د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نقطة البداية

عند النافورة يدور المشهد على النحو الآتي:-‏

يعلن جون انه كان يبحث عن"الما" ويبدو في غاية الغضب منها، ونكتشف من مفردات الحوار ثمة ضرر كبير قد لحق بكرامته وهو الآن كمن يريد الرد أو الانتقام أن صح التعبير.. يرفع وليامز الستار تدريجياً" عن الأبعاد الثلاثة لشخصيته المحورية" الما" عدم اندماجها بالمجتمع يكاد يكون كلياً" ولديها ميول عدوانية متغطرسة باردة المشاعر، وعندما يرى" جون الما" في انحناءة عفوية أمام النافورة ذلك الرمز الكبير لمسرحية الصيف والدخان يبادر جون وبحركة تبدو مقصودة وذات غرض مفضوح فيقذف ظهرها ببضع حبات من الحمص ويقف ينتظر النتيجة، لا بل ينفجر ضاحكاً وساخراً من" الما" التي تعلن غضبها الشديد الأمر الذي يدفع جون لكشف جانباً من السر المدفون في عقله وبغضب أيضاً يسألها عن سر المناديل التي كانت موضوعة فوق ظهر مكتبه في فترة الفصل الدراسي، لقد تطوعت" الما" ووضعت صندوقاً من المناديل على ظهر مكتبه وكان هذا التصرف ينطلق من هدف تعتقد أنه صحيح بينما يعتقد جون ان ذلك التصرف اصاب كبرياؤه في الصميم ويصف تصرفها بالعمل الصبياني ويتصاعد الموقف المتوتر بينهما بسبب ذلك الحادث البسيط وتعترف" الما" بأن الدافع يكمن بشعورها بإصابته بنزلة برد قوية سببت له الرشح.‏

-" كان انفك يسيل طوال الأسبوع وهذا يفسد مظهرك أمام الآخرين"‏

ويرد"جون" بحوار يقطر وقاحة وعدوانية‏

-"لست مرغمة على ان تنظري اليّ اذا كنت لاتحبين مظهري".‏

ويتصاعد التوتر بينهما ويتحفز كل منهما للدفاع عن موقفه وتشعر"الما" بأنها اصيبت في كبريائها وعليها ان ترد اهانة ذلك الصغير فتؤكد له انها لم تكن تنظر إليه في أي وقت الا أن جون الشيطان الصغير يبدو كما رسمه وليامز صياداً ماهراً يضع أكثر من فخ في طريق "الما" ويؤكد لها أنه كان يتابعها عن بعد طوال الوقت.‏

-" انك كنت تنظرين.. ان عينيك ترقباني دائماً فكلما تلفت حولي رأيت عينيك كعيني قطة تنظران إلي" الخوف دائماً يثير لدى الرجل ضرباً من الحذر والتراجع الغريزي وحالة من التيقظ واسلوباً معيناً من الاحتراس وبعبارة أخرى يولد هذا الخوف ردود فعل واضحة.. وهكذا ومنذ البداية تصبح خيوط مسرحية" الصيف والدخان" واضحة لقد اخذ وليامز يكشف بشكل متتابع تفاصيل العلاقات والأحداث التي وقعت في الماضي وتعتبر مهمة جداً لتطوير الفعل المسرحي وضمن أجواء الماضي يستل وليامز الحكايات البسيطة التي تشير إلى وجود بذرة لحكاية تتطور فيكشف عن سر آخر يتعلق بنسيج الحكاية بين" الما وجون" ويحكي عن تلك المعلمة التي اكتشفت سر النظرات وكانت تسأل "الما" عدة مرات لتقطع عليها عملية الشرود خارج الفصل الدراسي، انها امرأة صغيرة تثير الحذر والخطر وتفكر بالحلم الفردوسي البعيد المنال وفي اندفاعها نحو جون تجعله متردداً بين ان يقبل الترويض أو يرفض، بين ان يستسلم أو يدافع عن نفسه.. يسأل جون الما بتحد عن سر الحكاية..‏

-"مالذي جرى لعقلك ياألما اجيبيني؟"‏

وتقرر"الما" مواجهة حالة الحصار بذكاء شديد ينم عن عدم الاهتمام مع قسوة واضحة ضد جون‏

-" أتعرف لماذا يبدو وجهك قذراً لأنك لاتستخدم منديلاً، وتجفف انفك في كم هذا السوتير القديم القذر."‏

ويشتد الغضب عند"جون" الذي يدرك انه تلقي إهانة كبيرة. بينما أزاحت"الما" عن قلبها عبئاً ثقيلاً وهي توضح السبب الحقيقي لوضعها المناديل على مكتبه وربطها في لفة واحدة حتى لايعرف الجميع.‏

هكذا يرسم" وليامز" من خلال فرشاة رسام ماهر لوحة كبيرة ويضعنا منذ البداية أمام نمط من التفكير الخاص" بألما وجون" وهو سحب خيوط ذلك النسيج المتعلق بمسرحية" الصيف والدخان" كاشفاً ببراعة عن مشكلة الصراع النفسي لمخلوقات صغيرة لها عوالمها المحددة بعد ان اختار منها ما يناسب الخط العام للمسرحية تلك الأفكار التي تدفع بالفعل إلى التطور.‏

ان" الما" التي تشغل مساحة كبييرة في المسرحية هي بمثابة وعاء لاختبار افكارالكاتب وهي من الشخصيات التي اختارها " وليامز" لقناعته بامكانية حصول التحول المطلوب في تكوينها الذهني، انها تدرك الموقف المحرج الذي وضعت فيه جون، من خلال تصاعد ضحك الفتيات على الموقف الأمر الذي أفسد فعلها والذي كانت تقصد من ورائه اصلاح مظهر" جون" المحروم منذ طفولته من رعاية الأم وبذلك لاتوجد في خريطة حياته امرأة ترعاه وتتابعه وتضع اللمسات على مظهره الخارجي وبعد ان يغضب "جون" ويلقي بالصندوق على الأرض محطماً اياه تنظر" الما" اليه بيأس كانت تود ان تروضه وتضعه داخل اطار المبادئ التي تؤمن بها لكنه يتمرد ويريد ان يبقى كما هو يمثل النقيض لها منذ البداية وتتواصل أحداث مسرحية الصيف والدخان باتجاه الذروة لتجسد اتجاهاً جديداً في المفهوم المأساوي الحديث للدراما.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244