د.شاكر الحاج مخلف - تنسي وليامزوالإتجاهات الحديثة في المسرح العالمي

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس

* ليلة الأيجوانا‏

لعل أجمل ماكتب عن مسرح وليامز كلمات أحد النقاد التي وصف بها الشكل التقليدي المسرحي الذي اختاره بالرغم من انه كان يلجأ كثيراً إلى الحيل المسرحية الحديثة، فهو يتلاعب كثيراً بالضوء وفي مسرحياته الأخيرة حقق بعض الاقتراب من مسرح العبث وهو يلجأ إلى الشاعرية في العبارة وإلى الرموز، مثلاً الاستعانة بالسحب والعواصف والرعد والبرق والمرض تماماً كما كان يحصل في مسرح القرن التاسع عشر كما يستخدم الأيحاء والإشارة الصريحة مثل المصابيح الفاضحة وتغطيتها بالورق في مسرحية عربة اسمها الرغبة واللعب الزجاجية في الحيوانات والماعز في وشم الوردة والسحلية في لية الأيجوانا وتمثال الشباب الأبدي في مسرحية صيف ودخان وعربة الموتى والصدع في الحائط والكهف وتمثال المسيح في مسرحية التوافق ولعل القاسم المشترك في جميع شخصيات وليامز العزلة والغربة في عالم يعيشون فيه رغم رقتهم وضعفهم الشديد واذا كانت شخصيات شكسبير الخالدة، هي هاملت والملك لير وماكبث وعطيل وانطونيو ورميو فإن شخصيات وليامز الباقية والحاضرة دائماً هي" بلانش دييوا، وماجي والماماكسين وبيبي دول وفي مسرحية ليلة الأيجوانا أو ليلة السحلية والتي تقع احداثها في صيف عام 1940 في فندق ريفي يصفه وليامز بأنه يغرق في مسحة بوهيمية واضحة والذي يقع على قمة رابية تغطيها خضرة كثيفة ويطل على شاطيء جميل يطلق عليه اسم شاطيء الصباح" في مدينة " بيرثو باربو" بالمكسيك وهو مايعرف الآن بمدينة " لاس فيجاس" وكانت القرى التي تتكون منها المدينة تتسم بالطابع البدائي، وفي شرفة الفندق الفسيحة تدور احداث المسرحية، وتحيط هذه الشرفة المسقوفة ذات السياج بالجوانب الأربعة للبناء المتداعي الذي شيد على طراز استوائي غير اننا لانرى على واجهة المسرح الا واجهة الشرفة وأحد جوانبها وتنمو اسفل الشرفة التي ترتفع قليلاً على خشبة المسرح شجيرات ذات ازهار زاهية شكلها كالأبواق وبعض نباتات الصبار واثناء المشاهد التي تدور ليلاً تضاء هذه الحجرات من الداخل الأمر الذي يجعل كل حجرة تبدو وكأنها مسرح داخلي صغير الحجم هذه أهم التفاصيل التي ذكرها وليامز عن مناظر مسرحية "ليلة السحلية" وعند رفع الستارة تتناهى إلى الاسماع اصوات جماعة من السائحات المنفعلات اللائي وصلن بسيارة عامة إلى الطريق الممتد عن سفح التل أسفل فندق "كوستا فيلدي" وتظهر السيدة "ماكسين فولك" عند ناصية الشرفة وهي امرأة ممتلئة الجسم سمراء البشرة في منتصف الحلقة الرابعة من عمرها لطيفة المعشر وعندما تنظر السيدة ماكسين فولك أسفل التل تبتهج اساريرها عند رؤية شخص يرقى الطريق قادماً من ناحية عربة السياحة وتطلق صرخة فرح كبيرة، اهلا شانون ابلغني جوا سيسي انك اجتزت الحدود في الأسبوع الماضي ومعك ملء سيارة كاملة من النساء، حمولة كاملة من الإناث.. جميعهن اناث.. كم غازلت منهن حتى الآن؟؛ يطلب شانون مساعدة أحد الخدم وترسل له من يساعده وبعد ان يلتقط شانون انفاسه يسأل عن زوجها العجوز فتخبره بأنه منذ أقل من أسبوعين جرح يده بشص لصيد السمك فتسمم الجرح وتسرب التسمم إلى دورته الدموية فمات في خلال ثمان وأربعين ساعة وعندما يحاول ان يواسيها تقول كان رجلاً مسناً ياصغيري يكبرني بعشر سنوات فلم يعاشرني معاشرة الأزواج.، وشانون يعمل متعهداً لإدارة الرحلات وفي هذه المرة صحب معه احدى عشرة من النساء العوانس تصفهن ماكسين بفريق لكرة القدم ويعتبر شانون نفسه كرة القدم، وهو يشعر بعدم استطاعته اكمال سفره معهن بسبب اصابته بمرض الحمى نتيجة لارتفاع درجة الحرارة المفاجيء، ولذلك فهو يحاول الاحتيال عليهن كي ينزلن في الفندق هذه الليلة ويطلب منها شانون النظر من الشرفة إلى السيارة واخباره هل خرجن من العربة وتخبره ماكسين ان واحدة منهن خرجت واتجهت نحو الغابة وشانون يحرص على عدم خسارة الرحلة فهو يحرص على الزبائن ويحرص على الحصول على قسط من الراحة حيث وضعته الشركة التي يعمل بها في فترة اختبار لأنه كان مشرفاً في الشهر الماضي على جماعة بشعة حاولت فصله من العمل وهو يجد نفسه مرة أخرى في مرحلة الاختبار ولو خسر هذه الرحلة وانفضت عنه النسوة، فسوف يفصل حتما من الشركة ويقارن بين عمله في العام الماضي حيث كان يقود رحلة رجال الأعمال على ظهر سفينة كبيرة وعند اصرار النسوة على عدم ترك السيارة وضرورة مواصلة الرحلة تطلب منه ماكسين ان يتركهن يذهبن إلى حال سبيلهن ويبقى هو هنا ويصل من هناك أحدهم مزمجراً ويخبره ان النسوة لايوافقن على ترك السيارة ويطلبن العودة إلى المدينة، وسوف يعدن إلى المدينة سيراً على الأقدام اذا لم تسلم مفتاح السيارة ويجيب شانون بكل برود سوف يتساقطن على الطريق كالذباب بفعل ضربة الشمس ويطلب منه ان يساعده في التغلب على تلك الدجاجات الهرمة ويكشف "هانك" عن تفاصيل جديدة ومهمة عندما يذكر امام ماكسوين ثمة فتاة صغيرة تجلس على المقعد الخلفي وتبكي طوال الوقت لقد تسبب بكاؤها في اثارة المشكلات " عليها اللعنة، انني لست ادري اذا كنت فعلت هذا أم لم تفعله، ولكنهن جميعاً يعتقدن انك فعلتها، لان الطفلة لا تكف عن البكاء وهنا تطلق ماكسو ين ضحكة مكتوبة وتقول معلقة على الخبر اذن لقد خطفت الكتكوتة الصغيرة ياشانون وتركت الدجاجات الهرمة يقوقن من أجلها،، ويزيد التفاصيل عندما يعترف بأن الطفلة هي التي رغبت في ذلك فهي في السابعة عشر من عمرها وهي ليست مجرد فتاة متقدمة في سنها عن الناحية العاطفية ولكنها معجزة موسيقية وعندما تسأل ماكسين عن سر علاقة الموسيقى بحادث الاغتصاب يجيب شانون بأن الفتاة تسافر تحت حماية عسكرية تفرضها عليها هذه المدرسة التي تعلمها الغناء والتي تنظم اغنيات جماعية صغيرة في السيارة وبعد كل ليلة تفتح فمها ومنه تنساب الاغاني بعد قضاء ايام ملؤها عذاب لايوصف تنفجر فيها ثلاث اطارات ويتعطل جهاز التبريد وترتقي فيها وقت المساء جبالاً تهطل عليها السيول وندور حول منحنيات ضيقة تطل على فجوات سحيقة يعجز الإنسان عن تصور اغوارها في حين ان هناك زمزمية تحت مقعد السائق تظن نساء الكلية المعمدانية انها مليئة بالمياء المثلجة وان كنت اعلم انها ممتلئة بالخمر، لقد غنت اغنية احبك حقاً، انطلقت ناحيتي تماماً مصحوبة بإيماءات بعد ذلك انتقل الشبح إلى غرفتي حيث وجدت لي فيها رفيقاً وينجح هانك باقناع النسوة بالخروج من السيارة ويعلن شانون بفرح انه كسب الجولة الأولى وتصف ماكسين الموقف في شرفتها، ان النسوة يتجمعن حول صديقك هانك يمزقنه إرباً ولقد صفعته احداهن فلاذ بالسيارة، اماهي فقد بدأت الصعود إلى هنا ويصرخ شانون، ياشيخ قيصر العظيم،، انها مدرسة الغناء، وعندما يصل صوت المدرسة الحاد الغاضب يطلب شانون من ماكسين مساعدته على التفاهم مع المدرسة الغاضبة فتقول ماكسين، انت تعلم انني ساساعدك ياصغيري ولكن لم لاتكف عن مطاردة الصغيرات وتنمي في نفسك اهتماماً بالنساء الناضجات، وتنتهي تلك الضجة ببرود غضب الآنسة فيلوز والموافقة على بقائها مع بقية النسوة في الفندق ان وليامز يقدم بدقة صورة عن رجل مسن قضى حياته بالعبث والمغامرات مع النساء وتظهر الآنسة "حنه جيلكس" اسفل درجات الشرفة و ينظر إليها "شانون" مشدوهاً، يبدو منظرها غريباً فهي تبدو كالطيف وكأنها بعض خيال، توحي هيئتها بصورة معلقة في كاتدرائية قوطية لقديسة من القرون الوسطى وقد دبت فيها الحياة يحدد الكاتب عمرها في الثلاثين، انوثتها تبدو طاغية ومع ذلك تبدو عليها علامات الاسترجال وتكاد تبدو خارج اطار الزمن، ويدور حوار هادي بين حنة وشانون التي تريد لها غرفة في الفندق تقيم فيها مع جدها العجوز، ويؤكد لها شانون في لحظة انفعال رهيبة وجودغرف كثيرة خالية في الفندق ويتبرع بأي مساعدة تحتاج لها، وهكذا هو دائماً يرمي شباك الصيد للنساء، وتبدو ماكسين وكأن الرياح القوية وضعت في شباكها صيداً كانت تنتظره بلهفة كبيرة، تبدو منشغلة بحلاقة ذقن شانون وهو متمدد في الأرجوحة كالطاووس وتخبره مداعبة اياه سنسبح الليلة معاً في البحيرة سواء هبت العاصفة أم لم تهب وتتحدث عن الصبيين المكسيكيين اللذين يعملان لديها وكيف انهما بارعان في السباحة ليلاً، ويعترف شانون ان ماكسين أكبر من الحياة وتفوقها في غرابتها وتعترض ماكسين على كلام شانون" ليس هناك من هو أكبر من الحياة ياشانون أو حتى في حجمها باستثناء زوجي لقد كان لغزاً بالنسبة لي دائماً. كان صبوراً ومتسامحاً معي لدرجة كنت احس معها بالمهانة، ان أي رجل وأمرأة يجب ان يساءل كل منهما الآخر، وانت تعرف ما أعنيه، لقد استأجرت هذين الصبيين السباحين في فندق كوبرادا قبل ان يموت بستة اشهر فهل اهتم بالأمر؟ هل تفوه بكلمة استنكاراً عندما بدأت اسبح معهما ليلاً، كان يذهب لصيد السمك في اثناء الليل طوال الوقت وعندما كنت استيقظ في اليوم التالي كنت اجده يستعد للذهاب إلى الصيد مرة أخرى وكان يصيد السمك ويلقيه في البحر من جديد" وفي مواجهة جديدة بين الآنسة فيلوز وشانون حيث تهدده بالقانون" نحن الفتيات كدحنا طوال العام في كلية البنات المعمدانية لنستمتع بهذه الرحلة في المكسيك واذا بالرحلة خداع في خداع، انك لم تلتزم بالبرنامج كما انك لم تتقيد بالطريق المعلن عنه في النشرة التي أصدرتها شركة بليك للرحلات هناك اذن احد أمرين، فإما شركة بليك للرحلات خدعتنا واما انك خدعت شركة بليك ولهذا بدأت في اتخاذ الاجراءات، انني لست اعبأ بالنتائج، ويرد شانون مدافعاً عن موقفه، انني موظف ياآنسة فيلوز في شركة بليك للرحلات ولذلك فلست في مركز يسمح لي ان اطلعك بصراحة كاملة على الأخطاء التي ارتكبتها الشركة في نشرتها التي اعلنت عنها وترد الآنسة فيلوز بهجوم اكبر واعنف من السابق " أنت كاهن مطرود تنتحل صفة الكاهن" انت غشاش" بعد هذا الموقف المتفجر بين الكاهن السابق الغشاش والآنسة فيلوز التي تعتبر نفسها هي المسؤولة عن النسوة اللواتي يشاركنها هذه الرحلة المزعجة وقرارها العودة إلى المدينة ينقل وليامز الأحداث في اتجاه جديد عندما تظهر حنة عند رأس الممر وهي تدفع جدها نونو في مقعد ذي عجلات وهو رجل طاعن في السن وان كان يتحلى بصوت جهوري ويصيح دائماً كمن يقول اشياء ذات أهمية قصوى وهو شاعر مسرحي يتصف بنوع من الاعتداد بالنفس ويحمله كمن يحمل علماً اينما ذهب، وعندما ترفض ماكسين قبول نونو وحنة نزيلين في فندقها بشكل واضح ويراود حنة الخوف من عدم وجود فندق تتوفر فيه المناظر الطبيعية الخلابة التي تساعد جدها نونو الشاعر في رسم صورة الشاعرية واكمال ديوانه الأخير يتدخل شانون وهو يرسم بشكل خفي لخيوط علاقة غرامية جديدة مع حنة ويضغط على ماكسين بالموافقة على اقامتهما في الفندق وتتحدث حنة عن موهبتها وهي تفاخر بأن جدها هو أكبر الشعراء الأحياء سناً، وهو يتلو قصائد من شعره وهي ترسم صوراً بألوان الماء مستوحاة موضوعاتها من تلك القصائد الشهيرة.. انهما يسافران معاً، ويدفعان تكاليف سفرهما معاً التلاوات الدينية والقصائد والرسوم الملونة وهذا يكسبان من الثنائي اللطيف في مسرحية الأيجوانا يشكل قوس قزح وسط اجواء أخرى قاتمة وتواصل الحديث عن جانب من حياتهم اليومية" لاافرض نفسي على الناس وانما اكتفي بعرض صوري عليهم وابتسم لهم ابتسامة عذبة، فإن وجهوا لي الدعوة جلست ارسم بالباستيل أو الفحم صورة سريعة لهذا الوجه أو ذاك، اننا نتجول متباطئين وسط الموائد واتولى أنا تقديمه بوصفه أكبر الشعراء الناظمين الأحياء سناً، فاذا دعاه احدهم جلس وتلا عليه قصيدة مخلوقات غجرية بشكل عصري اتخذا من الشعراء والفن مصدراً للعيش والرزق تجولا في بقاع كثيرة من العالم،" لقد طفت حول العالم بعدد المرات التي طاف فيها العالم حول الشمس، واشعر كما لو كنت قطعت الطريق كله سيراً على الأقدام" وفي الفصل الثاني تؤكد ماكسين "لحنة" ان فندقها ليس مكاناً مناسباً لأقامتهما وترشدها للذهاب إلى أحد الملاجيء التي يقدمون فيها الطعام مجاناً كما أنها ستجد طبيباً يرعى جدها المريض وقت الحاجة وتؤيدتلك الفكرة حنة وتوافق على قبولها رغم ان الشك يظل يساورها بخصوص نوايا ماكسين نحوها وتعترف حنة لصاحبة الفندق التي تريد ان تتخلص منها بشتى السبل بصعوبة ظروفها المالية وتسألها ان كانت توافق على رهن بعض الأحجار الثمينة المنقوش عليها صور تعتبرها هي معجزة في فن الحفر لكن ماكسين ترفض ذلك العرض وتتحدث عن التركة الصعبة التي خلفها لها زوجها ولذلك فهي لا تستطيع ان توافق على فكرة الرهان وتتحدث عن زوجها الذي تعتبره اعظم صيادي الأسماك على الساحل الغربي للمكسيك فهو سجل في صيد اسماك القرش "والباراكوادا" ارقاما قياسية لايمكن تحطيمها وفي الأسبوع الماضي طلب وهوعلى فراش الموت ان يلقى به في بحر ذلك الخليج المخيف دون ان يطوي في كفن من الخيش انما يكتفي بلباسه رداء الصيد ولا ينسى وليامز ان يسجل في هذه المسرحية بعض عنف الحرب العالمية الثانية حيث يحشد ضمن المسرحية احدى العائلات الألمانية التي تسكن في الفندق وهي مكونة من أب وزوجته وابنته وزوجها ويرسم فرحة كبيرة لدى العائلة الألمانية عندما تذيع الاذاعة الألمانية بلاغاً عسكرياً يؤكد ان لندن تحترق وان الدمار يحيط بالانجليز من كل جانب ويثب الأب الألماني فرحاً وينقلب في الهواء ويسير على يديه في الشرفة بضع خطوات بينما يقف الجميع فيهم ماكسين يتابعون الموقف وهم ينفجرون بالضحك والغيظ الخفي وعندما يطلب الألماني من الجميع التزام الصمت فهذا تسجيل الخطاب الفوهرر امام الريخستاج الذي تنقله الإذاعة يعلق وليامز على ذلك بين لحظة واخرى ينبعث من المذياع صوت بشري كأنه عواء كلب مجنون بعد ذلك تحاصر الفتاة شارلوت التي غرر بها غرفة شانون الذي لايريد مواجهتها ويحاول الاختفاء عنها لكنها تظل تطرق الباب حتى يخرج شانون ويواجهها ويحاول التفاهم معها بجمل وكلمات ينتقيها لغرض الخروج من المأزق لكن شارلوت تقول له لامفر من الأمر الواقع، عليك ان تتزوجني بعد ما وقع بيننا ويعبر شانون عن خيبة أمله في ذلك ويؤكد لها أنه سيكون سعيد الحظ لو استطاع الاحتفاظ بعمله وان رجلاً في مثل حالته لايستطيع الزواج وعند وصول الآنسة فيلوز تحاول شارلوت الأختفاء في غرفته لكنه يدفعها بعيداً عنه بعنف ويندفع إلى حجرته ويصفق الباب في حين تختفي شارلوت في الغرفة المجاورة وتتقابل فيلوز مع حنة وتسألها انها سمعت بابا يصفق وهل شاهدت شارلوت وتؤكد لها ان الباب الذي اصدر الصوت باب غرفتها لكن هذه الدعاية لاتنطلي على الآنسة فيلوز التي تقف بباب الغرفة والتي تختفي فيها شارلوت وتفبض على ذراعها وتجذبها بعيداً ويخرج شانون بعد هذا المشهد المتوتر يحمل عدة قطع في ردائه الكهنوتي وتسأله حنة، هل عقدت العزم ياسيد شانون على اقامة نوع من الطقوس الدينية هنا هذه الليلة ويرد بثقة لاتخلو من هزيمة قاسية يخفيها شانون،" لأني اتهمت بأني كاهن معزول واكذب بخصوص هذا الأمر اريد ان ابين للسيدات، اني مازلت كاهناً عاملاً في الكنيسة وبعد ان يرتدي ملابسه الكهنوتية يلقي بنفسه على الأرجوحة تقوم حنة بفتح دفتر رسومها بهدوء وتبدأ برسم اسكيج له وتستدرجه للحديث عن نفسه وعن مهنة الكهنوت ويعترف لها وكأنه طفل صغير بأنه لم يعمل في الكنيسة سوى عام واحد منذ ان صار كاهناً ويدرك شانون حيلة حنة في رسمه خفية فيسألها ان كانت تحاول رسمه فتجيب "نعم" انك موضوع صعب للغاية ويكشف لها انه ابعد عن الكنيسة بسبب الفجور والهرطقة وتسأله عن الظروف التي صاحبت الذنب الأول في الكنيسة فيجيب ان الفجور حصل قبل الهرطقة ويذكر حادثة حصلت بينه وبين مدرسة صغيرة السن جدا في احدى مدارس الأحد بمكتبه لقد عرضت علي نفسها كنت في تلك الأيام أفظع عما كنت تتصوريني، قلت لها فلنسجد معاً ولنصلي ولقد كان وسجدنا، ولكن السجود استحال فجأة إلى استرخاء على بساط مكتبي وعندما نهضنا ضربتها على وجهها ودعوتها بالعاهرة الصغيرة الملعونة وعادت إلى منزلها عدواً وسمعت في اليوم التالي انها جرحت نفسها بموس والدها الذي يحلق به ذقنه ويسترسل شانون في ذكريات يوم الأحد الذي يلي الحادثة الرهيبة حيث ارتقى في اليوم التالي المنبر واستعرض تلك الوجوه التي وصفها بالغرور والتي يعلوها الاستنكار واللؤم والتي ظلت تحدق به حيث اعد لهم عظة كلها وداعة اعتذر فيها عما بدر منه وعندها بدأت الهرطقة في حياته حيث صرخ فيهم "اسمعوا لقد ضقت ذرعا بممارسة الطقوس لعبادة إله مذنب مخرف والثناء عليه والله لن استمر ولن استطيع الاستمرار في أداء الطقوس تلك ويزيد من سعير هرطقته عندما يذكر كيف حصلت عاصفة خارج الكنيسة وكيف أصبح الناس يهرولون خائفين وكيف انه انطلقت منه صيحات الكفر والجنون في اثرهم " لقد صحت فيهم قائلاً: اذهبوا .. اذهبوا إلى منازلكم واغلقوا كل نوافذكم وابوابكم في وجه مايذاع فيكم من حقيقة عن الله" بعد ذلك ابعدت عن الكنيسة ووضعت في احدى المصحات الخاصة الصغيرة لأستعيد صحتي بعد ان اصبت بانهيار عصبي شامل كما طاب لهم ان يتصوروا ثم التحقت بعملي الحالي رحلات تطوف بعالم الله يشرف عليها كاهن من كهنة الله يعلق في رقبته صليباً وبنيقة وتشكك حنة في افكاره وتقول ان احساس كبير يراودها بأن شأنون سيعود يوماً إلى الكنيسة بعد ان يتوصل إلى فهم جديد لطبيعة الدين وعلاقته بالإنسان ثم يطلع شانون على كراسة الرسوم التي انجزتها حنة ويبدو عليه الاهتمام بما يرى حيث يغرق في صمت طويل ويسبب الحرج والتساؤل لها وهي التي تشعر بأن رسومها لم تعجبه لذلك تعمد إلى نقل الحديث بصورة مفاجئة لتذكيره بمهماته في متابعة السيدات اللائي يسافرن معه في الرحلة فيجيب وهو لازال مشدوداً لتلك الصور "سيداتي باستثناء ميديا المراهقة وميديا الكبيرة قد اقلعن في زورق ذي قاع زجاجي ليشهدن عجائب قاع البحر" وتجيب حنة عندما يعدن إلى المبنى الملحق بالفندق فسوف يشهدن رسومي المصورة بألوان الماء وقد علقت على الحصير وثبتت عليها أسعاراً عجيبة مثل عجائب قاع البحر ويعترف شانون للمرة الأولى وهو يتأمل حنة، " والله انك واسعة الحيلة" اليس كذلك انك واسعة الحيلة بشكل رائع وهاديء، وتوافقه الرأي..‏

أجل مثلك ياسيد شانون.. ثم تسحب كراس الرسوم من بين اصابعه بعد ذلك اللقاء الحذر وذلك الحوار الذي يمتد مع دلالات عديدة يضعنا الكاتب وليامز مع المدلول الرمزي لمسرحيته وجهاً لوجه، عندما يظهر الصبيان المكسيكيان وهما يمسكان بمخلوق يتملكه الذعر " سحلية ضخمة اسيرة مربوطة بقميص ويقيدانها بحبل في احد الأعمدة حيث تجلب تلك السحلية انتباه ماكسين التي تزف الخبر إلى شانون الذي يراقب المشهد بهدوء ولا يتدخل في شيء وتصرخ ماكسين "اربطها جيداً يابيدرو، لاتدعها تهرب.. أرخيا لها الحبل"‏

ثم تلتفت باتجاه شانون وتخبره بصوت مرح "شانون لقد امسكا سحلية ويرد عليها بأنه شاهد ذلك منذ البداية ويسمع جميع نزلاء الفندق ذلك الصخب الكبير فيجتمعون على الشرفة،، وتصرخ السيدة الألمانية هل امسكوا ثعلباً وترد ماكسين وهي تضحك، كلا انها سحلية وتظهر السيدة الألمانية تقززها من المشهد الذي يجري أمامها وكذلك يظهر عليها الرعب الغريب كما لو انها تواجه حافة السكين" وتسألها ماكسين هل تحبين اكل لحم السحلية، انها طعام لذيذ للغاية تشبه في طعمها لحم صغار الدجاج وهنا تهرول السيدة الألمانية عائدة إلى أسرتها ويدور حديث بالألمانية مليء بالإثارة والتقزز وتكشف الأسرة الألمانية بأنها للمرة الأولى تتعرف على نماذج من البشر اصحاب نزوات غريبة وعندما يسأل شانون ماكسين عن جنس تلك السحلية المربوطة.. توزع ماكسين انتباهها بين جسمه الطويل النحيل الذي يبدو عاجزاً عن الإخلاء إلى السكينة وبين الجسدين الملتويين للصبيين المكسيكيين اللذين يرقدان على بطنهما اسفل الشرفة وكانما تقارن ماكسين في ذهنها بين مصدرين متعارضين من مصادر الجاذبية يستثيران طبيعتها الحسية البسيطة وعندما يرى ذلك الهاجس المتوقد في ذهن ماكسين يحاول ان ينقل الموقف ذلك التوتر الخفي إلى الضحك المنفلت عندما يأخذ الكأس من يدها ويقترب من الشرفة وماكسين تردد مقطع من قصيدة،" كان هناك شاب يدعى برنو، قال ان كل مايعرفه عن الحب هو الآتي،، النساء جميلات ، والخراف مقدسة ولكن السحالي تأتي في المرتبة الأولى،، وهنا يفرغ شانون شراب ماكسين من فوق سياج الشرفة فوق مؤخرة بيدور الذي ينتفض ويصدر صيحة احتجاج غاضبة ويتفجر شانون وماكسين في ضحك عميق وتهرب السحلية ويندفع الصبيان خلفها وهماً يصيحان ويلقي احدهما بنفسه عليها ويمسك بها ثانية عند طرف الدغل الكثيف ويوقف تصاعد ذلك المشهد المليء بالحيوية الخفية صوت سقوط الشاعر الهرم "نونو" حيث يندفع شانون وماكسين إلى حجرته بقلق كبير وبعد اصلاح وضع الشاعر الهرم يقوده شانون من حجرته إلى الشرفة حيث يرتدي نونو ملابسه التي يعتز دائماً بارتدائها على أنها رداء الشعراء وعندما يقتربان من ماكسين التي تود الابتعاد عن منظر ذلك الهرم الذي يبدو أكثر من كونه مصدر اعاقة في فندقها المتواضع عوضاً عن سكنه المجاني ويرسل لها تعليقاً فيه نبرات التحدي البارد.. اطمئن ياسيد شانون لم أكسر أياً من عظامي انني مصنوع من المطاط، ويرد عليه شانون بمواساة لطيفة، ان الإنسان الذي يولد رحالة يكبو مرات عديدة في اسفاره ويكتشف شانون ان نونو لايفرق بينه وبين حنة. عندما يسأل حنة وهو يعتقد انها هي التي تقوده وتقل عثرته حيث تبدو حاسة الإبصار وحواسه الأخرى قد تدهورت إلى حد بعيد لدرجة يظن معها ان حنة موجودة إلى جانبه وبينما هما يتقدمان باتجاه الشرفة يطلق السيد الألماني " فاهر فانكيوف " صوتاً عالياً وهو يستمع إلى اخبار الحرب في المذياع الذي لايفارقه "لقد انتشرت حرائق لندن من قلب المدينة إلى شاطيء المانش.. ان الفيلد مارشال جو نسج يطلق على هذه المعركة اسم المرحلة الجديدة للغزو ،، القنابل الحارقة تسقط على المدينة كل ليلة " وهنا لايلتقط نونو الهرم الا اللهجة المنفعلة لهذا القول ويفسرها على انها طلب لتلاوة احدى قصائده، يدق الأرض بعصاه ويعيد رأسه إلى الوراء ويبدأ التلاوة بطريقة تتسم بالفخامة والتهويل ويبدأ ينشد أحدى قصائده بينما الألماني يستغرب ذلك التصرف الذي يمنعه من اكمال الاستماع إلى نشرة الأخبار الحربية ويغرق شانون في ضحكة عميقة لكنه يحث نونو العجوز على قراءة القصيدة ويحاول نونو ان يتذكر المقاطع بصعوبة " على الشباب ان يكون عجولاً، على الشباب ان يكون نزقاً، ان يرقص في ضوء الشمعة.. على الشباب .. ويتوقف نونو،، وتدخل حنة لتهمس له بقية مقاطع القصيدة،، وتتجمع الأسرة الألمانية حول الشاعر العجوز، وهي تظهر مزيداً من الاعجاب والابهار وفي صخب كبير يصفق فارهرفانكيوف في وجه الشاعر الهرم مباشرة وينحني نونو، انحناءة صغيرة مهتزة وهو يعتمد على عصاه وتحاول حنة الإمساك بتلك اللحظة الفريدة لعرض رسومها على العائلة الألمانية اعتقاداً منها بأنها ستجد كل الاهتمام وتقترب منهم.. انني ارسم بألوان الباستيل هل تسمح لي، أرجوك .. لكن السيد"فارهر فانكيوف" ينشد مارشاً عسكرياً نازياً ويقود جماعته إلى زق الشمبانيا الموضوعة على المائدة بينما يعود نونو إلى المائدة الأخرى بمساعدة شانون ويتساءل نونو بصوت مسموع .. كم الحصيلة ياحنة .. هل دسوا في يدك عملات فضية أو ورقية بينما تطلب منه حنة أن يكف عن الصراخ وعندما يختلط عليه الأمر يستمر في الصياح .. كم دفعوا ياحنة، هل بعت لهم صورة ملونة.. وتصرخ فيه بصوت أعلى كي يسكت، لم أبع شيئاً ياجدي.. لكنه لن يجلس أو يكف عن الصياح ويدرك شانون سبب عذاب هذا الشاعر الهرم فيمسك بذراعه ويضع في يده ورقة مالية مكسكيكية متكورة و يهمس له "سيدي خمسة دولارات" ها انذا اضعها في جيبك ،" وفي الوقت الذي ترفض فيه حنة تلك الصدقة التي يدفعها شانون لجدها "نونو" الذي يتصور ان تلك الورقة المالية هي مجرد مكافأة وينادي فرحاً،، عظيم جداً هذه المكافأة وبالنسبة لقصيدة واحدة،، ويرد شانون ان المكافأة المالية لقصيدة من الشعر تعتبر دائماً دون مستوى استحقاقها كثيراً.. ان شانون هذه الشخصية التي تعتبر محور مسرحية الأيجوانا هي مزيج من العواطف والانفعالات ما بين الغضب والتهور التسامح والإلحاد والدين والعجرفة والرقة، وهو هنا يتحدث بحديث الرقة مع الرجل الهرم الذي لم يبتغ له من الحياة غير زاد قليل واحلام أغلبها ولدت في الماضي تشكل ألوانها اقواس قزح من تلك الكلمات التي يعتقد انها أفكار شعرية لاتقل عن افكار وقصائد أكبر شعراء العالم حيث تصبح اشجان الشيخوخة والاحتضار بمثابة جراح لأعصاب وحساسية مفرطة حيث يدرك راهب الكنيسة تلك الحالة التي يعرفها ،، بأنها حالة حصار وحشي يجعل ذلك الضغط الخارجي اشد من ان تتحمله طاقة ذلك المخلوق الضعيف الذي يقترب بخطواته رويداً من القبر فتوحد معها المشاعر الإنسانية ويكشف لنا الكاتب تنسي وليامز عن مأساة تلك الشخصية عندما تتحدث حنة وهي تعلل جدها الشاعر" المسكين نونو لقد اصيب بأكثر من حادثة من هذه الحوادث العقلية الصغيرة كما تسمونها وجميعها وقعت له في الشهور القليلة الماضية لقد كان مدهشاً إلى وقت قريب، كان عليّ ان ابرز جواز سفره لأثبت أنه أكبر الشعراء الأحياء سناً على وجه الأرض وكنا نسير على خير ما يرام نغطي نفقات اسفارنا وأكثر ولكن عندما وجدت ان قواه قد بدأت تضعف حاولت اقناعه بالعودة إلى مدينة"نانتاكت" ولكنه هو الذي يقود رحلتنا، لقد قال" كلا إلى المكسيك وها نحن أولاء هنا على هذه الرابية التي تهزها الرياح وكأننا زوج من فزاعات الطيور، لقد تعطلت السيارة العامة التي كنا نستقلها من مكسيكو ستي على ارتفاع خمسة عشر ألف قدم فوق سطح البحر وتلك هي اللحظة التي أصيب فيها فيما أظن بآخر حادثة عقلية، انما يصعب عليّ احتماله ليس هو فقدان السمع والبصر بقدر ماهو انطفاء شعلة الذهن " هكذا تكشف حنة عن سر المأساة الذي يلازم حياتهما الحالية مع اشتداد أزمة الفقر فهي لاتستطيع ان تعيد إلى نونو الشاعر الهرم تلك الذاكرة الصافية المتقدة التي كانت في الأيام الخوالي مضرب الأمثال وغاية الإعجاب عند الناس" اضاع الزمن المال والذاكرة والقوة وصار وهج تلك الشعلة المقدسة يخبو، وتضيف حنة وهي تكشف عن سر مأساتها مع ذلك الهيكل العظمي المتحرك، لقد اتفقنا كل ماتبقى معنا تقريباً لشراء هذا المقعد المتحرك له.. ومع ذلك فقد اصر على الاستمرار في رحلتنا حتى نصل إلى البحر مهد الحياة كما يسميه ويتعاطف شانون بقوة مع حنة ونونو ويأمر بتقديم الطعام لهما، هذا الموقف الذي لايجد القبول لدى ماكسين وتعلق حنة لجدها نونو قائلة أن بعض ابواب السماء انفتحت، حيث وجدت صديقاً في هذا الفندق هو القس شانون احد رجال الله، وبمرح طفولي لايخلو من تخريف العجائز يطلب منها أن تخبره بانه قد أصبح كبيراً بالسن لايصلح للعماد ومن الصغر لا يصلح للدفن ويضيف قائلاً انما اعرض نفسي في السوق طلباً للزواج من أرملة ثرية وسمينة وجميلة وفي الأربعين من عمرها. ان نونو يتصور نفسه يتبادل النكات الصغيرة مع ضباط يجلسون على مقاعد هزازة أو مع زوجات اساتذة يعملون في مدارس صغيرة غير ان هذه الرغبة في أرضاء الغير عبر هذه الطريقة العابثة في الحديث وهذه النكات الوقورة قد اصبحت الآن تدعوا إلى الرثاء والسخرية لحد ما وتكشف عن المأساة التي تعتصر قلبه وعندما يعرف ان الصديق الذي اغدقت به السماء هو القس شانون أحد رجال الله يطلب منه ان يرافق حنة أثناء اعتكافه بحجرته لغرض النوم ولايساوره ادنى شك في تصرفاته فهو رجل من رجال الله.. هذا الشاعر الهرم" الذي تعتبر لحظات صحوته في المسرحية أشبه بفاصل موسيقي في مشهد مأساوي تتحدث عنه حنة وتصفه بكبرياء لايخلو من غرض تجاري فهو شاعر من شعراء الدرجة الثانية وكان معروفاً إلى حد ما قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها بقليل ويصارح شانون حنة بأنه استطاع في الفترة الأخيرة ان يكون له فلسفة خاصة ازاء الحياة ومتناقضاتها فهو يرى ان الحياة تسير في اتجاهين متوازيين هما تيار واقعي وآخر خيالي ويؤكد لها ان فلسفته تؤمن بشكل أكيد بأن الإنسان لابد ان يعيش على التيار الخيالي ويتمسك في نفس الوقت بتيار الحياة الواقعي وإذا كان ذكياً فلابد ان يجد قاسماً مشتركاً بينهما .." عليك ان تكوني متيقظة عندما تدركين ان الشج يطاردك وتسأله حنة عن معنى الشج .. فيقول .. تصوري للمرة الأولى كنت اعتقد ان باستطاعتي ان اطرد الشج ولكن الظروف قد تغيرت في هذا المكان لم اعلم مثلاً قبل لحظة وصولي إلى هنا ان صاحبة الفندق اصبحت أرملة.. تابعيها انها تنصب شباكها كالعنكبوت الجميل.. وعندما تظهر ماكسين وهي تدفع عربة صغيرة الحجم وضعت فوقها زجاجات الشراب تشعر بالغيظ الشديد ازاء المشهد الذي تراه،، وذلك الحديث الودي جداً، يمزق اعصابها فتدفع بالعربة في غضب باتجاه شانون حتى تنطلق وكأنها قذيفة قوية لكن شانون يعيد العربة باتجاه معاكس وبحركة لاتخلو من غضب وعنف فتصدم ماكسين في بطنها ويتصاعد صخب كبير ويجذب انتباه الألمان ويثير الرعب في قلب حنة ويجتمع الجميع في حلقة دائرية يتابعون هذا المشهد وهم يضحكون في نشوة كبيرة ويستمر شانون وماكسين يمسكان بالطرفين المقابلين لعربة الشراب التي تتحرك على عجل ويدفعانها كل صوب الآخر ويكشران عن اسنانها بشكل حيواني بدائي وكأنهما مبارزين في معركة مميتة ويصيح الإلمان ضاحكين ويتبادلون الحديث بالألمانية وكأنهم يشاهدون معركة احتلال انكلترا التي شغلتهم وقتاً طويلاً ويصبح المشهد مجالاً لإطلاق المراهنات والتعليقات ونونو يغط في نوبة النوم وكأنه انتقل إلى العالم الآخر ويحطم استمرار اللعبة أعصاب القس شانون فيدفع العربة باتجاه الألمان الذين يصرخون مسرورين وتندفع العربة باتجاه جدار الشرفة فتتحطم، ويهبط شانون مسرعاً ويعود مختفياً في الأدغال بينما يجتاح الغضب العارم ماكسين التي أصبحت في أول منازلة اضحوكة للجميع وتجد الفرصة سانحة أمامها للانتقام من حنة التي كانت هي السبب في تلك اللعبة الصبيانية التي اجبرها شانون ان تجاريه بها وتجد كلام حنة في تلك اللحظات هو المفتاح للهجوم حيث تقول أنه من الفخر ان تكون هي حفيدة ذلك الشاعر الهرم نونو فترد ماكسين بفظاظة كبيرة، نعم ولكنك ايضاً امرأة خائرة القوى تستغلين هذا الرجل الهرم المحتضر كواجهة تتسترين وراءها للدخول إلى أماكن دون ان يكون معك من النقود مايمكنك من الدفع مقدماً ولو ليوم واحد أنك تسجنينه معك مثلما يصنع شحاذوا المكسيك وهم يحملون طفلاً عليلاً ليستثيروا شفقة السائحين يتصاعد الصراع بين حنة المشردة الفقيرة التي ترافق عجوزاً يعيش على أمجاد موهومة يدعي لنفسه فيها بأنه من أفضل الشعراء الموجودين على قيد الحياة، وفي رحلة سنوات العذاب الطويلة يتذكر كل التفاصيل بشكل يثير الرعب بالنفس فقد أوصله اهتمامه بالشعر إلى حياة تشبه حياة الغجر ان لم تكن أسوأ منها وتقف في الطرف الآخر ماكسين صاحبة الفندق المتسلطة التي تود السيطرة على شانون وأبعاده عن أية رغبة يفكر فيها مع أنثى غيرها لذلك فهي عندما تسأل نفسها عن سر التعاطف الذي يخفيه شانون لحنة، تندفع تهدد حنة بضرورة ترك الفندق والرحيل مع عبئها الكبير والبحث عن مكان آخر للأقامة الأمر الذي يدفعها لتعلن لماكسين بأنها في صباح اليوم التالي ستذهب إلى المدينة وتضع حامل لوحاتها في الميدان الكبير وتحاول بيع رسوماتها المصورة كما أنها ستقوم بتصوير سائحين وتؤكد لها بإيمان كبير بأنها ليست ضعيفة إلى الحد الذي تصبح فيه صورة للسخرية أمامها لكن ماكسين تسخر بالفعل منها أنها رغم نضوجها كأنثى لازالت تعيش بعقلية الأطفال، كيف يمكن أن تفكر بشكل سليم وهي تريد مواجهة العالم بأشعار قديمة يرددها كهل يفتقر إلى الذاكرة أو رسوم تفتقر إلى الموضوعات المهمة وتنسيق الألوان لهذا فهي تقرر دائماً ان تشعر حنة بحالة ضعف، كيف يمكن ان تصلي إلى المدينة وأنت لاتملكين أجرة العربة ولأن شخصية حنة رسمها وليامز بشفافية كبيرة تمتلك من العناد مايدفعها إلى ان تقوم بمواجهة ساخنة، تعرف أنها لاتخسر فيها شيئاً سوف أذهب سيراً على الأقدام.. ان سكان الجزر مشاؤون لا يتعبون،، واذا كنت تشكين في كلامي، وإذا كنت تظنين حقاً أنني جئت إلى هنا كأمرأة خائرة القوى فسوف أضع جدي في مقعده المتحرك وسادفعه إلى سفح هذا التل عائدة إلى الطريق، لنقطع المسافة كلها حتى نبلغ المدينة" وازاء اصرار حنة يتحول الموقف عندما يعرف الجميع ان العاصفة القوية تبدو في الأفق تطلب ماكسين منها بإلحاح البقاء فسوف تطيح العاصفة بذلك الهرم المسكين من مقعده المتحرك مثل ورقة شجر ذابلة وترد عليها حنة،" انه يفضل هذا على ان يبقى في مكانه لا يجد الترحيب والاهتمام" وبينما يدور ذلك الحوار العاصف يغط نونو العجوز في نوم عميق بينما تنشغل حنة في البحث عن المقعد المتحرك كقطة محترقة الأطراف استبد بها الغضب بينما تأخذ الرحمة في قلب ماكسين وهي تتطلع إلى نونو الذي يغط في نوم عميق حتى يستيقظ على صوت حنة وهي تصرخ تبحث عن الكرسي في كل اتجاه وينهض نونو من مقعده بجهد جهيد وقد اختلط عليه الأمر ويضرب الأرض بعصاه شارعاً في تلاوة قصيدة... الحب أغنية قديمة معروفة.. يغنيها عازف مخمور.. وتندفع إليه حنة لتوقف قراءة القصيدة بينما تلح عليها ماكسين في الجلوس والهدوء لتصفية المشكلة التي حدثت بكل ود.. بينما يتابع ثعلب الكنيسة شانون الموقف من بين فجوات الأشجار القريبة من الشرفة ليتأكد أي الخصمين أقوى وبعد ان يعود الهدوء من جديد إلى حنه وماكسين التي لاتخفي تعاطفها الشديد مع حنة حيث أثارت كلماتها كل العواطف دفعة واحدة، عندما قالت أنني أفهم هذا يامس فولك، لقد فقدت زوجك حديثاً وربما تفتقدينه أكثر مما تعتقدين وتجد ماكسين الفرصة سانحة للدخول إلى صلب المشكلة التي تعتقد أنها بدأت جذورها بالامتداد، المشكلة خاصة بشانون وتسأل حنة هل تعني بذلك حالته العصبية ومن جديد تقر ماكسين الدخول في مواجهة حاسمة مع حنة لا أقصد شانون فحسب أريد منك ان تبتعدي عن طريقه ياعزيزتي أنت لاتصلحين لشانون وشانون لا يصلح لك، وتحاول حنة ان تبعد عنها تلك التهمة الا ان ماكسين بذكاء الأنثى تؤكد لها أنها أحست بالذبذبات التي كانت تسري بينهما أنني ماهرة جداً في التقاط الذبذبات التي تصل بين الناس ومن المؤكد ان ذبذبة ما قد جرت بينك وبين شانون في تلك اللحظة التي وصلتما فيها إلى هنا ،، ان هذا هو مجرد سوء الفهم الذي تسبب في حدة ماكسين التي لاتتوقف عند ذلك بل تبدأ معها في عملية المساومة وتكشف لها بذلك عن رغبتها إذا ابتعدت عن شانون يمكنك ان تظلي أنت وجدك هنا لأي وقت تشائين وترفض حنة تلك التهمة فهي ليست امرأة لعوباً كما تظن ويحتدم بينهما النقاش حتى يقترب شانون من جديد مهدداً ماكسين لقد قلت لك لاتضاعفي من توتر أعصاب الناس ذوي الإحاسيس المرهفة ويتجاوز بذلك ماكسين باتجاه حنة يقدم لها سيجارة فاخرة وينقل الحديث عن السجائر الفاخرة ويقول بزهو كبير أن الترف الوحيد في حياته هو امتلاكه سجائر مستوردة في علب من صفيح محكمة الإغلاق كما انه لايخفي إعجابه الكبير بها حيث يقترب منها أكثر ويهمس لها، أنها سيدة حقاً وعظيمة وتمتاز بنكران الذات وتسأل نفسها عن الكيفية التي تستطيع بها مساعدة شانون في مواجهة مايحاك له وتفجر كلماتها عواطف صادقة في أعماق شانون الذي يحدثها بصوت تخنقه العبرات لقد عرفت الآن سبب مجيئي إلى هنا لألتقي بشخص يود مساعدتي ياآنسة جيلكس ويستدير عنها في مقعده وبشكل سريع مشوب بالحرج كما لو كان يود ان يتجنب رؤيتها لعينيه وهما مغروقتان بالدموع في الوقت الذي تنظر إليه حنة بثبات وحنان كما تفعل مع جدها نونو وتجد لديها الشجاعة لتعليل حالته. لقد كنت مشغولاً بالصراع الدائر في نفسك فلم تلحظ الناس عندما أرادوا مساعدتك بالقدر البسيط الذي يستطيعونه..‏

أنني أعرف أناساً يعذبون بعضهم بعضاً مرات عديدة وكأنهم شياطين، ولكنهم في بعض الأحيان يرون ويعرفون بعضهم بعضاً وعند ذلك تحدوه الرغبة إذا كانوا انقياء السريرة بأن يساعد كل منهم زميله لأقصى ما في طاقته من جهد. والآن هل تتفضل بمساعدتي أنتبه لنونو حين أرفع لوحاتي في شرفة الملحق المرفق بالفندق العاصفة تقوى الآن شيئاً فشيئاً، وعندما تبدأ العاصفة ينجح شانون في انهاض الرجل الهرم عن معقدة ويقوده إلى خلف الشرفة في الوقت ذاته تسرع حنة في اتجاه المبنى الملحق بالفندق يسرع الصبيان المكسيكيان برفع الأشياء من فوق المائدة ويقومان بطيها ووضعها بجانب الحائط يستدير شانون ونونو ويواجهان العاصفة كرجلين باسلين يجابهان فرقة الاعدام بينما تستمر العاصفة في اشارة رمزية لماسيحدث في الفصل الثالث حين ينهمك شانون بشكل محموم في تدبيج مجموعة من الخطابات بعضها إلى اسقف الكنيسة، بينما تجلس حنة في حجرتها على مقعد منتصبة تمسك كتاباً صغيراً تنظر من فوق إلى شانون بنظرات ثابتة كأنها ملاك حارس ينسدل شعرها على كتفيها بينما يهتز نونو مع أيقاع الشعر يعيد تلاوة ابيات أول قصيدة كتبها منذ مايقارب من عشرين سنة والتي يعتبرها أنها ستكون أخر ما ينظم ويشغل اهتمام شانون بكتابة تلك الرسائل ماكسين حتى تعرف أنها رسائل موجهة لعمد مدرسة اللاهوت في سيواني وتكشف لشانون عن رغبتها في عرض الفندق للبيع والعودة إلى أمريكا لتدير معسكراً للسائحين في منطقة عامة تتسم بالحيوية وتؤجر الكبائن لكبار رجال الأعمال .." لقد بلغنا مرحلة يتعين علينا فيها ان نستقر " وهنا تريد ان تلف قيداً قوياً حول رقبة شانون الذي يرفض عرضها بكل هدوء.لاأريد أن أتعفن " وترد عليه بقوة " لن تتعفن.. أنني أعرف تأريخك النفسي، واذكر لك محادثة مع زوجي على هذه الشرفة حيث رويت له في الحديث خطوة خطوة مااقترفت من آثام في صباك .. وأنت تعد نفسك لخدمة الكنيسة.." ان ماكسين تلمح له بالتهديد لكشف جميع أوراق الماضي التي يحاول أخفاءها وهي بذلك تشعر بأن عليها ابعاده عن الكنيسة كي تحتفظ به إلى الأبد كما تحتفظ بتلك الذكريات عن ماضي حياته.." كيف تستطيع العودة إلى الكنيسة ووراءك سجل حافل وهناك أيضاً تهمة اغتصاب قانوني معلقة فوق رأسك منذ كنت في تكساس، إلا إذا كنت تنوي الذهاب إلى كنيسة الزنوج.. وبصحبتك زنجية صغيرة السن وافرة الحيوية تفترش معها فراشاً من القش على أرضية الكنيسة وعند وصول "لاتا" لاستلام الركاب الذين يقيمون بالفندق يصر شانون بأن مفتاح السيارة سيظل معه والركاب لن يتحركوا من الفندق ألا بأمره ويحاول "لاتا" بكلمات مهذبة ان يحصل على المفتاح من شانون، الا ان شانون يتمسك بموقفه ويصرخ في وجهة المفتاح هنا في جيبي، حاول ان تحصل عليه ايها السمين.. وماكسين تحاول تأجيج الصراع بينهما لتحسم الموقف ببقاء شانون معها.. وتشعر بارتياح كبير عندما تسمع "لاتا" يهدده .."‏

لاتضطرني إلى استدعاء سائق السيارة إلى هنا، ليمسك بك حتى أنتزع المفتاح منك بقوة أتريد ان ترى البرقية المرسة من شركة"بليك" أليك ويعترض شانون على البرقية ويدعي أنها مجرد أتفاق قذر تم من جانبه،، في حين يردد شانون "حسناً لقد أخذت مفتاح السيارة بالقوة، أشعر الآن بالتحرر من كل مسؤولية،، خذ السيارة والسيدات بداخلها وأذهب بهن.. اسمع ياجيك هل علمت ان تكساس مليئة بالنساء المصابات بالشذوذ الجنسي وانه لولا السدود لغرقت سهول تكساس في ماء الخليج " وهو يقصد هنا الآنسة فيلوز التي تندفع بشراسة تجاه شانون وتصفعه بقوة وعندما يطالب مبعوث الشركة ان يقدم له المكافأة التي تساعده في تعويض الأضرار التي لحقت به يجيب لاتا" ان الشركة ستجد لزاماً عليها ان تعيد لهؤلاء السيدات نصف نفقات الرحلة تلك هي مكافأتك كذلك فقد قالت لي الآنسة فيلوز أنك حصلت على مبلغ كبير من المال من تلك الفتاة الصغيرة التي اغويتها وتتهمه الآنسة فيلوز بأنه غرر بتلك الفتاة المسكينة وصحبها إلى أماكن غير متفق عليها في الرحلة بينما يندفع شانون إلى جدار الشرفة منادياً شارلوت الأمر الذي يدفع الآنسة فيلوز لدفعه بعيداً عن جدار الشرفة ويشتد في هجومه على لاتا.." ان شركة بليك لم تكن شيئاً يذكر حتى دخلت في خدمتها، اتظن انهم سيتخلون عني لقد اختلط عليك الأمر، الم تر النشرة التي يذكرون فيها ويفاخرون بأن هناك رحلات خاصة تحت اشراف الأب ت. لورانس شانون الحاصل على الدكتوراه في اللاهوت والرحالة العالمي المشهور والمحاضر وابن الكاهن وحفيد الأسقف وسليل اثنين من حكام المستعمرات" وعندما تظهر الآنسة فيلوز يزداد التوتر حين تعلن أمام الجميع وبصوت فيه نذير " شانون لقد ركبت الفتيات السيارة ونريد أن نرحل الآن ولذا فعليك ان تسلم ذلك المفتاح الآن" وكذلك يفعل هانك الذي كان شانون يتوقع وقوفه إلى جانبه، لكن الموقف تصاعد بشكل لم يكن يتوقعه لقد وجد الجميع يقفون له بالمرصاد حتى يصرخ في وجه هانك "اوه" اذن فأنت عدو، لقد خاب أملي ياهانك ظننتك صديقاً لاعدواً هكذا تحول الجميع إلى اعداء..‏

كالبرق يهجم هانك ويكتف شانون ويتقدم لاتا ليخرج المفتاح قائلاً " لقد تجرأت على مناداتها والحديث إليها والاقتراب منها أيها القذر، الق بموعظتك من فوق المنبر أيها الأب المعزول، لقد اقصيت عن كنيستك بتهمتي الإلحاد وغواية الفتيات الصغيرات، هيا عد وارقد في ارجوحتك" ويهبط شانون اسفل الرابية حيث يشتبك بالأيدي مع هانك ولاتا" وعندما شاول ماكسين ان تحاول بينه وبين تنفيذ مايريد، يقول لها ان شانون لايطيع الا شانون، لكن ماكسين تهدده من جديد وتكشف أسرار جديدة عن ماضي شانون" ستقول قولاً آخرا إذا وضعوك حيثما وضعوك في عام 1936 اتذكر ياشانون .. اذهب إلى غرفتك وابق هناك حتى أعود " وتندفع باتجاه سفح التل تبحث عن النساء لأنهن لم يدفعن أجرة الفندق ويجاهد شانون لفك السلسلة التي يعلق فيها الصليب على عنقه ويطلق صيحة حيوانية تدفع حنة لتقترب منه مسرعة وتحاول أبعاد السلسلة عن رقبته وتضحك بفرح غامر" لقد أفلحت ونزعتها" ويرد شانون أشكرك احتفظي بها.. الوداع" وترتاب حنة في أمره إلى اين أنت ذاهب؟ فيجيب وهو يسرع باتجاه البحيرة" سأذهب لاسبح في البحيرة حتى الصين.. وتهرع حنة وقد أصابها قلق كبير لتخبر ماكسين ولاتمضي دقائق إلا ويري شانون مدفوعاً من الخلف بأيدي ماكسين والصبيين خلال الشجيرات يوثقونه بالحبال في الأرجوحة، ولايبدي شانون أية مقاومة فعلية وتقف حنة تطالع مايجري أمامها على حين يشتد وثاق شانون وهو يتنفس بصعوبة وتهمس لماكسين ان الحبال شديدة الضغط على صدره، أنه يبدو وسط الحبال كهندي احمر استطاع الخصم ان يمسك به ويشد وثاقه لكسب اعتراف مهم أو لانتظار لحظات التعذيب لكن ماكسين لاتتجاوب مع دعوة حنة،" لاليست كذلك أنه يمثل، اني أعرف ابن السفاح الايرلندي هذا معرفة لايدركها سواي ولذلك فلا تتدخلي ياعزيزتي أنه ينهار على هذا النحو بشكل دوري لدرجة تستطيعين معها ان تحددي تأريخ ذلك بالضبط، انه يفعل ذلك كل ثمانية عشر شهراً وقد فعلها هنا مرتين ووجدت لزاماً على ان انفق الأموال على علاجه" سأتصل الآن تليفونياً بالمدينة لأطلب طبيباً ليأتي إلى هنا ويعطيه حقنة مخدرة فإذا لم يتحسن غدا فسوف يدخل مستشفى المجاذيب ثانية مثل ما فعل في المرة الأخيرة التي انهار فيها على يدي..، ويرتفع نداء شانون متوسلاً إلى حنة بالجلوس بالقرب منه كي يراها ويطلب منها ان تظل تتكلم كي يستطيع ان يقاوم الرعب مما يدفع حنة لأن تضع مقعداً إلى جانب ارجوحته عندما تظهر جماعة النزلاء الألمان الذين يبدون ابتهاجاً كبيراً للمشهد الذي يدور أمامهم حيث يعتقدون ان مايجري هو مشهد من مسرحية أو فيلم سينمائي ويتجمعون حول جسد شانون الأسير كما لو كانوا يراقبون حيواناً مسلياً في حديقة الحيوان ولا يكفون عن الضحك باستخفاف، وتطلب منهم حنة أن يذهبوا ويتركوا المسكين شانون وشأنه ويتظاهرون بعدم فهم مقصدها، تنحني السيدة فارهر فانكيوف على شانون في ارجوحته وتتحدث إليه بالانجليزية بصوت عال وتسأله بسذاجة عن أمور تافهة حصلت بينه وبين السيدات القادمات من تكساس وتضيع احتجاجات حنة الغاضبة في خضم ضحكات الألمان ويلتفت شانون إليهم ويطلق تعليقات وقحة بينما تصرخ المرأتان مستهجنتين وترتمي هيلدا بين ذراعي ولفجانج الذي يتلقاها واضعاً يديه على نهديها العارييين تقريباً وتستنجد حنة بماكسين لكي تطلب من هؤلاء الأوباش ان يتركوا شانون وشأنه فهم يعذبونه كما لو كان حيواناً في شرك ويشرع الألمان في الدوران حوله وهم يتضاحكون ويتواثبون بمرح ويطلق شانون في تلك اللحظات صرخات العذاب القاتل والخوف "نكوص إلى مرحلة الطفولة، الاحتجاج الطفولي عن الغضب من الآلام والغضب من الله والغضب من المهد ذي السياج، الغضب من كل شيء، يستمر صراخ شانون كعواء الذئب حتى يختفي الجميع باستثناء حنة التي تقف إلى مقربة منه تتابعه وعندما يطلب شانون منها ان تتدخل لتحل وثاقه ترفض وتقول "ليس الآن" لزام عليك أن تطيقه فترة من الوقت بينما يقول شانون بصوت مخيف يبدو فيه الضعف والألم" ان هذه الحبال التي تشتد حول جسمي تجعلني اشعر بالرعب" وتؤكد له حنة بأنه حتى في الموت يجد متعة" وتتركه يفكر في كلماتها في أكثر من اتجاه وتدخل حجرتها الكائنة خلف ارجوحته مباشرة تضاء الحجرة وتخرج من حقيبتها الموضوعة على السرير ابريقاً صغيراً وعلبة شاي من الصفيح ثم موقداً يعمل بالكحول تغادر حجرتها عائدة ومعها هذه الأشياء ويسألها شانون : ماذا كنت تقصدين ؟ فتجيب بهدوء : لم أكن أقصد بهذا القول أي اهانة، أنها مجرد ملاحظة، لست أحكم على الناس، أنني ارسمهم، هذا هو كل ما أفعله، أرسمهم فحسب، ولكني لكي أرسمهم علي ان اراقبهم، ويجد شانون للمرة الأولى أفكاراً جديدة لدى حنة فهي تعتقد ان شانون يحب هذه الطقوس كما ترى ماكسين" تظنين أنك لاحظت ياآنسة جيلكس أنني أحب أن أوثق في هذه الأرجوحة أن أقيد فيها كخنزير يقاد إلى الذبح" وتتوغل حنة في أفكارها وهي ترسم صوراً جديدة تحاول فيها الاقتراب من تلك العوالم " من ذا الذي لايحب ان يعاني ويكفر عن خطاياه وخطايا العالم؟ إذا أمكن ان يتم ذلك في أرجوحة وعن طريق الحبال لابد من المسامير فوق رابية اشد جمالاً من الجلجلة، يكاد يكون هناك نوع من الاشباع الحسي في الطريقة التي تتلوى بها وتئن في هذه الأرجوحة بلا مسامير ولا دماء ولا موت " أليس هذا صلباً من نوع مريح نسبياً بل يكاد يكون أسلوباً مترفاً تعاني فيه ياسيد شانون من ذنوب العالم، في ليلة الأيجوانا هناك شخصيات تبدو غريبة بعض الشيء في تصرفاتها مريضة بالعصاب النفسي تبدو جميعها كنماذج بشرية في حالة احتضار دائم يشرق في أفق ايامها الأخيرة شعاع من الأمل مع بقاء الجو العام في المسرحية ذو نزعة انسانية مغلفة بالاتجاهات النفسية والجنسية التي امتاز بها مسرح وليامز تشعل حنة عود ثقاب لتوقد الموقد الكحولي الذي تنبعث منه شعلة من اللهب الأزرق الصافي لتلقي وميضاً مرتعشاً كأنه من عالم آخر على موضعهم من الشرفة يتكسر الوميض على ثوبها الرقيق ذي الألوان الباهتة هذا الثوب الذي تلقته هدية من راقصة في مسرح الكابوكي كانت قد وقفت أمامها لتصورها في اليابان، يعاتبها شانون ويسأل عن سر انقلابها فجأة في الوقت الذي يحتاج موقفها إلى جانبه فهي مختلفة تماماً عن ماكسين ويعتقد بشكل مطلق أنها ذات قيم إنسانية وتجارب تتفق مع حس الإنسان الحالم بالنقاء إنها لازالت تعتقد بسلامة موقفها فهي لم تنقلب ضد شانون بل هي تحاول اطلاع شانون على صورته الداخلية بكلمات بدلاً من ألوان الباستيل أو الفحم " بينما يتهمها بظهور اتجاهات العوانس على سلوكها فجأة ويصفها بأنها ليست عديمة النوازع الجنسية حيث استحالت على حين غرة إلى امرأة، انها تستمتع بوضعه المقيد" جميع النساء يردن رجلاً مقيداً سواءً اعترفن بهده الرغبة أم لم يعترفن. انهن يسعين لذلك الأمر طوال حياتهن ليضعن رجلاً في القيد وبذلك تتحقق أحلام حياتهن ويشعرن بالرضا آخر الأمر حين يضعن رجلاً أو أقصى عدد يستطعنه من الرجال في وضع مقيد" وتشعر حنة بأن كلمات شانون تعبر عن معاناة خفية بدأت تظهر بوضوح كما ظهر معها الضعف والاقرار بطلب المساعدة حيث تستعيد حنة حالتها الطبيعية وتعود إلى الموقد وتتخذ قرارها الذي انتظره شانون كثيراً فهي تذكر ان شانون اطلق يديها من قيود الفقر والحاجة إلى النقود ولذلك تود ان ترد اليه الجميل" اني أود ان أحل وثاقك الآن وفوراً، ولكن دعني انتظر حتى تجتاز هذه الأزمة الحالية " وتستغل هذا القرار لمعرفة السبب الذي دفع شانون لكي يقود تلك السيارة الممتلئة بالنسوة من كلية البنات في تكساس، مع كونها لا تحب تلك النسوة مثله تماماً لكنها تعيب عليه ذلك الموقف...‏

الذي لايتفق مع هدفهن حيث ادخرن نقودهن طوال العام ليقمن بتلك الرحلة، فنزلن في فنادق فاسدة الهواء وتناولن الطعام الذي اعتدنه، لقد اردن ان يشعرن بأنهن في بيوتهن وهن بعيدات عنها" لكن شانون أرخى لنفسه العنان وقاد الرحلة وكأنها نظمت من أجله هو كي يتمتع بها" ويعترض شانون على ذلك ويؤكد لها أنه لم يشعر بالمتعة في تلك الرحلة بل هي كانت أشبه بالجحيم المدمر، تمزقت فيها جميع عواطفه وأحاسيسه وشعر بأنه مسخ حقير وليس إنساناً تستقر فيه قيم وأفكار الكنيسة. كانت الرحلة عبارة عن جحيم طوال الطريق وترد حنة بالاتهام القديم" ألم تسر عن نفسك بين الحين والأخر بصحبة المعجزة الموسيقية الصغيرة التي كانت في حماية مدرسة الغناء بالكلية" وازاء الانتظار المرير داخل تلك القيود يستعيد شانون هدوءه وينقل الحديث إلى اتجاه آخر متحاشياً الخوض في تفاصيل تلك العلاقة الآثمة مع الفتاة الصغيرة" أكاد اجزم انك تعدي أناء من الشاي هناك" هل خطر لك ان هذا هو الوقت المناسب لأقامة حفل شاي" وتعترف حنة أنها تعد بذور شاي الخشخاش وعندما يسألها هل هي مدمنة على تعاطي تلك البذور تجيب " انه شراب خفيف مهديء يساعد المرء على اجتياز الليالي التي يصعب عليه اجتيازها، وأنا أقوم بإعداده لجدي ولي ولك أيضاً ياسيد شانون لأنه لن يكون من السهل على ثلاثتنا قضاء هذه الليلة، الاتسمعه في صومعته رقم (4) يتمتم بأبيات قصيدته الجديدة مرة بعد مرة، ان حالته شبيهة بحالة رجل كفيف البصر يصعد سلماً يفضي إلى لاشيء أو ينتهي فحسب إلى الفراغ وإني لأكره ان أقول ماهو" يقاطعها شانون وقد لمعت في ذهنه فكرة يعتقد ان فيها الخلاص من عقبة كبيرة تقف في مجرى حياة هذه الإنسانة الرقيقة حيث يطلب منها ان تضع في الليل بعض نبات الشوكران في شايه المخلوط ببذور الخشخاش حتى لايستيقظ في الغد اثناء نقله إلى ملجأ العجزة " قومي بهذا العمل من أعمال الرحمة ضعي الشوكران وسوف أكرس الشاي فأحوله إلى دم الرب، اللعنة لو أنك أخرجتني من هذه الأرجوحة لقدمت إليه الكأس بنفسي ولأصبحت شريكاً لك في هذا العمل الرحيم سأقول. خذ واشرب هذا دم " وتعترض حنة على طريقة تفكير شانون ومعالجته لموضوع نونو جدها .. كف عن هذا ياشانون، كف عن ان تكون قاسياً بطريقة طفلية لايمكنني أن اساند شخصاً احترمه عندما يتحدث ويتصرف كطفل صغير قاس ياسيد شانون إني احترم الشخص الذي فرض عليه ان يناضل ويرفع صوته دفاعاً عما يتحلى به من سلوك مهذب، ويكتشف شانون لأول مرة في كلمات حنة صفة الأحترام وتعتقد أنه يملك السلوك المهذب الذي يتجاوز كل تلك العذابات التي خلقتها الحياة وزرعتها في أعماق النفوس الضعيفة، انها تدقعه للإيمان بالأفكار الجيدة التي تنبت في أعماق الإنسان مع الناس وقت ميلادهم ولاتنزعها بعد ذلك عذابات الأرض .. ويسألها بذهول هل هي حقاً تحترمه فتجيب نعم.. فيرد ولكنك ذكرت منذ حين أنني استمتع بصلب مترف لاتستخدم فيه المسامير نوع من التكفير بلا ألم، ويعيد عليها رغبته في حل وثاقه، الا أنها تطلب منه ان يتذرع بالصبر لكن شانون يلح في طلبه " حلي وثاقي الآن.. الا أنها تلتزم بموقفها، ليس الآن ياسيد شانون، ليس الا بعد أن أتأكد بشكل معقول أنك لن تذهب إلى الصين سباحة لأنني كما ترى أظن أنك تعتبر سباحة المسافات الطويلة إلى الصين بمثابة نوع آخر من التكفير دون ألم.. أقصد أنني لا أظن أنك تدرك ان اسماك القرش وأسماك الباراكودا سوف تقطع عليك الطريق قبل ان تتوغل بعيداً عن الشعب الصخرية واعتقد ان ذلك سوف يحدث فعلاً" ان الأمر بهذه البساطة إذا كان هذا الأمر بسيطاً" ويجد شانون الطريق ممهداً للاقتراب أكثر من قلب حنة" حسنا ياآنسة بوذا الانثوية النحيلة الواقفة على قدميها، أرجوك ان تشعلي لي سيجارة بنسون وهيدجز وتضعيها في فمي ثم ترفعينها عندما تسمعينني أختنق بدخانها، إلا إذا بدا لك ذلك كنوع آخر من أنواع الصلب الذاتي المترف" وتسعى حنة لتنفيذ تلك الرغبة تنظر حولها على الشرفة تبحث عن علبة سجائر شانون وتتوجس بعض القلق من ماكسين التي خبرت نواياها في المواقف السابقة وتسأل حنة شانون عن مكان وجود علبة السجائر ويخبرها بوجود في جيبه ويضع حنة في حيرة أي جيب يقصد وعندما تبحث في جيب سترته يخبرها بخبث واضح ان السجائر موجودة في جيب سرواله حيث تتردد لحظة في وضع يدها في جيب سرواله يراود حنة دائماً شعور بالضيق والتردد من أي علاقة جسدية حميمة غير أنه بعد لحظة التردد الذي ينبيء عن الضيق، تضع يدها في جيب سرواله وتخرج علبة السجائر، وعنما يصل إليها صوت شانون بلهجة آمرة" اشعلي لي سيجارة وضعيها في فمي" تذعن لهذه التوجيهات وتشعل السيجارة وتضعها في فمه حتى يختنق في الحال وتصرخ حنة" لقد تركتها تسقط عليك، اين هي " ويشرع شانون في مقعده يتلوى ويتواثب في أرجوحة القيود ويصرخ بصوت كمن يحترق" أنها تحتي .. تحترق... حلي وثاقي استحلفك بالله حلي وثاقي إنها تحرقني من فوق سروالي ويشتد صراخه كي تنجح حيلته التي يعتقد أنها فعلاً سوف تجنبه الحبال حتى تعلن حنة أنها وجدتها غير ان صياح شانون يكون سبباً في خروج ماكسين من مكتبها وقد تبادر إلى ذهنها أنها تسمع أطفالاً يلعبون لعبة وقحة فتندفع إلى الشرفة وتجلس على ساقي شانون وهي تصرخ. أسمع الآن ايها القرد الإيرلندي المجنون، ايها الإيرلندي البروتستانتي المعتوه، لقد تحادثت تليفونياً مع لوييز، الدكتور لوييز، اتذكره، هذا الرجل الذي يرتدي السترة البيضاء المتسخة والذي جاء إلى هنا في آخر مرة أصبت فيها بالانهيار؟ ثم حولك إلى مستشفى المجاذيب حيث القوا بك في تلك الزنزانة الخالية الا من دلو وقش ومأسورة مياه وأنك تسلقت مأسورة المياه زحفاً ثم هويت على راسك وارتطمت بالأرض فأصبت بارتجاج في المخ أجل ولقد عدت هنا ثانية لتنهار مرة أخرى فإذا لم تهدأ الليلة فسوف تحول حتماً في الصباح إلى المستشفى ويقاطعها شانون وقد استحضر جميع تلك الصور المرعبة التي يختزنها في مخيلته عن تلك اللحظات المرعبة والمؤلمة فيصرخ بصوت يشبه صياح أوزة مذعورة ابعدي عني.. ابعدي عني.. وعندما تدخل حنة في الحوار وتطلب من ماكسين ان تترك شانون وشأنه لأنه لن يهدأ إلا بعد ان يترك طليقاً من أرجوحته، ترد ماكسين بلغة التحدي والعجرفة التي رافقت كل تلك الأحاديث التي دارت بينها وبين حنة" اذن لماذا لاتتركينه أنت وشأنه" وترد حنة ان شخصاً مايجب ان يعنى بالسيد شانونوتطلب منها ان تتركه وتنهض من فوق ساقيه لكن هذه الكلمات تثير حقد ماكسين أكثر من الأول حتى تقول حنة بثبات لقد مرت بي يامسز فولك منذ زمن طويل تجربة مع شخص كان يعاني من نفس حالة السيد شانون ولهذا فإنني أعلم ضرورة بقائه هادئاً لفترة من الوقت، انني اهييء كوباً من الشاي المهديء له يامسز فولك وتأمرها ماكسين بإطفاء الموقد، هنا لايسمح لأحد بالطهي، وترد حنة بأن هذا ليس الا موقداً كحولياً صغيراً وتتقدم ماكسين يمتلكها الغيظ تنفخ اللهب تحت الموقد، لكن شانون يحذر ماكسين كفي عن اضطهاد هذه السيدة .. أنك لاتستطيعين بث الخوف في قلبها، ان المستهترة لايمكن ان تكون نداً للسيدة المحترمة إلا فوق سرير من نحاس وفي بعض الأحيان لاتدانيها حتى في ذلك المكان وبعد ان تسقيه حنة من شاي البذور يجده مر المذاق ويصفه بأنه يشبه شراب الساحرات في مسرحية ماكبث ويتلوى فجأة إلى الأمام ويفك الحبال المرتخية ويصرخ بفرح لقد خرجت، أصبحت حراً بلا مساعدة وترد حنة بالإيجاب فهي لاتشك بأن شانون يستطيع ان يساعد نفسه في تحريرها من القيود ويشكرها على معونتها المعنوية التي جعلته يتحرر من تلك القيود وعندما يتجه شانون إلى عربة الشراب تؤكد له حنة ان مشكلته ليس الشراب بل هي ضرورة البحث عن الإيمان بشيء وهي أقدم مشكلة موجودة في العالم حيث توصلت حنة إلى شيء تؤمن به وسألها هل تقصد في أيمانها بالله تجيب حنة لا.. الإيمان بتحطيم الأسوار التي تفصل بين الناس حتى يستطيعوا الاتصال ببعضهم البعض، ولو كان ذلك لليلة واحدة يتواصلون فيها في شرفة خارج غرفهم المنفصلة، ويود شانون ان يعرف تفاصيل أخرى عن ذلك الشخص الذي تدعي حنة أنها ساعدته منذ زمن بعيد حيث كان يعاني من انهيار عصبي شبيه بما يعاني هو الآن تقول له بإمكاني مساعدتك لأنني عانيت ماتعانيه أنت الآن لقد عانيت من شيء شبيه بشبحك وان كنت قد اطلقت عليه اسماً مختلفاً، لقد دعوته بالشيطان الأزرق، أوه" كانت معركة كبيرة، لم أكن استطيع ان اخسر، لقد هزمت شيطاني عندما أظهرت له أنني اسستطيع احتماله، وجعلته يحترم قوة احتمالي وينبهر القس الذي يعتقد ان أفكاره وتجاربه تفوق أفكار هذه الصغيرة المسكينة، والتي تواصل الحديث عن تجربتها عندما تقول" ان قوة الاحتمال شيء تحترمه الأشباح والشياطين الزرق كما أنهم يحترمون كل الألاعيب التي يلجأ إليها الناس المذعورون ليصمدوا أمام ذعرهم ويتغلبون عليه كل شيء نتعاطاه حتى نهرب منهم ثم نستطيع المضي قدماً إلى الأمام مثل الأسفار في العوالم التحتية ورغم ان حنة منسجمة في سرد افكارها عن عوالم الجن والأشباح لكنها تنتبه إلى شانون وترى أنه غير منتبه إليها، اذ ينظر في توتر إلى شيء خارج الشرفة، أنه ذلك النوع من الشرود الذي يحدث في حالات الجنون والذي يتركز من خلاله الذهن ولايتوه، تلتفت ناظرة إلى حيث ينظر وتسأله" إنك لاتنصت اليس كذلك" ويرد شانون بنبرة الجنون، ان الشبح قابع في الغابة ويلقي فجأة بقشرة الجوز بعنف شديد خارج الشرفة فيسبب بذلك جلبة بين طيور الادغال ويصرخ " ضربة محكمة، لقد اصابته في فمه مباشرة فتطايرت اسنانه كحبات الذرة وترد حنة بسخرية هل ذهب إلى طبيب الأسنان ويسترسل شانون" لقد تراجع قليلاً إلى الوراء لبرهة من الزمن ولكن عندما اطلب في صباح الغد فطوري فسيأتي به إلي وعلى فمه ابتسامة كالحة.. ابتسامة يتخثر لها اللبن في فنجان القهوة ولسوف تفوح رائحته الكريهة كأنه.. أمريكي شرب حتى ثمل في سجن مكسيكي وظل يتمرغ في قيئه طول الليل..‏

وتتحدث حنة عن ازمة نفسية حدثت لها في صدور الشباب ولكنها كانت سعيدة تعتقد ان عملها ساعدها في العلاج والشفاء من ذلك المرض حيث كانت ترسم النماذج البشرية وبذلك تمكنت من النظر خارج نفسها لا داخلها " لقد بدأت المح شيئاً فشيئاً عند الطرف البعيد للنفق الذي كنت أناضل للخروج منه، بدأت ألمح هذا الضوء الرمادي البالغ الشحوب .. ضوء العالم الكائن خارج نفسي وظللت أرقى طريقي صعوداً إليه حيث الضوء الأبيض يعتبر بمثابة ضوء عظيم تستقبله عيناك عند نهاية نفق طويل معتم كنت تظنه بلانهاية أو كنت تعتقد أنه لاسبيل إلى الخلاص منه الا بأحد أمرين، إما الله، وأما الموت ويستغرب شانون ذلك الحديث عن عدم ثقتها بوجود الله" وتعلل تلك الفكرة التي سيطرت عليها والتي جاءت من تلك المهنة التي تشغل معظم وقتها حين تعلمت التدقيق في الوجوه عن قرب حتى تستطيع التقاط شيء فيها قبل ان تضيق ذرعاً وتنادي " الحساب أيها الساقي. اننا راحلون حيث تصف تلك اللحظات بدقة عندما تقول أرى في بعض الأحيان وجوهاً أدمية، بل ارى كتلاً من العجين المبلل ودوائر هلامية في مكان العيون عند ذلك أشير بطرف خفي إلى نونو ليلقي تلاوة من شعره لأنني اعجز عن تصوير مثل هذه الوجوةه ولكن تلك الوجوه ليست مألوفة ولست أظن حتى أنها وجوه حقيقية، ففي أغلب الأحيان استطيع بالفعل أن أرى شيئاً واستطيع التقاطه، استطيع ذلك مثلما التقطت شيئاً في وجهك عندما رسمتك هذا المساء بعينين مفتوحتين وتواصل حنة حديثها وكأنها أصبحت تحت تأثير الهام الفن كما ان شانون يتابع تلك الكلمات مبهوراً بشكل كبير حتى تسرد له حديثاً عن دار المحتضرين في سنغهاي التي يدخلها المسنون المفلسون الذين يصحبهم إلى هناك أولادهم وأحفادهم وكيف أنها صدمت أول مرة عندما ذهبت إلى" هناك وخرجت تعدو بعيداً وكأن بها مساً من الجنون ولكنها عادت بعد ذلك ورأت أولادهم وأحفادهم والمشرفين على الدار وقد وضعوا قرب حشايا الموت التي يرقدون عليها بعض الأشياء المريحة البسيطة مثل الأزهار الصغيرة والحلوى الممزوجة بالأفيون وبعض الرموز الدينية وقد مكنني هذا من البقاء لرسم وجوههم المحتضرة في بعض الأحيان لم يكن فيهم من شيء على قيد الحياة إلا عيونهم ولكن عيون المحتضرين المفلسين الذين كانوا يرقدون إلى جوار تلك الأشياء المريحة البسيطة تلك العيون كانت تنتظر بآخر ماتبقى فيها من وميض الحياة الخافت كأصفى ماتكون النجوم في برج الكواكب الجنوبي وتقترب حنة أكثر من شانون " سأقول لك ياشانون شيئاً يبدو وكأنه لايمكن أن يصدر إلا عن امرأة عانس حفيدة شاعر رومانسي من الدرجة الثانية، لم يحدث لي على الإطلاق ان رأيت شيئاً بدا لي في جمال هذه العيون ولا حتى المنظر الذي تطل عليه هذه الشرفة والذي يمتد مابين السماء والشاطيء ذي المياه الصافية ومنذ وقت غير بعيد، بدأت عينا جدي تنظران إلى نفس تلك اليـ".. وتتوقف فجأة وتتجه إلى مقدمة الشرفة حيث تصل إليها أصوات غير مفهومة وتسأل شانون قل لي ما هذا الصوت الذي لا أكف عن سماعه هناك... ويخبرها بأن الصبيين المكسيكين اللذين يعملان هنا قد امسكا سحلية كبيرة تعرف باسم الأيجوانا وقيداها تحت الشرفة واوثقاها بأحد عوارضها وطبيعي إنها تحاول التخلص من قيودها فتصدر ذلك الصوت لكنها وصلت إلى آخر مدى يمكن أن يسمح به الحبل ولاتستطيع ان تبتعد أكثر من ذلك ثم يردد مقطع من قصيدة للشاعر العجوز نونو (عندما ينشيء طائر عشاً ليهجع فيه ويعيش فإنه لاينشئه في شجرة منهارة) وترد حنة معترضة على وصفها فتقول .. عندما ينشيء أحد أفراد هذا النوع الغريب من الكائنات عشاً في قلب فرد آخر فلن تكون مسألة الدوام هذه أولاً ولا حتى آخر المسائل التي توضع موضع الاعتبار .. أنا ونونو نتذكر باستمرار عدم دوام الأمور على حالها في الأونة الأخيرة فنحن مثلاً نعود أدراجنا إلى فندق كنا قد ترددنا عليه مرات عديدة من قبل فإذا به إثر بعد عين إذ به هدم وبني مكانه فندق من تلك الفنادق الجديدة التي تلمع بالزجاج والنحاس وللمرة الأولى يسألها شانون ماذا تفعل عندما يرحل الشاعر الكبير نونو عن الحياة.. هل تتوقف؟.. هل تغير مسيرة حياتها.؟ هل تختار هدفاً آخر؟( تأكلين وتسافرين وتسكنين لوحدك لعلها حياة موحشة جداً..) وترد حنة بالشكر إزاء العطف الذي يبديه لها شانون وتؤكد له أنها مضطرة في مجال مهنتها ان تعقد صفقات وصلات سريعة بالغرباء الذين يتحولون إلى أصدقاء بسرعة فائقة ويعيد شانون بخبث نفس السؤال" ماذا يحدث عندما تسافرين وحيدة بعد سنوات عديدة من السفر مع نونو، فتؤكد له بإنها ستعرف حقيقة شعورها بذلك عندما يحين الوقت المناسب وترفض فكرة الحديث عن الأيام الموحشة المليئة بالعذاب والأوهام ويواصل شانون بخبث مقصود، الحديث عن ذكريات الماضي ومهنته التي يتطلب فيها العمل والسفر دائماً بصحبة شحنات كبيرة من السياح تملأ القاطرات والطيارات والسيارات العامة حيث يؤكد لها (أنني لا أعجز أبداً عن خلق علاقة حميمة بشخص ما من الذين يسافرون ضمن جماعتي) وتجد حنة الوقت مناسباً من جانبها لتذكيره بتلك الحادثة التي حصلت مع أصغر الفتيات الصغيرات( لقد كنت في الشرفة هذا المساء عندما أظهرت آخر هؤلاء الفتيات الصغيرات مدى الوحدة التي تعود عليك دائماً من جراء مثل هذه العلاقة الحميمة تلك الحكاية التي جرت حوادثها في حجرة الفندق الرطبة غير الإنسانية ياسيد شانون، والتي من أجلها تزدري الفتاة بنفس القدر الذي تزدري به نفسك وعلى أثر ذلك تتصرف مع الفتاة بأدب كفيل في يقيني ببعث القشعريرة في عروقها وتلك الاهتمامات الصغيرة التي تختصها بها لقاء مامنحتك من متعة بسيطة وذلك السلوك الخليق بسيد مهذب من فرجينيا ذاك الذي تسطنعه إزاءها وما تظهر لها من معاملة يحدوها إحساس بالمسؤولية، لاتخدع نفسك بأنك في يوم من الأيام سافرت بصحبة شخص ما، لقد سافرت دائماً بمفردك لربما يتبعك شبحك الموهوم) ويحاول شانون ان يتخلص من تلك المناقشة التي وصلت إلى تشخيص دقيق لأفكاره الخفية فيقرر الذهاب لكي يسبح في الجزيرة وتتهكم حنة على ذلك القرار وهي تقول له اسبح إلى الصين، لكنه يؤكد لها أنه سوف يسبح للجزيرة القريبة ذات المشرب الحالم الذي يسمى بالهاديء وتستغرب حنة تلك الأجوبة والأفكار وتروادها أحاسيس غريبة، لكن شانون الخبيث يقطع عليها تلك التساؤلات ويقول لها بكل وضوح" لست ثملاً قدر الكفاية" ويود أن يسألها سؤالاً لايصفه بأنه غير مهذب وترد حنة التي تريد الوصول إلى أعمق نقطة في تفكير شانون ليس هناك أي قيد على الأسئلة هذه الليلة ويرد شانون بخبث أكبر من السابق وليس هناك قيد على الإجابات فتؤكد له حنة، ان لاوجود للقيود بينها وبينه وبعد الاتفاق على ان يكون التعامل من خلال هذا المبدأ تطلب منه حنة ان يرقد من جديد في الأرجوحة ويشرب فنجاناً من الشاي المخلوط ببذور الخشخاش وتؤكد له أنه أصبح الآن أكثر دفئاً ويدخل شانون إلى صلب مايفكر فيه تجاه حنة عندما يسألها (ألم يحدث أن كانت لكِ تجربة غرامية طوال حياتك) وتتصلب الدماء في جسد حنة لفترة من الوقت ويباغتها هذا السؤال المحرج الذي لم تكن تتوقعه، فيعيد شانون تذكيرها بأن الاتفاق يقضي بالحديث عن كل مايدور بالخاطر وترد حنه بأنه من الضروري عقد صفقة من شروطها، ان يشرب شانون فنجاناً كاملاً من الشاي المخلوط ببذور الخشخاش حتى يستطيع ان ينال مايحتاجه من نوم عميق ويرد شانون بأن مهما يحصل فهي لن تستطيع الإفلات من الاتفاق وتؤكد حنة بدورها أنها ليست من الذين يتراجعون عما يعقدونه من صفقات وبعد ان يشرب الفنجان كاملاً ويشعر بالتقزز ويصرخ بصوت قوي" ياشبح قيصر العظيم" ويطوح بالفنجان من الشرفة ويلقي بنفسه على الارجوحة وهو يكتم ضحكة قوية ويطلب منها ان تقترب منه أكثر فأكثر ويعيد عليها نفس السؤال السابق وتؤكد له ان اجتياز هذه الليلة صعب ثم تكشف له أنها خاضت تجربتين ويحاول شانون أن يبدي اعجابه بذلك لكن حنة تستمر بالتفاصيل (لانقل رائعاً قبل ان اقص عليك القصتين،، عندما كنت في السادسة عشرة من عمري وهي السن التي تفضلها يا سيد شانون كان جدي نونو يعطيني في مساء كل يوم سبت ثلاثين سنتاً وهو مصروفي أو أجري لقاء ما كنت أؤديه من واجبات السكرتيرة وادارة شؤون البيت، وكنت أدفع خمسة وعشرين سنتاً ثمن تذكرة الدخول إلى حفل المساء يوم السبت في سينما نتاتاكت" وخمسة سنتات لقاء كيس من الفشار، لقد كنت أجلس في الصفوف الأخيرة من الصالة وهي التي تكاد تكون خالية من الرواد حتى لايؤدي مضغ الفشار إلى مضايقة المتفرجين" وفي أحدى الامسيات جلس شاب إلى جواري والصق ركبته بركبتي وابتعدت عنه بمسافة مقعدين ولكنه انتقل إلى جانبي واستمر في هذا وقفزت صارخة والقي القبض عليه بتهمة معاكسة فتاة قاصر" وأزاء هذا الاعتراف الذي يشابه اعتراف المذنبين بالكنيسة يبحث شانون مرة أخرى في تفاصيل التجربة الثانية حيث ان التجربة الأولى لم تمس حدود العفة، كما يقول لها لذلك يصر على سماع تفاصيل التجربة الثانية والتي تعتبرها حنة أحدث بكثير فهي وقعت منذ عامين حيث حصلت في فندق قديم في سنغافورة عندما كانت حنة مع جدها نونو يجتهدون في تغطية نفقاتهم المعيشية وفي أحدى الأمسيات التقينا في فناء النخيل الملحق بالفندق بتاجر استرالي من أولئك الذين بلغوا أواسط العمر والذين يصعب تحديد هويتهم ، أنت تعرف هذا النوع من الناس فهو ممتلئ الجسم أصلع الرأس يحاول عبثاً أن يتحدث بلهجة ارستقراطية ويزيل الكلفة بينه وبين الناس بطريقة مفزعة، كان بمفرده تبدو عليه الوحدة، وقرأ عليه جدي قصيدة وصورته إنا في اسكتش سريع تملقته فيه بطريقة فاضحة ودفع ليّ أكثر مما أطلبه عادة، وأعطى جدي خمسة دولارات من عملة الملايو، بل وابتاع أحدى صوري المرسومة بألوان الماء وعندما حان الوقت الذي يتعين على نونو ان يذهب فيه إلى فراشه، دعاني التاجر الأسترالي للتنزه معه في قارب، حيث بدا بالغ الكرم" ويرد شانون من جديد على قصتها الثانية باستغراب حيث لاتساوي تلك القصة ان تكون تجربة غرامية فهي مجرد حدث بسيط لايمكن أن يرقى إلى تخيلات ذهنه، وفي الوقت الذي يتبادلون فيه الحديث يسمع صوت نونو بين الحين والآخر وهو يتمتم لنفسه من داخل حجرته" "ولايبقى في آخر الأمر إلا الجذع المهشم، الذي يثقل على الأرض، ويتوقف صوته المهشم الذي لاينفع في شيء حيث تغرب شمس الحياة بينما تمتد في تلك اللحظة يد شانون لتستقر على رقبة حنة التي تبدي استغراباً كبيراً ممزوجاً بالخوف عندما تتصور ان شانون يريد ان يكتم على أنفاسها في حين يسألها شانون " أهي لاتستطيع ان تسمح لأحد أن يلمس جسدها في حين ترد حنة "عليك ان تحتفظ بلسانك إلى الأرملة العجوز ماكسين ويردد مع نفسه" نعم أنت على حق ياحنة، ويفكر حالماً بموضوع السفر معها إلى مكان بعيد لقتل الوحدة" وتستغرب حنة هذا التفكير الصبياني في حين يدافع شانون بثقة عن فكرته وتؤكد له أنه في الصباح سيغير رأيه ويبدو ضعف شانون فيصرخ فيها " لاتتركيني هنا وحدي، لن تبيعي لوحة واحدة في الميدان الذي يلتهب بحرارة الجو، وتعرب حنة عن أسفها له.. لست في حالة طيبة تسمح لك بالسفر إلى أي مكان مع أي شخص في الوقت الحاضر ويجيب شانون اتقصدين أنني قد ارتبطت بهذا المكان إلى الأبد، اينتهي بي الأمر إلى العيش مع الأرملة التي لاتهدأ وتكشف حنة عن فلسفة تستقر في ذهنها عندما تقول " كلنا ينتهي به الأمر إلى العيش بصحبة شيء ما أو شخص ما" فإذا قدر لنا ان نصطحب شخصاً بدلاً من مجرد شيء، كنا محظوظين وربما بدرجة غير عادية" وعندما تسرع لدخول حجرتها للابتعاد عن موقف تشعر بصعوبته ويسألها شانون ماذا عن الغد؟، تجيب ببرود وصعوبة" أظن أن من الأفضل في الغد ان يتحاشى كل منا اظهار أي اهتمام خاص بزميله، لأن مس فولك امرأة غيورة بشكل مرضي، لقد اساءت فهم الاهتمام المشوب بالتعاطف الذي اظهره كل منا للآخر، ولهذا اظن ان من الأفضل أن نتحاشى أي محادثات طويلة أخرى على الشرفة، أقصد أنه إلى ان يطمئن قلبها تماما يحسن بنا ان نكتفي بتبادل تحيات المساء والصباح ويقترح شانون بشراسة الطرق على الجدار الفاصل بينهما كطريقة من طرق الاتصال مثلما يتخاطب المسجونون في الزنازين الانفرادية بعضهم مع بعض عن طريق الطرق على الجدران ثم ينزع صليبه الذهبي ويقدمه لها لكي ترهنه وتغطي بثمنه نفقات عودتها إلى أمريكا ويعلل سبب هذا الموقف ان الأرملة تريد ان تبعدك من هنا ولسوف ترغمك على ذلك حتى لو بعت كل صورك المائية للكلاب الضالة في الميدان ويأتي صوت نونو العجوز ليقطع حالة الاندماج العاطفي بينهما ويؤكد شانون لها" اذا لم تأخذي هذا الصليب الذهبي لن احتاج إلى وضعه حول رقبتي ثانية، فسألقي به خارج الشرفة صوب الشبح القابع في الغابة، وعندما يرفع ذراعه ليلقي به في الشرفة تندفع لتمسك بيده وتقرر أن تأخذه وتحتفظ به نيابة عنه" إذا رهنته سوف أرسل لك إيصال الرهن بالبريد حتى تستطيع استرداده" وعندما تسأله عن مصدر الصوت الذي يحك الأرض بخشونة وبلا انقطاع اسفل الشرفة يذهب شانون ليحضر مصباحه الصغير وهو يردد أنها أيجوانا.. سأريك.. انظري الأيجوانا عند نهاية الممر تحاول ان تتخطى نهاية حبلها اللعين، أنها مثلك، مثلي مثل جدك وهو يناضل لانهاء قصيدته الأخيرة" وفي تلك اللحظات التي تصل فيها أصوات الألمان وهم يرددون الأغاني فرحين بانتصارات هتلر تدقق حنة في شكل الأيجوانا بينما يستمر شانون في وصفها "أنها نوع من السحالي كبيرة وضخمة وهذا مايفعله الناس معها، أنهم يربطون السحالي ويطعمونها حتى تسمن ثم يأكلونها عندما تصبح صالحة للأكل، أنها من أطايب الطعام، فمذاقها شبيه بلحم الدجاج الأبيض كذلك فهي ممتعة للأطفال فهم يفقأون عيونها بالعصي ويحرقون ذيولها بأعواد الثقاب أنها مجرد تسلية .. وتطلب حنة بإلحاح من شانون ذلك لأنه سيغضب السيدة ماكسين ويحدثها عن الجوع الذي يدفع الناس إلى أكل كل شيء يتوفر أمامهم وقت الحاجة ويطلق نونو مقطعاً من تلك القصيدة التي ينشغل طوال الفصل الثالث بمحاولة كتابتها حيث يصل صوته واهناً خاوياً من حيوية إلقاء كلمات الشعر " فلم يعد سفر الحياة يبرق بالذهب، بل صار نزاعاً مع الضباب والبلى" وتعود حنة بعد ان تكون قد ألقت نظرة أخيرة على الأيجوانا وتأكدت أنها ليست مخلوقاً ساحراً ولا جذاباً كما وصفها شانون بل يجب اطلاق سراحها قبل أن تواجه مصيرها المحتوم ويقول شانون ان لاتخافي السحالي تقضم ذيولها عندما تكون مقيدة منها لكنها تخبره بأنها قد قيدة من رقبتها لاتستطيع ان تقضم رأسها فرارا من الحبل" وتسأل شانون" هل تستطيع ان تواجهني وتقول لي صادقاً، أن الأيجوانا لاتعرف الإحساس بالألم والذعر.. ويرد شانون بأن السحالي من مخلوقات الله المسكينة فتطلب منه ان يذهب ويفك اسرها ويطلق سراحها وتهدد رن لم يفعل فستذهب وتحررها من القيود بنفسها ويهبط شانون درجتي الشرفة وسكينه بيده ينحني جنب نباتات الصّبار التي تخفي السحلية ويقطع الحبل بضربة واحدة قوية وسريعة من السكين وبعد ان يتأكد من أنها هربت في تلك اللحظات يتحول صمت نونو العجوز إلى صيحة مفاجئة وتندفع حنة إليه في نفس الوقت الذي يظهر فيه على الشرفة خارجاً من حجرته مستعيناً بيده في تحريك عجلات مقعده وينادي.. حنة.. لكي تحضر بسرعة الورقة والقلم قبل ان ينسى مقاطع القصيدة التي انتهى من كتابتها في ذهنه الواهي وتخبره حنة، بأنها احضرت الورقة والقلم فيصيح بصوت عال" ياللسكينة.. التي يرقب بها غصن البرتقال صفحة السماء يشيع فيها االبياض، دون ان يذرف دمعة.. دون ان يترنم بصلاة ودون ان تفصح ملامحه عن علامات يأس، فلم يعد سفر الحياة يبرق بالذهب، بل صار نزاعاً مع الضباب والبلى، ولايبقى في آخر الأمر إلا الجذع المهشم الذي يثقل على الأرض) وعندما ينتهي نونو من سرد مقاطع القصيدة الطويلة تجهش حنة بالبكاء، لقد انتظروا تلك القصيدة طويلاً وتؤكد أنها قصيدة رائعة الجمال، وتقول لجدها بأنها ستقوم بكتابتها على الآلة الكاتبة وترسلها يوم غدا إلى الناشر وتظهر في تلك اللحظات ماكسين عند الشرفة وتخبر حنة بهروب شانون لكن شانون يبرز من بين الأشجار كالعفريت الأسطوري يتدلى من يده الحبل المقطوع والسكين سعيداً فهو قد حرر الأيجوانا ونفذ رغبة حنة بذلك "لقد فككت اسر واحدة من مخلوقات الله كانت تجاهد عند نهاية الحبل" وعندما تعاتبه ماكسين على فعلته يصف ذلك بأنه فعل من أفعال الرحمة وتطلب منه أن يذهب معها ليسبحا في البحيرة تحت ضوء القمر وتشعل حنة سيجارة بعود ثقاب ويعلق شانون" أريد ان أتذكر هذا الوجه فلن أراه ثانية" ويسرعان في المسير صوب الممر الذي يؤدي إلى الغابة ماكسين تقوده وتعاونه على السير يخفت صوتهما في الوقت الذي تدلف حنة إلى حجرة نونو وتعود وبيدها شال على حين تكون قد تركت سجارتها بداخل الحجرة وتشرع في وضع الشال على كتف نونو ولكن رأسه في تلك اللحظة يميل على كتفه تصدر عن حنة شهقة خفيفة حين تمد يدها أمام فمه لترى هل أنفاسه مازالت تتردد لكنه لايتنفس تعيش لحظة مرعبة تنظر فيها في كل الاتجاهات وهي تبحث عن شخص تناديه، لكنها لاترى أحداً، عندئذ تنحني لتضغط برأسها على جبهة نونو وهي تبكي... ان وليامز صور لنا بشكل رمزي تحرير الأيجوانا من قيودها على يد الراهب المعتوه شانون، بينما تحررت حنة من قيود جدها نونو على يد الموت، كما تحرر شانون من التردد في الاختيار حتى ربط مصيره بتلك الأرملة العجوز ماكسين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244