د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الرؤى الدينية

في الفصل الثاني يجمع وليامز بين فال، وفي ثالبوت عند الغروب في متجر ليدي، حيث يدور الحديث عن الكنيسة والصورة التي رسمتها وهي تصف جهودها في تلك اللوحة بأنها نوع من المعالجة الخيالية وتؤكد أن سبب رسم هذه اللوحة فكرة راودتها لعلها تنجح في اعادة "جيب" زوج ليدي إلى الإيمان بالكنيسة قبل ان يفارق الحياة وعندما يدقق فال في اللوحة يسأل هل برج الكنيسة أحمر..‏

ان وليامز في هذا الحوار الرقيق يضعنا امام أفكار دقيقة فيها احاسيس الفن العفوي فال العازف، المشغول بالقيثارة ونغمات الأغاني وفي ثالبون التي ترسم الأشياء في لوحتها كما تحس بها دون ان تعمد إلى نقلها كما هي في الطبيعة وتؤكد ان المظاهر خادعة ليس هناك ماهو حقيقة الأمر كما يبدو للعين لابد ان تكون للفنان رؤيا، الذين يعرفون "في ثالبوت" يصفونها هكذا وهي مؤمنة بانهم يقيمون جهودها بشكل سليم حيث تكتب الصحف عن لوحاتها وبعض النقاد يشير إلى ان اسلوبها في الرسم بدائي وثمة لوحة من لوحاتها تستقر في متحف الفن انها ترسم لوحاتها بالسرعة الكافية تقول "انا لاأستطيع ان ارسم بلا رؤيا، بل لااستطيع الحياة بدونها، ان" في ثالبوت" تسعى للخروج من حالة نفسية صعبة وتعبر عن معاناتها بالرسم فهي تعلمت الفن بشكل فطري عندما تؤكد أنها ترسم من الرؤي وعندما تبدو المفاهيم غريبة على فال تشرح له "لقد ولدت وقد احاط برأسي " شيء أشبه بالقناع، نسيج بالغ الرقة. اشبه بخيوط العنكبوت فوق عيني يسمونه غشاء، هناك بعض الأطفال يولدون هكذا وحول رؤوسهم غشاء وهذه علامة بأن الوليد سيكون من اصحاب الرؤى وقد كان" أنا رأيت الرؤى طوال حياتي ويضيف وليامز إلى شخصية "في ثالبوت" التزمت الديني حيث يبدو ابداعها في الفن ينطلق من أرضية افكارها تتخذ من العوالم الدينية المرتبطة بتعاليم الكنيسة مسرحاً لها وتحاول التعبير عنها ولا ينسى ان يضع فيها قصوراً واضحاً في فهم الحياة والتعبير عنها من زاوية واحدة فهي تتذكر حادثة قديمة لها تأثير كبير على تفكيرها وفهمها للحياة " جاء القس في منتصف الليل وبعد ان قام بصلاة العماد ناولني وعاء الماء المقدس قائلاً " القي بهذا الماء خارج البيت على الأرض، ولكني لم افعل فقد خشيت ان أخرج في منتصف الليل وشبح الموت مخيم على البيت فتسللت إلى المطبخ وسكبت الماء المقدس في حوض المطبخ فوقعت الواقعة وارعدت السماء، واستحال لون الحوض إلى السواد، اصبح لونه حالك السواد، وتكتمل صورة الماساة في شخصية " في ثالبوت" عندما يضيف وليامز إلى كل ذلك تصوير زوجها ثالبوت بصورة جاهل متوحش مهتم بمتابعة أمور الأمن ومطاردة المجرمين والمهربين فهو يندفع في مشهد الزيارة السريع إلى المكان وكأنه يبحث عن مجرم ويسأل زوجته وكأنه يستجوب لصاً ويدرك فال بعفوية شفافة حجم الانكسار في داخل الرسامة صاحبة الرؤى فيتناول الصور القاتمة التي تبدو مستقرة في اعماقها تعذبها ببطء قاتل لقد قضيت حياتك في هذه النواحي زوجة لمأمور المدينة ورأيت اشياء فظيعة تحدث، اناس يضربون وأناس يشنقون على الأشجار بلا محاكمة ومساجين يهربون فتمزق الكلاب اجسادهم وتعبر "في " عن فظاعة ذلك المشهد الذي استقر عميقاً في ذهنها " نعم الكلاب البوليسية التي تحرس المذنبين تمزق اجسادهم إلى قطع صغيرة وفي لحظة الانكسار الرهيب الذي يقفز في أعماق "في" إلى الخارج وتعترف بحقيقة موقفها من تلك الأفعال التي تشبه الأعاصير البطيئة والتي تصيب قلوب الناس بالعفن البطيء يحاول فال من جديد ان يسلط الضوء على حالتها " لقد راينا تلك الأشياء تجري أمام اعيننا في مقاعد متقدمة الصفوف وهكذا بدأت ترسمين رؤاك بلاخطة ولا تدريب، بدأت ترسمين وكأن الله قد مس اصابعك وقد صنعت بعضاً من جمال هذه البلاد التي يخيم عليها الظلام بهاتين اليدين الناعمتين .. يدي امرأة ويتوتر المشهد عندما يعود ثالبوت ويجد زوجته هائمة مع أفكار فال، فينهره كف عن هذا الهراء، لقد طلب إلي جب تورنس ان أمعن فيك النظر وهاأنذا الآن قد رايتك على حقيقتك، انه نوع من التحدي المريب بين مأمور المدينة القاسي والعازف الحالم، الخطوط متقاطعة والشخصيات المهمة في مسرحية هبوط اوفيوس يجسدها المؤلف وفق تناقضات عديدة وهذه الشخصيات الأربعة الرئيسية في المسرحية تثير أكثر من سؤال رغم ان هناك أكثر من موضوع يحتاج إلى تفسير في تلك العلاقات المبهمة وتلك العواطف التي تبدو كالسحب تنتشر في سماء صحراء مجدبة ويكشف حوار ليدي بعد عودتها في اعطاء حقنة المورفين لزوجها عن معاناة من نوع آخر ليدي متشائمة من حالة زوجها، فهو يتمنى ان يموت وفال يعرف جيداً ان ليدي تثمن ذلك وعندما يسألها عن حقيقة شعورها، ترفض الإفصاح عنه وتؤكد انها لاتتمنى الموت لأحد.. الموت فظيع جداً في تصورها لأنها تتذكر صورة موت والدها في الغابة المحترفة وفي أوج ازمتها النفسية تطلب ليدي من فال ان يعزف فأعصابها متوترة ويجيب فال" لقد استيقظت مرة و مرتين في الأيام ألأخيرة وقلبي يدق بعنف وانا اصيح بشيء ما وفي كل مرة كنت اضطر إلى العزف على جيتاري لأعيد السكينة إلى نفسي، يبدو ياليدي اني لااستطيع ان اعتاد على هذا المكان لسبب أو لآخر أني لا أشعر بالأمل هنا، ومع هذا اريد ان ابقى ويربط وليامز بين المطاردة التي تدور في الخارج حيث تطارد الكلاب البوليسية سجيناً هارباً وبين المطاردة التي تدور في داخل فال حيث يحاول طرد الأفكار التي يبدو من خلالها ضعيفاً وليدي التي خبرت الرجال تدرك ان فال هو ضالتها المنشودة، تسأله عن مكان أقامته وعندما تعرف انه يقيم في كبائن وايلدرود على الطريق العام تعرض عليه الإقامة معها،" لدي فراش مريح وموقد بشعلتين ومكان للاستحمام وثلاجة " وعندما تعرف ان فال ليس من النوع الذي يهتم بتوفير المال فهو يؤكد "طيلة حياتي لم استطع التفكير بذلك" الا ان الليدي تريد ابقاءه بكل وسيلة لذلك هي تغريه وتؤكد له ان عمله معها في الحانوت يحقق له ذلك، وتقوده إلى غرفة داخلية صغيرة ملحقة بالحانوت تفصلها عنه ستارة وهو المكان الذي يستخدم لقياس الملابس وعندما تبدو الدهشة على فال تقول ليدي" بها سرير صغير كانت الممرضة تنام عليه عندما أجريت لجيب عمليته الأولى، وسأحضر سباكاً ليركب بها دشاً وسخاناً، سأجعلها تروق لك، ويجيبها بأنه لايريد ان يكون مديناً لأحد وترد ليدي بسرعة وهي تفصح عن بعض اهدافها في وجوده معها" لن تكون مديناً بشيء بل الواقع انك ستسدي لي معروفاً فسوف اطمئن اثناء الليل صدقني سأكون أكثر اطمئناناً ولن يكلفك ذلك شيئاً، يمكنك ان توفر المبلغ الذي تدفعه في كبائن وايلدرود كم تدفع هناك؟ عشرة دولارات في الأسبوع؟ المحافظة على صداقة قديمة في عالم لن يحتملهما في اية ملامح تمثل هذه الشخصيات طموحاتنا المأساوية لعل بعض مجموعات السمات والعادات والأهداف تخلفنا بعيداً وراءها وهي تجهد في سبيل طبائع رمزية انظر إلى الشخصيات الرئيسية في اروفيوس يهبط وإلى افعالها "ان فال كسافيار الطاهر الذيل ذا الجاكيت المصنوع من جلد الأفعى والمولع بالقيثار يقع في حب امرأة ايطالية في منتصف العمر صاحبة مخزن كانت جثة ابيها قد احترقت في بستانه من قبل اعضاء لجنة الآمن الأهلية العنصرية وتمثل الشخصيتان الثانويتان وهما ايضاً تعانيان اضطهاد وتعصب المحيط الجنوبي الأعمى ويظهر انجذاب الكاتب وليامز إلى الحالات النفسية الشاذة والنماذج الإنسانية الغريبة التي تعذب نفسها بنفسها وتستمد لذتها من ممارسة الحب قرب بوابات" سبرس هل" والثانية زوجة المأمور المكلف بحماية الأمن في المدينة والتي ترسم مستعينة بالرؤى صوراً دينية هي في الواقع انطباعات للهواجس الجنسية والدينية المسيطرة عليها هاتان هما الشخصيتان الوحيدتان الجيدتان في المسرحية على مابهما من غرابة وهمايستحقان المراقبة والمتابعة الدقيقة .. وفي المشهد الثاني من الفصل الثالث يظهر فال وحده في الحانوت واقفاً متوتراً كحيوان بري وكأنه يسمع شيئاً وفي نفس اللحظة تقريباً وعلى بعد قليل نسمع امرأة تصرخ صرخة مدوية تنم عن الرهبة والتمجيد تتكرر الصرخات بحدة بينما يظل فال مذهولاً لايدري كيف يتصرف حتى تقترب صرخات المرأة انها" في ثالبوت" تقذف نفسها داخل الحانوت في حالة تثير الإشفاق وتبدو وكأنها ضريرة مصابة بالجنون وهي تتحسس طريقها بيديها وتغطي عينيها بإحدى ذراعيها تتلمس طريقها بصعوبة وبجوار النافذة، ويتحرك فال من ذهوله بعد ان عرفها ويأخذ بيدها ويقودها وهي مستندة على ذراعه، تصرخ برعب لقد اصبت بالعمى" يقودها إلى مقعد خلف منضدة البيع وتجلس وهي تنتحب ويسألها فال ماالذي اصاب عينيك يامسز ثالبوت فتجيب ان الرؤية التي طالما انتظرتها وصليت من أجلها طوال حياتي. ويسألها فال ببلادة هل ظهرت لك الرؤيا من جديد وتجيب ثالبوت" رأيت المسيح واصابني العمى لقد اخترق الضوء بصري وتواصل بسذاجة كبيرة تشبه سذاجة الأطفال"ظننت أنني سأرى المسيح في يوم صلبه الذي صادف بالأمس وبعد الظهر جمعت شتات نفسي وخرجت من المنزل وذهبت للصلاة في الكنيسة بعد ان انصرف منها المصلون للتأمل في قيامة المسيح، وطول الطريق وانا سائرة كنت افكر في اسرار عيد القيامة. رأيت اقنعة تنجاب عن عيني ورأيت نوراً باهراً لم أرى مثله في حياتي وخزني في عيني كالأبر" وهنا يعتقد فال بصحة كلامها ويبدو الاثنان من خلال حوارهما كأنهما طفلان اكتشفا حقيقة الحياة في بساطة وهدوء وفي طريق ريفي. ان الكاتب تنسي وليامز يبدع داخل عمله إلى اقصى حد ويمكننا ان نسأل على سبيل التجربة هل هي تجربة المؤلف في وضع افكاره عن الموضوعات النفسية. فمثلاً نرى في مسرحية هبوط أورفيوس في شخصيات "في ثالبوت وفال وكارول" جروح نفسية بارزة، وهذا مايؤكد كلام فال ولعله هو المنطق الذي وضع " اريك بنتلي" من خلاله مقولته في توضيح شكل الحادثة الدرامية النفسية حيث قال، ان الدراما النفسية الجديدة مدرسة وليامز التي تنبع من موضوع الخوف من المجتمع،. من العالم وكذلك تهتم في قضية الانهماك في الذات مع الاتفاق بأن الفن ينبع بشكل ضروري من التفاعل الكامل مع الحياة بعيداً عن الارتباط باهداف ضيقة وخاصة اذا كان القصد يأتي بعيداً عن وضع خطة واهنة للقبول بالشكل المتردي للحياة واحتمال العذاب حيث يبرز الاهتمام التحليلي بالانسان وظروفه الموضوعية واهتماماته والمشاكل المحورية التي تنظم جهوده وتوجه تفكيره.. ان فال مثلاً يعتقد بصحة كلام في ثالبوت وعندما تحاول وضع فلسفة مأساوية محددة المعالم" انه عالم من الضوء والظلمة هو مانعيش فيه، وكثيراً ما تختلط فيه الأمور، ويدق وليامز ناقوس الخطر عندما يضيف إلى الشمهد ظهور رجل يقف خلف نافذة المحل وهو يختلس النظر اليهما وتستمر في ثالبوت في سرد خزعبلاتها التي تريد ان تجدلها صدى فيّ عقل وذهن فال" سمعت قصف الرعد وانشقت السماء وفي تلك الفجوة رأيت عيني السيد المسيح الهائلتين تتوهجان وهو صاعد إلى السماء لم يكن مصلوباً بل كان صاعداً، اقصد انه صلب أولاً ثم صعد بعد ذلك ،رايت عيني المسيح المتوهجتين، ثم ظهر بعد ذلك شيء هائل وعندما ترفع ذراعيها وتلوح بهما في الهواء لتصور مدى الاضطراب الذي حدث في السماء وكأنها مخبولة تصرخ" يد السيد المسيح لم اتبينها لم أريده ولكنها لمستني هنا" وتأخذ يد فال وتضغط بها على صدرها الذي يعلو ويهبط وهنا يدخل زوجها ثالبوت الذي كان يتابعها من خلف النافذة وهو يكاد ينفجر من الغضب وتشهق في ثالبوت شهقة حادة ثم تتعثر في خطواتها بفزع وخوف وتنهار راكعة علىركبتيها وتلف ذراعها حول فال الذي يمسكها ليرفعها حيث تبدو مجموعة من رجال المدينة يراقبون مايدور داخل المحل بعيون متلصلصة ويدفع ثالبوت يد فال بغضب بعيداً عن زوجته ويمسك بها بخشونة ويدفعها إلى باب المحل ويتوعد فال بأن يظل في مكانه ولا يتحرك لأنه عائد إليه ويوكل إلى أحد اصحابه البقاء حارساً على فال.. يعلق الناقد هنري بوبكين على الأفكار والرموز الدينية المليئة بها حوار المسرحية حيث يلقي بعض الضوء على الرموز الملتوية والتكلف المضطرب والمتشابك والتي تحفل بها المسرحية حيث وصفها على ضوء المسائل المسيحية والتي بنيت عليها هذه المسرحية واختلافها عن تلك التي في مسرحية معركة الملائكة ففي الفصل الأخير تحولت الجمعة الحزينة إلى سبت النور كما تحولت ميرا أو مريم إلى ليدي أو السيدة العذراء وهذه عادة امتاز بها وليامز، اذ يضفي من خياله على ملامح شخصيته دينية عالمية وبذلك جعل ام المسيح تصبح صاحبة متجر جشعة ماديا ومتعطشة للجنس وجعل فال يغدوا اورفيوس يهبط اما قيثارة فال التي تحمل شبهاً كبيراً لعود اورفيوس، فلها مغزى شهواني، اذ ان سكان البلدة الحاقدين والفاشلين جنسياً يتقدمون نحو فال بمدي مشهرة إلى أسفل وكأنهم يريدون ان يخصوه كما ان جيب الذي يوصف بأنه يشبه امير الظلام تماماً، حيث يقوم بالقضاء على العاشقين وهو نوع من البعث الرمزي يبدو ضمنياً في ومضات الضوء التي تتلاهب على المشهد والجزء الأخير من المسرحية يجمع بين موضوعين من موضاعات وليامز المألوفة حيث يجد علاقة بين الشهوانية والدين كما ان الحديث عن السترة المصنوعة من جلد الثعبان التي يرتديها فال في المسرحية يقترن بانشودة دينية، وهكذا يرسم تطوراً كبيراً في الفصل الثالث للمفاهيم الدينية التي تبدو كهوس جنوبي لامعنى ولا تصور صحيح يرتبط به، ان وليامز يوظف الدين لايصال الفعل الدرامي بالاتجاه الذي يدفع بالحدث المسرحي إلى الأمام ويجسد تصرفات الشخصيات، ان العاصفة الكبيرة التي يثيرها وليامز في الفصل الثالث عند دخول ثالبوت مأمور البلدة ويلمح وليامز بأن فال قد وقع في المصيدة الخطرة، حيث هو الآن يواجه اشرس الناس الموجودين في المدينة، انه المأمور ثالبوت والقضية تتعلق بشرف زوجته حيث انطلقت في البلدة الأصوات التي تقول هذا الوغد فال يغازل زوجة ثالبوت وتبدأ اللعبة التي يديرها المأمور دائماً مع المتهمين والمطلوبين للعدالة ويصبح فال وكأنه فأر تطارده مجموعة من القطط الشرسة في مكان ضيق ومحصور، وحيث لامكان للهرب أو النجاة، ولأن المأمور يعرف جيداً ان فال لم يرتكب خطأ واضحاً فأنه يقرر ان يوجه انذار نهائياً له فيقول بلغة التهديد المليء بالخبث والعسل، اذا كنت تعتز بهذه الآلة الموسيقية التي في يدك كما يبدو عليك. فإن هذا سوف يسهل لنا الأمور، بأن ترحل من هذه البلدة قبل ان تطلع شمس الغد، وفي المشهد الختامي لمسرحية هبوط اورفيوس يمهد وليامز للمرحلة الأخيرة من العاصفة القوية بتلك الصور الرمزية،" تصفر الريح وهي تكتسح السحب أمام وجه القمر فيسطيع ضوؤه تارة ويقيم تارة اخرى فيضيء بين الحين والحين على مشهد أشبه بأراضي الساحرات والكلاب البوليسية لايهدأ نباحها والمصباح خارج الباب يكشف ضوؤه احياناً عن احد المارة وهو يسير بسرعة غريبة ويتحدث بصوت هامس ويرفع ذراعه اشارة لشيء ما وكأنه شبح من اشباح العالم السفلي، يحصل ذلك في الوقت الذي يستمر فيه النزيف لدى جيب بينما تكون ليدي في صالون التجميل تستعد لحفل الافتتاح الكبير الذي كانت تحلم به منذ زمن بعيد، حتى ان الممرضة تستغرب سلوكها وزوجها يحتضر. الآن فهمت مايدور بعقلها. لقد وضعت هنا قمراً صناعياً ونجوماً من الورق المفضفضين وكروماً صناعية لقد احالت هذا المكان إلى مايشبه بستان أبيها على البحيرة وللمرة الثانية يذكرنا وليامز بمشهد الاستهلال حيث الحريق الذي يؤتي على الغابة ويحرق والد ليدي وعندما تطلب كارول ان يقوم فال بقيادة سيارتها لكونه سيرحل عن المدينة كما اخبرها المأمور، لكن ليدي التي تبدو في اجمل زينتها تنهرها، وتقول لها ان فال لن يذهب معك، اخبرني المأمور بذلك، لقد بدأت الأحداث تتصاعد بعنف واصبح شبح الانفجار الهائل يقترب بسرعة.‏

ان حياة وليامز الفنية حتى هذا التأريخ هي حياة رجل همة ان يقول شيئاً واحداً كبيراً فقط وان يقوله مرة تلو الأخرى وان يقوله بكل القوة المتوفرة في وسائل المسرح الحديث وهي تعمل مجتمعة، ان الحياة ليست ابداً ما تبدو، ولكن لابد من مواجهتها لقد رأى وليامز مع ابسن ان المجتمع المستهتر قادر على تحطيم الصورة الرومانتيكية لدى الفرد على الواقع ومع سترندبرغ رأى الناس يعذبون بعضهم بعضاً ويندفعون لتحاشي المرونة والاختلاف وللعيش وللعطاء ككتلة واحدة متداخلة من التلقائية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244