د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المسرحيات القصيرة

مسرحيات وليامز القصيرة تظهر موهبة كبيرة في خلق مجموعة متباينة من الشخصيات المختلفة، وقدرة الكاتب على ربط الشخصيات التي يحدد معالمها بدقة وهذه المسرحيات الأولى كالقصص القصيرة تكشف عن موهبة جديرة بالاهتمام وتبرر التأييد والتشجيع الحماسيين اللذين حظى بهما وليامز فلقد جرب في هذه المسرحيات موضوعات وتكتيكات قدر له ان يطبقها فيما بعد في مسرحياته الطويلة، كما تكشف هذه المسرحيات عن مهارة فنية كبيرة في رسم مناظر المسرحيات ويستخدم في الحوار لغة درامية جميلة ذات صور منسقة تدفع بالفعل دائماً إلى الذروة، كما تضمنت اسلوباً للكتابة يتميز بقدر أكبر من الاصطناع والتحايل حاول بذلك الأسلوب التحول من الواقعية إلى اساليب عديدة وخاصة الرمزية وبوجه عام يعتبر النقاد ان المسرحيات القصيرة هي افضل اعمال وليامز المسرحية ويعترف وليامز قائلاً "ان مسرحياتي الطويلة تنبع من مسرحياتي الأولى ذات الفصل الواحد أومن قصصي القصيرة التي كتبتها من قبل، فأنا لأاضجر من اعادة كتابتها من جديد مرة تلو المرة" وفي عام 1948 فازت مجموعة المسرحيات القصيرة التي كتبها وليامز في مستهل حياته واطلق عليها اسم احزان الأمريكيين بجائزة في احدى المسابقات وكانت تمثل بداية نجاحه ككاتب درامي، وفي استعراض سريع لأهم هذه المسرحيات نتوقف عند مسرحية " ابنة موني لاتبكي" حيث تعرض هذه المسرحية لمشكلة اجتماعية انسانية طرفي المشكلة زوجة مريضة مشاكسة حادة الطباع وزوجها العامل الكهل الغليظ الطباع الذي يسخط على قيود حياة الفقر والعمل الرتيب نادماً على تركه الحياة الحرة التي كان يتمتع بها في اونتاريو حيث كان يعمل في قطع اخشاب الغابات واذ يجزع من جراء الديون وعجزه عن دفع ثمن الحصان الخشبي الذي ابتاعه لطفله تأسف الزوجة لاختيارها الحياة الزوجية على الاستجابة لمغازلات رئيسها في العمل ويتذكر الزوج ليلته الأولى في المدينة بعد ان قضى ستة أشهر في الغابات لقد ضم بين ذراعيه الفتاة ذات الثوب والعطر المغربيين وراح يدور بها على نغمات الفالس في حلبة الرقص بملهى رخيص وهو يتهمها بأنها اغوته واغرته بأن فكرة الزواج افضل من حمل الفأس في الغابات الشمالية وتدفع الزوجة المصابة بخيبة الأمل بابنها المريض الذي لم يتجاوز الشهر الواحد من عمره بين ذراعي زوجها وهو يهم بالانطلاق إلى حياة الحرية وعندها ينشغل الأب فجأة بابنه الوليد، اغلب النقاد يشير إلى ان هذه المسرحية كتبت بأمانة وصدق وفيها شكلاً لمضمون درامي جديد ويرسم حوارها صورة صادقة للغضب والمشاعر المبهمة ولخيبة الأمل والاشمئزاز اللذين يصيبان الانسان عندما يتعرض لتلك المشاكل والأحداث، وفي هذه المسرحية يرسي وليامز قواعد اسلوب مسرحي جديد يمتاز بشكل فني ومضمون فكري واضح ويعمد إلى تطويره في مسرحياته التالية من خلال الاعتراف المتأخر والمتقطع عندما يعمد إلى الكشف الدرامي عن موقف جريء في الحياة المعاصرة، وتتناول المسرحية احدى المشكلات المعاصرة المتمثلة في جنوح الأبناء، حيث يلتقي اخصائي اجتماعي دقيق في عمله خالي البال من كل شك يسأل امرأة ايطالية ضخمة الحجم عن ابنائها المنحرفين وكانت المرأة قد فقدت أثر ابنائها الكبار الفاسدين والحقت ابناءها الصغار بالمدرسة واخفت ابنتها الحبلى في غرفة مظلمة منذ ستة أشهر بعد ان رضخ ماكس عشيق الابنة لأبيه فتزوج من فتاة أخرى لكنه استمر يزور الابنة في غرفتها وتساهم مسز " بوتشيوتي" في اثارة الاهتمام بعدم مبالاتها وتجردها من الإحساس بالمسؤولية ازاء ابنتها، وتبلدها الظاهر ازاء ضخامة الموقف وقد سبق لها ان واجهت موظفين من قبل وهي قد تكون غبية ولكنها ليست من البلادة بحيث تكشف نفسها.‏

* وجبة العشاء غير المشبعة‏

هذه المسرحية تتناول وضعاً اجتماعية معقداً لارجاء فيه حيث تعرض قصة خادمة تعمل لدى عائلة عريقة وموقف امرأة عجوز استغلها كل اقاربها، ثم تركوها لأن احداً منهم رفض تحمل المسؤولية ونفقات مرضها الأخير وجنازتها وتجادل مسز بومان" الدمية الصغيرة وهي امرأة غريبة سوداء الشعر وتبدو كأنها امرأة اجنبية وترفل في ثياب ارجوانية وتسرف بالتزين بالمجوهرات، "وارشي لي" زوج المرأة العجوز وهو رجل ضخم الجثة خالي الفم من الأسنان كما يصفه وليامز كسول راغب في التخلص من هذه العجوز المريضة هذا في حين تبذل العمة العجوز كل مافي وسعها لكي تحوز رضاه ويبدو ان عقيدتها الدينية الشبيهة بإيمان الأطفال خففت من عناء السنوات في الخدمة الطويلة وهذه الشخصية تثير الاشفاق ويصفها وليامز بدون اشفاق ومع ذلك فإن المنظر النهائي ختام سهل لايتلاءم مع بقية المسرحية، اذ تأخذ اتجاهاً رمزياً وتصل إلى أكثر من تغيير.‏

* شجرة الطباق المهشمة‏

مسرحية تجريبية تتناول شخصية شاب من ولاية في ولايات الجنوب تتسلط على عقله اسطورة تقول ان عذارى مدينة بوسطن انيقات طريفات لايشعرن بالاحتمالات الهائلة التي تحوم حولهن فإن بطل القصة الشاب حيث يكرس نفسه لانقاذ الفتاة الشابة من مصير اسوأ من الموت الا وهو الاحتفاظ بعذريتها ويضرب لها موعداً للقاء على الطريق الرئيسي (77) حيث توجد مقبرة كبيرة ليستمعا إلى نصيحة الأموات التي تردد" استمتعا بالحياة" وعند ذلك تستسلم الفتاة بعد سماع النداء المجهول وهي التي قرأت كثيراً عن حكايات اسطورية ونداء الأرواح وتتطلع إلى الطريق الرئيسي الذي يسمى بدرب العشاق الجنوبي الكئيب في المنظر المشرف على نهر الميسيسبي في "سايبريس هيل" ويحاول وليامز ان يقول في هذه المسرحية في طريق الغرام حيث يتخلص الناس من تعليمات النهي والحذر التي تثقل نفوسهم فيطلقون لأنفسهم العنان ويحيون حياة خطرة وواضح ان هذه المسرحية عمل تجريبي ومحاولة مبكرة في مجال الكتابة للمسرح حيث تعج المسرحية بالرموز والحوار المسهب .‏

* عشر بنايات على الطريق الرئيسي‏

تقترب مسرحية " عشر بنايات على الطريق الرئيسي التي كتبت في عام (1948) من مضمون وأهداف المسرحية التي ظهرت في عام (1953) بعنوان الطريق الرئيسي ولقد اعتبر العديدمن النقاد المسرحية الأخيرة تطويراً للمحاولة الأولى وتحاول المسرحية اقامة الدليل على فكرة تتحدث عن رحلة الإنسان في عالم يضج بالعداء والمشاكل ويفرز تيارات متناقضة ولعل في المسرحية جوانب في مرحلة من مراحل حياة وليامز المضطربة حيث تترك انطباعاً بأن وليامز الذي قضى فترة النقاهة من مرض مزمن على شواطيء المكسيك كان قد فرغ لتوه من قراءة مسرحية "حلم "للكاتب" سترندبرج" وتأثر بها كثيراً إلى الحد الذي دفعه إلى كتابة هذه المسرحية تعبيراً عن ذلك الاتفاق مع افكار سترندبرج مع وجود اختلاف بين المسرحيتين وقد خصص أكثر من نصف المسرحية لسرد المغامرات الغرامية لإحدى البغايا ولمنظر حافل بالغواية والإغراء ولبكاء عاطفي من عاشقين مضنيين على حياة ضاعت هباءً على النساء، اما باقي المسرحية وهي أكثر من نصفها فهو تعليق على مابقى من الحياة التي هي على الطريق الرئيسي حيث تبرز ملامح الحياة القاسية في التضور من الجوع والبؤس والاحتيال والوحشية واللامبالاة حتى تصل الأحداث إلى حد قبول الموت كهدف نبيل في التخلص من الحياة القاتمة ويستخدم ايضاً وليامز الأسلوب الرمزي لتصوير حالة الانسان في لحظات درامية مع تصوير الجوّ العام للأحداث بشكل عام يؤكد اندفاع الكاتب لكسب الاقتناع في ذهن المشاهد حيث يستخدم شخصية الراوي الذي يقدم احداث المسرحية من خلال شخصية عازف القيثارة ويبدو في هذه المسرحية وليامز لم يتمكن بعد من أرضية المسرح الرمزي حيث استخدم حوادث رمزية لم نجد لها أرضية تتفق مع اهداف ومضامين المسرحية، مشاهد تنفجر في استعارات تكاد تكون غير معقولة وقد لجأ تينسي وليامز إلى عدد من الحيل المسرحية القديمة وضمها إلى بعض رموز واضحة المعاني بعض الشيء انها مسودة مبكرة لمسرحية كانت تبشر ببعض النجاح مع انها لم تتمكن من معالجة موضوعات شاملة أو تقدم قصة اجتماعية بجميع ابعادها وفق تطور زمني سليم للبناء الدرامي ولنمو الشخصيات ولذلك تضمنت مسرحيات وليامز القصيرة الكثير من العيوب الدرامية ونتفق هنا مع رأي "رولاند لويس" بخصوص مسرحية الفصل الواحد حيث يقول " من الطبيعي ان تكون مادة المسرحية ذات الفصل الواحد مادة عرضية فهي تعالج موقفاً واحداً وان اية دراسة لمسرحيات الفصل الواحد تكشف لنا عدم امكانية معالجة قصة حياتية بشكل كامل وهذا بدوره يحتم عدم استخدام أي تعقيد على صعيد الحبكة في المسرحية القصيرة بعكس المسرحية الطويلة لاتبرز شخصية فرد بكامله الا في تلميحات عابرة بل تؤكد على لحظة أو تجربة مهمة أو سمة معينة في شخصيته ومهما كان تفسير هذه اللحظة المختارة مميزاً أو حياً وبارعاً فإن الكثير مما تبقى يستند إلى قوة الخيال، فمن اهداف المسرحية ذات الفصل الواحد تعقب العلاقات العرضية لظرف واحد فقط، قد تتكاتف فيه كل الظروف الأخرى فكاتب المسرحية ذات الفصل الواحد يفرد حادثة مهمة واحدة أو شعوراً واحداً لدى شخصية واحدة ويلقي الضوء عليه بشكل مكثف ودقيق وعند قيامة بذلك فإنه يعمل على تبسيط صورة هذه الحادثة أو تجسيد هذا الشعور بطريقة بارعة وحيوية وهو بذلك يقودنا إلى أفق صغير ومؤقت لكنه من ألأهمية بحيث تتكشف من خلاله الحياة بأكملها. ان قراءة مسرحية ذات فصل واحد بغية التوصل إلى قصتها لايعد بحد ذاته ممارسة ذات قيمة استثنائية ولايتطلب هذا الاسلوب في اطار أي عمل ادبي أو فني الكثير من التقييم والذكاء للفن الأدبي فبإمكان أي شخص قراءة مسرحية ليعرف قصتها دون أن يبذل جهداً كثيراً، ان التقييم الصحيح للمسرحية ذات الفصل الواحد يتطلب أكثر من مجرد قراءة عرضية هدفها الأساسي هو معرفة الحبكة المسرحية، انه يتطلب النظر اليها من خلال تقنيتها وفنها، وهذا يعني على القارئ ان يدرك البناء العضوي للمسرحية كإدراكه لبناء القصة القصيرة ومعرفة ما يقصده الكاتب المسرحي والوسيلة التي يوصل من خلالها للنتيجة المطلوبة ولكن لاينبغي ان نتصور ان المؤلف يشجع على دراسة البناء العضوي للمسرحية على حساب القيم الأنسانية، فيها وبالعكس ان مثل هذه الدراسة ما هي الا وسيلة تتضح من خلالها القيم الإنسانية فمن الأكيد أنه كلما عرف المرء قليلاً عن علم الموسيقى مثلاً كلما ازدادت قدرته على تقييم الموسيقى، ولكن ليس معنى ذلك أنه ليس بالامكان تقييم مسرحية الفصل الواحد مالم يعرف القاريء أو الباحث أسس ترتيبها الدرامي على الأقل، ان الباحثين في فن المسرحية ذات الفصل الواحد يدركون تماماً ان هناك نظاماً وترتيباً بنائياً لايحول دون جمالها ولعل ذلك هو مايعطيها صفة الكمال فالقطعة الموسيقية أو التمثال النصفي هو موضع اهتمام خاص لصنعتهما مكتملة، لذلك فالمسرحية ذات الفصل الواحد لاتفقد مستلزماتها الفنية لأي سبب كان وهذا مايشكل رصيدها الدائم ومن هنا يأتي الموقع المتقدم للمسرح الأمريكي للمسرحية ذات الفصل الواحد حيث كانت بدايات اغلب كتاب المسرح الأمريكي بدأت واكتمل نضجها الفني والفكري من خلال المحاولات الجادة للبحث عن موضوعات متميزة وأشكال جديدة ويكفي ان نذكر مسرحيات الفصل الواحد التي كتبها عملاق المسرح الأمريكي يوجين أونيل والتي تركت أثراً كبيراً في مسيرة المسرح الأمريكي وبالأخص في كتابات وليامز ومحاولاته وهذا ما يتأكد بمجموعة مسرحيات وليامز القصيرة التي صدرت تحت عنوان (27) عربة معبأة بالقطن والتي كشفت عن مهارة وليامز المتزايدة في مجال تنمية مواهبه والتجديد في الأشكال المسرحية القصيرة دون الابتعاد عن الموقف الفكري والنهج المسرحي الذي ابتدعه فهو يواصل اشعار المنبوين والميؤوس من اصلاحهم والمنحرفين بالعطف ويؤكد بذلك تقدم ملموس في معالجة عدة اساليب درامية متباينة وفي هذه المسرحية يعلن وليامز أنه قرر البداية في معالجة موضوعاته وفق المنهج الواقعي كما امتاز عرض الشخصيات بالدقة والتصوير المتكامل وايجاز يمتاز بالوعي الكامل بدور الشخصيات في تطوير المسرحية ودفع الفعل المسرحي إلى امام كذلك فإن وليامز في هذه المسرحيات القصيرة يبتعد عن استخدام التعبيرات الشاعرية الخادعة التي ظهرت كثيراً في مسرحياته السابقة والتي كانت تؤكد عدم تمكن وليامزبشكل محترف من ادارة وتطوير الفعل المسرحي وتضاف جهود وليامز في هذه المجموعة المسرحية إلى جهود الكتاب الآخرين في المسرح الأمريكي تلك الجهود مجتمعة رسمت بصدق ظهور شخصية المسرح الأمريكي الجديد وتمتاز ثلاث من مسرحيات "سبعة وعشرون عربة معبأة بالقطن" بمناقشة لموضوعات وليامز المعتادة عن حياة البغي حيث تتناول صورة واضحة ومباشرة وصريحة لتلك الأفكار وتطرح مسرحية "هذا العقار ملعون " دراسة عن حياة فتاة صغيرة السن منحرفة لاتزال تمسك بدميتها الصغيرة فهي لم تغادر بعد عالم الطفولة مع كونها تعيش على مايدفعه لها اصدقاء يمارسون معها الرذيلة أغلبهم من عمال السكك الحديدية وكذلك على الفضلات التي تعثر عليها في صناديق الفضلات والحاويات ورغم قساوة ظروفها المعيشية الا أنها لازالت فيها معالم البراءة ولعل نحولها وشحوبها دليل على الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها وبالرغم من حمرة الخدين واحمر الشفاه وثوب السهرة الرخيص الذي ترتديه للزبائن والمسرحية تقدم موضوعها من خلال السرد الذي تقوم به الفتاة لفتى يكبرها بقليل حيث تمر على احداث صعبة حصلت في العامين الماضيين عندما تركت المدرسة وتسبب ذلك بنبذها من قبل أبيها وأمها ومن ثم فهي تحاول تقليد أختها المتوفاة" الفا "التي كانت تبيع جسدها لعمال سكة الحديد وبذلك توفر وقتاً هنيئاً لعدد كبير من الرجال وتبدو معجبة بها كثيراً لكن ويللي تختلف في موتها عن أختها التي ماتت وحيدة ولقيت نهاية كئيبة حيث تصفها بأنها تشبه مركب قديم أصبح لا يصلح للإبحار فهجره البحارة، ويللي تلك الفتاة الصغيرة لاتخفي اعجابها الكبير بالممثلة المشهورة "جريتا جاربو" وهي تقلدها في فلم غادة الكاميليا، ان وليامز في هذه المسرحية القصيرة يقدم دراسة لوضع فتاة صغيرة منحرفة يصورها بشكل يسرف فيه بالبراءة والجهل والاندفاع في افعال الرذيلة وهو يحاول ان يوجد لدى النظارة رغبة العطف على هذه الفتاة المهجورة الضائعة التي اندفعت في طريق مسدود لاتعرف إلى اين يقودها وفي هذه المسرحية يتفق اغلب النقاد على ان الحوار فيها يأتي بنمط جديد حيث يعود وليامز إلى استعمال خليط من العبارات المسرحية التقليدية والحديث القائم على خيال حيث كتبها ببساطة واثر فيها من القوة الشاعرية مايعتبر بداية جديدة ويبدو وليامز وهو يفحص بدقة نماذج انسانية ويتوغل في اعماقها ويخطو معها باتجاه الطموحات الساذجة المحدودة حيث يبدو العالم صغير جداً من وجهة نظرها كما تبدو ويللي قشة صغيرة محطمة وسط امواج بحر عاتية وفي مسرحية "سلام من برتا" يتعرض وليامز إلى مشكلة الأيام الأخيرة في حياة اثنين من البغايا المسنات حيث تصور المسرحية امرأة شقراء ضخمة الجسم في آخر مراحل الانهيار البدني والعقلي ويتولى رعايتها اغراب عنها وهي رغم الاتفاق على ان سبب انهيارها العقلي يعود إلى كونها تعيش في دوامة التفكير في الماضي وتلك المهنة القذرة والتمزق من خلال امراض الشيخوخة وتتطلب عودة صحتها الابتعاد عن ذلك القبوّ القديم المتعفن لكنها تقاوم بغضب المحاولات التي تبذل لابعادها عن تلك الغرفة القذرة التي تسكن فيها والتي تحوي بين جدرانها كل الذكريات المشوهة والتي تعتز بها لكونها هي كل تلك الجزئيات الهاربة من حياتها لقد قرر وليامز في هذه المسرحية ان يقدم صورة واقعية لتعاسة مجموعة كبيرة من الناس انها صورة كئيبة مليئة بالحزن والضياع والتمزق والأدانة لمجتمع صار الإنسان فيه مجرد سلعة ينفذ مع الوقت دون ضمانات انها صورة لحطام بشري اثقلته الأمراض وفي المسرحية الثالثة" سيدة لاركسبورشن" يدافع كاتب منبوذ عن شقراء في سن الأربعين من عمرها مهجورة ضد صاحبة الدار التي تلاقي صعوبة كبيرة في تحصيل الأيجار ولكنها تجد متعة في انهيار النساء الفقيرات اللائي يعجزن عن دفع الأيجار فهي مثلاً تأمر بطرد البغي من غرفتها وتسخر من القصة التي تحكيها عن مزرعة مطاط في البرازيل وتقول ان صاحبة الدار في الحي الفرنسي تتعلم ألا ترى وألا تسمع وانما تحصل الأيجار فقط وتستطرد قائلة انها عمياء صماء بكماء مادامت النقود التي تصل إليها فيقطع عليها الكاتب المنبوذ قسوتها بسيل من الدفاع الحار عن المرأة التي تحلم بملك من ملوك المطاط وهو حلم لازم لتعويضها عن حقائق حياتها القاسية وعندما تتصدى صاحبة الدار لذلك الكاتب وتصفه بالكذب فهو لم يكتب رواية في (780) صفحة كما يدعى انما هو يتخيل ذلك فقط ينطلق الكاتب مدافعاً عن نفسه ويتمنى ان يظل سابحاً في الخيال وفي هذه المسرحية يبدو اثر تجارب وليامز ونماذج من صور حياته الشخصية التي عاشها في" اورليان.. فهو يتحدث فيها عن رغبته في ان يصبح فناناً عظيماً ومعروفاً في اغلب دول العالم، لكنه يفتقد القدرة على تحقيق ذلك ويظل يدور بدوامة التعثر من حانة إلى أخرى وبعد كل ليلة يشتد فيها الصراع والضياع فيعود من جديد إلى تلك الغرفة البائسة ويستمع من جديد إلى معاناة تلك الشقراء ويستسلم للنوم في فراشة القذر ولكي يهرب من ذلك الجحيم ويجعل حياته محتملة كما هي، يهرب إلى الخيال فيحلم احلاماً كبيرة حيث يتوقع انتاج الروائع والمسرحيات التي تعرض على أهم مسارح العالم مثل بردواي وتلاقي نجاحاً كبيراً ويتوقع انه سيكتب مجلدات عديدة عن الشعر وينظم أجمل القصائد التي تجد طريقها إلى الفتيات فيهيم بها الجميع وعندما تسأله صاحبة الدار لماذا يقوم باختراع تلك الاكاذيب ويدفع نفسه إلى تصديقها يقول ان تلك الأفكار موجودة فعلاً وانها دفاع انساني ضد الحاجة وبسبب صعوبة تحقيق الأمل البعيد ويدفع صاحبة الدار إلى الخارج فهو يريد الاستمتاع بتلك الأحلام التي تراود المرأة الشقراء ويساعدها في رسم تلك الأحلام الموهومة، يقدم لها الشراب كي تبدع في صنع الأحلام، ويقدم لها نفسه مازحاً على انه انطوان تشيكوف وهنا يبدو تأثر وليامز في كتابات وشخصية انطوان تشيخوف، ان وليامز يحاول ان يناقش في مسرحية سيدة لاكسبور لوشن" مسألة هروب الانسان من الواقع عن طريق خداع الناس متنقلاً من الاكاذيب الصغيرة البيضاء إلى تضخيم المبالغات بشكل خيالي حتى تصبح بصورة أوهام جنونية تتوافق مع تفكير المجانين، وهذه الموضوعات المتقاربة من بعضها حاول وليامز ان يصورها في أكثر من مسرحية وفي اشكال عديدة ومختلفة وفي بعض تلك الأعمال يبدو متطرفاً في نظرته إلى الحياة أو تفسيره لتلك الشخصيات التي تدور في فلك أفكاره انه يمتطي العوالم الرومانتيكية كجزء من نظرته إلى الحياة والسبيل إلى حل اشكالاتها، يحاول الهروب من عالم مليء بالقسوة والتمزق والانحطاط هذه الاتجاهات يضمنها وليامز في اغلب مسرحياته ذات الفصل الواحد متفقاً مع الفكرة الأساسية التي تقول ان الهدف الأساسي للمسرحية ذات الفصل الواحد هو التأثير على قاريء أو جمع من الناس احتشدوا لمشاهدة عرضها بحيث تولد لديهم تحفزاً واستجابة عاطفية فعندما نقرأ مسرحية وليامز تتوفر لدينا العاطفة الأكيدة نحو تلك البغي التي اصبحت جزءاً من الهشيم الاجتماعي الذي يشكل العامل الاقتصادي محوره الأساسي وهنا نلمس بعمق الأحاسيس التي يبثها وليامز وتدعونا للتعاطف مع ذلك المصير الأسود والظرف القاسي الذي يجتاح كيان تلك الإنسانة البائسة. وتتصف مسرحيات وليامز المبكرة بموهبة حقيقية في مناقشة موضوعات مهمة وذات ارضية واسعة كما يبدع في خلق شخصيات متباينة ويؤكد قدرته الكبيرة على ربط تلك الشخصيات وتفاعلها واهميتها في التفاعل مع الموضوعات التي اختبرت لها ولعل الحديث هنا عن مسرحية أخرى لوليامز تضمنتها نفس المجموعة ضرورياً تلك هي مسرحية " آخر ساعاتي المصنوعة من الذهب الخالص " يضع وليامز شخصيتين مختلفتين وجهاً لوجه الأول طبال طيب فيه سمات انسانية يجد ذاته في صوت الموسيقى وايقاعات الطبل ضمن قيم فنية تتوحد مع هموم الإنسان والثاني شاب تافه وخليع غير مكترث بقيم الحياة ولاينشد أي فعل نبيل في حياته اليومية، أنه كمن يسير ضمن تيار عارم لايريد ان يفكر إلى اين يقوده حتى لايفقد متعة الذهول، تضاد رهيب بين الاثنين، تشارلي كولتون الطبال العجوز الذي حصل على خمسة عشر سلسلة وساعة يعقدها متقاطعة على المساحة الكبيرة التي يتألف منها صدره وبطنه وكل سلسلة منها متصلة بساعة ذهبية وكل ساعة تمثل جائزة أحسن بائع في العالم من شركة كوزمو بوليتان للأحذية في سانت لويس، حيث يشكو التغييرات التي عاش حتى يعاصرها، وهذا المجتهد العجوز الذي قدلايقدر له الفوز بساعة أخرى من ساعات "هاميلتون" المصنوعة من الذهب الخالص يمثل مالأهل الجنوب من حيوية ونشاط ومن احترام صادق للأخلاق ومن اتقان العمل في الطباع الإنسانية الطيبة انه يحاول دائماً ان ينبه بوب هارير، الشاب المهمل البليد السيء الطباع المستهتر بالتقاليد العريقة، يحاول وليامز من خلال شخصية هذا العجوز ان يصف عالماً تداعت فيه المستويات الخلقية أمام الوضاعة الاجتماعية وبروز المنافع الذاتية كمعيار لاستمرارية الحياة وتقدمها فليس اختفاء المواد الأولية الأصلية المستخدمة في الصناعة وحده الذي اختفى حتى تحل بدلهما الأشياء البديلة والمظهر البراق بل ان الصفات الخلقية التي كان يتعامل بها الناس في المجتمع كالاعتماد على النفس والتضحية ونكران الذات والاستقلال الذاتي وروح الابتكار من أجل الآخرين وكلها تكاد تكون منعدمة وحل محلها عدم الاحترام والجهل والخشونة ولهذا فإن وليامز يعمق بذكاء التناقض بين الطبال والشاب المتهور فهو لايرصد حالة فردية في مجتمع محدد بل يشير بوضوح إلى حالة عامة تمتد في مجتمع كبير تداخلت فيه الأهداف وصارت الصور تغرق في الضباب ان المؤلف صانع ماهر يحدد لنفسه مسبقاً مايرغب ان يشعر فيه جمهوره كما انه يسيطر على مادته المسرحية منذ بداية العرض حتى اسدال الستارة من خلال الحوار الذي يؤدي إلى صنع رؤية متكاملة مع المضمون والهدف الأساسي من المسرحية ولعل الطريقة التي لاغنى عنها هي التكنيك والأسلوب الذي يتم توظيفة لمعالجة الفكرة حتى الوصول إلى الطريقة التي يتم بموجبها نقل الرسالة بصورة مؤثرة للجمهور بحيث يتوفر في تلك العملية رغبة التطهير بجانب الابداع في قيم الشكل الفني والمضمون لقد اجاد وليامز استخدام المواد التي يحتاجها كل كاتب في عمله من أجل كتابة المسرحية مثل الحبكة والحوار والإخراج المسرحي ولعل وليامز يدرك ذلك جيداً فيطور تلك الأدوات في مسرحياته القصيرة اللاحقة والتي صدرت بعنوان الوداع الطويل والتي تضم:‏

1- رسالة غرام من اللورد بيرون .‏

تدور هذه المسرحية في حجرة جلوس صغيرة في مسكن قديم بالحي الفرنسي "نيواورليانز" في فترة زمنية تنتمي إلى القرن التاسع عشر حيث تبدو الأبواب مفتوحة مباشرة على الطريق العام وتنبعث أصوات خاصة لأحتفالات عيد الشكر، المكان كما يرسمه وليامز من الداخل شديد العتمة ويقدم شخصية المسرحية المحورية العانس على أنها في الأربعين من عمرها منهمكة في الحياكة وفي الركن المقابل تجلس بلاحركة المرأة العجوز في ثوب حريري اسود وفي بداية المسرحية تتابع العجوز الاحداث بين العانس والزوجة من خلف الستارة حيث تلاحظ الزوجة العصفور المحنط الواقف في قفص عاجي صغير فتعلن ان هذا القفص صغير جداً على العصفور وهنا اشارة يقصد بها وليامز إلى الجو العام في المسرحية حيث العزلة والابتعاد عن التفاعل مع الحياة، حيث تقول العانس ان العصفور ليس حياً، بل هو محنط وتلمس الزوجة بحركة لاشعورية العصفور المحنط الذي تزين به قبعتها، وتسأل عن حقيقة وجود خطاب من الخطابات الغرامية للورد بيرون، وتجيب العانس ان الخطاب مكتوب لجدتها وتشترك العجوز بسرد بعض المعلومات من خلف الستارة وهنا يعمد وليامز إلى مقارنة بين امرأتين فقيرتين وزوجين غريبين من السياح وهذه المسرحية من النوع الخفيف الذي يتوفر فيه المرح الممزوج بالمأساة والنقد اللاذع المرير، فهي تكشف لنا ان امرأتين من عائلات عريقة في الجنوب تعيشان في فقر مدقع، عانس وأخرى عجوز وقد حاولتا ان تكسبا مالاً من الخدمات السياحية وخاصة في مناسبات الأعياد فهما تقرءان مقتطفات من وصف لملمس يد" بيرون" يثير الحواس ولكن الشعر والعاطفة تفشل في ابقاء الزوجة التي تندفع خارجة إلى الشارع بمجرد ان تعزف الفرقة الموسيقية وعندما تجد الامرأتين انهما قد خدعتا ولم تتقاضيا اجراً، تلتقطان من الأرض الخطاب الذي لم يكتبه بيرون بل كتبه الجد المتوفى واثيرت حوله الضجة لغرض الحصول على المكاسب.‏

2- مسرحية (27) عربة قطن‏

وهي مسرحية في ثلاث مناظر تدور احداثها في دهليز خارجي لكوخ آل ميجان القريب من الجبل الأزرق وهو مرتفع على اعمدة بيضاء مغزلية الشكل والجوّ كله في المسرحية يشبه إلى حد بعيد بيت الدمية ومع ان الأحداث تبدأ بوقت قبل الغروب بقليل بعد ان ذهبت الشمس وتركت وراءها الغسق الأرجواني هكذا يصف وليامز المنظر الذي تدور فيه ألأحداث وعندما ترفع الستار يظهر جان ميجان وهو رجل سمين في الستين من عمره يزحف كالحيوان خارجاً من الباب الأمامي مسرعاً نحو الركن ومعه صفيحة زيت لربما ثمة سبب يود وليامز ان يشير اليه عندما جعل الأحداث في مسرحية (27) عربة معبأة بالقطن تدور أمام المدخل الضيق لكوخ "جيك ميجان" كل ركن في المنظر يوحي رموزاً عديدة تتداخل مع المضمون لتؤكد اشياء كثيرة كانت تراود ذهن الكاتب ومنذ اللحظة الأولى لفتح الستارة حيث يندفع جيك الضخم الجثة خارج الباب ويدور حول الدار حاملاً معه علبة البترول يخامر المشاهد أكثر من احساس بموقف متفجر ونتعرف في نفس اللحظة على الزوجة فلورا لبدينة الساذجة التي تشكو من فقدان حافظة نقودها الجلدية البيضاء وتطلب من جاك ان يبحث عنها قرب الباب لعلها تركتها على الأرجوحة وتجفل يراودها الخوف عندما تسمع صوت انفجار من بعد نصف ميل كأنه انفجار قنبلة وترفض الذهاب مع بعض الذين يودون الذهاب لمشاهدة الحريق الكبير الذي نشب في الغابة قرب موقع النقابة وتعلل عدم ذهابها معهم لأنها لاتستطيع ترك الباب مفتوحاً فقد ذهب جاك ومعه المفتاح وبعد ان ينطلق الجميع لمشاهدة الحريق تجلس فلورا على الأرجوحة المواجهة للمقدمة تكلم نفسها بحزن حتى يطل جاك مترنحاً يمشي بتؤدة وبعدم اكتراث وعندها تنفجر فلورا غاضبة "لقد اخبرتك ياجاك بأنني أحس بصداع وقلت لي ان استعد لتصحبني معك إلى المدينة بسرعة بعد ان ارتديت ملابسي لم أجد محفظة نقودي الجلدية ثم تذكرت أنني قد تركتها على المقعد الأمامي للعربة وخرجت إلى هنا لأخذها وأين كنت انت، طرت بدون كلمة ثم وقع انفجار كبير اسقط قلبي من الخوف، اين كنت" ويحاول جاك ان يفهم فلورا بأنه لم يغادر المكان القريب من البيت فقد تناول العشاء، ضعي هذا الكلام في راسك ولكن زوجته فلورا تجيبه بغباء قائلة: انك لم تنطلق ياجاك في سيارتك ببطء كما انك ابديت استغراباً كبيراً عندما شب الحريق في الغابة ويحاول جاك ان يلقنها مايريد أن تقوله امام الآخرين وينتهي المشهد الأول، وفلورا لازالت تبحث عن محفظة نقودها وجاك لازال يلقنها مايريده من كلام ويغني اغنية شعبية قديمة يداعب بها فلورا وفي المشهد الثاني وفي اليوم الذي يليه يشتد العمل في محلج القطن الذي يملكه جاك حتى تتطاير نتف القطن في الهواء ويبدو جاك شامتاً لتدمير محلج خصمه اللدود " سيلفا فيكارو" المشرف على مزرعة النقابة التي كانت ذات يوم من انجح المزارع في المنطقة وشخصية سيلفا من شخصيات وليامز الأولى التي استخدمها في أكثر من مسرحية وهو شخص مليء بالحيوية ايطالي يعتنق المذهب الكاثوليكي الروماني ومن الشخصيات غير المستحبة في الجنوب المنهار ولعله يذكرنا بشخصية الأب الإيطالي في هبوط اورفيوس الذي يموت في البستان محترقاً ويفخر جاك أمام فيكارو بأنه تزوج من امرأة تشبه الدمية بلهاء بعد ذلك يصدر لها أوامر بأن تهتم براحة مستر فيكاررو ريثما يتم احلاج ملء سبعة وعشرين عربة من القطن ويضيف على ذلك مذكراً فيكارو انها سياسة حسن الجوار يامستر فيكارو تقدم لي معروفاً اقدم لك مثيلاً له وتحاول فلورا ببلادة ان تقطع فترات الصمت بسرد بعض مغامراتها الطائشة قبل الزواج مع أولاد عائلة بيترسون، لقد أصبت مرة بضربة شمس لايمكن ان انساها كان ذلك في يوم أحد في بحيرة القمر قبل زواجي لم أكن قد خرجت للصيد من قبل ولكن ذلك الصديق الصغير احد ابناء بيترسون اصر على ان يصحبني للصيد لكن فيكارو شخصية يصفها وليامز بعمق التفكير والتأمل الطويل وهو لا يتعب من البحث خلف بصيص من الأمل ويخبرها بأنه دائماً يفضل ان يكون هائماً مع افكاره لأن ذلك يدفعه لمعرفة اشياء مهمة وعندما يرى محفظة النقود في يدها يوجه لها بعض النصائح " انكن معشر النساء دائماً تمسكن بشيء في ايديكن هذه الحافظة مثلاً انها تشعرك بأن هناك شيئاً تتعلقين به، الأم تحمي الطفل؟ كلا الطفل يحمي الأم من الضياع والفراغ والأيادي الخاوية ربما تعتقدين انه ليس هناك ارتباط الا ان هذه الرسالة التي يكررها وليامز في اغلب مسرحياته تجد فلورا نفسها بعيدة عن فهمها فتعترف بأنها كسولة جداً وتهفو نفسها إلى شرب زجاجة كوكا كولا ثم يستدرجها فيكارو بذكاء إلى شباك الاعتراف وتقحم في موضوع محلج القطن وتثور في صدر فيكارو الشكوك ازاء جيك ويجد ان حريق محلجه كان جريمة متعمدة يقف خلفها جيك ودون ان تدري فلورا تكشف عن السر الذي طلب جيك ان تخفيه عن الآخرين ودون ان تدرك تخبر فيكارو، لقد ذهب في الليلة الماضية وتركني وحيدة في الدهليز، وبدلاً من ان يصحبني إلى المدينة كما وعدني اصر على ان نذهب لنرى محلجك المحترق ويحدد فيكارو جريمة اشعال الحريق عمداً بألفاظ منتقاة دون ان يثير انتباه فلورا بطيئة الفهم ويزيد اضطراب فلورا من شكوك فيكارو حتى يتوصل إلى فكرة بشعة حيث تحرك في داخله الانتقام الدنيء عندما يبدأ يتحسس جسد فلورا بشهوانية حتى تعترف دون وعي انه قد احرق محلجك وتريد الدخول لتصنع دورقاً من الليمون يتبعها فيكارو وقد قفزت في ذهنه كل الافكار الشيطانية فقد احرق جيك كل آماله وعليه ان يحرق اثمن شيء لديه تقول فلورا لااستطيع الدخول ويجيبها فيكارو لماذا؟ تقول فلورا لأنك ستتبعني، فيكارو يرد عليها بمنتهى الشهوانية وهل هذا فظيع وتجيب فلورا بخوف ورغبة، في عينيك نظرات وضيعة بحق الإله انه لم يفعل، لم يحرق، ويدفعها فيكارو إلى الداخل وتطلب منه متوسلة ان يترك السوط لقد اصبحت ترقص من الخوف وبضعف تتحرك فلورا نحو الباب ويسبقها فيكارو ليفتحه لها وتردد بضعف كبير وكأنها تكاد تسقط على الأرض كتلة من الهشيم، لاتتبعني من فضلك، لاتدخل معي، يترنح فيكارو ثم يضع يده لمنعها من الخروج فتتحرك إلى الداخل ويتبعها هو ثم يغلق الباب بهدوء وعبر الطريق يسمع صوت ماكنة حلج القطن بطيئاً ومنتظماً ومن الداخل تسمع صرخة استرحام عنيفة، ثم يصفق الباب وتتكرر الصرخة ولكنها في هذه المرة تكون أقل حدة، لقد اقتنع فيكارو بأن الدنيا تقوم على مبدأ الانتقام لذلك نفذ انتقاماً بشعاً حيث حرك الألفاظ المعسولة في فمه والسوط القوي في يده لقد رسم وليامز هذا المشهد على النمط الذي يستهوي المشاهدون في تلك الفترة حيث جمع فيه الإثارة الجنسية والرغبات السادية في الانتقام وهو يصور عملية اغتصاب ثأرية تقع في غرفة نوم خارج المسرح وهذا المنظر رسمه وليامز فيما بعد في مسرحية عربة اسمها الرغبة بشكل افضل وفيه المزيد من التفاصيل وفي المنظر الثالث يواصل وليامز رسم المنظر المتفجر بريشته الذكية حيث يحدد زمان الأحداث في الساعة التاسعة من المساء ذاته ويزيد من حدة الانفعال بإظهار فلورا التي اغتصبت بالقوة حيث تبدو متألقة في ضوء الأشعة الهادئة التألق التي يرسلها القمر المكتمل، انها فلور الثقيلة البليدة الأحاسيس تبدو مصابة بكدمات نتيجة اغتصابها فشعرها مسترسل ومشعث وهي عارية حتى خصرها الا من شريط ممزق يغطي ثدييها وهناك كدمات على كتفيها وخديها وخيط من الدماء الجافة التي انسابت من فمها تنم عن الانتقام البغيض الذي قام به فيكارو، ولقد اندفع وليامز في تصوير هذا المشهد بوحشية قاسية كان الغرض منه ان يحقق مايهدف اليه من خلال هز شعور الجماهير بمنظر يصور حالة ا ستعذاب الألم وبشاعة تعذيب الإنسان من أجل غايات الانتقام الرخيص وعندما يدخل جاك تحاول فلورا اخفاء ابرز العلامات بيدها يقترب وهو يغني مع نفسه في حالة نشوة لفوزه بالعمل فلم يلاحظ مظهر زوجته، انه تعب جداً، لدرجة انه لايقوى على الكلام، هذا مايقوله لزوجته، سبعة وعشرون عربة مليئة بالقطن يالها من كمية مهولة تلك التي حلجتها منذ الساعة العاشرة صباحاً، عمل مهول،، انه يتحدث بزهو كبير أمام زوجته لقد دفعت امامي ذلك القطيع من الزنوج وكأني اسوق قطيعاً من البغال وانهم لم يأتوا عقلاً في اجسادهم، يجب ان تسوقي، لم ار في حياتي زنوجاً يأكلون دون ان يكون هناك من يرشدهم إلى مكان افواههم، وعندما تتصاعد سخرية فلورا منه يطلق في وجهها عبارات الاحتقار ويذكرها بحجمها وعجزها الكبير في اتمام أي عمل نافع" انك تتكاسلين عن ارتداء ملابسك وتتجولين عارية طوال اليوم في جميع انحاء البيت كل ماتفكرين فيه اعطني زجاجة كوكا كولا،، الأفضل لك ان تفيقي، قد انشأوا مكتباً جديداً للحد من تشغيل هذا النوع من النساء في الوظائف الحكومية وهناك خطة سرية لاطلاق الرصاص عليهن وهو يصم آذانه عن تلميحاتها، وهي تحدثه عن يومها، اطلاقاً لاشيء من التعب دار الحديث لطيفاً مع فيكارو كان يقول انه لاينوي تجديد بناء محلجة بل سيعهد اليك بقطنه لتحلجه بدلاً منه دائماً، وبينما تحلج انت القطن سيجعلني امتعه بعصير الليمون اللذيذ ويغتاظ جاك من ضحكتها المجلجلة المتهورة وهو الذي يشعر بازدراء كبير فهو يعتقد انه قد تفوق على فيكارو في الذكاء لذا فهو لايعير التفاتاً إلى كلمات فلورا، بأن الأيطالي سيعود في اليوم التالي بكميات أخرى من القطن ربما سبعة وعشرين عربة أخرى ويعلن امراً فقد اصبح الجوّ بارداً يجب ان لاتبقى هنا بدون قميصك ياحبيبتي تغير الجوّ قد يصيبك بنوبة برد سيئة ويخرج جاك إلى دورة المياه بينما تضحك فلورا في سرها ثم تفتح حافظة نقودها الضخمة وتأخذ منها منديلاً من الورق وتتحسس بها جسمها وتقهقه بانفاس مبهورة، يجب ان لا أمسك بحافظة نقود بيضاء انها محشوة عن اخرها بورق التنظيف، ثم تهدهد حقيبة النقود الكبيرة بين ذراعيها وتشرع في التغني بإحدى الاغنيات التي ترددها الأم لكي ينام طفلها ولقد اصبحت هاتان الشخصيات المعقدتان من الشخصيات الشائعة في مسرحيات وليامز التالية ان فلورا في مسرحية سبعة وعشرين عربة معبأة بالقطن ليست النموذج المألوف للمرأة الحبلى التي لاتتوقف عن توقد شاعرية وليامز فهي في هذه المسرحية امرأة مشوهة بطيئة الفهم ساذجة مستسلمة لاتتفق ضخامة جسمها مع هشاشة عقلها وعندما تتعرض للاغتصاب من قبل الرجل الايطالي الضئيل الجسم يبدو في الموضوع مفارقة كبيرة ان الشخصيات في هذه المسرحية تبدو مرسومة بدقة وحدة فإن فيكارو يبدو من أروع الشخصيات في المسرحية، الهدوء والبحث، الذي لايكل والقسوة والجهل وقوة الانتقام وكذلك يتضح فيها دقة تصوير العواطف والمشاعر كما انها تكاد تكون من المسرحيات النادرة القصيرة في المسرح الذي ابتدعه وليامز والتي حملت الحوار بطريقة طبيعية خالية من الافتعال، وحملت في طياتها الأمانة والصدق في التصوير مع كونها محاولة أولى في ميدان كتابة مسرحية مبكرة فيها من الكوميديا والفكاهة الشيء الكثير وكذلك طغت عليها روح النكتة الفاحشة. ويتعرض وليامز في هذه المسرحية لقصة اغتصاب رجل ايطالي صغير الجسم تعتمل في صدره رغبة الانتقام لأمرأة ضخمة الجثة تتصرف كالأطفال ذات زوج بلغ من الغباء بحيث لم يرى ماكان يدور حوله، وقد اقتبس وليامز موضوعها من قصة حقيقية نشرتها احدى الصحف وقد كتب احد النقاد عنها عام (1955) : ان مسرحية "سبع وعشرون عربة معبأة بالقطن " تكشف ان الحياة في نظر تينسي وليامز ذات اظافر قذرة منذ البداية حتى اسدال الستارة ويتضح ذلك في حبكتها حيث نجد عربدة الكاتب ارسكين كالدويل مع قسوة في ذروتها تقترب من د. هـ. لورنس في قسوة كتاباته أو عنف الموقف الإنساني في كتابات أونيل،،‏

* لوحة العذراء‏

تأتي هذه المسرحية لتقدم دراسة انسانية مليئة بالعطف والانحياز لشخصية "مس كولنز" وهي كما يصفها الكاتب وليامز عانس من فتيات الجنوب متوسطة العمر نحيلة جداً ومحدودة التفكير ذات وجه اعجف ومحتقن من الاستشارة وشعرها معقوص كي يجعلها تبدو كفتاة صغيرة وترتدي ثوباً شفافاً مزركشاً يبدو انه اخرج من صندوق الأماني الذي تجمع فيه العذراء ما تعده من ملابس انتظاراً لزوجها والذي يبدو ان مس كولنيز قد اعدته منذ زمن طويل هكذا يصور وليامز بطلة مسرحية لوحة العذراء مهذبة إلى أقصى الحدود، ذات طباع رقيقة في حياتها ازمات الكبت واضحة، انحصرت حياتها بين المفاهيم المثالية التي كانت تسيطر على عقل أمها وبين مفاهيم جدران الكنيسة وتبدو كولنيز في بداية المسرحية ثائرة الأعصاب في وضع غير طبيعي من التفكير والإرباك تبحث عن جهاز التلفون بجنون، وتطلب المدير تريد ان تكلمه لأمر هام، وبوحشية تلتفت جانباً وكأنها تكلم شخصاً هاماً وغير مرئي فقد كل وقاره نهائياً، انه مستر ابرامز وتواصل بصوت مبحوح، لا أريد ان يعلم الصحفيون بالأمر، ولكن هناك شيئاً رهيباً يجري في الطابق العلوي هذا الرجل كان يأتي إلى شقتي ليلة بعد ليلة وينغمس في أحاسيسه عدة مرات لا أدري ان كان يأتي من الباب أو من النافذة أو من فتحة المدخنة أو من مدخل سري في الكنيسة هو يعرفه ولكنه هنا الآن في غرفة نومي ولا استطيع اجباره على مغادرتها لابد لي من بعض المساعدة وتضيف بنفس التوتر الغريب الا انه ليس لصاً فهو ينحدر من اسرة عريقة ولكن هذه المرأة اللعينة حطمت شخصيته لقد جعلته يفقد احترامه للسيدات وبعد ان تضع السماعة وتلتفت حولها بشرود تندفع عائدة إلى حجرة نومها ويخفق قلبها بعنف وتنادي ريتشارد وبعد لحظات من التوتر المخيف يصفق الباب بقوة ويدخل البواب العجوز مغطى بعباءة رمادية اللون وينظر حوله في حب استطلاع ويبدو عليه كمن يعرف مهمته جيداً في وجهه علامات هي الفرح الممزوج بالأسف على المصير الذي وصلت اليه مس كولنيز ثم يدخل عامل المصعد ويدور حوار بين البواب وعامل المصعد ويصل في نفس اللحظة صوت المس كولنيز وهي تحتج على الغريب الدخيل لقد فقدت عقلها ويحاول الاثنان ان يشغلاها ليدخل رجال مصحة الامراض العقلية وتغيب العانس كولنيز في عوالم تصنعها من خيالها واوهامها فهي تبدو على شكل عذراء فازت اخيراً بعد طول انتظار بالرجل الذي كان يعذبها بعده عنها وانتزعته من غريمتها وخصمها الفتاة القادمة من ولاية. سينسيناني" التي كان قد تزوجها بعد ان اعرض عنها وانها تنتظر منه مولوداً تردد مع نفسها لقد رأيته خلف الكنيسة يوماً لم أكن واثقة ولكنه كان هو في تلك الليلة التي اقتحم فيها منزلي للمرة الأولى واشبع شهواته معي، انه لايدرك أني قد تغيرت وان شعوري لم يعد كما كان بعد ان أنجب ستة اطفال من فتاة سيسنياتي" اصبح ثلاثة منهم في المدرسة الثانوية، ستة ،، هل تتصورون ستة أطفال، لست أعلم مالذي سيقوله حين يعلم ان طفلاً آخر في الطريق اغلب الظن انه سينحى عليّ باللوم بسببه لأن هذا دأب الرجال فهو يعلم أنه قد اغتصبني اغتصاباً ويستمع عامل المصعد والبواب إلى تلك الأوهام التي تتحدث عنها مسز كولنيز حتى يصل مستر ابرامز ومعه طبيب في ثوب العمل الرسمي وممرضة صارمة، عامل المصعد يظهر على عتبة الباب ومستر ابرامز بجسمه النحيل يبدو منزعجاً من الموقف بينما تدرك كولنيز الموقف تتراجع بخوف ورعب شديد ويتحايل الطبيب والممرضة على كولنيز لكي تذهب معهم بهدوء دون مشاكل وعندما تطمئن كولنيز إلى الممرضة والطبيب تسلم نفسها وهي تتحدث احاديث تبدو غريبة وتجذبها الممرضة من ذراعيها بشدة ثم تنظر إليهم من خلف كتف الممرضة وهي تودع البواب وعامل المصعد في نظرة اعتذار ثم تختفي مع الممرضة في الردهة ويغلق باب المصعد هكذا انتهى المطاف بالعانس العجوز كولنيز إلى مصحة الأمراض العقلية، يتفق النقاد بخصوص هذه المسرحية على انها كانت تجربة لمسرحيات وليامز في الفترة اللاحقة وخاصة مسرحية عربة الرغبة وشخصية مسز كولنيز في لوحة العذراء هي احدى الشخصيات التي يصور بها وليامز فاتنات الجنوب الأمريكي اللائي يتقدمن في السن وتحاصرهن الخيبة والفشل والماضي العفن انها نسخة من بطلة "الأيجوانا" وعربة الرغبة" وعدد اخر من بطلات مسرحياته اللائي تألقن قبل الحرب العالمية الأولى همومهن تنطلق في جنون الجنس نتيجة للتصدع الذي اصاب المجتمع ان هذه المسرحية تعتبر دراسة لموضوع الكبت والإحساس بالذنب أنها مسرحية قصيرة مؤثرة ويكفي انها كانت البذرة للفصل الأخير من مسرحية وليامز الرائعة " عربة اسمها الرغبة" يواصل مسرح وليامز تقديم المسرحيات القصيرة ذات الفصل الواحد التي تتخذ موضوعات متعددة تتجه جميعها لكشف صور الانحلال والتمزق الاجتماعي وتفتح عيون النظارة على مشاهد بشعة طالما اسدلت عليها الستائر السوداء انه صوت الاحتجاج الكبير الذي يدوي في مسرح وليامز ويمزق كل صفحات التجميل ويتضح ذلك بجلاء في مسرحية "اغرب انواع الغرام" التي تصور التناقض بين رجل صغير رقيق وصاحبة منزل عجوز مبتذلة وهي مأخوذة عن قصة كتبها في بداية حياته الأدبية بعنوان "اللعنة" وهي تصور حالة غرام بين" لوتشيو " الذي لايصلح لعالم تسوده الآله، وقطة شاردة، وتتكون من مناظر عديدة وتتضمن مشاهد مؤثرة كالتي يطعم لوتشيو قطته، ومنظر آخر يصور صاحبة الداء المبتذلة تستجدي وصال لوتشيو، وهناك منظر عنيف يصيح فيه الرجل العجوز الذي رسمه وليامز بشكل يشبه فيه الشاعر الأمريكي " والت هوبتمان" حيث يصب لعناته على الروح التجارية لاستغلاليه فيقول بصوت قوي " ويحكم ايها القوادون يامقاولي الخداع وتجار الأكاذيب انهشوا لحم اخيكم، واشربوا دمه، اتخموا بطونكم البشعة بالفساد" هذه الصرخة تكفي لتوضح اية ادانة يريد وليامز ان يقولها على لسان احد أبطال مسرحيته ضد المجتمع الذي يتحول فيه الانسان إلى نفايات نتنة وهناك مسرحية اخرى تبدو أقل شهرة من بقية المسرحيات التي كتبها وليامز في تلك الفترة وهي مسرحية "سيارة دافئة" حيث لم يكسب منها سوى أنها اصبحت مسودة لمشروع مسرحية جيدة ظهرت إلى الوجود بعنوان "قطة على صفيح ساخن" فيما بعد واحدثت ضجة كبيرة ووضعت مسرح وليامز في مرتبة متقدمة وهذه المسرحية يصفها وليامز بأنها انسانية ذات نمط متميز بين مسرحيات ذات الفصل الواحد، لكن النقاد يرون عكس ذلك، الا ان ماتتميز به من عنف وصور قاتمة صور بها وليامز شخصياته حيث يمكن اعتبارها من بواكير الدراسات التي اعتمدها في كتابة مسرحياته التي تعالج موضوعات الانحلال الأخلاقي وتتضمن شخصيات مثل الأم التي تبدو متطرفة في حرصها على نظافة البيت والتحدث بصوت خافت وتهتم بمراعاة القواعد الصحيحة والصحية والتطبيق الحرفي لعدة قواعد مهمة وهذه الشخصيات يعتبرها النقاد صورة مبدئية كشخصية "اماندا" في مسرحية مجموعة الحيوانات الزجاجية ويشعر ابنها المضطرب الاعصاب بالفساد الذي يحيط به حيث ملامح القسوة والجريمة والانحلال فيوقن بأنه لن يحقق التطهير سوى الحريق وثمة اشارة ترد في المسرحية وهي مبهمة توحي بأن الفساد تم عن طريق الاتهام الذي شنته "مس بورديلون" الفتاة التي كانت تشغل غرفة في نفس المنزل إذ ورد ذكر صورة إباحية صودرت ،، فقد اضطرب الفتى تحت وطأة الشعور الذي يراود جميع المذنبين ذوي العقول القذرة، فيشعل النار في المنزل وفي الثلاثي المذنب وكأنه يوقع العقاب على كل انواع الذنوب وفي المسرحية فكرة بلورها فيما بعد واصبحت اساس شخصية بريك بطل مسرحية " قطعة فوق صفيح ساخن" اذ ان كلا الرجلين يتحدثان عن الفساد الذي يحيط بهما، في حين ان اشمئزازهما قد يكون نابعاً من الفساد الذي في دخيلتهما، وفي مسرحية "التطهير" التي اختلف كثيراً النقاد بخصوصها حيث اعتبرها بعضهم نسخة معدلة عن مسرحية "27 عربة معبأة بالقطن" الا ان الناقدة "سيجني فولك " تورد رأيا مختلفاً فيها وتعتبرها محاولة لتحقيق تكنيك درامي أكثر سفسطة وتلاعباً بعواطف الجمهور واغلب الظن ان هذه المسرحية مستوحاة من الآراء الأدبية أكثر مما هي مستوحاة من المشاهدة، ومن ثم فهي أكثر نصيباً من التدبير وقد كتبت بمزيد من التعمد لاستثارة التجاوب العاطفي ، وهي في بنائها تنطوي على الكشف الدرامي التدريجي للحقيقة وهي تكنيكية ترجع في التسلسل الزمني إلى عهد مسرحية "اوديب ملكاً" فليس الهدف منها الكشف عن الشر فقط وانما عن اسبابه كذلك، ويبدو أن وليامز كان مشغوفاً بصفة الشر وطبيعة الفساد، وللشخصيات تعبيرات رمزية مفسرة وموضحة بعناية فائقة في بعض الأحيان وغامضة وايجابية في احيان أخرى، وقد بذلت عناية كبيرة لتوضيح موضوع الإفراط الجنسي وكذلك هي حافلة في اغاني الطيور وهي ترسم قصة جريمة قتل وتكفير وتطهير في آن واحد.. حيث يتطوع فيها لاعب القيثارة والجوقة التي تتكون من جيران ابطال المسرحية بالرقص والموسيقى مصعدين بذلك جذوة العواطف المحتدمة ويصرح القاضي الذي يحقق في القضية بموضوع شرف يناقض القانون البشري اذ يقول لست أؤمن بأن لرجل ان يحكم على أخيه بل أوثر ان يتولى اولئك الذين يحتاجون إلى حكم، ان يحكموا على انفسهم ويشير بعد ذلك القاضي إلى ان ثمة جريمة قد ارتكبت وترك الجاني بلا عقاب والتشابه بين هذه الفكرة واوديب ملكا وان الأرض قد جفت لانقطاع المطر وليس المطر للأرض هو وحده المنشود وانما الحقيقة التي يقارنها وليامز بالمطر منشودة هي الأخرى لأرواح الرجال كنوع من التطهير وعلى الجانب الآخر يتحدث الأب الاسباني والأم القشتالية في حذر عن ايلينا ابنتهما القتيلة ولكن رزواليو- الابن والأخ هو الذي يستطيع ان يصف اخته وصفاً حقيقياً وتظهر القتيلة ايلينا اثناء المحاكمة في مشهد يدل على تأثر وليامز بمسرحية ماكبث وتحكي المرأة الهندية لويزا كيف ماتت معزاتها الخمسة بعد ان شربت من مياه النبع النقية ويريد وليامز ان يقول ان المياه النقية نقاء البلور ملوثة من منبعها وتؤكد انها فاجأت ألأخ والأخت العاريين يؤديان حركات تشبه أحدى الرقصات وهي بذلك تعزز العلاقة التي كان الهمس يدور بشأنها بين الأبوين في المطبخ وتهب الأم للدفاع عن ابنها بوصفه ضحية الانفعال البريء.. تماماً كما كانت هي في شبابها وعندما يطلب القاضي الحقيقة يشير "روزاليو" إلى الحقيقة الغامضة الكامنة في الموسيقى أو في صرخة تفلت من طائر يمزقه نسر، وهي رموز واضحة للشهوة وهنا يقطع وليامز جوّ هذا السرد المغرق في الرمزية ويطالب الأب باعدام صاحب المزرعة لقتله ايلينا التي كانت زوجته وتقترب شخصية صاحب المزرعة رجل الإصلاح السابق فيكاد يشبه رجل الأعمال الشاب في مسرحيات وليامز اللاحقة فهو رجل يسعى للسيطرة والتملك وإلى تدمير ينابيع الحب ولا يلبث هذا النموذج للعاشق الفاشل ان يصبح رمزاً للموت، ويؤكد وليامز ان هذه الفكرة هي صدى لنظريات " لورنس" وفيما يتحدث صاحب المزرعة عن الحياة الزوجية مع تلك المرأة التي لم تبادله الحب تظهر "ايلينا الصحراء" التي ترمز إلى الموت وتحمل بيدها ثمرة من ثمار الصبار وفي اليد الثانية صليباً من الخشب الأسود ويأتي تشبيه ايلينا بشجرة الصبار التي لاتنجب لأنها عاقر، ان وليامز يستخدم تشبيهات كثيرة في مسرحية التطهير ولعله يتفق مع النقد عندما يعترف في مقدمة مسرحية طائر الشباب بأنه كان في شبابه يشكو من قصوره عن ايفاء الموضوع حقه وبرغبته في التعبير عن نفسه في العنف وكدليل على ذلك يغمد روزاليو القاتل المدية في صدره وهذا يماثل مايحدث في مسرحية الشهوة" وذلك مايصفه وليامز بالتكفير وهذا مايريد وليامز الوصول اليه حيث يقول للقاضي "ان الشرف بالنسبة لأولئك القوم اعمق من القانون" وهذا ماتؤكده مرة أخرى الناقدة "لينافولك" عندما تقول لقد شرح الكاتب المسرحي موضوع الحرية والشرف بأكمله في تعبيرات جنسية فقط، كما يصف العلاقة الشاذة بين الأخ والأخت بأقصى ما في وسعه في الفاظ لبقة حساسة على نقيض شرحه لحالة عدم الحب البشعة التي كانت بين الزوج والزوجة ويبدو ان اخلاق الكاتب المسرحي ذاته قد ضمنت في شخصيتي روزاليو وصاحب المزرعة حب الحرية وعبادة السعادة الجنسية عند الأول والتكتم الذي يكاد يصل إلى حد الجنون والتعبير عنه بالعنف عند الثاني وبرغم ان العبارات قد نسقت على شكل ابيات الشعر، الا ان الكثير منها مجرد نثر تكررت فيه بعض الكلمات، و يعتقد العديد من النقاد بأن مسرحية التطهير تعتبر من الأعمال الهامة لمن يدرسون اعمال تنسي وليامز بعد الإحاطة بالرموز والمدلولات التي يستخدمها وليامز وكذلك يمكن اعتبار هذه المسرحية مقدمة لبعض مسرحيات وليامز التالية مع التأكيد على عيوبها المتمثلة في الحيل الكثيرة التي وردت فيها والتي اعترف الكاتب تنسي وليامز بأنها استخدمت للتستر على نقص في التفكير ولعدم تمكنه من الإحاطة في رسم المادة الدرامية.‏

* الوداع الطويل‏

تدور احداث هذه المسرحية في شقة بالطابق الثالث من بناية ضخمة في احدى ولايات غرب الولايات المتحدة حيث تسمع اصوات هدير السيارات في الشوارع الكئيبة ويتصاعد صراخ الأطفال وهم يلعبون بالطرقات بين جدران مبنية بالطوب الأحمر وفي شقة قديمة يحكي اثاثها قصة زمن قاسٍ حيث يجلس "جو" الشاب في مقتبل العمر بانتظار الحمالين ليأخذوا الأثاث إلى الخارج مستغرقاً في قراءة الأوراق وأمامه آلة كاتبة، والى جوار المنضدة تقبع حقيبة سفر بالية، وبدخول الشاب" سيلفا" تنداح شكوى "جو" من الصخب الذي يتسبب في تعطيله عن الكتابة حيث وصل نقطة شائكة ولم يستطع النوم ويبدو قلقاً من تأخر الحمالين وبعد ان يتصل بالشركة يعرف انهم في الطريق إليه ويبدو حزيناً على السمك الذهبي الذي مات نتيجة الإهمال ويتحدث عن مشروع جديد عن فكرة يصفها رائعة اطلق عليها اسم الأشباح في مبنى المحكمة القديم، تتناول الأيام التي كانوا يبيعون العبيد فيها هناك حيث يدور حديث على لسان بطلة القصة التي تقول" اريد ان احتويك داخل جسدي وليس هذا مجرد اللحظة التي تكفي ليمارس فيها الحب في الفراش بين صوت تساقط الثلج في كأس الوسكي الأخيرة وصوت عربات اللبن" وبعد وصول الحمالين تسود الفوضى في الشقة وجو يتابعهم وكأنه يستعيد ذكرياته في هذه الشقة قبل ان يفارقها بينما يعزيه سيلفا بكلمات يحاول فيها ازالة الاكتئاب منه" انه مكان مقبض للنفس ياجو من الخير ان تتركه" وعندما يرفع الحمال اجزاء السرير يقول بحزن "هذا هو السرير الذي رأيت عليه النور لأول مرة، افتح عينيك وانظر إلى الطريقة التي يحملونه بها كأنه مجرد سرير عادي, وفوق هذا السرير خرجت ميرا إلى الحياة وماتت أمي فوقه ويرد سيلفا بحزن اعمق لقد ودعت الحياة بسرعة رغم مرضها بالسرطان، الكثيرون منهم يبقون مدة أطول مما بقيت هي ليعانوا الكثير من الألم، ويكشف جو سرموتها عندما يقول " لقد قتلت نفسها، لقد عثرت على الزجاجة الفارغة في سلة المهملات ،، لم يكن الألم ذلك الذي تخشاه ولكنها كانت تخشى نفقات الطبيب والمستشفى كانت تريد ان تحصل على قيمة بوليصة التأمين، ويقول سيلفا انه لايعرف بهذه التفاصيل ويطلب منه جو ان يحتفظ بهذه المعلومات ولا يقولها أمام ميرا وترد في المسرحية ا شارة إلى الكاتب ارنست همنجواي" واشتراكه في الحرب الإسبانية في معارك الخنادق بالجبهة الأمامية رغم ان النقاد يصفونه بأنه يضع شعراً مستعاراً فوق صدره بعد ذلك تمر المسرحية بحوارات عديدة يبدو أن وليامز كان يقصد من خلالها التأكيد على استمرار الحياة في أماكن عديدة رغم ان موضوع السرطان يعطي طابع الحزن والألم ويضع الحياة أمام موقف صعب كما نتعرف على ميرا التي تبدو منغمسة في اللهو مع اقرانها ويستحضر وليامز شبح الأم الميتة بالسرطان ليدور بينها وبين جو حوار عن ذكريات الماضي والتأكيد على أهمية البوليصة له، ان وليامز في هذه المسرحية يستخدم فن الاسترجاع في الكتابة اعتماداً على ذكريات الماضي حيث يدور أغلب حوار المسرحية عن استعادة جو لذكريات الماضي حيث العذاب الذي قاسته الأم عند اصابتها بالسرطان وكيف انها فضلت الانتحار على استمرار الألم مع المرض وكيف اندفعت اخته ميرا بشغف نحو حياة الليل وماترتب على ذلك من احترافها البغاء ويعود زمن كتابة هذه المسرحية إلى الثلاثينات وهي تعد تجربة مبكرة لوليامز حيث تبدو قلة الخبرة في ادارة الحوار وتعميق رسم الشخصيات وبناء العقدة وكذلك فإن طريقة عرض الموضوع تبدو مملة وقد حشر وليامز بعض الموضوعات في المسرحية دون سبب مهم وثمة مسرحية ورد ذكرهاأكثر من مرة هي" معركة الملائكة" التي كتبها وليامز في البداية كمسرحية قصيرة ثم طورها لتصبح "هبوط اورفيوس" والتي نالت شهرة كبيرة وذاع صيت وليامز بسببها ومسرحية معركة الملائكة كتبت عام(1940) وصاغ فيها وليامز الكثير من همومه ومشاكله حيث استعرض حياة التشرد وتلك الاحداث التي ظهرت كثيراً في حياته والتي تعتبر برأي النقاد انضج مسرحية قصيرة كتبها وليامز في تلك الفترة كما انه استطاع بسببها دخول عوالم هوليوود من أوسع الأبواب بالرغم من كون المسرحية تتناول بيئة محدودة لم يتجاوز تأثيرها حدود مدينة صغيرة ولعل اصدق تعبير على ذلك وصف وليامز لها في مذكراته حيث يقول كانت مسرحية يكثر فيها السرد وتمر بعمق فوق احداث تبعث في النفس الوحشة والألم وعقدة المسرحية ترتكز على موضوع ذي جاذبية جنسية حيث يشق طريقة مثل الريح العاصفة إلى مدينة عتيقة الطراز في احدى ولايات الجنوب الأمريكي المحافظ وبذلك تتصاعد ضجة كبيرة تحتل مساحة واسعة في احداث المسرحية وهذا الأمر دفع العديد من نقاد مسرح وليامز إلى الاعتقاد بأنه عند كتابته لهذه المسرحية كان متأثراً إلى حد بعيد بطريقة فوكنر في رسم الشخصيات حيث يعمد إلى رسم الشخصيات من خلال تحديد المستويات الثقافية المتباينة في المسرحية بينما يصرّ نقاد اخرون على اعتبار مسرحية" معركة الملائكة" هي نتاج تأثر وليامز الكبير في كتابات "د.هـ .لورنس ولقد تعرضت المسرحية لنقد كبير من قبل هنري بوبكين عندما اشار في كتابه مسرح وليامز إلى ان الكاتب اضاف إلى اضطراب المسرحية صيغة رمزية تتشابك خطوطها ضمن الموضوع وكذلك افكار الشخصيات والعقد الثانوية الصغيرة حيث يمكن ان يقال انها تستمد موضوعاتها من التوراة حيث يبرز الاتجاه الديني لدى وليامز في هذه المرحلة كذلك اعتمادها على الميثولوجيا اليونانية والتي تترك تأثيرها الكبير على تفكير وادب وليامز في تلك المرحلة ويصف ناقد آخر هذه المسرحية بأنها غير ذات قيمة لكون الكاتب حشد فيها افكاراً عديدة مما لاتتحمله مسرحية ذات موضوع بسيط كما برزت فيها افعال تنم عن شذوذ وسادية واقرب ما تكون إلى حالة الهستيريا اضافة إلى ان حوارها اعتمد الأحاديث البلاغية والجمل الطنانة بدلاً من التطور الطبيعي للبناء في المسرحية كما ان الرموز التي ملأت مشاهد المسرحية اثقلت اجواءها وشكلت حاجزاً كبيراً بين النضال لدى الشخصيات والبناء الدرامي ووضوح الصورة لدى المتلقي ويستمر تينسي وليامز في مسر حياته القصيرة وهو يعبر عن آراء الكاتب الذي تأثربه كثيراً وهو د.هـ لورنس فيكتب مستوحياً احداث مسرحية صعود العنقاء " التي صدرت عام 1951 والتي شهدت اسلوباً جديداً في البناء الدرامي لدى وليامز حيث أراد ان يثبت فيها التضاد بين الجنسين في العلاقة ويلقي الضوء على الجنس بوصفه دافعاً أساسياً للحياة. وفي مسرحية " لقد اثرت عواطفي" التي استوحاها أيضاً من أحدى القصص القصيرة التي كتبها د. هـ. لورنس، والتي تضمنت اتجاهاً يتوزع مابين الكوميديا وعرض الموضوعات الجادة ومناقشة لاذعة لمشاكل حياتية هامة والتي أراد بها وليامز تجريب ادواته المسرحية في بناء المسرحية الاستعراضية مع انها واجهت موجة كبيرة من النقد اللاذع لأنها تضمنت العديد من العيوب في البناء الدرامي وجاءت بالأفكار والإشارات الرمزية بشكل مفضوح ولم تقدم أي تطوير في اتجاه البناء الدرامي أو تجسيد الشخصيات ولعلها التجربة الوحيدة التي خاضها وليامز ضمن طريقة التأليف المشترك مع الكاتب "دافيد ويندهام" بعد موجة الأعمال الكثيرة التي تناولت جوانب التأليف المشترك والتي تنتج عن اشتراك مؤلفين احدهما يتطوع بابتداع العقدة المسرحية وخلق الموضوع والآخر يهتم في بناء الحوار، والتأليف المشترك يتضمن اختلاف وجهتي النظر في الفكرة حيث يكمن الخطر في اكتناف الظلال وعدم الوضوح للفكرة المراد مناقشتها، وثمة مسرحية أخرى تتخذ جانباً من الأهمية في مسرح وليامز هي" ليلة" الايجوانا".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244