبددت بظهورها الصمت الذي أحاط بمعالجة الموضوعات الجنسية في الفنون ودفعت بذلك الأعمال الابداعية إلى أرتياد مجالات جديدة حطمت من خلالها التقاليد الموروثة وخاصة في مجال الدراما المسرحية.‏

n امرأة من طراز جديد‏

ان الخاتمة الفاجعة لمسرحية (عربة اسمها الرغبة) المتمثلة في المصير النهائي "لبلانش ديبوا" التي تؤخذ عنوة إلى مستشفى الأمراض العقلية حيث يلعب "ستانلي" الدور الكبير في رسم تلك النهاية المحزنة أكد نجاح الشكل المأساوي الذي اعتمده وليامز في بناء أحداث المسرحية التي لفتت انتباه النقاد والجمهور، وبذلك قفزت إلى مقدمة المسرحيات العالمية الحديثة، فليس هناك أقسى واشد فظاعة في الدراما الحديثة من اعتماد الكاتب الموت كنهاية لشخصيات مهمة في مسرحياته، وبشكل خاص اذا كانت شخصية الخصم تعرف النتيجة التي سيواجهها من يقف بالضد منها. وشخصية ستانلي هي الخصم العنيد في المسرحية حيث لايعرف قلبه الرحمة عندما يتخذ قرار الهجوم بدون هوادة ضد بلانش فيركز ضدها كل ما أوتي من قوة وحيلة ويدير وليامز الصراع بينهما في أروع اشكال الكتابة المسرحية. فقد اختار خصماً عنيداً يشبه حيواناً بدائياً على هيئة انسان تبلدت مشاعره واصبح ينتقل من خطوة إلى أخرى معتمداً على الحقائق التي توصل إليها بشأن بلانش التي اصبحت خطراً كبيراً يهدد حياته الأسرية، ولذلك يندفع بالاتجاه المحتوم للمأساة التي تكتمل في نهاية المسرحية. يشكل هذا الموقف قمة الاستهتار والتّردي والعبث بمصير انسان ولقد حاول وليامز ان ينتزع الرغبات الكثيرة من نفس وعقل المرأة ويجعلها محوراً للصراع النفسي الذي يشكل المحور الاساس للصراع مع المجتمع .‏

وقبل ان يشرع وليامز بالكتابة تعرّف بدقة إلى بطلة مسرحيته واقتنع بضرورة ان تكون قد وصلت إلى تداعٍ كبير في بنيانها النفسي وقادتها اقدامها للدخول إلى عالم مليء بالوحل والشذوذ.‏

ان وليامز يُعرف الحياة باعتبارها امتحاناً مروعاً وهذا مايؤكده في كتاب (الدراما على المسرح) حيث يعترف بوجود رسالة ايجابية في مجال الكتابة الدرامية فيقول:" الحاجة الكبيرة الصارخة تقريباً هي التطلع إلى جهد بشري عظيم على النطاق العالمي من أجل معرفة انفسنا ومعرفة بعضنا بعضاً افضل وأحسن كثيراً لدرجة تكفي للتسليم بحقيقة جوهرها أن ما من انسان يملك احتكار الحق والفضيلة أكثر مما يملك أي انسان زاوية للخداع والشر وما إلى ذلك. واذا كان الناس والأجناس والأمم يريدون إن ينطلقوا مع تلك الحقيقة ذاتية التجلي، فأنني أعتقد أن العالم يستطيع أن يتجنب نوع الفساد الذي اخترته على غير إرادة مني، موضوعاً مجازياً أساساً لمسرحياتي".‏

لقد اراد وليامز أن يصور من خلال عوالم بلانش صورة مصغرة لعالم كبير حيث انطلق بفكرة مسرحيته المحدودة إلى آفاق العالم الواسع جداً وقادته المقارنة إلى تصور شامل.‏

إن المأساة في المسرحية ذات نهاية محزنة، تقع فيها حالة موت وأفكارها وفعلها يعالجان معالجة جدية تنطوي على احترام الشخصية الإنسانية والرفع من شأنها. والشخصية الرئيسة في الماساة عادة شخص ذو خلق عظيم تحيط به الكوارث من جراء نقطة ضعف في شخصيته كتهور أوديب مثلاً أو طمع ماكبث، أو سلامة نوايا عطيل وسرعة تصديقه. ومن السمات المهمة للماساة الصادقة الأصيلة أنها تترك في نفوسنا إحساساً بعظمة الإنسان والمكابدة والمعاناة التي تنطوي عليها الحياة الإنسانية، حيث تتحول المعضلة الإنسانية التي تواجه الانسان إلى وضع غير قابل للحل بعد أزمة من الأزمات ويصبح معها من المستحيل الارتداد إلى الوراء وصعوبة اختيار الخاتمة السهلة والنهاية السعيدة. ان ألوان الصراع العاطفي في المسرحيات المأساوية شديدة العمق ذات ابعاد لايمكن للبشر تحملها، ولعل وصف الكاتب موليير للمأساة أكثر دقة عندما يقول:" ان الماساة تتناول الحياة تناولاً جدياً وتعطي الإحساس بأهمية الحياة وبما فيها من صعاب حيث تصور ألوان الصراع والآلام التي تواجه الإنسان".‏

ان ماساة عربة الرغبة تعتبر من المآسي الحديثة التي تأخذ الأهمية ذاتها في تاريخ المآسي القديمة في الأدب المسرحي، مثل مسرحيات ماكبث وعطيل والملك لير، حيث يبدو بوضوح الجهد المبذول لوصول الكاتب إلى نقطة التركيز على طريق تحقيق وحدة الفعل وعلى طريق السرعة التي يتحرك بها هذا الفعل.‏

ان وحدة الفعل هي الدافع القوي لخلق ماساة فريدة في تأثيراتها، كما يقول أرسطو:" إن المأساة تطهر ارواحنا بواسطة الرافة والحب".‏

أن الماساة الحديثة حاولت الافادة من شكل وتجارب المآسي الأسطورية في اليونان أو المأساة القديمة للعصر الكلاسيكي وتاثرت إلى حد كبير بالانموذج البطولي في مآسي القرن الثامن عشر، حتى وصلت إلى الانموذج الحديث للمأساة الاجتماعية من خلال تجسيد مأسٍ منزلية أو عائلية تصف بوضوح قلق الإنسان الدائم من المصير المجهول. ورسالة وليامز الايجابية في مسرحية (عربة الرغبة) إلى الضمير الإنساني مجسدة في سلوك الشخصيات مفرطة الأحساس التي ابتدعها أو الشاذة أحياناً. ومن العيوب التي تسجل ضد مسرحيات تنسي وليامز أن تلك النماذج لاتستطيع أن تعيش لتؤكد القيم التي تؤمن بها. ويعترض بعض النقاد على اعتقاد وليامز بأن الجمهور يمتلك فهماً موضوعاً إزاء تلك الشخصيات وان المجتمع ليس بالشكل الذي يتوقعه، فقضية الوصول إلى فهم انساني أفضل من خلال التحذير العنيف من الفساد النابع من اصل المعالجة الدرامية شكلاً مضموناً الذي يبدو صعب التحقق في عقلية جمهور معاصر انشغل كثيراً في موضوعات أكثر أهمية وأكثر التصاقاً بالحياة اليومية كالموضوعات السياسية والاقتصادية وأهوال الحروب ومخلفاتها المأساوية في أوروبا. يقول "زيلسنكي:" ان وليامز كان سيختار الفساد موضوعاً مجازياً اساساً على غير إرادة منه فهو يحاول في مسرحياته اقتراح برنامج مثالي للحياة الايجابية التي هي نتاج التنوير الاجتماعي الماساوي. لقد رسم وليامز "بلانش" شخصية لها من الصفات مايضعف النفس البشرية، فهو يود أن يكشف عن فكرة جوهرية تجسد البعد النفسي لها، وهي أن حساسية بلانش المفرطة من السهل جداً أن يصدمها الظلم والشر وسلوك الانسان البدائي ويرسم النقيض كذلك في الشخصيات الأخرى هي الضد العنيد تماماً شخصيات عديمة الاحساس تطفو على سطح الواقع اليومي بعد امتصاصها كل الصدمات الخطرة بما يجعل لها شكلاً اسفنجياً يتعامل مع الحياة حسب الحاجة فالمهم استمرار الحياة بدون خسائر.‏

وفي خاتمة المسرحية يؤكد وليامز أن الجحيم الحقيقي ينبع من تجاهل الناس للآخرين تجاهلاً كاملاً يدفع المجنون إلى حافة الشعور ويخلق توتراً حاداً في مركز القرار لدى الإنسان.‏

ويعتقد الكثير من النقاد بأن وليامز كان قادراً على خلق دراما عظيمة من هؤلاء الناس الذين قدمهم في العديد من مسرحياته لكن المشكلة ان قصصهم لم تكن ذات قيمة في بناء المأساة.‏

إن قصة بلانش في (عربة أسمها الرغبة) وفقاً للأفكار التي تضمنتها دمعة تراق على مصير الإنسان المعاصر المعادي لمفهوم التفاعلات الاجتماعية وكذلك الإنسان الذي يحمل في داخله شكلاً للحيوان البدائي المشوه رغم كونه يعيش في عصر التنوير والمنجزات العلمية المذهلة، وان الهجمة تبقى متحفزة في داخل الانسان للدفاع عن منافع ذاتية ولايهم بمن سيلحق الضرر. ان انموذج ستانلي كارثة اجتماعية كبيرة بالمجتمع، انه كالجراد في الحقل. وقد مر القالب المسرحي لدى وليامز بثلاث مراحل مهمة للتطور، المرحلة الأولى توصف بالشاعرية الغنائية الشخصية، كما في مسرحية (متحف الدمى الزجاجية)، واستطاع في الثانية ان يوسع نطاق المعنى المتعلق ببحثه الشاعري عن الحقيقة كما في مسرحية(قطة على سقف من الصفيح الساخن)و( صيف ودخان). أما الجهود التي برزت بحق لدى وليامز فهي في مجال بناء الأسطورة حيث استخدم البناء الاسطوري في توضيح أوجه التطابق بين مشكلات القرن العشرين ومشكلات الانسانية عبر العصور.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244