د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الثعلب أو معركة الملائكة

تتطابق فكرة مسرحية معركة الملائكة مع الأفكار الواردة في القصة القصيرة " الثعلب" والتي كتبها د. هـ. لورانس حيث اعتبرت هي الأساس لمسرحية هبوط اروفيوس فيما بعد وكذلك لسيناريو الفيلم السينمائي " النوع الشريد" ورغم ان هبوط اروفيوس تختلف كثيراً في بعض جوانبها عن مسرحية معركة الملائكة الا ان الموضوع يظل قريباً من فكرة قصة لورانس "الثعلب" ويؤكد ذلك وليامز عندما يقول ان مسرحية هبوط اورفيوس عودة لكتابة مسرحية معركة الملائكة بعد خمسة عشر عاماً من الخبرة المسرحية ولقد كانت في ظاهرها وما تزال عبارة عن حكاية ولد مشبوب الروح يضرب في أرجاء مجتمع تسيطر عليه العقائد القديمة في الجنوب ويخلق من الهرج مايثيره وجود ثعلب في بيت دواجن، وفي المقدمة التي كتبها وليامز لمسرحية هبوط اورفيوس والتي سماها " الماضي والحاضر" يتذكر المواقف التي حصلت مع مسرحية معركة الملائكة والتي كان لها تأثير كبير على ألأحداث القادمة يقول وليامز" ذات صباح قارس البرودة وفي الأسبوع الأخير من عام 1940 كنت مع وكيل اعمالي نعبر ميدان بوسطن وقد كنا لتونا قد فرغنا من قراءة الاعلانات في الصحف الصباحية عن مسرحية معركة الملائكة التي كان قد بدأ عرضها على مسرح "ويليوه" في الليلة السابقة ولم يخبروني في ذلك الصباح بأن عرض المسرحية يجب ان يتوقف وكل ما طلب مني ان اختصر المسرحية اختصاراً جذرياً وبعد فترة عدت إليهم ومعي نص جديد للفصل الأخير واذكر اني واجهتهم بشجاعة قائلاً" لو انكم طلبتم مني تعديل هذا النص مرة أخرى فسيكون في هذا من العذاب ما يشبه زحفي على صخور من الجمر، فكان الجواب رقيقاً دون التزام من جانبهم وبعد أيام قلائل جاءتني الضربة القاضية حين اعلنوا وقف عرض المسرحية بعد انتهاء المدة المقررة لها في بوسطن وحينذاك علقت تعليقاً مؤثراً عما اقاسيه من ألم شديد يبدو انكم لاتدركون اني قد وضعت قلبي في هذه المسرحية " واذكر ان مس وبستر علقت على قولي بكلمات لازلت اذكرها رغم اني لم اكترث بها قالت يجب الا تضع قلبك على كفك للغربان تنقر فيه، وقال شخص اخر انك على أي حال لم تنفق شيئاً، وبعد انتهاء عرض المسرحية في بوسطن طلبوا مني ان ارحل بعيداً إلى مكان ما لأعيد كتابة المسرحية بالرغم من اني كنت اتساءل باستمرار عن سر اهتمامي الزائد بها واصراري على نجاحها، هذه الفكرة أصر وليامز على تحقيقها حيث واصل العمل لمدة سبع عشرة سنة مسترجعاً فيها كل ذكريات الشباب العاطفية ويصفها في مكان آخر بأن صورتها قد اكتملت وحقق فيها سجلاً لمشاعر قلبه واحاسيسه في أيام الشباب حيث تبدو من خلال النظرة السطحية على أنها قصة شاب جامح العواطف طليق ينقل خطواته اينما يشاء وهو يتحرك في مجتمع تقليدي من مجتمعات الجنوب التي تأثر كثيراً مسرح وليامز بها فيثير بسلوكه فزع واضطراب داخل تلك المجتمعات كمشهد دخول ثعلب مخاتل إلى حظيرة الدجاج ولكن وراء هذا المعنى السطحي المألوف الذي يصر وليامز على وصف المسرحية به" ثمة اسئلة كثيرة يستحيل عليه ان يجد لها اجابات محددة، لكنها تظل تشغل تفكيره باستمرار ولعل ناتج التفكير بتلك الأسئلة يتمثل في رسم شخوص المسرحية الأربعة كما يقول وليامز ان ذلك يؤدي إلى قبول اجابات مقررة ليست في واقعها اجابات بالمرة، بل تكييف واع تقتضيه الظروف، ويمر وليامز إلى الماضي حيث يتوقف في عدة محطات تجاوزها عندما كان يبحث عن تجارب وافكار جديدة تشكل ملامح مسرحه المتميز ضمن خريطة المسرح الأمريكي الحديث يقول في جانب آخر في مقدمة مسرحية هبوط أورفيوس، الواقع ان معركة الملائكة خامس مسرحية من مسرحياتي الطويلة ولكنها كانت أول مسرحية أخرجتها فرقة محترفة، بيد انه قد سبق وان اخرجت لي فرقة شبه محترفة مسرحيتين قبل ذلك هما " الشموع في الشمس" و"النوع الشريد" كما سبق ان كتبت مسرحية بعنوان "عاصفة في الربيع " لندوة فن كتابة المسرحية التي كان يشرف عليها الأستاذ "مابي" بجامعة "ايوا" والتي اعتبرها امتحاناً عسيراً لتحديد مسار المستقبل حيث قمت بقراءة المسرحية بنفسي على الدارسين في تلك الندوة ولما فرغت من قراءتها كانت نظرات الاستاذ شاردة وكأنه في غيبوبة " وتلا ذلك فترة صمت طويلة يشوبها القلق والتوقع من جانبي وقد شعر جميع الحاضرين بالارتباك واخيراً اشار الأستاذ للدارسين بالانصراف والقى بلطف بملاحظة عابرة حيث قال" علينا جميعاً ان نستر عوراتنا " غير ان احد ابرز خريجي الجامعة ذلك العام قرأها وامتدحها من حيث قوة الحوار وجو المسرحية العام بشكل جعلني اعدل عن قراري السابق بفض يدي من الكتابة للمسرح والعودة إلى حرفتي السابقة في الخدمة بالمطاعم أو على وجه التحديد العمل في كافتيريا المستشفى .. ان وليامز هنا يكشف عن تفاصيل مهمة في معرفة جوانب خفية في حياته وكذلك في خطوات اهتمامه في ايجاد النموذج الجديد في شكل المسرحية ومضمونها والخروج بها من الأطر التقليدية إلى اساليب أكثر جرأة والاقتراب من رؤيا معاصرة، ان موضوعات مسرحيات وليامز المبكرة ظل صداها يتردد في أعماله اللاحقة حيث عمل جاهداً في تجارب استمرت سنوات للوصول بفكرة المسرحية إلى الكمال، كما هو الحال في مسرحية معركة الملائكة وثمة اشارة جاءت في ديوان وليامز "شتاء المدن" الذي صدر في عام 1956 توحي بفكرة مسرحية هبوط اورفيوس بشكل مبكر، عندما يتحدث وليامز عن موضوع الشاعر الذي يعيش في عالم لاينسجم معه، وهو موضوع حسب اعتقاد الكثيرين من نقاد مسرح وليامز ليس بالجديد حيث تناوله وليامز مراراً في مسرحياته وتعتبر آخر ابيات قصيدته الشعرية المشهورة هبوط اورفيوس وهي تصف بمرارة مشاعره ويتعرض وليامز لحياة الشاعر التعيسة .. فيقول مرشداً الشاعر، ان عليك ان تتعلم بعض الأمور الناقصة بطبيعتها، وهي نفس الفكرة التي اقام عليها قصته المشهورة بالرغبة والمسماة" الشهوة والمدلك الأسود" تلك الشخصية التي تقترب في مضمونها من شخصية " ألما واينملير" في مسرحية صيف ودخان تلك الفتاة المثالية التي تحولت إلى غانية تمتهن البغاء أو الارستقراطية المنهارة"بلانش ديبوا" في عربة اسمها الرغبة ويستمر وليامز في مقدمة مسرحيته هبوط اورفيوس يتذكر محطات الماضي القاسي فيعترف بفشله في شيكاغو عندما بذل جهداً كبيراً للفوز في مسابقة اتحاد الكتاب والناشرين، وكان سبب اخفاقه ان ما قدمه كان يعوزه المضمون الاجتماعي وموقف الاحتجاج حيث يقول عن ذلك :" من العجيب أنني لم استطع ان اقنع أولي الأمر بأن اسرتي تقاسي من الفقر المدقع وكنت وقتها لازالت عندي بقية من رقة الاحساس في سلوكي الاجتماعي مما جعلني ابدو أمام هؤلاء المتزمتين الذين كانوا يسيطرون على هذه المسابقة في شيكاغو تافهاً وفاشلاً وهكذا عدت أدراجي إلى سانت لويس مرة أخرى حيث كتبت مسرحيتي الطويلة الرابعة وكانت أفضل ما كتبت واسميتها "ليست البلابل موضوعنا " وكانت تدور حول حياة السجون، ومنذ ذلك الحين لم أكتب مايماثلها من حيث العنف والرعب اذ كانت تقوم فعلاً على حادثة وقعت لجماعة من المساجين الذين تمردوا فأرسل بهم إلى حجرة شديدة الحرارة بقصد تأديبهم فاحترقوا احياء وفي" نيواور ليانز" بذلت مجهوداً فاشلاً آخر للفوز بإحدى جوائز مسابقات جماعة الكتاب أو جماعة المسرح، وكنت في ذلك الحين أعمل خادماً في مطعم حقير لاتتكلف الوجبة فيه سوى أقل القليل.ثم تقدمت إلى مسابقة جماعة المسرح في نيويورك بالمسرحيات الأربع الطويلة بالإضافة إلى مجموعة مسرحيات ذات الفصل الواحد والتي كتبتها قبل معركة الملائكة وفزت بعدها بجائزة قدرها (100) دولار على مجموعة مسرحيات ذات الفصل الواحد وكانت البرقية التي حملت لي الخبر بتوقيع زوجة المخرج ايليا كازان "والكاتب المسرحي"( اورين شو" ومرة أخرى اعيش على أمل ضعيف اثاره في نفسي خطاب من سيدة في نيويورك تدعى "اودري وود" التي كانت قد حصلت على كل ما قدمته من مسرحيات لمسابقة جماعة المسرح واخبرتني بأنها قد تفلح في الحصول على احد المنح الخاصة بمسابقة روكفلر والتي تبلغ (1000) دولا وكانت تعطي للكتاب الموهوبين الناشئين فبدأت استعد لتلك المسابقة وقررت البداية بكتابة معركة الملائكة في صورة مسرحية غنائية عن الذكريات ووحشتها فذهبت إلى سانت لويس وانتهيت من كتابة معركة الملائكة في آخر الخريف وبعثت بها إلى مس وود. وذات يوم دق جرس التليفون وكانت المتكلمة اودري وود وكانت أمي تقف بالباب تترقب في لهفة نهاية الحديث وعندما انتهت المكالمة قلت في هدوء ان روكفلر قد منحتني ألف دولار ويطلبون مني ان اذهب إلى نيويورك ولأول مرة في حياتي اشهد أمي تنفجر بالدموع وقالت لي اني جداً سعيدة، ان المسرحية "هبوط اورفيوس" لها تأريخ طويل ويعتبرها البعض قديمة، لكن وليامز لايوافق على العلاقة الصحيحة بين الكاتب ونتاجه حيث يعتبر ان المسرحية لايمكن اعتبارها قديمة الا عندما ينفض الكاتب يده من العمل فيها وأنا لم انفض يدي اطلاقاً من هذه المسرحية حتى الآن... بل كانت دائماً أمامي اعيد النظر فيها واذا كنت اقدمها لهذا الموسم فليس ذلك راجع إلى فراغ جعبتي من الأفكار الجديدة كما يظن البعض ولكنه راجع لاعتقادي الراسخ انها الآن في أكمل صورة، لقد استفاد وليامز من تجاربه الذاتية وسيرة حياته وتناول مضمون مسرحية معركة لملائكة باسلوب جديد في مسرحية هبوط اورفيوس حيث تحول ثلاثة أرباع المسرحية إلى نص جديد، ولعل أجمل وصف للمسرحية الجديدة يأتي من وليامز " لقد تمكنت في هبوط أورفيوس ان اقول كل ما اردت ان اقوله فيها، وهي الآن في نظري بمثابة الرابطة العاطفية التي تصل بين ذلك الماضي الذي تحدثت عنه في مقدمة المسرحية والحاضر الذي اعيش فيه كمؤلف مسرحي، يتفق معظم النقاد مع وليامز عند المقارنة بين مسرحية معركة الملائكة ومسرحية هبوط اورفيوس، حيث ان الموضوع في المسرحية تغير كثيراً والأصح ان حبكة المسرحية في هبوط أورفيوس قد تم احكامها والأحداث تم ايجاد علاقات قوية بينها زادتها ترابطاً وكذلك بدت مفاهيم المسرحية واضحة وعميقة وذات أثر انساني ينبع من تجربة ذاتية لها مفهومها العام، وظلت القصة تعالج العلاقة بين "فال" "وميرا" التي تغير اسمها إلى ليدي وتم ادخال العديد من التعديلات على شخصية "فال" فهو لم يعد ذلك المغامر الشاب الذي يجوب الآفاق بحثاً عن مادة يؤلف منها كتاباً عن الحياة فقد أصبح في هبوط اورفيوس متقدماً في العمر ومتزناً في تفكيره ترك حياة الصعاليك ونزوات الشباب وصمم على ان يتجنب التورط في اية علاقة قد تجلب له المشاكل وتحول مسار حياته وتحولت اتجاهاته الفكرية حيث نراه يعمل في هبوط اورفيوس موسيقياً جوالاً يحمل جيتاره ويطوف في أرجاء المدن البعيدة والقريبة، انه نسخة من صديق وليامز الذي رافقه في رحلته المثيرة إلى كاليفورنيا بعد مرحلة الفشل في نيور اورليانز والذي ترك أثراً كبيراً في نفس وليامز ولتأثيره الكبير في نفسه وقلبه جعله يماثل اروفيوس في الأسطورة الاغريقية حلت مدينة الجنوب العتيقة بدلاً من الجحيم وكذلك تغيرت ليدي تورنس فهي لم تعد غانية بل اصبحت ابنة صانع خمور ايطالي لكنها ظلت زوجة لتورنس ذلك الوحش الشرير المصاب بالسرطان ولقد طور وليامز علاقتها بزوجها افضل مما كانت عليه في مسرحية معركة الملائكة حيث كان الزوج في المسرحية القديمة رمز للشر والموت أما في المسرحية الجديدة فهو لايقل شراسة وضراوة عن صورة الشخصية ألأولى بل تطورت إلى شخصية انسان يقاسي ويتألم ويفكر، كما تخلصت المسرحية الجديدة من مشاهد العواصف والفيضانات والحرائق كما قل أسلوب السرد والعودة إلى الماضي.‏

عندما نتأمل التاريخ الزمني لابداع الكاتب تينسي وليامز نجد ان ثلاثة مراحل مهمة اتسمت بها فترة حياته ككاتب مسرحي متميز، الأولى: والتي أصر هو على تسميتها بمرحلة تجريب الأفكار الشعرية والغنائية بقوالب وصيغ مسرحية والمرحلة الثانية: هي التي ظهر فيها باحثاً ومتأثراً ومبدعاً في مجال استلهام الموروثات الشعبية والأساطير والحكايات والخرافات والتي برز فيها التأثير الديني والتأثر الشديد.بالميثلوجيا اليونانية وأفكار سيجموند فرويد.‏

المرحلة الثانية من مسيرة مسرح تنسي وليامز تعتبر اعظم مراحل انجازه الفني، حيث يحاول ان يوسع نطاق المعنى المتعلق ببحثه الشاعري عن الحقيقة فهو يكتب في التمهيد لمسرحية "قطة على سطح من الصفيح الساخن "، انه يريد ان يشكل بموضوعية الرؤية الشخصية التي هي اساس قالبه الشاعري ويظهر في المسرحيات المكتوبة سنة 1945،1955 مستوى ثان للتغيير ففي مسرحيات هذه المرحلة يحاول وليامز خلق ا سطورة شعبية من محتويات مستمدة من التجربة المشتركة ومن اللاهوت المسيحي وعلم الأساطير اليوناني" وضع تنسي وليامز شخصية "فال كسافيار" في المسرحية لتكون قريبة من المفهوم الرمزي المطلق لشخصية اورفيوس في الاسطورة وفال رسم بصورة شاعر جوال يتسم في الاخلاص والحب يجوب البلدان المختلفة باحثاً عن شيء جميل حتى تقوده اقدامه إلى جحيم بلدة صغيرة في الجنوب الأمريكي ليقوم بعمل انساني يتلخص بانقاذه ليوريدس الميتة أو ليدي من بلوتو اوجيب تورانس الزوج المريض بالسرطان المتحجر العواطف والذي اختطف ليدي ليأخذها إلى عوالم بعيدة عن عوالم الحياة العاطفية المشحونة بالصور الجميلة المليئة بالأمل ويقود القدر اقدام فال إلى ركن من جحيم مدينة الجنوب وهو حانوت رديء يروج للمنسوجات الرخيصة يجاوره محل لصنع الحلويات اراد به وليامز الإشارة إلى ذكريات مليئة بالعاطفة والحب حيث يجعل منه محطة يلتقي فيها شمل العشاق بعيداً عن رقابة الآخرين وتستل ليدي ذكرياتها في هذا المكان، هنا كان يلقب الناس اباها بالأبيض الحقير والذي احترق حياً داخل الكازينو بسبب بيعه الخمر، والحكاية بدأت في تلك الأيام فكانت المقاطعة تخلو من الخمر الا في بستان الإيطالي والد ليدي، لذا كانت مجاميع الشباب تذهب إلى هناك وتشرب النبيذ الإيطالي الأحمر وتتطارح الغرام في تلك الخمائل السابحة في الظلام مما دفع ذلك دكتور توكر الواعظ العجوز لكي يصب لعناته ذات يوم اثناء موعظته حتى انفجر له شريان.. تقول ييولا.. ويا للأصوات التي كانت تسمع متصاعدة من قلب تلك الخمائل، نداءات، صيحات، همسات، تأوهات، وضحكات تلعلع ثم تضاء المصابيح ثانية الواحد تلو الآخر ويأخذ الايطالي بالغناء مع ابنته، الا ان الرجل كان يلتفت باحثاً عن ابنته، فاذا ليدي قد اختفت مع عشيقها دافيد" يصيح الأب بأعلى صوته منادياً ليدي.. ليدي.. وما من مجيب فهي في احضان عشيقها " وفي أواخر الصيف يرتكب الايطالي غلطة شنيعة، حيث يبدأ ببيع الخمر للزنوج ويتسبب ذلك بثورة غضب رابطة المتصوفين" فيركبون جيادهم إلى البستان ذات ليلة حاملين جالونات من الكيروسين، وفي ليال الصيف الشديدة الجفاف يشعلون النار في المكان. احرقوا كل شيء .. الكروم، الخمائل، اشجار الفاكهة، تحصل تلك الكارثة الرهيبة أمام عيني بيولا وعشيقها حيث يشاهدان النار تندلع في الشاطيء الشمالي للبحيرة باكمله ويتحول كل شيء إلى كتلة من النيران تقول بيولا على طول شاطيء البحيرة كنا نسمع صوت والد ليدي صارخاً، النار، النار، بينما السماء كلها كانت تتوهج بالنيران المتصاعدة حتى أصبحت بلون نبيذ غينيا ألأحمر، ولم تخرج اية عربة من عربات المطافيء طيلة تلك الليلة ولم يجد ذلك الايطالي العجوز سبيلاً الا ان يأخذ بطانية ويقتحم بها البستان المشتعل ليقاوم النيران وحده فاحترق حياً" ان وليامز ينطلق في مسرحية هبوط اورفيوس في تصوير فكرة راودته منذ زمن بعيد هي تصوير الجحيم وفي داخله مخلوقات بشرية لها ذكريات واماني وقصص وراء أكثر من ستار مزخرف بألوان زاهية، مثل الأشجار الذهبية وفاكهة قرمزية وطيور استوائية، ان هدف وليامز من ذلك هو تجسيد الأجواء التي لاتمت بصلة إلى الروح التصوفية الباردة حيث يجمع الجحيم مجموعة عجيبة من نماذج لأهل البلدة. نساء رثات الثياب وأخريات غبيات لايتوقفن عن الأحاديث الفارغة، انقضى كل شيء ولم يبق لهن غير الذكريات التي افضل مافيها ذكريات الغرام وتضيف "لينا فولك" اما أزواجهن العابثون ذوو البطون المكرشة الذين يقامرون بآلات الحظ والبنادق وكلاب المطاردة وثمة رجل بدائي قبيح الخلقة كالغول هو الإنسان الساحر وهو بعظام الطيور التي يجمعها وصرخة الهنود الحمر الرهيبة حيث يبدو كأنه رمز خاص ابتدعه وليامز للحرية الخالصة والموت الا انه أهم شيء في حياة اروفيوس " فال كسافيار " يتمثل في ثلاث نساء اذ ان المسرحية تدور حول علاقته بهن وفال كسافيار شاب من الجنوب وسيم، ذو صوت خافت يوحي بالألفة يرى مظهر الحرية الجامحة في سترة مصنوعة من جلد الثعبان بدلاً من السترة التقليدية الزرقاء التي يرتديها عمال المتاجر وهو ذا يبلغ الثمانين من العمر لم يعد واثقاً من ان الجنس يمده بجواب عن كل الأسئلة اما القيثارة التي يحملها والتي يعتقد بعض النقاد أنها رمز شهواني وتلوح هي الأخرى رمزاً لفنّه وطهره وهو يقول ان فنه يتيح له التطهر بعد ان لوثه العالم وهذا الرجل الذي يعترف بأنه قد عوقب بتهمة التشرد يبدو راغباً وهو في الثلاثين من عمره في استبدال الأمن والطمآنينة ببعض حريته الجامحة وفي الفصل الأول حيث يلتقي فال مع زميلته القديمة في أيام تجواله وهي تبدو متقدمة في السن ولها طباع غريبة فهي عندما تجده للمرة الثانية تطلق ضحكة وتضيف كنا قد تتبعناك خلال خمسة أماكن قبل ان ننجح في استدارجك إلى الحديث وكنت أنا التي بدأت المناوشة معك فقد ذهبت إلى البار حيث كنت واقفاً وتحسست سترتك وقلت :ممّ صنعت هذه السترة وعندها قلت لي: انها مصنوعة من جلد الثعبان ولذلك ليتك اخبرتني بذلك قبل ان المسها. فأجبتني اجابة لاتليق. ثم قلت : ربما علمك هذا ان تكفي يديك وكنت مخمورة في تلك اللحظة وكان الوقت قد جاوز منتصف الليل، هل تذكر ما قلته لك،، ويرد عليها فال: لماذا؟ أنت هكذا مهتمة باثبات سابق معرفتي بك، فتجيب بأنها تود ان تخرج معه للتسكع، وعندما يسألها فال عن السبب الذي يدفعها لكي تعرض نفسها بهذا الشكل الغريب، تروي له مغامراتها القديمة في خدمة الإنسانية وتعود إلى ماضي حياتها حيث كانت من المتزمتات دينياً تدفعها أفكاراً تنتظم ضمن هدف الإصلاح الاجتماعي. فهي مشغولة فترة طويلة من الزمن في اعداد الخطابات والأحاديث التي تثير مشاعر الناس وتدفعهم لاعتناق الفضيلة، وترسل خطابات الاحتجاج على الوحشية التي يعامل بها الزنوج، كما ان اموال الميراث التي حصلت عليها انفقتها على بناء عيادات الطب التي خصصت لعلاج المحتاجين من الناس، وتذكر كيف انها اصبحت سخرية للناس عندما قررت ان تلبس ملابس ممزقة رخيصة وسارت حافية القدمين وكان الغرض من ذلك الاحتجاج لدى المحافظ ان يطلق سراح احد الزنوج فحسبها الناس امرأة عاهرة، وتم القاء القبض عليها بتهمة التشرد، ومن ذلك اليوم جعلت حياتها محورها التشرد وتشير تفاصيل حياة كارول إلى احد اتجاهات وليامز اختيار طريق مستقل في الحياة والتردد في إصدار احكام واضحة بشأن صراع الخير والشر، ولعل من المفيد الإشارة إلى تعليق الناقد راندولف جودمان في كتاب الدراما على المسرح، والذي يلقي فيه الضوء على معظم افكار وليامز في اعماله المسرحية. ان معظم مسرحيات وليامز مسرحيات شخصية للغاية وهي قد نتجت من اقامة المؤلف في الحي الفرنسي في نيواورليان. وهي تبدو ادق تعبير له عن الحياة التي خاض تجربتها هناك وفي الأماكن الجنوبية التي تردد عليها، ويؤكد كذلك الناقد جودمان ان وليامز اكتشف مادته ككاتب من نسيج حياته الخاصة، ان شخصيات وليامز من امثال ألما، ولورا، وبلانش، وأولدنونو، واماندا وغيرهن وهي إلى حد بعيد نتاج ملاحظته الخاصة لأعضاء عائلته ولأصدقاء حميمين آخرين كان القصد هو تكييف تلك الشخصيات لأغراضه المضمونية في وظائف محددة وجميع الكتَّاب في مجال الدراما يعتمدون على مايعرفونه ومايعشون" وعندما تخيب آمال كارول في مشروعاتها الإنسانية تتجه إلى الجنس وتعرض فكرتها على فال الذي يرفضها وعندما يقرر فال العمل في المتجر يتورط بعلاقة غرامية مع الزوجة المتعطشة للحب، ويكون مفتاح تلك العلاقة مزيداً من الصور الشاعرية التي يرسمها أمام ليدي ويحرك في ذهنها كل الأحاسيس المكبوتة لديها عندما يقول لها، اتعلمين ان ثمة نوعاً من الطيور لايملك سيقاناً، ومن ثم فهو لايستطيع ان يحط على أي شيء وانما يضطر إلى ان يظل طول حياته معتمداً على جناحيه في السماء. ليس بوسعك ان تميزي هذه الطيور في السماء وهذا هو السبب في ان الصقور لاتستطيع اقتناصها، انها لاتراها هناك في اعالي السماء الزرقاء بالقرب من الشمس" ان موضوع رؤية وليامز للاحتباس يعبر عنه اروفيوس في شخصية كسافير" لا احد توصل إلى معرفة أحد، لقد حكمنا جميعاً بالحجز المنفرد داخل جلودنا مدى الحياة ويصر فال على ارتداء جاكيت من جلد الأفعى إن هؤلاء الناس كما وصف وليامز نفسه وبصراحة غرباء عن العالم ان الفساد الذي يصيب قلوب الناس بالعفن بحيث جعل الانسان عالمه سجناً للانحياز والتعصب والارتياب، ان سجناء عالمه سجناء للانحياز والتعصب والارتباك، ان سجناء وليامز، فال، ومي، وكارول، وليدي، يرغبون بالفرار من الفساد ويعبر فال عما في انفسهم جميعاً عندما يصف الطائر الذي يودون مضاهاته، انتم تعلمون ان هناك نوعاً من الطيور ليس له أرجل ولايستطيع ان يحط على شيء، بل عليه ان يبقى طوال حياته طائراً في السماء ويسمح ذلك الأمر ومافيه من خداع للطائر بأن يتجنب الاتصال المفسد بالأرض، هذا هو الرمز الشعري الأخير الذي استخدمه وليامز للتعبير عن هذا الجانب من تشاؤميته، ان بطله اورفيوس يهبط إلى الجحيم على الأرض ولكي يجعل نهايته عنيفة فإنه يخرج عن سبيله ويصور وضعاً موصداً للناس التواقين الشغوفين الذين يحرقون اذا خرقوا قواعد السجن، يقول روبرت بروكشين" ان هذا الطائر رمز البراءة الذي يظل متحرراً من نفوذ الأرض المفسد واذا كان لزاماً ان يؤخذ موضوع العفة والطهارة على انه براءة ازاء تجربة الجنس المفسدة واذا كان التزامه للعالم التجاري اقتراناً آخر بعناصر الظلام، فلابد لفال كسافيار ان يتجه إلى المتاعب وبرغم اقحام الرمزية الضمنية فان التركيز ينصب على المشاهد الشهوانية، هناك حالة يحرض فيها الكاتب المسرحي من خلال اتخاذ موقف المراجعة ضد رؤياه كما تتوضح في علاقة تنسي وليامز بمسرحية هبوط اورفيوس فقد قال وليامز نفسه بأنه قد بذل من الجهد الشخصي في اورفيوس يهبط أكثر من اية مسرحية أخرى وخلال السبعة عشر عاماً التي مرت على ظهور المسرحية في شكلها الأول تحت اسم معركة الملائكة اقترب وليامز أكثر من الموضوع وتضاءل منظوره أكثر من ان يسمع وقد تنبه تبعاً لذلك عندما فشل ثانية في ان يلاقي استحساناً، ان بؤس ورعب وليامز بمقدار ما تظهر المسرحية يبقيان ظاهرتين معزولتين ومهما كان حزن فال، وليدي، وفي وكارول، وسوء حظهم فإنهم ضحايا متخصصة ومرمزة لاتستطيع ان تناضل نضالاً كبيراً كافياً لتمثيل النهاية المأساوية للحياة التي تعني شيئاً للناس عموماً، ان المكان الفاسد يدمر الشخصيات وذلك على اساس دليل فلسفة وليامز الشخصية إلى حد بعيد أكثر منها على أساس دليل تبصر مفتوح وشامل ان العلاقة في المسرحية بين فال وليدي تتيح فرصاً عديدة للكاتب ليقدم الدليل على نظرياته في العلاقات الانسانية فنظريته عن اللمس كما تعتقد الناقدة فولك مصورة كثيراً وهي ان الحب والتفاهم يعتمدان على الاتصال الجسدي وكل شخصية يكن لها وليامز أي عطف، شخصية تشكو الوحدة والوحشة فهو قد خلق سلسلة متلاحقة طويلة من الناس الشديدي الوحشة وقد يمكننا القول بأن كسافيار يتحدث بلسانهم جميعاً حين يقول" مامن أحد يتوصل يوماً إلى معرفة أحد فنحن جميعاً مقضي علينا بالحبس الانفرادي مدى الحياة داخل جلودنا الموحشة، مادمنا نعيش على ظهر هذه الأرض، وحين تعبر ليدي عن ايمانها بأن جواب الوحشة هو الحب والالتحام في علاقة جنسية يجيب فال بأن هذا وهم طالما خدع الكثيرين، ولكنه سرعان مايغلب على أمره فقد قررت ليدي ان تهزمه عندما تقرر اعداد تدابير مبيتة في مضجعها الصغير، يقول فال تلك الفتاة التي لقيتها في الخليج بعد ان خرجت من الكابينة عارية، مثلما كنت انا في ذلك القارب المسطح القاع ووقفت هناك برهة وضوء الشمس يشتعل حولها إلى مدى البصر بضوء باهر كضوء السماء ذاتها أرأيت كيف يكون لون القوقعة من الداخل، كم هو ابيض في بياض اللؤلؤ. كان جسدها العاري كذلك ياربي اذكر طائراً اندفع من الطحلب والقى جناحيه ظلاً عليها ثم غرد لحناً واحداً صافياً حاداً وكأنما كانت هي تنتظر تغريد ذلك الطائر كإشارة لها حتى تمسك بي وتشد انتباهي فاستدارت وابتسمت ثم عادت ادراجها إلى الكابينة ثم تبعتهاوعندما بلغت الخامسة عشر تركت ذلك الشاطيء ولم ينقض وقت طويل حتى تعلمت ماكان ينبغي أن أتعلمه، عرفت أن لدي شيئاً سيئاً يباع لحقني الفساد وكان ذلك هو جوابي.. ان وليامز موجود داخل عمله إلى اقصى حد ويمكننا ان نسأله على سبيل التجربة. هل هي فكرة المؤلف عن الدراما النفسية؟ ففي شخصياته مثل فال، وفي وكارول، على ألأقل جروح نفسية جنسية بارزة باعتباره النتاج المركزي للحياة، يمثل فكرة استبطانية أكثر مما ينبغي تمتد بنمو نحو الداخل على نحو مرير بالنسبة للمأساة كتب الناقد "اريك بنتلي" بهذا الصدد ان الدراما النفسية الجديدة مدرسة وليامز تنبع أساساً من الخوف في علاقات المجتمع، من العالم الواسع المعقد الاتجاهات، وتنبع من الانهماك في الذات والا فإن الفن الذي لاينبع من كامل الإنسان بل في جانب واحد. ولقد علق جون جاسنر" في كتاب المسرح في مفترق الطرق عن مسرحية هبوط اورفيوس بانها أكثر انتاج العبقرية المعاصرة صخباً وفوضى والذي يلاحظها بدقة يجدان المتبقي منها في الذهن هو العنف لا المعنى فعقدة المسرحية مكونة من تراكمات هي مزيج من المآسٍ والشرور والفظائع وتتوزع تلك الأفكار في مستويات عديدة داخل المسرحية الا ان السمات الرمزية الحادة تطغى على الشخصية والبيئة وتختلط في المسرحية الخرافة حيث تشتبك اسطورتان عن اورفيوس بالمفهوم الرمزي فالعقدة حسب تصور جاسنر تسير في موازاة اسطورة واحدة تتحدث عن هبوط الشاعرإلى عالم ما تحت الأرض في حين تدور الخرافة الأخرى عن تمزقه إرباً إرباً على ايدي عباد الخمر، الذي استبد بهم خيال ديني مخمور ولو ان المسرحية فسرت بانها نشأت تحت اضواء هذه البلدة الجنوبية، واختيار بطل للمسرحية يتألف من عدة رموز مختلطة بعضها ببعض فال الشاعر وفال الذكر القدوة الذي تقوده النسوة المتعطشات للجنس إلى حتفه وفال المتوحش النبيل الذي ينتمي إلى رومانسية جان جاك روسو ويقترب أيضاً إلى طريقة رسم البطل على طريقة د. هـ .لورانس في اغلب اعماله، ان مسرحية هبوط اورفيوس تحاول الإحاطة بأكثر مما ينبغي ويزيد المسرحية تعقيداً ان وليامز يعرض لموضوعين من مواضيعه الرئيسية مترابطين، موضوع عزلة الفنان المحزنة في جحيم مجتمع عصري وموضوع صلب الذكر الطاهر على صليب الشهوانية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244