د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قيود الموت

عندما يحتدم الصراع بين كارول وليدي بخصوص فال ويشعر الأخير بأنه قد تحول إلى سلعة رخيصة الثمن ويقرر بجرأة وثقة بأنه لن يذهب مع كارول وتراود فال فكرة الذهاب بعيداً عن الحانوت لكن ليدي تفسر موقفه هذا بأنه هروب من المواجهة فيخبرها بأنه تورط في أمور لم يكن يقصد التورط فيها انني اشعر بحب حقيقي نحوك ياليدي سانتظرك خارج البلدة وما عليك الا ان تحددي المكان وعندما يريد فال مغادرة الحانوت تندفع ليدي لتغلق الباب وتحذره بأنها ستصرخ في آذان الناس بأنه يسرق الأيراد ويقرر فال الذهاب دون ان يأخذ أجره وتقول ليدي ستبقى هنا سواء أخذت بقية اجرك او لم تأخذه، وعندما تجده مصراً على مغادرة الحانوت تقرر هي ان تحزم امتعتها وتسافر معه حيث يريد وتعمد إلى أخذ القيثارة كرهينة لديها وعندما يحاول أخذ القيثارة من يدها يصل صوت جيب يدق على السقف في الطابق العلوي فيشير لها فال بأنه يناديها وتقول ليدي اعرف الموت يناديني، انه لايكف عن الطرق، انها دقات الموت بعينه. اسألني انا كيف كان شعوري وانا اقيم مع الموت في غرفة واحدة، هناك في الطابق العلوي وسوف اجيبك. كان جسدي يقشعر كلما لمستني ولكني احتملت في ظني ان قلبي كان يعرف ان شخص ما سوف يأتي ليخلصني من هذا الجحيم وقد اتيت انت انظر الي الآن لقد اصبحت على قيد الحياة من جديد لن اذوي في الظلام، كل ما في هذا المتجر اللعين ملك لك، كل ما جمعه الموت طوال حياته ولكن الموت يجب ان يموت قبل ان ترحل من هنا ويدور حديث بين مس بورتر وليدي : يتناول حالة جيب الصحية حيث تطلب الممرضة احضار احد الاشخاص لتقصير حياة جيب كما يحصل عندما يراد التخلص من الحيوانات الميؤوس من بقائها على قيد الحياة، لكن ليدي ترد ان الإنسان ليس كالحيوان فهي لاتوافقها على طلبها رغم نفورها من زوجها وتغادر الممرضة بينما تستعد ليدي للمغادرة وتستدير لتكشف مايستقر خلف الستار حيث ترى فال يجلس مختبئاً في الغرفة الصغيرة الجانبية وفي حالة ذهول، وبعد انكشاف هذا السر تطلق الممرضة خبراً يكون كصاعقة جديدة ولكنها من نوع آخر حيث تقول بأنها كانت تعرف ان ليدي حامل ومن رجل آخر غير زوجها، وبدلاً من ان تقول ليدي للممرضة ان تكتم الخبر، تطلب منها ان تنشر الخبر في المدينة كما تطلب من فال ان يهرب بسرعة خذ مفاتيح سيارتي واعبر النهر إلى بلد آخر، لقد اديت ما جئت هنا من اجله.. جسدي هذه الشجرة الميتة لقد أورقت وأزهرت، لقد منحتني الحياة يافال وتستطيع ان تذهب الآن" ويشعر فال فعلاً بخطورة الموقف لكنه يتأمل كلمات ليدي بدقة ويشعر بأنها تضعه للمرة الأولى أمام الإحساس برجولته للمرة الأولى يدرك أنه يستطيع ان يمنح الحياة لجسد دب فيه الموت واليأس.. وينتبه من جديد لكلمات ليّ التي تقول من جديد.. عندما تظل المرأة زمناً طويلاً بلا انجاب كما حدث ليدي يصعب عليها ان تصدق ان بوسعها ان تحمل " كانت لدينا شجرة تين صغيرة بين البيت والبستان لم تحمل ثمرة واحدة ابداً، فقالوا عنها انها عاقر، انها ميتة ومرت السنون ربيعاً في أثر ربيع دون ان تثمر حتى كادت ان تموت وفجأة ذات يوم اكتشفت ثمرة تين خضراء على الشجرة التي قالوا انها لن تحمل ثمراً فأخذت اعدو في البستان بين الكروم وانا اصيح، ابي الشجرة تحمل ثمراً كم كان رائعاً ان تثمر شجرة التين الصغيرة بعد عقم دام عشرة اعوام وكان لابد ان نحتفل بتلك المناسبة فأسرعت إلى احدى الحجرات وفتحت صندوقاً كانت تحفظ فيه زينات عيد الميلاد، اجراس زجاجية وطيور زجاجية ومصابيح ونجوم اخرجتها وعلقتها على الشجرة وصرخت في الفضاء ايها الموت لقد انتصرت الشجرة. وهاأنذا اصرخ الآن أيها الموت لقد انتصرت ليدي وحملت طفلاً، وفي لحظة نشوتها وسعادتها الكبيرة تتعثر فجأة وهي تصعد الدرج في خطوات مرتبكة ثم تستدير وهي تصرخ صرخة رعب كبيرة وتهبط الدرج مسرعة وتخفت صرخاتها شيئاً فشيئاً حتى تصل اسفل الدرج وتسير إلى الخلف متخبطة كأنما اصيبت بالعمى ويدها ممدودة إلى فال بينما تسمع انفاس متحشرجة ووقع اقدام ثقيلة على الدرج وتظل تنتحب من هول المفاجأة، لقد وقف الموت على اقدامه، ان وليامز يرسم هنا مشاهد عنيفة وبالغة السادية ان جيب الذي يشبه امير الظلام خلع رداء الموت وبدأت اقدامه تقترب ومعها يقترب الموت الأكيد ان صرخات ليدي الأخيرة ياإلهي" اقتناع تام بالمصير المحتوم فظهور زوجها جيب الذي يفترض انه في لحظات الموت الأخيرة وكأنه شبح الموت ذاته بكل شره وغضبه كما رسمه وليامز متحسساً طريقه إلى المتجر المعتم لكي يكتشف ضحيته. وهو يصرخ بإنذار يشق قلب الأمل لدى ليدي وفال "سارقوا الموتى، الموت لكم سارقوا الموتى" ويرفع يده ممسكاً بمسدس ويطلق النار تجاه المتجر وتصرخ ليدي، وتحتمي بجسدها جسد فال الذي يقف بلا حراك يهبط جيب بضع درجات ويطلق رصاصة ثانية فيصيب ليدي فتصرخ صرخة مدوية ويصيبها برصاصة أخرى فتكرر صرختها وتستدير لتواجه فال، لتحميه بجسدها وهي تواجه عنف الحياة والموت في آن واحد وعندما يفرغ المسدس من الرصاص يلقيه فوق جثتها ويهبط الدرج ويمر مسرعاً وهو يصرخ في صوت اجش " سوف احرقك، لقد احرقت اباها من قبل وسأحرقها هي ايضاً" ويفتح باب المتجر ويندفع إلى الشارع وهو يصرخ بصوت عال لقد سرقني المستخدم واطلق الرصاص على زوجتي، لقد سرق المحل وقتل زوجتي وعندما يسأل فال ليدي هل اصابها الرصاص تجيب "نعم لقد انتهى العرض ومات القرد" وفي هذه اللحظة المتوترة يبدأ الناس بتحطيم الأبواب للدخول ويبحث فال عن طريقة للهروب وينفتح باب الحانوت بقوة وترتفع وسط الظلام اصوات خشنة، كلهم يبحثون عن فال واخيراً يمسكون به ويقترحون عدة وسائل لموته أحدهم يحضر حبلاً لشنقه لكن رجلاً يخبرهم بأنه وجد طريقة أفضل من الشنق وذلك باستخدام مصباح اللحام، وبعد ان يجربوا صلاحيته للعمل يندفعون خارجاً، صيحاتهم تختلط مع اصوات المحركات ونباح الكلاب وفي المشهد الأخير تواجه كارول العراف الزنجي وتطلب منه ان يعطيها سترته المصنوعة من جلد الثعبان مقابل خاتم ذهبي، انها فشلت في الاحتفاظ بفال كإنسان حي، لذا تريد ان تحتفظ بأي شيء يذكرها دائماً بفال، وتند صرخة قويةٍ من فال تندر بأن الموت المؤلم قد بدأ، وفي هذه الأثناء تحتضن كارول سترته بحب ولهفة وتقول للعراف الأشياء البرية تخلف وراءها جلوداً نظيفة واسناناً بيضاء هذه تذكارات يتناقلها واحد عن اخر حتى يستطيع النوع الهارب يتابع خطى من هم على شاكلته، انها التحية الأخيرة للحرية لهذا الطائر رمز البراءة، الذي يظل متحرراً من نفوذ الأرض المفسد واذا كان لزاماً ان يؤخذ طهر فال على انه براءة ازاء تجربة الجنس المفسدة واذ كان التزامه للعالم التجاري اقترانا آخر بقوات الظلام فلابد لفال كسافيار اذن من ان يتجه إلى المتاعب وبرغم اقحام الرمزية الضمنية فإن التركيز ينصب على المشاهد الشهوانية التي اخذت مساحة كبيرة من المسرحية بعض النقاد يعتقد ان في المسرحية اسئلة هامة كان يجب ان يمضي وليامز في علاجها على اكمل وجه مع وجود عوامل كثيرة تشغل البال منها الإسراف في الموضوعات العاطفية الأمر الذي جعل اقوى اجزائها غير مكتملة ومبهمة ومن الممكن التمثيل بعجز وليامز عن الاستمرار في معالجة موضوع درامي، بالنهاية الهستيرية التي وضعها لهذه المسرحية فهي شيء جامح مرة أخرى، فإن ليدي التي لاتقل مادية عن جاراتها والتي افسدها الوسط الذي عاشت فيه عدة سنوات كزوجة عاقر، تعلن في نشوتها انها حبلى وقد سبق لوليامز ان ساق هذا الاعلان النهائي على لسان بطلتي مسرحيتيه السابقتين وشم الوردة وقطة فوق صفيح ساخن واذا فال كسافيار جالب الحياة ورمز حرية جامحة خالصة وان وقع في شراك الغرام والأحداث المتعاقبة تجعل من العسير علينا ان نصدق هذا اذ به يتهالك امام هذه المرأة، بيد ان جيب الزوج المجروح الذي يوصف بغض النظر عن اصابته بنزيف حاد بأنه رمز الموت والشر يظل قادراً على الإمساك ببندقية فيرسل رصاصتين في جسد ليدي مطلقاً آهتين وانواعاً من الشتائم ثم يهدد باحراقها كما احرق أباها من قبل، ويعزز هذا الإقرار المزهوّ والمتأخر عن أوانه، ما كان لدى ليدي من شكوك، ان الأهداف المعاصرة لدى الشخصيات الدرامية في مسرحية هبوط اروفيوس رسمها وليامز بشكل واضح وبسيط، ان اسمى تطلعات ليدي هو افتتاح المحل الجديد لكي تستمر الحياة كما ترى وليس عند "فال" اية خطط سوى العزف على القيثارة والبقاء بعيداً عن الناس وكأنه طائر سعيد يرمز إلى البراءة ويود ان يظل متحرراً من نفوذ الأرض المفسد، وعندما يؤكد على ضرورة ان يكون وحيداً تبحث ليدي أيضاً نفس الفكرة وتود الاعتزال أيضاً لأنها اصبحت تؤمن بأن ثمة بشراً يباعون ويشترون في هذا العالم مثل الخنازير المذبوحة في دكاكين اللحامين ان الصراع في مسرح وليامز أحياناً يتخذ رؤى كثيرة حيث يمكن ان يكون هناك قدر قليل من ارادة الحياة ويرتبط القصد بأهداف ضيقة وخاصة اذا لم يكن ذلك القصد إلا خطة واهنة للقبول واحتمال العذاب حيث يبرز الاهتمام التحليلي المتزايد بالأنسان ومسلمات ظرفه إلى تصوير الصراع باعتباره عاملاً اساسياً في تبديد الوقت والجهد، ان ظروف العمل المسرحي في الفترة التأريخية وما اقساها كانت تحتم مسؤلية الكاتب تجاه المرحلة التي يعيش فيها وكان يجب ان تنعكس صورة هذه المرحلة على أثار كتابها ان مشكلة الكاتب المعاصر ليست في انعدام القيم في المجتمع المعاصر ولكنها في حقيقة الأمر تتمثل في قبول او رفض أو اختيار القيمة، ولعل السبب في ان معظم مسرحيات وليامز تتحدث عن الجنس باعتباره يمثل تجارب عاشها وليامز وشخصيات يعرفها عن قرب وان المشاكل التي تناولها في كتاباته درسها واحسها ولمسها بنفسه ووضع لها آراء وأفكاراً تحدد الداء الذي يمثل الظاهرة الخطيرة في المجتمع الأمريكي، والجنس في مسرح وليامز جزء من مشكلات العصر الراهنة المتشابكة والمليئة بالمخاوف والأخطار ويؤكد ذلك عندما يقول "انني لست كاتب جنس، بل أتخذ الجنس اسلوباً لتفهم الناس عن طريق تصرفهم وعلاقاتهم المتشابكة وواقعهم اليومي وهكذا يبدو الجنس عندي هدفاً أو غاية كالكثير من كتاب الجنس اليوم بل هو مجرد جسر للعبور إلى المشكلات الأساسية والجنس زاوية حادة تستطيع ان تمنح كاتب المسرح فرصة التعمق إلى داخل النفس البشرية وتعميق الحياة الاجتماعية وتعريتها وهذا مايؤكده الناقد الأمريكي وولتركير حيث يقول" انا لا اعرف كيف يؤلف تنسي وليامز ولكن يبدو انه يكتب بطريقة اللمس، فأنت تشعر اذ تشهد احدى مسرحياته ان المؤلف قد رأى في مكان ما امرأة شابة مهزوزة صعبة المراس أو انسانة متزمتة مرتبطة ومشدودة للقيم الأخلاقية الريفية أو مدعية إلى حد لايطاق، قد تكون بلانش أو ألما أو ماجي أو ليدي.. أو في ثالبوت.. انت تشعر ان وليامز راغب في ان يتابع إلى مالا نهاية الانحراف على الموضوع وانه يكره ان يقاطع ذلك الانحراف خشية الا سمع ان دقة التعبير التي يرسم بها وليامز شخصياته من خلال الحوار الجيد الشاعري البسيط والبناء الدرامي في مسرحيات وليامز ينبت من وحدة كاملة ويتحرك من خلال هذه الوحدة دوماً، ويعرض فكرة اساسية ينبع منها مختلف أنواع الصراع وخاصة تلك المشكلات الصغيرة التي تبدو كالروافد التي تصب في مجرى نهر عنيف يجري بسرعة كبيرة إلى مصبه النهائي، ان وليامز يعرف ان الحياة باعتبارها امتحاناً مروعاً غير انه يدعي بأن وجهة نظره الفنية لاتنتهي بالعبث هذا .." ان الحاجة الملحة لجهد بشري عظيم على النطاق العالمي من أجل معرفة أنفسنا ومعرفة بعضنا افضل كثيراً وأحسن إلى درجة تكفي للتسليم بأن مامن انسان يملك احتكار الحق والفضيلة أكثر مما يملك أي انسان زاوية للخداع والشر وما إلى ذلك واذا كان الناس والأجناس والأمم يريدون ان ينطلقوا مع تلك الحقيقة الذاتية التجلي فإني اعتقد بناءً على ذلك ان العالم لايستطيع ان يتجنب نوع الفساد الذي اخترته عن غير ارادة مني موضوعاً مجازياً اساسياً لمسرحياتي بالإجمال" ان موضوع الأمل والإدراك للحياة والتعبير عن فلسفتها هو ان يتحرك الكاتب فوق اجنحة المعرفة وفوق الواقع المراد تصويره، ان المأساة الأصلية هي طقس قد وضع فيه طعم الأمل، ان الأسطورة في التجربة المأساوية هي مغامرة في تأريخ مقدس أو فوق البشر وتظهر اقدم الأساطير على الأقل كيف ان مفهوم الوجود أو الشرط الإنساني قد ولد من خلال اعمال أي من القوى التي سيرت الزمن ويشير إلى ذلك "ميرسياد اليا" في كتاب "الأسطورة والواقع" إلى ان الاسطورة تهتم بما فعل الآلهة في البدء، أما الآن فهناك طريقة تصبح فيها المأساة الاسطورية نوعاً من الأمل لمد الجسور الانسانية في البيئة فلقد تابعت المجتمعات في أيام المآسي الأصلية سيرها في وجه حاضر مظلم، عندما كانت القصص والأساطير نقاط للدعاية المسلية التي تضم الشتات وتؤكد لبني البشر أن الزمن سيأتي بالمكافآت وقد كانت الاسطورة فيما بعد التعبير الجوهري للروح التي اراد المجتمع المعاصر ان يتفق معها، إن الرمز في مسرح وليامز يتخذ اشكالاً تنم عن الغرابة والتعجب حيث تفرض الشخصيات والأشياء الرمزية نفسها بعضها على نوع مبهرج مثل المرأة المكسيكية العمياء في عربة اسمها الرغبة وهي تنشد زهور للموتى أو مثل لاعبي البوكر المرتدين الوانهم الأساسية الذين يراقبون بلانش حين يتم ابعادها ومثل طائر الكنار المحنط في قفص في رسالة لورد بارون الغرامية والجدي في وشم الوردة وتمثال الأبدية في صيف ودخان ولاغوانا في ليلة السحلية والبعض الآخر من مسرحياته وشخصياته يفرض نفسه بحذق أكبر مثل العائلة الصاخبة المؤلفة من اطفال شهوانيين أو مثل عكاز برك في قطة على سطح صفيح ساخن أو مثل القميص الحريري الوردي في وشم الوردة ومثل مظلل المصباح الباهت الذي ينتزعه ميتش عن اللمبة العارية في عربة اسمها الرغبة ومثل حذاء لورا ومجموعتها الزجاجية وتبدو تشعبات المعنى التي يضمنها وليامز بمثل هذه الوسائل لاتنضب وكذلك فهو لايتردد في اللجوء إلى قدر مفرط من تشخيص الأشياء في البناء المسرحي الذي هو المناخ المميز لميلو دراما القرن التاسع عشر مثل القيظ، الريح، الرعد، كل غضب السماء أو غضب العقول المريضة لشخصياته وهم في الغالب نساء عصبيات وحيدات رومانتيكيات بلا اعتدال يعتمدن اعتماداً كبيراً على الموروث الفولكلوري وطبائع المجتمع الجنوبي في أمريكا وكلهن تقريباً وقعن ضحايا للعمل في مجتمع لايتقبل الضعفاء بسهولة ويتركن شعوراً بالتعاطف معهن انسانياً مثل لورا العرجاء وأمها اماندا وسيرافينا الأرملة وماجي القطة والدمية الطفلة ميغان وبلانش دوبوا وماكسين وهانا التي تحمل صفات القديسات في ليلة الأغوانا، انهن لايعرضن حياتهن ومشاكلهن لغرض الهزء ولا لأرضاء فضول الناس الذي يتلذذ بعرض نماذج النساء اللواتي يعشن على هامش الحياة، انهن يعرضن حياتهن كما يقول بيتر هول اعراض لضغوط وتوترات الحياة الحديثة التي تسحق الإنسان بقيمه وأفكاره، ان الكاتب تنسي وليامز لم ينافسه كاتب قط في استخدام شخصيات نسائية معاصرة بمثل هذا الإصرار لكي يخاطب الجمهور بمشكلات تهم البناء الاجتماعي والأسري والإنساني على وجه التحديد من خلال موضوعات مجرد الاقتراب منها يعد محرماً.‏

على مر السنين ظهرت مدارس مسرحية كثيرة اختلفت في تناولها للموضوع المأساوي في الحياة، وحصلت الأساطير اليونانية على اهتمام خاص تمثل في معالجات جان كوكتو وتينسي وليامز كما حصل في هبوط اروفيوس وايضاً بعض اعمال يوجين اونيل وفرض الموت ظله كبطل في تلك المسرحيات ولعل ابرز الأفكار التي سيطرت على مسرح وليامز تمثلت لدى شخصيات مسرحياته النسائية في معرض الوحوش الزجاجي.. وحافلة تدعى الرغبة وهما على التوالي كما يصف زيلسكي مسرحيات غنائية وعنيفة لنساء حساسات يعشن حياة القنوط المكبوت أو حياة أحلام عصابية، لأن حواسهن أوهى من أن تتعامل مع العالم الخشن الذي يحيط بهن، ففي المسرحية الأولى تكفل رقتهن الحسية فشلهن المستمر في جو اجتماعي قد تاجر بالرقة لقاء القسوة وقد قال وليامز فيما يتعلق بمسرحية عربة اسمها الرغبة ان موضوعها يشير إلى ان القرود سترث الأرض، ان ابطال وليامز الحساسين لايستطيعون ان يتكيفوا تكيفاً ناجحاً مع هذا النمط من مشكلات الحياة دون ان يصبحوا هم أنفسهم حيوانات وحين يفوتهم هذا الأمر يدمرون، واذ يجد وليامز ان معظم الرجال اجلافاً فانه يتعاطف مع الشخص الضعيف الذي تشمئز روحه من بلاهة الحياة الشديدة، ان عديمي الحساسية يزدهرون لأنهم عديموا الحساسية وترى بعض مسرحيات وليامز مثل صيف ودخان ومسرحية آلي لصوفي تردويل، ترى الدمار الحقيقي في سوء التكيف الجنسي وتشير إلى البرودة بأنها ضعف مأساوي وفي اورفيوس هابطاً يرسم وليامز رجالاً مهزومين يعانون من حالة الاحتباس كما يعبر عن ذلك كسافير" لا أحد توصل إلى معرفة أحد، لقد حكمنا جميعاً بالحجز المنفرد داخل جلودنا مدى الحياة، ان هؤلاء الناس كما يصفهم وليامز غرباء عن الحياة" ان الفساد يصيب قلوب الناس بالعفن وقد جعل الإنسان عالمه سجناً للانحياز والتعصب ولإرتياب، ان سجناء وليامز فال، وفي وكارول وليدي يرغبون في الفرار من الفساد ويعبر فال عما في انفسهم جميعاً عندما يصف الطائر الذي يودون مضاهاته" انتم تعلمون ان هناك نوعاً من الطيور ليس له أرجل، ولايستطيع أن يحط على شيء، بل عليه ان يبقى طوال حياته طائراً في السماء؟ ويسمح ذلك الأمر ومافيه من خداع، للطائر بأن يتجنب الإتصال المفسد بالأرض، هذا هو الرمز الشعري الأخير الذي يستخدمه وليامز للتعبير عن هذا الجانب من تشاؤميته ان بطله اورفيوس يهبط إلى جحيم على الأرض، ولكي يجعل نهايته عنيفة فإنه يخرج عن سبيله يصور وضعاً موصداً للناس التواقين الشفوقين الذين يحرقون اذا اخرقوا قواعد السجن وهناك حالة يحرض فيها الكاتب المسرحي مراجعة ضد نفسه وضد رؤياه موجودة كما يعتقد جون فون زيلسكي في علاقة تنسي وليامز بمسرحية هبوط اورفيوس فقد قال وليامز نفسه بأنه قد بذل من الجهد الشخصي في أورفيوس يهبط، أكثر من اية مسرحية أخرى من مسرحياته وخلال السبعة عشر عاماً التي مرت على ظهور المسرحية في شكلها الأصلي،، معركة الملائكة اقترب وليامز أكثر من الموضوع وتضاءل منظوره أكثر من ان يتسع وقد تنبه تبعاً لذلك، عندما فشل ثانية في ان يلاقي استحساناً، ان بؤس ورعب وليامز بمقدار ما تظهر المسرحية يبقيان ظاهرتين معزولتين، ومهما كان حزن فال وليدي وفي وكارول وسوء حظهم فإنهم ضحايا متخصصة ومرمزة لاتستطيع ان تناضل نضالاً كبيراً كافياً لتمثيل النهاية المأساوية للحياة التي تعني شيئاً للناس. ان المكان الفظيع يفسد الشخصيات ويدمرها ولكن على اساس دليل فلسفة وليامز الشخصية إلى حد بعيد، أكثر منها على أساس دليل تبصر مفتوح وشامل..‏

ان مدرسة وليامز التي تمثل الدراما النفسية الجديدة تنبع من الخوف من المجتمع، من العالم، وتنبع من الانهماك في الذات والآن فان الفن الذي لاينبع من كامل الإنسان بل من جانب واحد من جوانبه اعتقد انه لايصبح فناً أبداً، بل يبقى تخيلاً عصابياً أو شبه عصابي وان ينكر المرء على عمل وليامز صفة الفن معناه ان يتجاهل حضور شعر حقيقي كفن في المسرح مهما كانت موضوعاته إلا أن النقد يروي قصة عجز وليامز عن صناعة المأساة مع انه من نواح أخرى ينجح نجاحاً لامعاً في منأى عن انحطاط شخصياته النهائي، ويمكن القول حسب رأي زيلسكي بأن هبوط أورفيوس لم يكن الهدف منها مأساة، ولكن هناك اختيار آخر فقط فهل يسمح لنا وليامز بأن ندعوها مليودراما .. كلا يجب ان لانرتكب خطأ فيما يتعلق بها فهي تعبير عن رؤيا للوجود طال فيه التأمل، وصيغ ليوحي بتعبير مأساوي وربما انعكست عيوبها كفن مأساوي في كلمات وليامز بالذات عن الحياة،، ثمة رعب في الأشياء، رعب في قلب لامعنى للوجود، بعض الناس يتشبثون بفلسفة معينة انتقلت اليهم من الماضي وقبلوها، ان للحياة معنى إذا كنت تشب نحو السماء، ولكن اذا كانت السماء تخيلاً فإننا في هذه الغابة مع كل مانستطيع ان ننتجه من أجل انفسنا، يبدو لي ان أوراق اللعب قد رتبت سراً ضدنا. ويقول "أي ستول" في كتاب " شكسبير ومبدعون آخرون"، ان الشعر ليس انجيلاً والمأساة مسرحية ذات رسالة، وما كان في أي منهما جواب شافٍ عن لغز الوجود، ان قيمة تعبير كاتب الماساة الفكرية أو الأخلاقية او اية قيمة أخرى، ليست غاية في ذاتها في المأساة ولكن يجب ان تتواجد مع القصة والبناء المبتكرين بحيث يصوغان الوقائع عن مجتمعنا ووجودنا،ففي ختام مسرحية" اورفيوس يهبط " تخرج الشخصيات المتعاطفة عن سبيلها فجأة وبانصياع و فقاً لخطة وليامز لتعرض نفسها للدمار يجب ان تخطو ليدي أمام فال ويجب ان تأخذ الرصاصة المخصصة له من مسدس جيب ويجب ان تتلقاها في بطنها حيث تكون للتوّ طفل فال وكل ما امتلكه فال وليدي، يجب ان يهلك معهما في نار محل الحلوى،، ان المسرحية لاتخلو من جمال وتشويق وصور تنم عن تفكير عميق في برودة الإنسان.‏

ويحلل زيلسكي الشخصيات المهمة في مسرحية هبوط اورفيوس واية ملامح تمثل وهل هي ضمن الطموحات المأساوية المعاصرة وهل لها ملامح أو طباع رمزية تظهر في أحداث المسرحية العديدة ويعتقد ان فال كسافيار الطاهر الذيل ذا الجاكيت المصنوع من جلد الأفعى والمولع بالغيتار يقع في حب امرأة ايطالية في منتصف العمر صاحبة مخزن، كانت جثة ابيها قد احرقت في بستانه من قبل اعضاء لجنة الأمن الأهلية العنصرية، وتمثل الشخصيتان الثانويتان وهما ايضاً تعانيان اضطهاد تعصب المحيط الجنوبي الأعمى واستحواذ التحيز عليه، انجذاب الكاتب إلى الحالات النفسية الشاذة والنماذج الإنسانية الغريبة الأولى مصابة بالغلمة النسوية وتعذب نفسها بنفسها وتستمد لذتها من ممارسة الحب قرب بوابات "سبرس هل " والثانية زوجة شريف تمارس الرسم مستعينة بالرؤى صوراً دينية هي في الواقع انطباعات للهواجس الجنسية والدينية المسيطرة عليها، هاتان هما الشخصيات الوحيدتان الجيدتان في المسرحية على مابهما من غرابة وهما اللتان يجب ان تراقبهما وهما تتحملان محنهما.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244