د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

صورة من الواقع

وبالضبط كما تصفه حالة حصار تلتف حولها فهي تحاول في المسرحية ان تصرخ بوجه الجميع " تريدان ينتبه لها كل الموجودين بأنها على قيد الحياة فهي بالحقيقة مهددة بالسرطان من نوع آخر ولعل مارجريت تشابه فتاة كان يصفها وليامز عندما قال شاهدت مرة جماعة من الفتيات في أحد الطرق الجانبية في الميسيسبي وقد تزينت كل واحدة منهن في ملابس أمها واختها فبدت بعضهن في ملابس حفلات الرقص وبعضهن في قبعات ذات ريش وأحذية ذات كعوب عالية وكن يمثلن مشهد اجتماع للسيدات في أحد الصالونات وكن يؤدين أدوارهن بدقة ومهارة فائقتين وبأدب أهل الجنوب وظرفهم ولكن احداهن لم تقنع بما أبدته الأخريات من اهتمام بمهارتها في تمثيل دورها اذ كانت كل منهن مشغولة بنفسها عن اهتمام الآخرين، ومن ثم افردت الفتاة ذراعيها النحيلتين وألقت برقبتها النحيلة إلى الوراء وصرخت صرخة مدوية كانت تريد ان تشعر السماء بوجودها وان توقظ الأخريات إلى الاهتمام بها، وصاحت "انظروا إلي.. انظروا الي.. انظروا الي.. ولما كانت تنتعل حذاء أمها ذي الكعب العالي فقد اختل توازنها وسقطت على الأرض سقطة مدوية تتدحرج في الوحل فتلوث ثوب أمها الحريري وتمزق غطاء راسها القرمزي الذي كانت تتزين به ورغم هذا فلم يعرها أي من الموجودين انتباهه..‏

لقد صارت في حالة حصار بالرغم من أنها مع الجميع. كما هي الحال بالنسبة لمارجريت التي تعيش حالة حصار مع الجميع لكنها تريد النفاذ إلى المستقبل لذلك تطور الصراع وتعمد إلى وسائل كثيرة في كشف الموقف الذي تواجهه وتحاول ان تفلت من حالة الحصار وتضع الآخرين في نفس موقفها، ان شخصية بريك التي تبحث بتصور مثالي عن أقصر طريق للخلاص من المأزق الذي تمثله الحياة والاستقرار على فكرة الهروب بعيداً عن كل الذكريات المشوهة والوقائع المؤلمة، وعندما تحصل المواجهة بين بريك ووالده ينفجر الموقف بغضب رهيب حيث يصارح الأب ابنه بحقيقة علاقته بصديقه ويعتقد انها السبب في إدمانه الخمر ويرد بريك بأن الرياء هو السبب في الإدمان، فيرد الأب،" نعم سمعت بالرياء أنها واحدة من هذه الكلمات الرخيصة التي يتبادلها السياسيون، فكر في كل الكذب الذي لابد عليّ ان اتحمله، ادعاءات ومزاعم، اليس ذلك رياء ان أكون ملزماً مثلاً بحب أمك؟ أنا لم أكن أطيق شكل هذه المرأة ولاصوتها ولا رائحتها خلال أربعين سنة واتظاهر بحب ابن الكلبة جوبر وزوجته مي وهؤلاء العفاريت الذين يصرخون في الخارج كالببغاوات في الغابة، لاتتظاهر بأشياء لاتؤمن بها ولاتحسها ولاتدري عنها شيئاً فأفعل مثلاً كما أفعل مع أمك،، ثم يواصل الأب حديثه الذي يكشف عن شخصية رجل يملك الأموال الكثيرة لكنه لايجد أفكاراً جيدة ويبدو أنه لم يتعلم من الحياة سوى الجشع واكتناز المال واحتقار الإنسان كما هو الحال بالنسبة لزوجته وأبنه جوبر الذي يصفه بالوغد ان غريزة المحاكاة مغروسة في الأنسان منذ طفولته، وأحد الفروق بينه وبين سائر الحيوانات هو انه أشد المخلوقات الحية محاكاة، فالأشياء التي ننظر إليها بحدة ذاتها بألم نسر بتأملها عندما نراها تقلد بأمانة ودقة ،، ولذا فإن السبب في تمتع الناس برؤية شبهٍ ما هو،، انهم يجدون أنفسهم.. يقولون نعم ذلك هو.. هكذا وضع ارسطو من قديم الزمن تعريفاً لمحاكاة الحياة، وقد تساءل برنارد شو ذات مرة، هل هناك من غرباء اشد غربة من والد ووالده؟ انهما يتمتعان بالقرب ويكافحان معاً، وربما دون انقطاع، وبينهما على الأرجح ودّ عميق متبادل فذلك أمر طبيعي، بل قد يكون بينهما مايمكن ان يسمى بالحب وهذا أمر رائع، غير ان هذا كله لايهّيأ دليلاً واحداً على ان الواحد منهما رآى الآخر أو ان أحدهما سيعرف الآخر يوماً،، الله وحده له القدرة على معرفة البشر واختراق الخفي من افكارهم ومشاعرهم، وأي كائن يستطع ذلك يجب ان يكون إلهاً، في حياة أخرى لنا ان نتصور انفسنا يرى بعضنا بعضاً وجهاً لوجه، أما في هذه الحياة فلا نرى إلا من خلال مرآة مظلمة أو كاذبة أو لانرى ابداً قال افلاطون " أننا نرى، لاالحياة بل ظلالاً للحياة تنتفض بضوء نار على جدار كهف، وعندما قال ذلك كان متفائلاً أن حساسية الشخصيات بعضها لبعض عجيبة كما يقول فورستر، ولايوازيها شيء في الحياة" انها تشكل المشاعر العميقة وتحدث التوتر المستمر.. وقال غوتة " الفن هو الفن، لأنه ليس الحياة.. وعبقرية الكاتب تكمن في البراعة التي يبرز بها ويحرك تلك الحساسية الدائبة، ذلك التكيّف الذي لاينتهي، ذلك التعطش الذي لا آخر له، عليه أولاً ان يكتشف نهر العاطفة المحجوب، ثم عليه ان يعمل كالمهندس جاعلاً سداً هنا ومسقطاً هناك ومن هنا يحدد ادوارد بولو أهمية البعد النفسي في توضيح الفرق بين الدرامة والحياة،، ان الشيمة التي يتميز بها الأشخاص المأساويون، تلك التي تجعلهم يختلفون كل الاختلاف عن الشخصيات التي نلقاها في تجربتنا اليومية هي ثبات الاتجاه وحرارة المثالية والمثابرة والقوة الدافعة على نحو يفوق طاقة البشر العاديين والمؤلف الحديث قد يؤكد على وتر الازدواجية لدى الشخصية ويعتقد جون فون زيليسكي ان كتاب المسرح الأمريكي انتجوا بوعي أو بدون وعي عدة رؤى جديدة من حيث الأساس عن كيفية ان يرى الإنسان ماساة عالمه ويجري تحت كل رؤيا شيء مثير وجديد يضغط دور الكاتب المسرحي على الجمهور في الوضع الماساوي والموقف حياله ويصف زيلسكي كاتب الماساة المعاصر بالمحذر اللامنتمي وان الكاتب المسرحي له وجهة نظر معاصرة ان تعيين طبيعة هذه الأمور ومناقشتها يعني البدء في ملاحظة الانحرافات الكبرى عن المفهوم الناجح للفن المأساوي.‏

وقد ظهرت العديد من المسرحيات التي اشتملت المقدمة النموذجية فيها على الأحلام والتطلعات وتدمّر الحق في البقاء في عالم رتبت فيه الأوراق ضدك، الحياة جحيم جنسي أو نفسي، أو الحياة روتين رتيب لامعنى له أوروتين من الخطيئة والذنب لاسبيل إلى النجاة منه وليس للإنسان حق ولا قدرة للخروج من موقعه الواطيء أو الانسان ليس مسؤولاً عن ضلالة، أو الحساسون يدمرون دائماً من قبل الأغلبية غير الحساسة، الإنسان لايقبل بالعدل والانسانية ثم ان التعقيد الاجتماعي يُدّمر الانسانية وحب الآخرين. ان الرؤى الجديدة ترسم رسماً واضحاً وحافلاً بالمعنى إلى أقصى حد عندما تحمل على تسمية مصدر الدمار في الماساة وتعتبر مسرحية قطة على سطح الصفيح الساخن واحدة من تلك المسرحيات التي تنتظم في قائمة المسرحيات التشاؤومية الناتجة عن خلل في الحياة المعاصرة..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244