د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس

ينسب موقع تنسي وليامز كطليعة للمؤلفين المسرحيين الأمريكيين إلى عدة عوامل مترابطة، فهو يحاول ككبار الكتاب المعاصرين الآخرين ان يخلق للإنسان الحديث صورة لاهتماماته الملحة بيد ان لوليامز ميزة كبيرة على غيره من الكتاب المسرحيين الأمريكيين وهي مقدرته على ترجمة دقائق مسائل العصر العاطفية والاجتماعية والخلقية إلى لغات مشتركة عظيمة القدرة وكما كان يحدث في الماضي، فإن موهبته في صياغة الأحداث السياسية والمدركات الفلسفية والظروف الاجتماعية لعصر مابلغة الإنسان العامي، جلبت للكاتب المسرحي ولمسرحه جمهوراً عريضاً ومتعدد الألوان، ومع اننا لانملك ان نوقن بأن مسرحيات وليامز ستبقى امثلة للدراما العظيمة، فإنه ليبدو من المؤكد انه سيظل شخصية ذات قيمة في تأريخ المسرح الأمريكي ولسوف يظل كتاب المسرحيات الشعبية في السنوات المقبلة مدينين لبراعته كوسيط بين الماضي والحاضر، بين التقليد المتوارث والأصالة..‏

بين المسرح والإنسان العادي. ويعتبر تنسي وليامز افضل كاتب حوار في المسرح الأمريكي الحديث إلا ان تفوقه قّد كرس للشعر القائم في جوّ من التوظيف الدرامي الدقيق وتمتاز مسرحيات وليامز باللغة الشعرية حيث يلبي الشعر الحاجات الفنية الفلسفية ويحرر بالفعل الكاتب المسرحي والمشاهد معاً اذ انه يسهل التصديق والمشاركة في الحكايات الحيوية للمأساة واللغة الشاعرية في نتاج وليامز في افضل لحظات تفوقها وهي تملك بداية ووسطاً ونهاية تعمل كلها من أجل بناء متراكم للانطباعات واللغة الشاعرية في المسرح تضفي على مجريات المأساة معنى اخلاقيا.‏

المسرحيات القصيرة في مسرح وليامز‏

المسرحيات القصيرة المبكرة التي ابدعها وليامز على منصة المسرح كانت ابداع رؤية شاعرية فذة للواقع حيث تمكن من خلالها عرض جميع الأشكال والأصوات والألوان والأمزجة التي تتسم بها ذكرى بطل المسرحية للماضي وهو يصور رؤيته للواقع تصويراً رمزياً وينتقل بعدها إلى خلق القالب الشاعري ثم محاولة نسج اسطورة شعبية تستند إلى التجربة المشتركة وهي مزيج من اللاهوت المسيحي وعلم الأساطير اليوناني وعلم النفس الفرويدي اضافة إلى تفاصيل مأخوذة من وقائع التأريخ الثقافي للجنوب الأمريكي حيث امتدادات الفلكلور المتعدد الجوانب، والظاهر أن وليامز توصل إلى نظريته عن النموذج الشعبي الذي يستند إلى أصول الفلكلور الجنوبي في فترة المران التطبيقي كما حصل في مجموعة المسرحيات القصيرة (27 عربة مليئة بالقطن والوداع الطويل) وليس نجاح ويليامز في تقديم الصور المسرحية في لغة شعبية نتيجة لمواهب مجردة، بل نتيجة لتطور الفن المسرحي الأمريكي الجديد اكتسابه لفهم عملي وتطبيقي لوظيفة الدراما على خشبة المسرح، فلقد اسهمت بدايات وليامز في مجال مسرحية الفصل الواحد في نجاحه ككاتب مسرحي حيث اعتمدت اغلب مسرحياته المشهورة على أفكار سبق ان عالجها في مسرحيات الفصل الواحد، ولعل ثمة تقارب بين تجربة وليامز ويوجين أونيل أو قبل ذلك في مجال البدايات الأولى للتأليف المسرحي. ان المسرحية ذات الفصل الواحد هي مسرحية الصراع الحاد الواضح فيها نجد حدوداً قاطعة بين الخير والشر، والصراع فيها هو اشتباك حاسم وكل شيء منذ البداية يؤدي إلى الحدث ولقد برزت في تلك المرحلة المسرحية كقوة فعالة في اطار الحركة المسرحية الشاملة، مع انها قد اقرت منذ أول ظهورها كنمط درامي محدد، فهي تماثل موقع الدرامي حتى وصفه "جون ووذر" اكبر نقاد القصيدة الحديثة في أمريكا حيث قال" ان الشاعر ينجح عندما لايستخدم قوة أكثر مما تستطيع القصيدة احتماله، ان وليامز أوتي صفتان هما قدرة غامضة في العثور على جوهر البناء الدرامي وإصراره على دفن لمعان الكلمة بين الأدران والافتراضات والحركات الزائفة وكتب عن طبيعة الشعر، لكن الشيء الذي افتقده في معظم هذه القصائد هو الشد والجذب بين الايقاعات الوزنية والايقاعات العرفية، ان الشكل الدرامي لدى وليامز يقتل الموسيقى التي هي روح الشعر، وعندما نشر القصص القصيرة التي كتبها في الفترات المتباعدة وناقش فيها موضوعات تضمنت اهتماماته في تلك الفترة وأصبحت تلك الموضوعات مادة استمد منها اغلب افكار مسرحياته ففي القصص المسماة بـ "ذو الذراع الواحد" والتي تعتبر من افضل أعماله القصصية حيث قدم فيها نماذج من شخصيات مختلفة بكثير من الاقتصاد والذكاء، كما انه طور فن القصة القصيرة في ألأدب الحديث، والمسرحية ذات الفصل الواحد تطرح قضية درامية متميزة ومحددة كالمسرحية الطويلة بالإضافة إلى ان الهدف من المعالجة الوصول إلى الفكرة الأساسية من الاثارة جميع الحوافز لدى المتلقى فيثير الاهتمام ويوجد الاستجابة الذهنية والعاطفية، ويخلق بذلك تأثير درامي، كما تميزت المسرحية ذات الفصل الواحد بأنها اقصر وأكثر كثافة في موضوعها، وهي تعرض ضمن بيئة واحدة محددة المعالم، حيث المطلوب أن تطرح عناصرها الدرامية المحددة بشكل سريع كي تنتقل بعد ذلك وبصورة مؤثرة إلى المرحلة التالية دون توقف، والكاتب المسرحي لايمكن ان يغامر في كتابة مسرحية قصيرة فإما ان تكتب بشكل جيد أولا تكتب.. انتقل وليامز إلى كتابة المسرحية ذات الفصل الواحد بعد أن جرب موهبته الأدبية في كتابة الشعر حيث أصدر عدة دواوين شعرية منها "شتاء المدن" وخمسة شعراء امريكيين في مقتبل العمر" وحاول ان يقترب في بناء القصيدة من الشكل لذلك طور المونولوج الدرامي من خلال تركيب العبارات بشكل مبسط وعمق في التصوير بالإضافة إلى انه استفاد من تجاربه الذاتية حيث تمكن من توظيفها ورسمها في اغلب الموضوعات التي تناولها في قصصه القصيرة حيث توزعت تلك الشخصيات بين الهواجس الجنسية والدين والفن وصور الحب والصداقة وظل شبح السعادة المفقودة هو القاسم المشترك الأكبر في اغلب القصص بالإضافة إلى الموضوع الرئيسي الذي يتمثل في ذروة الإحساس بالوجود والسعادة ضمن الطقوس الجنسية التي اصبحت هدفاً اساسياً لموضوعات وليامز في جميع مسرحياته ذات الفصل الواحد وكذلك الطويلة ونجد في مجموعة قصص ذو الذراع الواحد وقصص أخرى وبالذات في قصص "حقل الأطفال الزرق والأمر الهام وصورة فتاة زجاجية" والأخيرة بالذات هي تسجيل لبعض احداث حياة المؤلف ومن أحسن انتاج وليامز وقدر لها ان تصبح مصدر مسرحية مجموعة الحيوانات الزجاجية وتصور هذه القصة المليئة بالتفاصيل، المرأة الجنوبية الأمريكية سليلة العائلات العريقة التي تعجز عن مجاراة مجتمعها المعاصر حيث تظل تقبع خلف الستار خائفة من مواجهة الحياة والعالم، كما تضم المجموعة قصصاً، عن المنبوذين يبدو انهم جميعاً ممن اضلهم الجنس ويضعهم المؤلف بعطف وإدراك ولعل تفرده ودقته في بعض الوصف جعلت من المتعذر الفصل بين الوقائع الخيالية في مجال التأليف والوقائع المستمدة من حياة المؤلف فمثلاً قصة الشاعر التي يرويها وليامز في أسلوب مشوش مليء بالرمزية يحاول فيها تصوير التخبط في مراحل الإبداع عند المؤلف والشارع، ان قصة"ذو الذراع الواحدة" قصة فريدة عن العوامل السوداء الكامنة تحت قناع المدينة المهزوزة حيث تشير لينا فولك الناقدة الأمريكية "لو ان وليامز ارهق عدسة خياله وضبط بؤرتها بمزيد من الدقة ولو أنه عالج مادته بوجهة نظر جنسية ناضجة، ولو أنه حذف بدون تردد كل المؤثرات البلاغية والسجعية التي كان يعتبرها اساس الكتابة الشاعرية، مع ان مجموعة القصص القصيرة المبكرة حملت فيها قصة تمثل نموذجاً جيداً حين تناولت موضوعاً مليئاً بالمرح والفكاهة" وفي كتابات وليامز المبكرة يحاول ان يفسر المحنة الأخلاقية للإنسان حيث يقول " ان خطايا العالم لاتوجد في حقيقة أمرها، الا في جزئياته ونواحي عدم اكتماله وهذه هي الأشياء التي يجب ان يكفر عنها بالعذاب" ولقد استخدم وليامز مبدأ التكفير عن طريق العنف في كثير من مسرحياته اللاحقة أنه يبحث عن رمزية دينية ضمنية معقدة، ومن الجائز انه يجد معنى عميقاً في الجمع بين الشذوذ الجنسي وآكل لحم البشر وبين الصليب والقيامة، وفي قصة" الشهوة والملاك الأسود " يظهر وليامز براعة محسوبة بدقة في التأليف ولعله أراد التعليق على الانحرافات الشهوانية التي توجد في نوع معين من العبادات الدينية التي تطالب بالتكفير، كذلك فهي تتضمن موضوعاً جنسياً سقيماً مزخرفاً وموشى في شهوانية مع عقدة استعذاب الألم التي تلائمه وعلى غرار ماتميزت به رواياته التالية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244