د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سقف وليامز المصنوع من الصفيح

ان المسرحية إلى جانب اهتمامها بالتعرض لقضايا ومشاكل عديدة لكنها تظل تمثل دراسة لتدهور " بريك بوليت" الشخصية الرئيسية في مسرحية قطة فوق صفيح ساخن، فبعد ان تحاصر المشاكل والشدائد بريك ويفتضح أمر علاقته المريبة بصديقه" سكبر" ويجد نفسه عاجزاً عن فهم ظروف المجتمع المحيطة به والتكيف معها وفشله في تحقيق أي قدر من التفاهم حتى مع أقرب الناس إليه، ويتمثل ذلك في زوجته وابيه وعندها يلجأ إلى معاقرة الخمرة كملاذ أخير ثم استقالته من عمله كمذيع للبرامج الرياضية، ومن ثم تحاول زوجته ماجي فرض سيطرتها عليه، تلك السيطرة التي تبلغ ذروتها في الفصل الثالث من المسرحية عندما تفلح في ارغامه على مضاجعتها وهي لم تحقق بغيتها هذه الابعد ان حرمته من الخمر نديم حياته، وفرضت عليه شروطها ويقابل شخصيتي بريك وماجي في المسرحية شخصيتي "جوبر" وزوجته "مي" وجوبر هذا هو الابن الأكبر وهو صورة كاريكاتورية أخرى من صور وليامز لرجل الأعمال الذي لايهمه من الحياة سوى جمع الثروة واقتناء المال. وبينما انجبت زوجة جوبر" مي" خمسة من الأبناء نرى أن ماجي وزوجها لم ينجبا ذرية بعد ومنها يبدأ الصراع بين الأسرتين الصغيرتين في سبيل الحصول على القسط الأكبر من ميراث الوالد، أما الوالد عميد الأسرة فقد قضي طيلة حياته يعمل بكل ماأوتي من قوة ونشاط حتى استطاع في النهاية ان يجمع ثروة طائلة تتمثل في مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية وبضعة ملايين من الدولارات، وهو نموذج صادق للرجل العصامي الذي بدأ حياته من العدم ثم انتهى إلى كل هذا الثراء الواسع. وعندما يصاب عميد الأسرة بمرض السرطان ولكن طبيبهُ الخاص يصور له غير ذلك حتى يخقف عنه وقع الكارثة. فنراه في عيد ميلاده الخامس والستين ممتلئاً بالسعادة والزهو بعد ان توهم خطأ ان كابوس الموت قد زال عنه ومن ثم يمني نفسه بتعويض مافاته من فرص المتعة بالحياة، ولكن جوبر الابن الأكبر يدرك خطورة مرض ابيه ومن ثم يدبر الخطط والمؤامرات للاستيلاء على كل ممتلكات الأسرة وحرمان أخيه بريك وزوجته ماجي من نصيبهما فيها ووراء هذه المواقف المعقدة المثيرة تكمن مشكلة التفاهم بين البشر بل بين افراد الأسرة الواحدة، وبفعل المؤامرات الخفية المؤلمة والتي كثيراً ماتسود جو العلاقات في داخل الأسرة حيث ينعدم اللقاء ويتباعد الأخوة وينطوي كل منهم على نفسه، ان وليامز يحاول باجتهاد كبير الوصول إلى الحقيقة التي تخفي دوافع السلوك وتحرك الأفراد فهو يرى أن حقيقة هذه الدوافع هو الكفيل بتفسير ذلك الضياع المؤسف وذلك الشقاء الذي يعانون منه في حياتهم والقطة ماجي كغيرها من الشخصيات النسائية في مسرحيات سترندبرج لاتنتمي إلى الجنس الضعيف رغم أنها أكثر جاذبية منهن وهي لاتتحدث باسلوب أهل الجنوب بل بأسلوب فتاة القرن العشرين التي لاتعاني من الكبت أو العقد الجنسية، وهي دخيلة على هذه الأسرة التي لايهمها من أمرها سوى ان تنجب وريثاً لزوجها ولكنها تواجه المواقف بشجاعة وثبات وهي أقرب شخصيات المسرحية شبهاً بشخصية الوالد وفي انطلاقها وحيويتها وهي الوحيدة في المسرحية التي لاتخشى قول الحق ولاتحتمي وراء قناع من الزيف وقد نبذها زوجها وازدراها بعد ان واجهته في جرأة بحقيقة علاقاته بصديقه":سكبر" فكشف القناع عن تلك الأكذوبة التي كان يعيش في وهمها وكانت تخفف عليه وطأة الحياة وبنفس الجرأة والصراحة نراها تتشاجر مع جوبر وزوجته لكي تحصل لنفسها وزوجها على نصيب عادل من الميراث اذ انها كانت تدرك بحكم تجربتها في الحياة مذلة الفقر المدقع وما يتعرض له المرء بسببه من متاعب وكوارث ويبدو ذلك واضحاً من هذا الحوار الذي يدور بين مارجريت وزوجها بريك حيث تكشف عن صورة شظف العيش التي كانت تعيش فيها أيام طفولتها مضطرة إلى التزلف لأناس لاتطيقهم لمجرد أنهم كانوا يملكون المال كانت تعيش في فقر مدقع لأن زوجها لايدرك حقيقة شعورها تقول له: سأصف لك، أنه يماثل شعورك وأنت على بعد آلاف الآميال في كاس شرابك وتضطر للوصول إليه على رسغك المكسور وبلا عكازة، وفي السنة التي خرجت فيها مارجريت للحياة العامة لم يكن لديها سوى ردائين للسهرة ولذا فهي تصف نفسها مثل القطة على سطح من صفيح ساخن وهذا الموقف هو الذي يدفع مارجريت للنضال والدفاع عن موقفها المبدئي في الحصول على المال بشتى الوسائل لغرض تأمين مستقبلها وهذا هو أحد الأسباب الذي يدفعها إلى التمسك بزوجها والتعلق به ولذلك فهي تحرص بشكل كبير على الاستمرار في حياتها الزوجية مع كل ما تتعرض له منذ بداية المسرحية من توتر شديد نتيجة اعراضه عنها وانصرافه إلى الخمر وعدم اكتراثه برغباتها،في الوقت الذي كانت تهيم به هياماً كبيراً يتجاوز حدود العبادة فهي متأكدة من أنه سيعود إلى وعيه ذات يوم ويراها كما يراها غيره من الرجال الآخرين فهي امرأة صغيرة الجسم لاتمتلك مواصفات الجمال، جسورة، دخيلة على أسرة لايعنيها منها الا مسألة إنجابها أو عدم انجابها وريثاً يرث الضيعة وهي تشبه الأب الكبير في شهوانيته الصريحة وامتلائه بالحيوية والنشاط وبالرغم من ان المسرحية لم تتضمن مشهداً واحداً يجمع بين مارجريت والأب الأكبر الا ان المواصفات لديهما متقاربة نوعاً ما، كما ان مارجريت هي الشخصية الوحيدة التي تبدو غير خائفة من قول الصدق والوحيدة التي لاتعيش محتمية خلف ستار الأكاذيب وهي منبوذة من زوجها أولاً، ومن الجميع بسبب صراحتها الكبيرة. وبسبب كشفها النقاب عن الزيف الذي يجعله يحتمل حياته تعمل بعنف لتحفظ لنفسها ولبريك نصيباً عادلاً من الميراث تقول" أنني ملزمة بك يابريك، شخصان في قارب واحد كل منهما مسؤول عن رعاية الآخر، أنت على الأقل تحتاج للمال لشراء المزيد من هذه الخمرة الغالية عندما تنفذ هذه الكمية، أم أنك ستقنع بالجعة الرخيصة" مي وجوبر" يخططان لحرماننا من ممتلكات الوالد متذرعين بأنك تدمن الخمر وبأني عاقر الا أننا نستطيع أحباط هذه الخطة، وسنحبط تلك الخطة، بريك أنت تعرف أنني كنت فقيرة فقراً مهيناً طوال حياتي" تستطيع الاستغناء عن المال وأنت شاب ولكنه ضروري في الشيخوخة، لابد من أحد اثنين اما ان تكون شاباً واما ان تكون ثرياً، لاحياة للشيخوخة بلامال، وبفضل الاكذوبة التي زعمت فيها أنها حامل نفذت أخيراً إلى ادراك زوجها البليد أم ترى معرفته أنها المتحكمة في خمره هي السبب في هاتين الصفتين اللتين أوتيتهما مارجريت في المسرحية تظهران في شخصيات ويليامز النسوية حيث تبرز طبيعتها الشهوانية الصريحة وروحها المادية الماكرة وتتسم شخصية ماجي بالحيوية الكبيرة.. ان التعبير الرمزي الذي يحدد العلاقة بين مارجريت وبريك حيث عبر وليامز عن ذلك بالحوار عندما تقول مارجريت " أنني احس طيلة الوقت، كأني قطة فوق سقف من الصفيح الساخن.. فيرد بريك" اذن اقفزي عن السقف.. أقفزي عنه.. القطط تقفز عن السقوف الساخنة وتستقر على أقدامها الأربع سالمة" وتدلي مارجريت بآراء أخرى عن الزواج، فهي واثقة من ان حياتها الجنسية، ستعود إلى مجراها الطبيعي لو ان بريك نظر إليها مرة واحدة كما ينظر إليها غيره من الرجال، ان مارجريت تموء كقطة محترقة الأطراف تفرض عليها المسرحية ان تتحرك بشكل جنسي، تحرك يديها ببطء فوق ثدييها وردفيها وان تتحدث بصوت كصوت الأطفال وهنا يجمع وليامز بين الإثارة الجنسية وبراءة الطفولة، يصف وليامز هذا المشهد في ملاحظاته الخاصة بمسرحية قطة فوق صفيح ساخن فيقول " يجب ان يكون هذا الوضع الجنسي من القوة والاستفزاز بحيث يملك على المشاهدين مشاعرهم ويجعلهم يتابعون أحداث المسرحية بشغف فقد حدث التصدع مبكراً في الحياة الزوجية عندما اطلعت مارجريت زوجها على حقيقة علاقته بسكبر صديقه الحميم " ويصل الموقف ذروته عندما ترغم ماجي " سكبر" على الاعتراف بشذوذه الجنسي، التجأ في بادئ الأمر إلى الخمر ثم إلى المخدرات وأخيراً قرر الانتحار حيث يعتبر بريك زوجته هي المسؤولة عن موت صديقه الحميم يرمقها باحتقار ويستمر في معاقرة الخمر، ويتطابق هذا الحدث مع فعل بلانش في مسرحية عربة الرغبة، اذ اتهمت بلانش زوجها بالشذوذ فحطمت حياتها الزوجية ودفعت زوجها إلى الانتحار وتصف مارجريت زوجها بريك بأنه شبيه الآلهة وتصف ذلك الصراع الذي كان يعصف بها ويحطم اعصابها وتسأل في حوار حار زوجها إلى متى يظل هذا العقاب، ألم تنته مدة العقوبة، إلا تستطيع التقدم بطلب العفو" ويرد بريك ببرود وهدوء، شديدين" انك تفسدين لذة الشراب ،في الفترة الأخيرة يبدو صوتك وكأنك تصعدين الدرج جرياً لتحذري القوم من حريق بالمنزل، فترد مارجريت" أجل اتعرف ما أحس به يابريك ،، احس طوال الوقت كقطة فوق سطح صفيح ساخن " وهذا الحوار يؤكد قول وليامز" ان لكل فنان قضية اساسية تشغل تفكيره طوال حياته وهي القوة الدافعة وراء كل انتاجه الأدبي وبالنسبة لي كانت القضية المسيطرة علىتفكيري هي الحاجة إلى الفهم والتعاطف بين البشر وثباتهم في وجه الشدائد، ولقد كتب وليامز في مقدمة مسرحية قطة على صفيح ساخن" أننا جميعاً محكوم علينا بالسجن الانفرادي داخل جلودنا" وهو بذلك يحاول ان يوجز جميع الأفكار التي قيلت قبله علىخشبة المسرح ويقدمها إلى مواطنيه في طبق شهي لاينسى ان يدس فيه بعض الأشواك ان يعتمد في اغلب مسرحياته على تراكم في السخريات الصغيرة والعديدة ولكن هذه السخريات المركبة تعتمد على توتر قوي مستمر ينبع من جذور تصوره للحياة فهو مثلاً في مسرحية قطة فوق صفيح ساخن يتحرك في ثلاثة محاور ذاتية الأول داخل شخصية الأب التاجر الغني القوي في كل شيء ما عدا شجاعته في قبول حقيقة ان سرطانه هو أخطر من حالة تشنجية بسيطة والمحور الثاني داخل شخصية،"بريك" الشاذ الذي اقعده الشراب والشعور بالعجز وهو يتابع العيش في زواج مستحيل ويلتقي التحدي مع أخ خصب ذي عائلة كبيرة والمحور الثالث لدى ماجي زوجته الشبقة التي لاتجد أي وسيلة لاختراق حصون زوجها وسرعان ما تصبح المسرحية ضوضاء من الحوارات المثيرة التي تقوم فيها الشخصيات الكسيحة بتعبير واتهام وتعذيب بعضها البعض في حالة من المأزق الذهني" يطرح رونالدبيكوك تفسيراً مهما للماساة الشاذة حيث يقول" ان مثل هذا العمل هو ضرب من تدمير الذات، لأن اليأس فيه هو حقيقة رؤية الكاتب المسرحي، لا استنتاج شخصياته المتخيلة المخترعة، ان مصطلح الماساة الشاذة فيه تناقض، فالشاعر هنا لايعمل في مادة الخيال الشخصي، بل في مادة الحياة الانسانية، ان أفعال البشر وعواطفهم وتألمهم في علاقاتهم بعضهم ببعض تربطه بقوانينهم وتخمد مخيلته وتصبح الوظيفة العليا لخياله الخلاق في هذه الحالة اضاءة العالم الذي هو خارج ذاته، وتحتل مسرحية وليامز مساحة كبيرة في سرد الموضوع انتظار الأب للموت فهو بالرغم من معرفته التامة باصابته بسرطان خبيث واستحالة خلاصه من الموت فهو لايعمد إلى تحرير وصيته التي تحدد موقف ابنائه من الميراث فيزيد بذلك من حدة المنافسة الجشعة بين ماجي وبريك من جهة وبين جوبر وماجي من جهة أخرى وفي ظل جو الصراع المليء بالترقب يتصاعد الموقف وتدرك ماجي بشكل أكبر من أي وقت مضى أنها مهددة وينتظرها الضياع والفقر أنها تعرف حاجتها إلى المال لتشتري لزوجها الخمور وعندما تتعاطف الأم التي تعلل السبب في عدم انجاب ماجي لطفل يضع الأمور في نصابها ويفتح ابواب السعادة والطريق إلى الميراث أما الأب فإنه رغم إيمانه برحيله عن الحياة يعقد حديثاً ودياً بينه وبين ابنه بريك فيقول" عندما ترحل من الدنيا إلى غير رجعة وإلى غير مكان، الانسان في تكوينه لايختلف عن الحيوانات والأسماك والطيور أوالزواحف أو الحشرات غاية الأمر أنه أكثر منها تعقيداً وبالتالي يحتاج قدراً أكبر من الجهد لصيانته، نعم كنت أظن أني مصاب به، فاهتزت الأرض تحت اقدامي واطبقت السماء علي كما يطبق الغطاء الأسود على القدر، لقد كان تنسيقاً رائعاً للكاتب وليامز بين شخصياته التي رسمها في هذه المسرحية حيث وضع الأب الكثير الإنجاب مع ابنه بريك المدمن على تعاطي الخمور، الابن الذي يبحث عن حب الخمر الذي ينسى فيه واقعه وفي الطرف الثاني الأب الذي يجتاجه حب عارم نحو الحياة وكأنه ولد من جديد مع اكذوبة الطبيب الذي يحاول ابعاد شبح الموت بالسرطان عنه وهو يعتقد ان الموت قريب منه لكنه تأجل إلى حين لذا فهو يسعى للحصول على أكبر قدر من المتعة وهو يؤكد في أكثر من حوار، ان ظل الموت هو الذي جعله يدرك كيف ضيع حيويته على زوجته القديمة التي يصفها بأنها تشبه مصارعاً يابانياً، ان الأب يحاول جاهداً ان يكتشف السر في اضاعة بريك حياته في الشراب متجاهلاً قيمة استمرار الحياة لحظة واحدة أكثر مما مقرر للإنسان ان يعيش، أنه يبدد شعلة الحياة وسط دهاليز ظلام اسود."، لماذا تدمن الشراب؟ لماذا تبدد حياتك يابني هباء وكأنها شيء كريه مُزْرٍ عثرت عليه في الطريق؟.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244