د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سحر وليامز الكبير

تقول"ماريا ماتس" عن مسرحية "قطة فوق سطح ساخن" لقد توصل وليامز إلى صنعة التجارب الحقيقية فالمسرحية مشحونة بالغيوم والعنف والمخلوقات البشرية فيها حية وتعاني ازمة، أرى الا أصفها بالوضاعة فإن أزمات وليامز ليست وضيعة على الإطلاق وانما هي حاصل قريحة خارقة وبالغة الغرابة فيها من عناصر الفعالية والشاعرية ما يكفي لأن تفرض نفسها على جمهور واسع من النظارة وان تجعله يغيب في غيبوبة شاملة وتؤكد هذا الرأي أيضاً الناقدة" لينا فولك" عندما تقول معقبة على رأي ماريا ماتس فتكون نتيجة هذا السحر المسرحي بأنه وسيلة من وسائل التوضيح أو التفريج، ويمكن ان نطلق عليه لقب الإرهاب العاطفي، انها طريقة من طرق العلاج بالصدمات تناولها فنان أوتي موهبة عظيمة وحساسية مرهفة لحد الإيلام، فهو يلقي الضوء على شرائح صغيرة لايجلوها كلها ابداً، انه يضيء هذا المرض الذي يأتي في مراحل متلاحقة، ولعل في مقدمة المسرحية التي كتبها وليامز مفاتيح كبيرة تقود إلى فهم طبيعة مسرحياته وأفكارها ودوافع اختيار تلك الأفكار التي ترددت في مسرحياته المبكرة وتلك التي جاءت في فترات نضجه الأدبي والمسرحي، يقول " انه لمن المؤسف بالطبع ان جانباً كبيراً من كل عمل خلاق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشخصية صاحبه وانه لأمر مؤسف ومحرج وسخيف ان تلك العواطف التي تحرك الكاتب بعنف بحيث تدفعه إلى التعبير بقدر من الصفاء والقوة لها جذورها مهما تغير شكلها السطحي في تلك الاهتمامات الخاصة بالفنان والتي تبدو غريبة في بعض الأحيان عن تلك المشاعر ومايلازمها من الصور التي ينسجها كل منا حول نفسه من مولده إلى وفاته وفي ذلك النسيج البالغ التعقيد والذي تتشابك خيوطه في سرعة هائلة لايمكن ملاحقتها والتي يخلقها من تصوراته الخاصة به هذا الخطر الموحش وهذه الظروف القاسية امران مخيفان للحد الذي يحول دون التفكير فيهما، وعلى هذا فإن كل منا يتحدث إلى الآخر ويراسله ويبرق إليه ويحادثه بالتليفون من المسافات القصيرة والبعيدة عبر القارات والبحار ونتصافح في الاجتماعات وعند الوداع ثم يحارب كل منا الآخر، بل يحطم كل منا الآخر، كل ذلك بسبب فشل جهودنا في اختراق الأسوار التي تحيط بكل منا، وكما قال أحد الشخوص في احدى المسرحيات ذات مرة.." لقد حكم علينا جميعاً بالسجن الانعزالي داخل جلودنا " وعندما يتغنى الواحد منا بالأشعار المحببة إلى نفسه فإنه يبدو كسجين يبعث بصيحاته إلى جاره السجين في الغرفة المجاورة، حيث انه قد حكم على كل منا بالسجن الانفرادي مدى الحياة، هذه هي القضية الملتهبة درامياً لدى وليامز في مسرحية قطة فوق صفيح ساخن والتي تحتاج إلى مزيد من التعمق والتركيز وفي تحديد سماتها لدى شخصيات وليامز المتعددة مع اعتراف العديد من النقاذ بأن الكاتب يلجأ إلى الغموض أحياناً في طرح أفكاره أولكشف نقيض تلك الأفكار فعندما يتناول العلاقة الآثمة التي قامت بين بريك وسكبر يكتب وكأنه لايعرف أو يتصور حالة بطله البدنية والخلقية ولا السبب في انهياره وهو يؤكد في أكثر من حوار بعدم الرجاء بحل مشكلته النفسية بل يعتبرها معقدة جداً ويقول أنه يحاول التقاط التصادم الكهربائي المؤقت الذي يحدث للكائنات البشرية في لحظة الأزمة ويؤكد ان الأزمة التي يعالجها في مسرحيته، أزمة شائعة وعلى حد تعبير "لينا فولك" فهو يعمد احياناً إلى التحايل في تكييف موضوعاته والهروب من الإحراج، كما ان وليامز يصرح في أكثر من مقابلة بأنه لابد من عنصر غموض في كل شخصية درامية لأن هذا العنصر موجود في الحياة، لكن على المؤلف ان لايكون مسرفاً في التبسيط في تحدياته وتختلف مسرحيات وليامز التي تدور حول الحياة المعاصرة عن مسرحيات الكتاب الأكثر تقيداً بالأصول التقليدية مثل محاولات يوجين أونيل ووايلدر وميللر فالمسرحيات في رأي وليامز لا تكتب عن عامة الناس بل إنها مخصصة من أجل عامة الناس وليس بين مسرحياته الطويلة سوى اثنتين تستغنيان عن اعداد كبيرة من النظارة الأميركين في التقدير الكامل لمحتوياتهما وهما مسرحية "تقسيم أرض كامينو" وقطار اللبن لم يعد يقف هنا" على ان أعمال وليامز بوجه عام أفادت من نظرته الشعبية إلى الدراما كقالب مثير للحس وليس كقالب منشط للعقل، اذ ان هذه النظرة على حد قول" جاكسون" اتاحت له ان يفسر الصراع الإنساني في عبارات سليمة شاملة، أي في لغة رمزية غنية، ترتبط الكلمة بالإيماءة وبالحركة وبالتداخل الشاعري فهو يلتزم مسرحاً يتسم في طبيعته بتجاوز اللفظ إلى قالب درامي يسعى لاستطلاع المستويات العقلية أو المنطقية للتجربة الإنسانية ويسعى إلى إجلاء الواقع المبهم لمفهومه بلغة يمكن لعامة النظارة فهمها، انه يضطلع بعرض تلك الأحداث والاراء والميول والمشاعر الجماعية التي تطبع حياة أواسط القرن العشرين في البيئة المادية والعاطفية والخلقية والرمزية للإنسان العادي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244