الدكتور جمال الدين الخضّور - عودة التاريخ- الانتربولوجية المعرفية العربية / دراسة في الأناسة المعرفية العربية التاريخية- اللغوية ووحدتها/-الجزء الأول - حتى الألف الثاني قبل الميلاد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني

لايمكن فصل فعاليات الانسان وتطوره، وعلاقته بالبنية الانتاجية ونموها من الشكل الفردي إلى النتاج الجماعي، عن الصفات البيئية، والطبيعية الجغرافية للموقع المعيش. فهو يشكل في وحدته مع الشرط الجغرافي والبيئي المقدّمة التأسيسية اللازمة للجغرافية التاريخية. بما يعنيه هذا من تحديد الشروط الأولية للنتاج الاجتماعي.‏

ولم تكن منطقة الشرق العربي الممتدة من الصحراء العربية الكبرى وحتى الخليج العربي معزولة عن التغيرات البيئية والمناخية التي تطرأ على الكون، بل يمكن القول بأن جملة التغيرات التي طرأت عليها خلقت الظروف المناسبة لحياة الانسان ( الجماعات الأناسية) المتطور من أشباه الانسان. وقد بدأ هذا الانسان يرسم الخطى الأولى لعلاقته بالطبيعة بدخولٍ لايمكن تحديده بدقة خارج التأطير العام للباليوليث الأدنى والذي يشكل 99% من تاريخ الانسان والذي يمتد حتى (100,000) عام قبل يومنا هذا، حيث شقَّ هذا التطور نهاية لمرحلة طويلة من التطور البيولوجي استمر حوالي 14 مليون سنة من تطور الهوميثيد " أشباه الانسان" منها 2-3 مليون سنة الآخيرة عكست الآثار الأولية لأكثر الثقافات قدماً حيث تعلم الإنسان أن يحضر أدواته، وبدأ تدريجياً يبني سكنه الأولي، ليتبعه لاحقاً بالفن الصخري. ويتوضع كل هذا الزمن في الطور الجيولوجي الرابع. بحيث تؤكد القراءات الأولية لما تركه هذا الانسان من أدوات وآثار على جدران الكهوف أن التطور الفيزيائي- الفيزلوجي والثقافي مرتبطان بشكل وثيق. علماً بأن قسماً ضئيلاً جداً قد بقي فقط من الأدوات التي استخدمها انسان مجتمع الصيد ولاقط الثمار. فلم تصمد حتى أيامنا تلك الأعمال والأشغال والأدوات التي صنعت من الخشب والجلد ومن لحاء الشجر والألياف النباتية- وحتى الكثير من الأشغال العظيمة التي تحطمت في وسط غير ملائم _ كالطين والصلصال.‏

لقد عاش على سطح الأرض، وعلى مدى 150-200 ألف سنة نوع بشري واحد وحيد ( هومو- سابينس)= الانسان العاقل. وقد انتمت لهذا النوع، وبدون استثناء سلالات الباليوليث المتوسط والآخير. مثلها مثل كل السلالات التالية حتى المعاصرة وكل منها قدمت قسطها في مسألة تطور الانسانية(1).‏

فبعد كل النظريات والافتراضات التي كانت سائدة حول الموقع المفترض لنشوء وتطور الانسان العاقل الأولي خرج علينا العالم كوبنز بنظريته" قصة الجانب الشرقي- أصل الجنس البشري" والتي يؤكد فيها بأنه تطور على امتداد وادي الخسيف عند منابع ومجرى النيل في إفريقيا الشرقية(2)، قبل ثمانية ملايين من السنين وهذا ما يضعه في لب التأسيس التطوري للانتروبولوجيا العربية اللاحقة، خصوصاً لو أخذنا الرابط المناخي والمعيشي الوثيق بين جغرافية ذلك الوادي وامتداده نحو القرن الافريقي، وبين المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة العربية- خصوصاً إذا عدنا بذاكرتنا إلى الخلف أكثر عندما كانت تلك المنطقة تشكل وحدة تضاريسية واحدة، واكتفت لاحقاً بالوحدة المناخية والبيئية، وتزداد أهمية هذه المعطيات الموثوقة والموثقة إذا أدركنا بأن أنهار الجليد كانت تغطي أغلب مناطق أميركا الشمالية وشمال أوروبا حتى 15,000 سنة من يومنا هذا فقط وهذا يعني أنها لم تكن قابلة للحياة الانتاجية قبل هذا التاريخ بالتأكيد.‏

ومع انتقالنا إلى فترة الباليوليث الأوسط حوالي 100,000 إلى 40,000 عام قبل يومنا، تميزت المرحلة الأناسية الثقافية بظهور وتطور إنسان النيارندرتال الذي كان سائداً سابقاً أنه تواجد في أوروبا! بشكل سابق لغيرها من المناطق(4) إلى أن جاءت دراسة فاندرميرس وباريوسف الموسومة ب" الانسان الحديث في بلاد المشرق(5) حيث يؤكدان أن جماعة الانسان العاقل الحديث " استوطنت المشرق العربي قبل النياندرتاليين واتبعت نمط عيش متماثل لنحو 60,000 سنة، بحيث نسفت المكتشفات الحديثة الترابط المتبع سابقاً بين علم البيولوجيا والباليو أنثروبولوجيا " علم تطور الانسان القديم" فيقولان:" إن هذا الترابط بين البيولوجيا لحضارة يصعب تطبيقه في بلاد المشرق. فقد وجد علماء المستحاثات الذين ينقبون في مواقع هذه المنطقة مجموعات من المستحاثات تشتمل على عينات يبدو أنها أقدم من مثيلاتها التي في أوروبا. (6) ويتابعان " فقد استنتج بعض هؤلاء الباحثين، بعد مقارنتهم لعدد كبير من عينات مأخوذة من جماعات بشرية أقليمية تقطن في بقاع مختلفة من العالم، أن أفراد الانسان الحديث قد نشأت في مناطق شبه صحراوية في افريقيا منذ أكثر من 100,000 عام (7). وتناسى هؤلاء الباحثون التغيرات المناخية والبيئية التي طرأت على الكون، بحيث تحولت الكثير من المناطق التي كانت تشكل غابات تلك المراحل إلى مناطق صحرواية أو شبه صحرواية، كما هو الحال بالنسبة للصحراء العربية الكبرى- الليبية نموذجاً- والتي اكتشفت فيها نقوش كهفية جدارية تثبت أنها كانت غنية ومسكونة بالحيوانات المدارية كما هو مبين0 في اللوحات المكتشفة في الصحراء العربية- الليبية وهذا يرتبط مع التوضع المناخي الملائم التالي لوادي الخسيف، بحيث كان كل من وادي النيل والدلتا، ومنطقة الرافدين مناطق مغمورة بعد انتهاء الطور الجليدي الآخير.‏

ويؤكد الباحثان المذكوران في دراستهما المنوه عنها أعلاه أن بعض مكتشفات الدفن في مغارة قفزة في فلسطين على سبيل المثال يدل على شعور ديني قبل ما ينوف على 100,000 سنة فقد وجدا في أحد المدافن هيكلاً عظمياً لطفل عند قدمي الهيكل العظمي لامرأة شابة، ربما تكون أمه.؟ يظهر هذان الهيكلان بمظهر الانسان الحديث ولكن حضارتهما تشابه حضارة الانسان النياندرتالي الشرقي عربي الأكثر قوة. أما في أوروبا - وحسب قول الباحثين(8) فقد أقام الأفراد ذوو المظهر الحديث وكذلك النياندرثاليوم حضارات مختلفة، وذلك بعد مرور 60,000 سنة مما كانت عليه في الشرق العربي. وهذا ما يتناقض قطعياً مع رأي الدكتور فراس السواح الذي يقول في مؤلفه" دين الانسان:" وفي الواقع، فإنه من غير المجدي التفتتيش عن دلائل وآثار الحياة الدينية لبشر ذلك الزمان/ ويقصد الباليوليث الأدنى/ بسبب غموض الوثائق وتبعثرها، وصعوبة الربط بينها، فإذا أردنا البقاء في حدود ما تسمح به الوثيقة المادية من تفسير، يتوجب علينا القول بأن انسان الباليوليث الأدنى لم يتمتع بحياة دينية من أي نوع، وأن وسطه الفكري لم يتطور عن أسلافه من الرئيسات العليا، رغم صناعته للأدوات واستخدامها للتحكم بوسطه المادي" (9). أما ما يتابعه الباحثان حول ضرورة الاستناد إلى وثائق من المكتشفات من أن عملية الدفن تلك وغيرها مما اكتشفوه في مغارة سخول بأن وضعيات الهياكل تدل على دفن مقصود، وهو أقدم عملية دفن عثر عليها حتى الآن، ويضيفان اكتشاف مجموعتين من الهياكل في مغارة شانيدار في سفوح جبال زاكروس في العراق، وكانت كلها من النياندرتاليين وتبدي ما يدل على سلوك بشري راقٍ، مع مجموعة في مغارة عمود قرب بحيرة طبرية، وهذا يعني الانتقال بالضرورة إلى عنصر الباليوليث الوسيط حيث تتقاطع في هذه المرحلة وجهة نظر الأستاذ فراس السواح مع الباحثين المذكورين حيث مارس الانسان في منطقة الشرق العربي عملية الدفن الطقسي،" فتظهر قبور النياندرتاليين في المشرق العربي تقاليد دفن تميزت بطي الجثة ضمن حفرة صغيرة وتوجيه الجسم وفق محور غرب- شرق. وتظهر الهياكل العظمية لانسان النياندرتاليين المشرقي " العربي" بوادر ابتعاد مورفولوجي (المورفولوجيا هو علم شكل الأحياء) عن الهيئة الكلاسيكية للنياندرتال النموذجي في أوروبا واقتراباً من هيئة الانسان العاقل.‏

وهنا تجدر الاشارة إلى أن الحديث يدور في الشرق العربي عن إنسان متطور طقسياً ومورفولوجياً عن إنسان النياندرتاليين الذي سكن أوروبا في هذا الزمن- في المرحلة الفاصلة بين الباليوليث الأدنى والمتوسط، وفي المراحل الأخيرة من الباليوليث الأدنى" فالوجود الواضح لأفراد الانسان بأشكال حديثة في بلاد المشرق منذ 100,000 سنة يقدم حقائق جديدة لتفسير وجود مستحاثات أخرى غربي آسيا. فقد يكون لأفراد الإنسان سلسلة نسب "سلالة" محلية واسعة الامتداد إلى حدٍ ما فبقايا الجمجمة التي وجدها ثورنطيل- بيتر في مغارة زوتّيّة بالقرب من مغارة عمود مثلاً- تثبت أن تأريخها يراوح بين 200,000- 250.000 سنة مضت. وقد يكون صاحب هذه الجمجمة أحد أفراد الجماعة التي انحدرت منها جماعة الانسان النحيل " الحديث" في كل من سخول وقفزة" (10).‏

وليست البنية المورفولوجية للجمجمة، أو الأدوات المحيطة فقط هي التى وفقت هؤلاء العلماء إلى الجزم بوجود ذلك الفارق الزمني في التطور بل عثورهم أيضاً على العظم اللامي (Hyoid) وهو عظم منفصل يتحكم في حركة الانسان) وتم الاستدلال من خلال دراسته الدقيقة على أن جهاز التصويت لدى انسان الباليوليث الأدنى- المتوسط في منطقة الشرق العربي يشبه مالدى الانسان الحديث وإلى أنه كان قادراً على إصدار الأصوات الضرورية لكلام مقطع.‏

ومن جانب آخريتجه الباحثان إلى تفسير المرحلة اللاحقة التي بدأت منذ نحو 40,000 سنة إلى افتراض" أن جماعات الانسان الحديث في بلاد المشرق العربي انتقلت وانتشرت في أوروبا وذلك بعد أن حلَّوا محل النياتدرتاليين المحليين أو نتيجة لعمليات التكاثر فيما بينهم (11).‏

نستنتج مما سبق أن:‏

- انسان الباليوليت الأدنى ترك آثاراً قابلة للدراسة في بلاد المشرق العربي في حين كان فقيراً بها جداً في أوروبا.‏

- ظهور الانسان الحديث كان سباقاً في بلاد المشرق على ما هو عليه في أوروبا بعشرات الآلاف من السنين.‏

- ممارسة الدفن الطقسي ثبتت منذ المرحلة النهائية من الباليوليث الأدنى في منطقة الشرق العربي، وبما يسبق مثيلاتها في أوروبا بـ 60,000 عام.‏

- وجود العظم اللامي وببنيته المعاصرة يؤكد على وجود عناصر التواصل الصوتي في مراحل سابقة لمثيلاتها في مناطق أخرى من العالم، ولالاف السنين، مما يثبت الانخراط في عملية النتاج الاجتماعي في مراحل باكرة.‏

كان ذلك، كان له الدور الهام" إن لم نقل الأهم" في وسائط تعبير الإنسان عن علاقته مع الأشياء المحيطة وفي ترتيب نمطية ما من التعامل مع الجماعة المحيطة. وهذا يعني بالضرورة أن تطور الانسان الثقافي برموزه المعرفية والدينية والفنية لايرتبط بما يعنيه مستوى التطور التقني بالسوية التقانية لتطور الجماعة البشرية. أي أن التوازي في التطور التقني والثقافي هو رؤية ميكانيكية بعيدة عن الخطوط البيانية التاريخية لسيرورة الانسان. لايمكننا أن ننفي أن السوية الراقية " بمعانيها المعرفية" من التطور الثقافي تشكل الأرضية المتينة الهامة باتجاه التطور التقني، وهي ما تدفع باتجاه تجاوز مفاهيم الزمن الاجتماعي وترتيبه الميقاتي، بخلق معادل جديد يتناسب مع التراكم الكمي والكيفي في سيرورة الأمة، وهذا ما نحاول اثباته بما يخص الأمة العربية، التي تمتلك خزاناً ثقافياً مميزاً، تستطيع الاستناد عليه لتحقيق قفزتها الحضارية التقنية في زمن اجتماعي خاص، تستطيع من خلاله تجاوز الفاصل الكبير من الزمن الميقاتي الذي يفصلها في الزمن الراهن عن المجتمعات المتقدمة تقنياً، إن ذلك يعني، بدايةً، أن التطور الثقافي لايمكن أن يعاني من عملية قطع تاريخية، فهو عملية متواصلة سيرورية في تأصيلها وسبقها وصيرورتها اللاحقة وهو ما نقصده بعملية التأصيل في بدايات تكون المنظومات المعرفية فالحضارات الجليلة التي بناها العرب بما في ذلك البابلية والفينيقية والتدمرية والمصرية.. وحتى الاسلامية لم تكن مقاطع معزولة في تاريخ أناسي متقطع، إنها تواصل أناسي معرفي، مؤسَّس ثقافياً على ثوابت تأصيل عظيمة لاتمتد جذورها المعرفية لمراحل التاريخ الكتابي فقط، بل تمتد كما أكدنا أعلاه إلى مراحل الباليوليث الأدنى حيث تواجد في منطقتنا الانسان الحديث سباقاً بذلك تواجده في المناطق الأخرى من العالم بعشرات الآلاف من السنين. معطياً لحياته قيمةً ما، متسائلاً عن طبيعة علاقة الأرض بالسماء، والجسد بالروح، والانسان الكائن الحلم بالواقع..‏

إن بداية الاشكالية في التساؤل تبدأ من طرح هذه الأسئلة. وما دمنا استطعنا التقاط بعض الأجوبة من خلال تلك المراحل المغرقة في القدم، فمعنى ذلك أننا استطعنا الوصول إلى البدايات السبّاقة التي حدَّدت الملامح العامة اللاحقة لتطور الانسانية، الذي تعيش تقنيته حالياً، ملايين الناس خارج دائرة تواجد هذا التكوين الأناسي الرفيع_ العرب.‏

فالتكوّن الثقافي- المعرفي- الفني/ يبدأ بعلاقة الاقتراب بين مفاهيم الجسد والروح والأرض القريبة، والسماء الجسد= الأرض بمكوناتهما المحسوسة التي يتعامل معها الانسان في صيغة الأداة التي يبتكرها، أو يحتاج إليها فيطورها، وأعضاء يتعامل معها بتوافق خاص تختلط فيه الأحاسيس الممكنة مع المجهولة. والأرض بمكوناتها التي تحمل النبات ويسير عليها ذلك الحيوان الذي دفع الانسان اللاكتابي- الباليوليتي إلى نقشه في أماكن إقامته عبر ابداعات انطباعية ورمزية وتجريدية كانت تتفاعل بحركية ترقى من مرحلة إلى أخرى قابلة للتعامل مع ما يحس به أو يركن إلى اللقمة التي يمنحه إياها بعد أراقة الدم من أحد الطرفين. فيقيم لنفسه هيكلية خاصة ترتبط برمزية ما، تدخل بين الحلم والواقع وتدخلهما. فينطلق لاحقاً معبِّراً عن فن في الارتقاء نحو الأعلى- نحو السماء وقد دفعته للاقتراب إليها عبر صورٍ رائعة. دون أن ينسى حركة القمر والشمس والكواكب فيها.‏

فلم يترك جثة الميت ملقيةً عبثاً، لابد أن يتجه نحو الشرق حيث يشكل نافذة ولادة الشمس والقمر. وفي حالات لاحقة كانت واسمة لمنطقة الشرق العربي بدأ، بفصل الرأس عن جسد المتوفى معتقداً أن الروح فيه،ويضعه في كوخه الصخري أو في كهفه. مازجاً بذلك اختلاط معتقدات أولية صافية تزاوج بين الطوطمية وعبادة الأسلاف.‏

وهكذا كانت البدايات الميثولوجية للنمو اللاحق للحلزون الثقافي، الذي سنأتي على تفصيلاته الدقيقة فيما يلي من فصول. لكن التأسيس الأوّلي والهام كان ارتكازاً متيناً على تكوين سباق ومتين. فالتزيين الجنائزي بالقرون ارتبط بعلاقة ذلك الانسان بالحركة الدورية للهلال.‏

ولم يكن اللون الأحمر إلاَّ الرمز البسيط عن القرابين التي تقدم للمتوفى بعد أن تنثر على جثته الورود والزهور وقد سجي شرقاً بانتظار الشمس التي تحمل معها الحياة والخصب.‏

" إن مفهوم القربان في ذلك الزمن، مرتبط بمفهوم الآلهة المشخصة، أو الكائنات الروحية المقدسة التي صارت إلى ما يشبه الآلهة، مثل أرواح الأسلاف لدى بعض الثقافات" (12)..‏

انطلاقاً من ذلك كان الانبثاق الأولي في منطقة الشرق العربي باتجاه الثقافة المتواكبة التي سبق فيها أسلافنا العرب كل الشعوب والجماعات الأخرى حتى المحيطة والتي بدأت تأخذ انعكاسها في التقدم التقني المادي التقني.. وقد بدأوا يميزون عالماً خاصاً محدداً مشخصاً في التكوين الوصفي المحيط بهم مع مايربطه بعالم آخر قابل للتخييل، يصل بينهما الحلم أو الموت.. ومن هنا أخذت الفلسفة في بدايتها الأولى تترنح في أولى خطاها على دروب الشرق العربي، الذي تميز في مراحل الانتقال من الباليوليث المتوسط إلى الأعلى بالتدجين النباتي والحيواني وهو ما دفع أيضاً هذا الشرق إلى السبق باتجاه الميزوليثية" فكان أول وأكثر الحضارات والثقافات الميزوليثية تطوراً توضّعت في الشرق العربي، حيث كانوا أول من اكتشف واستخدم الطواحين الحجرية وكان ذلك حوالي 10,500 سنة قبل الميلاد" (13). وتلا ذلك الانتقال السباق إلى النيوليث كمرحلة أخيرة من العصر الحجري تميزت بانتقال البشر إلى الشكل المستقر للحياة" فمنذ الألف 8-7 قبل الميلاد أقيمت في الشرق العربي" مدن" محاطة بجدران حصينة (14)‏

وإذا كانت التغيرات المناخية والبيئية متوازية في منطقة الشرق العربي، والتي شملت دراساتها بشكل مفصل وادي النيل وما بين الرافدين إلاّ أن منطقة بلاد الشام من الشرق العربي بقيت في التحول الاساسي من العصر الحجري الوسيط " الميزوليتي الباكر" وحتى العصر الحجري الحديث " النيوليثي المبكر" موضوعة خلف مجموعة من إشارات الاستفهام التي لم تقدّم الأجوبة عليها تفسيراً تفصيلياً لقيام المواقع الحضارية العظيمة بعيداً عن الحزام الأخضر الممتد إلى الساحل البحري باتجاه الشمال والشرق الرافدي وجنوباً نحو العقبة وسيناء باتجاه الدلتا .‏

فيتضح التبدل المناخي في المشرق العربي بين الألف التاسع ق.م والألف السادس من انحسار نطاق النبات الطبيعي. فقد تسبب الهطول المطري الوفير في الفترة المتأخرة من العصر الحجري الوسيط في توسع مناطق غابات البحر المتوسط باتجاه الشرق. وقد حظيت هذه المناطق بأكثر من 300 ملم معدل هطول سنوي، وحظيت المناطق الوسيطة من الغابات المفتوحة والسهوب خلفها بحدود 150-300 ملم معدل هطول سنوي. وفي حين كانت غالبية المواقع السبعين المعروفة في مواقع الفترة المتأخرة من العصر الحجري الحديث في منطقة الهطول الأغزر أو في المنطقة الوسيطة فإن بعضها كان في جيوب سهوبية ملائمة لها على نحو خاص. فمثلاً كان موقع " أبو هريرة" وموقع" دبسي فرج- شرق" على الفرات، في حين كان موقع " أزرق" في واحة. وبعد ذلك بثلاثة آلاف عام انحسرت كل من الغابات العادية والمفتوحة والسهوب وتقدمت الصحارى. وحتى المواقع السهوبية بمواطنها الملائمة هُجرت آنذاك. ومن بين المواقع الثمانين المعروفة التي تعود للألف السادس من العصر الحجري الحديث، كانت تقع منطقة البحر المتوسط ضمن المنطقة الأكثر ملاءمة للزراعة المختلطة(15).‏

وبربط هذه المعطيات مع نتائج يان ايلينيك حول وجود الطواحين " الرحى" الحجرية منذ الألف العاشر قبل الميلاد في المشرق العربي نستنتج بأن تدجين النبات القمح ( الحنطة ) والجاودار والشعير في المشرق العربي كانت سابقة بالضرورة لاختراع الرحى. وإلاَّ لماذا الرحى اساساً ؟! خصوصاً إذا أخذت آلية البحث الطريق الطبيعي للتغيرات المناخية والبيئية التالية التي تدفع للاستقصاء في أوساط غير متوقعة في الظروف والشروط الحالية المناخية. وهذا أدى بدوره إلى كشف الكثير من الأسرار التي اتضحت لاحقاً في التكوين الانتاجي الجماعي التالي للتدجين النباتي والحيواني في منطقة الشرق العربي، والذي كان سباقاً بالضرورة ومن خلال الوثائق السابقة في آلية التطور الثقافي بآلاف السنين عن غيره من المواقع الأخرى التي رسمت خرائط متأخرة لانتقال النياندرتال إلى العصور التالية.‏

والمتتبع الدقيق لدراسة مجموعة من المواقع المتباعدة في المشرق العربي يدرك التزامن الدقيق في التطور الحضاري، الذي يشي بوحدة أناسية فريدة في نوعها. ويؤكد ذلك الباحث جاك كوفان بقوله" والوصول إلى" القرية الزراعية" حقق الوحدة بين أفراد الجماعة وأعطى لحياتهم مغزى وأهمية في إطار التطور البشري، لاسيما وأن القرية هي القاعدة الأساسية لحضارتنا المدنية. لكن سلم ذلك الارتقاء وعناصره ظهر أولاً في بلاد الشام والمشرق" (16) ومن الضروري التأكيد على أن الوضع لم يكن قفزة في فراغ، بل، نتيجة لتراكم تاريخي كمي وكيفي بطئ تالٍ للخروج من الكهف والانتقال إلى الكهف الصخري فالبيت الدائري فالمضلع وما يعنيه ذلك الانتاج الزراعي من درجة استقرار معينة في عملية النتاج الاجتماعي منظومة تقنية خاصة تحدد السلوك الانساني خصوصاً إذا توحّدت جغرافية واسعة على امتداد المشرق العربي في سويتها التطورية السباقة من الشمال في المريبط وأبو هريرة على الفرات باتجاه يبرود وسعيدة وجعيتا وعين الملاحة والطيبة في أواسط بلاد الشام باتجاه وادي الفلاح والواد وكيبارة على الساحل الفلسطيني، وجنوباً نحو شقبة وأريحا وأبو سيف والخيام وأم الزيتونة ورأس البيض ثم باتجاه رأس حريس في سيناء لتمتد لاحقاً باتجاه وادي النيل." وبذلك بدأ التاريخ يسجل بعض الأدلة على قيام تطور متشابه جداً للحضارة النطوفية في كل من فلسطين ومنطقة الفرات في أعقاب المرور المشترك بمرحلة الكيباربان. كذلك تأكدت الآن النظرية التي طرحها كل من أور وكوبلاند وأورانش والقائلة بأن بوتقة حضارية وحيدة امتدت خلال هذه الحقبة من النيل إلى الفرات " (17) ويؤكد باحث آخر وحدة مكتشفات نفس المرحلة الزمنية بين وادي النيل و" الصحراء" العربية الكبرى " الليبية " والشمال الافريقي " العربي" ف" وسط المكتشفات الليبية- المصرية تصادف النقوش أكثر من اللوحات وبفارق كبير. بين الأقصر وشلالات النيل الثانية تم اكتشاف كميات من النقوش. وتصادف هذه النقوش، عدا سهل النيل، وبكميات كبيرة في صحراء النوبة والصحراء الليبية. ولاتختلف النقوش المصرية بتقنية التنفيذ عن الآثار المشابهة الأخرى في الشمال الافريقي.. مما لاشك فيه أن علاقات وثيقة ومتينة تربط النقوش والرسوم الليبية المصرية من جهة أولى بالآثار كما تظهر لفن الشمال الافريقي من جهة ثانية. وتظهر هذه العلائق في طراز وتقنية التنفيذ تماماً كما تظهر في انتشار المواضيع المتفرقة الوصفية لكل شمال افريقيا. في ذلك العصر، وعندما تشكل هذا الفن، كانت افريقيا الشمالية بما فيها الصحراء مسكونة بشكل كثيف، وبين مناطقها المختلفة طبعاً، نشأت علاقات متينة ومتعددة (18). فالحضارة النطوفية إذن " نسبة إلى وادي النطوف قرب أريحا" امتدت من الفرات إلى النيل وهناك نجد الامتداد التالي للشمال الافريقي وهذا يعني وجود الخلفية المشتركة في المجالات المعمارية والاقتصادية والتقنية، وبالتالي وجود لغة حضارية مشتركة(19).‏

إن أي صفة من ملامح ذلك التقدم كانت مرتبطة بقيمة اجتماعية أخلاقية تتحدد بالابعاد العديدة للقيمة أو للعنصر الثقافي وما يعنيه ذلك من رقي عبر سلم التطور الأناسي معرفياً، ليس فقط من الجوانب الفكرية والتقنية بل من الجوانب الميثولوجية والمعتقدية أيضاً.‏

فمفهوم " المدن" القلاعية المكتشفة في الشرق العربي في الألف الثامن قبل الميلاد والذي يُعتبر " البرج والسور المكتشفان في أريحا- مهما كانت وظيفتهما- ينمان عن وجود نظام اجتماعي مختلف، فهو أكثر تنظيماً وجماعية في تنفيذ الأعمال المعمارية من مجتمعات القرى الأخرى"(20).‏

فإذا كان الكوخ هو الصرخة المتحجرة للخيمة- بتعبير جاك وفان- فهو يعني " فلسفة" خاصة ضد الترحال ونزوع للتأسيس في أرض قابلة وقادرة على حماية هذا الكائن- الانسان ذي الروح الجماعية في العمل والأكثر مودةَ ونزوعاً إنسانياً للتعاون مع الجماعة باتجاه الخلق والابداع، مما هو عليه إنسان التقنيات المتطورة غير المستندة إلى إرث ثقافي معرفي عريق. لذلك انطلق لاحقاً باحثاً عن توضع أفضل من المسكن المستدير العاجز عن استيعاب البنية الأولية للكتلة الاجتماعية- العائلة، فاكتشف المسكن المستطيل الذي عنى هدفاً اجتماعياً وميثولوجياً " فالمسكن المستدير مقيد بمساحة سكنية محددة وغير قابلة للتوسع في حين أن المسكن المستطيل قابل لكل أنواع التوسع من خلال إضافة المزيد من الحجيرات الجديدة إليه. وبناءً على ذلك أصبح هذا النوع الجديد من السكن يستوعب العائلة التي يتكاثر أفرادها باضطراد- أي أنه يفسح المجال لأنماط جديدة من السكن الجماعي أو المشترك.‏

لقد مر العالم بأجمعه بهذه المرحلة الانتقالية ولكن الأزمنة تختلف من مكان لآخر. ويبدو أن هذه المرحلة نضجت على الفرات قبل غيره من الأماكن(21) يضاف إلى ذلك الضرورة الميثولوجية التي تركزت حول معرفة العائلة الجديدة بضرورة الاعتماد على أرواح أجدادها- أسلافها، فبدأت بممارسة إحضار جماجمهم إلى بيوتها الخاصة، ثم انتقلت لاحقاً إلى احداث مقابر خاصة لهم تحت مساطب تلك البيوت. بحيث شكلت ميثولوجيا عبادة جماجم الأسلاف نمطاً معتقدياً خاصاً ومميزاً. وبهذا تكمن إحدى المنعطفات الهامة جداً في تطور الجماعات البشرية، فهي لفتة حضارية هامة أسَّست للبنى الاجتماعية الأرقى لاحقاً.‏

إن الترابط الميثولوجي بين نمط الحياة المعيشة لدى أسلافنا في المنطقة العربية، ورموز التعامل معها يحدد البنية الفكرية وآلية التوضع اللاحق للمنظومة السيكولوجية في التعامل مع الوسط المحيط ابتداءً من الحيوان= القربان= العدو= المدجَّن= الغذاء= الإله وانتهاء بالتجريد البعيد نحو المواقع الأولى للفكر " الفلسفي " في الرمزية والتخييل بما يتجاوز البعد الدلالي المباشر إلى ما هو رمزي أو مرجعي ليس بمنظومة الفرد، بل بمنظومة الجماعة وهذا ما يشي بقدرة ذلك الانسان على التعامل مع عناصر القوة المحيطة به، والتي يعتبرها مبثوثة أو مزروعة في عناصر أخرى أبعد ما تكون عن العامل الاقتصادي الذي يربط به غذاء الانسان الذي اعتمد على النباتات المدجّنة بشكل كثيف وعلى ما يصطاده من حيوانات. فتتبادل في ذلك نوازع الخوف مع الطموح لامتلاك القوة والانطلاق عبر أبعاد نفسية وروحية متداخلة إلى السيطرة على الرمز، بحيث تتحدد العلاقة بدايةً بواقع فكري روحي أكثر من ارتباطها بالعامل الاقتصادي- الذي سيطر في الأنماط اللاحقة- تمثلت لاحقاً في بنية معتقدية اختلطت فيها حاجات الابداع والتمثل الفني مع الممارسة الطقوسية " الدينية " والاضاحي مع الحاجة الاقتصادية.وهنا تتجسد حالة الخلق والابداع في إنساننا- أسلافنا- الذين عاشوا قلقهم المبدع مقدماتٍ هامةً لمثيولوجيا سبّاقة لاحقة.‏

فمنذ بدايات العصر الثيولويتي في تل المريبط على الفرات الأوسط في سورية، وفي المواقع الأخرى الممثلة للمرحلة النطوفية " لدينا الدلائل الواضحة على تقديس الثور البري، وذلك في وسط قروي مستقر يتيهأ للاعتماد على الزراعة في اقتصاده. ففي بعض البيوت التي تتميز ببنية معمارية خاصة " تشير إلى إفرادها كمقامات مقدسة" أقيمت مصاطب طينية عرض في وسطها وبشكل مقصود عدد من جماجم الثيران البرية بهيئتها الطبيعية ودون إضافات تزيينية فنية، وتشكل هذه الجماجم مع ألواح كتف معزوزة بشكل أفقي، تكويناً متماسكاً معروضاً للناظرين دفعة واحدة. وفي إحدى الحالات كان رأس الثور مفككاً إلى قطع معروضة في صفوف، إضافة إلى القرنين الكبيرين، اللذين تم عرضهما على التوازي. إن هذه الترتيبات المقصودة التي لاتنبى عن قيمة استعمالية معينة والاستخدام الرمزي لعناصر من الهيكل العظمي الحيواني، تعكس ولاشك مدلولات أيديولوجية معينة (22) متعددة الدوافع خصوصاً إذا عرفت بأن ذلك لم يكن حصراً على الثور في منطقة تواجد فيها، بل في مناطق أخرى كانت الفصيلة البقرية نادرة فيها، وفي مناطق تدخل فيها الابل والغزال، لم يكن مصدراً غذائياً لندرته. لكننا وإن وقفنا مع جاك كوفان في تقديمه للعامل النفسي في تحديد الأرضية الميثولوجية لذلك الموقف الأيدلوجي الديني باتجاه خلق نوع من التحدي في علاقة التجاذب والجدل بين القوة والخوف، إلاَّ أننا لانستطيع رد المكونات الأولية لذلك المعتقد إلى ما هو خارج الأوضاع المادية والعلاقات الاقتصادية والطبقية المحيطة. وإلاَّ لكان من أهم المكتشفات وجود رموز لتمثلات غرائبية خارج القدرة التكوينية للتحليل والتركيب في الواقع القائم المحيط.‏

فلقد مثله الانسان بوضعية خاصة من القوة دفعته إلى تمثله من قبل إله الرعد والحرب في العصور التاريخية لما يملك من قدرة تدميرية جبارة تشع منه(23).‏

فإذا كان الفن هو الحامل الابداعي للمنظومة المعرفية بما فيها من محتوىً مثيولوجي، وإذا أخذ في بعض نماذجه محاولاً للمقاربة بين السماء والأرض، بدفع هذه الأخيرة إلى الأعلى، بما يخص المراحل التالية من التاريخ الكتابي واللاكتابي، فهذا يعني أنه في تلك المرحلة المدروسة كان شكلاً من المقاربة بين الجسد الإنساني وذلك المجهول الذي يحمل من القوة الجبارة ما يجعله مستعصياً على الإلفة. تلك القوة التي تفقد كل رموزها بعد موت ذلك الحيوان، ليتحول إلى مادة للغذاء، وعظام جماجم، وقرون تشكل نموذج القهر والخوف في لبِّ مثيولوجية أبعد من التحديد المبسط للطوطمية. من هنا كانت العبقرية في أسبقيتها المشرقية خلاَّقة أيضاً، أبعد من حدود التبسيط التي يحاول البعض ربطها بالتاريخ الكتابي المنسوب" وبالوثائق" أيضاً إلى أسلافنا العظام. وبهذا فقط نستطيع تفسير السبق الحضاري للتقديس المزدوج للثور والمرأة باعتبارها الربة الكبرى القادرة على الإخصاب والخلق بنمطية مجهولة لكنها في مقاربة المحسوس من اليد والعين.‏

إن التكوين السلالي المدرك في حالة تشكيل بنية النواة الانتاجية الأولية ومعنى الحياة المشتركة وما عناه ذلك من تجسيد مباشر بجماجم الأسلاف كمواد للعبادة مرتبط بشكل مباشر بترميز الربة الكبرى. وبناءً على ذلك استخدم الناس في بلاد الشام من آواخر الألف الثامن وحتى أواخر الألف السابع قبل الميلاد جزءاً من الهيكل العظمي، وهو الجمجمة ليجعلوا منها تشخيصاً حقيقياً للأموات في مساكن الأحياء.‏

فالجماجم كانت حضوراً قدسياً" رمزياً" يعني القدرة على التواصل والتأصل والأصالة، فرسّخت مفهوم واقع النتاج الزراعي " وانتقال الملكية من شخص لآخر بالوراثة" (24) وطرحت مفهوم الاستمرارية الروحية للسلف عبر تجسيده بأحد رموزه " الجمجمة" ومامحاولات محاكاة الواقعية فيها من خلال استخدام القواقع والصدف لتحديد معالم العيون أو استخدام الخطوط البنية اللون للتعبير عن الشعر، إلاَّ إحياءً لمعالم وجه الميت طموحاً تشخيصياً لآلهة قائمة في روح ذلك السلف حيث اعتبرت متمركزة في رأسه وما يحتاجه الأحياء بذل ما يستطيعون من محاولات لابقاء تلك الروح بأحد رموزها موجودة في الآن القائم. فهو غير قادر على التعبير عن اكتشافه بأنه الخلف لذلك السلف إلاَّ عبر طقس ميثولوجي خاص ترسمه أيديولوجيا الانساب في تناسق ابداعي رفيع أبعد وإلى الأبد مرحلة الطوطمية من مسرح ميثولوجيا الشرق العربي " فالقطيع كان ملكاً لمجتمع القرية ومن الممكن انتقال ملكيته في الفترة التي عمت فيها الزراعة بكل نتائجها والتي تجلت في امتلاك الأرض وفي خلق قيمة لمساحات الأراضي من خلال استغلالها زراعياً وفي انتقال الملكية من شخص لآخر بالوراثة، نجد في الحضارة غير المادية لتلك الفترة آثاراً ملموسة لأيديولوجية الانسان. فكل شيء مرَّ وكأن البشرية وصلت إلى موقف أكثر فاعلية إزاء الطبيعة بحيث أعطت قيمة لنوعها. وذلك بأن جعلت عبادة أمواتها جزءاً من الحياة اليومية. يُضاف إلى ذلك ما سبق أن أثبتناه على صعيد محسوس وهو رسم معالم لحظات خيالية أو ترسيخ الوعي الساطع للصنف الشخصي الذي رأيناه يتسلق فكر وحضارة المزارعين الأوائل في التاريخ .. إنه شغل الرجل"(25).‏

إن تقديس الأمومة وعبادة الثور من البوادر الفكرية الأولى الهامة للمجتمع الزراعي، ولذلك فقد قُدِّر لهذه العبادة أن تلازم بلدان الشرق القديمة آلاف السنين. ولاتقل أهمية الثور المقدس عن أهمية تلك التماثيل الأنثوية الصغيرة والمصنوعة من الطين المشوي" (26) ولكن عبادة الأسلاف ودخول ايديولوجية السلالة الميثولوجية أزاح الشقَّ الأول عن مسرح البنية الثقافية، فمن الجدير بالذكر أن هذا الطقس كان معروفاً أيضاً في وادي النيل وفي نفس المرحلة الزمنية الموازية في مريمدي " مصر" حيث ثبت ذلك وفسرت عملية دفن الموتى في البيوت على أن السكان القدماء كانوا يعتقدون أن أرواح موتاهم كانت تشاركهم موائد الطعام(27). وكما أسلفنا سابقاً، لم يكن ذلك معزولاً عن جملة التغيرات المناخية والبيئية التي شملت المنطقة العربية عموماً- في بلاد الشام كما شرحناه أعلاه، وفي بلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية ووادي ودلتا النيل، والصحراء العربية الكبرى" الليبية". فبعد أن أخذت الأمطار تقل تدريجياً، وأخذ الجفاف بالازدياد وشهدت هذه الفترة مولد نهر النيل بشكله الحالي... منذ الألف العاشر قبل الميلاد توازن البنى الحضارية الثقافية الجولانية للجماعات البشرية في المشرق العربي إلاَّ أنها كانت متوافقة في ارتقائها للسلم الحضاري. فالدكتور عبد العزيز عثمان يقترح انتقال الحضارة النطوفية التي نتحدث عنها من وادي النيل باتجاه بلاد الشام،" فاستمرت صناعة الأحجار الصغيرة الدقيقة ذات الأشكال الهندسية المختلفة التي كانت منتشرة في الفترة الآخيرة من الحضارة السبيلية وانتقلت من حلوان إلى فلسطين وتمثلت في الحضارة النطوفية" (28) لكنه يعود ويقول:" لقد كانت سورية في العصر الحجري النحاسي كما كانت في العصر الحجري الحديث المركز الحضاري الرئيس في الشرق الأدنى بأسره، ويرجح بعض العلماء أن معرفة النحاس قد انتشرت من سورية إلى جميع جهات الشرق الأدنى كمصر وبلاد الرافدين، كما أنهم يرجحون أن استعمال الخزف وتدجين القمح والشعير وبعض الأشجار كالتين والزيتون والكرمة وتدجين بعض الحيوانات الأهلية التي عثر على دمى لها مصنوعة من الطين كالثور والغنم والماعز والخنزير وبعض الطيور كالحمام، انتشرت من سورية إلى المناطق المجاورة.‏

وكانت مراكز حضارة هذا العصر تقع غالباً في أودية الأنهار وبعض السهول اللحقية، وتعتمد زراعتها على الري، وتشمل إلى جانب الحبوب والأشجار المذكورة سابقاً بعض أنواع الخضار كالبصل والثوم والخس والحمص والفول وغيرها" (29) ويعود باحثٌ آخر للإجابة على السؤال بمنحى آخر فيعتبر أن المصدر المبدع للخزف الملون كان في بلاد ما بين النهرين ومنه انتشر إلى المواقع الأخرى من الشرق العربي فيكتب فانديفر ب.ب:" ومنذ عام 5500 قبل الميلاد اكتشف الخزافون في شمال ما بين النهرين أنَّه يمكن التحكم بلون الصلصال المحروق، وذلك بضبط حرارة الفرن.." (30).‏

لكن ما يتّفق عليه الجميع هو الوحدة الحضارية المتكاملة للمنطقة العربية، بغض النظر عن الحركية الجولانية والتي تدخل هنا في عدد كبير من الاحتمالات، والتي لاتهم دراستنا بشيء، لكن مايهمنا هو ذلك التأسيس الواحد لبنية ثقافية واحدة على مساحة الوطن العربي، اكتفت في أحد جوانبها بالصقل الميثولوجي المتصاعد المتواصل، والذي لم يُعانِ من أيِّ انقطاع، انتقل من النماذج الأولى التي تحدثنا عنها، حيث كان الفرد جزءاً من جماعة يتفاعل مع عناصرها بإبداع الطفولة البشرية بمعناها الخلاّق وليس الساذج، بمعناها الترابطي التعاوني وليس الأناني العدواني، ذلك حين بدأ يميز الفروق المحسوسة بين الحلم والواقع، حيث بدأ يميز بين الحدث الواقعي والحدث الحلمي وما يعنيه ذلك من صفات خاصة تُداخلُ بين التخييل التركيبي والتحليل التخيلي. فاندفع يبحث عن قيمة الانسان كحالة مركزية ترسخت لاحقاً في البنى الفلسفية البسيطة بقيمها، وليس الساذجة. فاتكأ على علاقة الخصوبة بين المرأة القادرة على الانجاب والطبيعة القادرة على الخلق والتوالد، فقد عُثر في تل مريبط على رأس بشري منحوت من الحجر، ودمية امرأة من الطين هي الأولى من نوعها في العالم، حيث يظهر تقديس المرأة في هذا الوقت المبكر من التاريخ الانساني، كما تشير إلى نمط تفكير انسان ذلك العصر الذي ربط بين المرأة والطبيعة من حيث الخصوبة واستمرارية الوجود، فكان أول من عرف فن الرمز والتجريد. كما أثبتت حملة التنقيب والانقاذ الدولية لآثار بحيرة الأسد التي شملت مواقع حضارية على ضفتي الفرات في الجزيرة الشامية، وذلك في موقعي تل حبوبة وجبل عرودة أنَّ الإنسان في هذه المنطقة عرف الكتابة أيضاً بشكلها البدائي المبسط والذي تطور فيما بعد ليصبح الخط المسماري(31).‏

وقد استدل روبرتسن سميث من لفظة" البطن"و" الفخذ" وأمثالهما على مرور العرب في دور الأمومة، وعلى أن القبائل كانت قد أخذت أنسابها القديمة وأسماءها من الأمومة ومن الطوطمية. ورأى أن كلمة البطن في الأصل كانت تعني معنىً آخر غير الذي يذهب إليه علماء الإنسان، ودليله على ذلك استعمال " رحم" (32) وكان يقصد بالجغرافية التاريخية للجزيرة العربية، أي الامتداد الجغرافي الطبيعي للهلال الخصيب. وهو ما يؤكد التوازي ليس في البنية التطورية التاريخية فقط بل وفي رموزها المثيولوجية بما يتوافق مع المرحلة التاريخية" الزمنية المدروسة".‏

فالقراءة النقدية الشريفة تدرك وبشكل حيادي طبيعة التداخل في البنية الديموغرافية، منذ المراحل المغرقة في القدم من التاريخ " الباليوليتي" فتبين من فحص الأدوات الحجرية المنسوبة إلى المراحل الباكرة من الباليوليث، في الجزيرة العربية أنها استوردت من فلسطين أو بلاد الشام لأنها تشبه الأدوات الحجرية التي عُثر عليها هناك(33). وتؤكد هذه الآثار أن الجزيرة العربية كانت مأهولة بالناس منذ المراحل الباليوليثية الباكرة. حتى الأدوات الصوانية التي اكتشفت في الربع الخالي وحضرموت.. هي من النوع الذي عُثر عليه في جنوب فلسطين(34).‏

ونلاحظ نفس المواصفات والعلامات المؤكدة للوحدة التاريخية والجغرافية، إذا اتجهنا شرقاً وشمالاً نحو البحرين " الديلم" فقد عثر في البحرين أيضاً على عدد من رؤوس حراب وسكاكين صنعت من الصخور الصوانية، قّدّر بعض الباحثين عمرها بما يترواح بين عشرة آلاف واثني عشر ألف سنة، وهي ترجع إلى أواخر أيام الرعي وابتداء الاستيطان والاستقرار والاشتغال بالزراعة. وبين ماعُثرَ عليه من هذه الأدوات أحجار سنَّت وشذبت لكي تكون بمثابة آلات لحصد المزروعات ولقطع الحشائش واجتثاثها من الأرض(35) ومن المثير للانتباه أن هذه الأدوات هي تالية للتدجين النباتي، ولايمكن أن تكون سابقة له.‏

ويمكننا أن نضيف لما أثبتناه في بداية هذا الفصل التداخل الجغرافي(الترابط) والذي يفرض بالضرورة تواصلاً بشرياً موازاياً، بين الساحل الشرقي الافريقي المقابل لليمن ولحضرموت. وذلك بتأكيدنا حول قصة الجانب الشرقي- أصل الجنس البشري على دور وادي الخسيف في ظهور الإنسان العاقل الأول " بدراسة كوبنز"، وما يعنيه ذلك الترابط الجغرافي السابق قبل تشكل الممر المائي عبر مضيق باب المندب وما يعنيه ذلك التواصل اللاحق في الألوف الأولى من الباليوليث الأدنى، وهل يمكننا أن ننفي أن هناك أصلاً استمراراً جغرافياً للساحل المذكور مع الجانب الآسيوي." فمن الأدلة التي تثبت أن اتصال حضر موت بالسواحل الافريقية المقابلة كان قوياً ووثيقاً في العصور الباليوليثية، هو عثور المنقبين على فؤوس وعلى أدوات أخرى هي من صناعات افريقية، دليل على شدة العلاقات ومنبع توثقها بين افريقيا والسواحل العربية الجنوبية " (36) وهو ما يشير إلى التأسيس الانتروبولوجي اللاحق لوادي النيل، وما يعنيه ذلك التأسيس من رموز ميثولوجية وطقسية واحدة،" فعثر على كهوف من العصور الباليوليثية، وقد صورت على جدرانها صور حيوانات وصور الشمس والهلال، وذلك على طريق التجارة القديمة في العربية الجنوبية، بين وادي" يبعث " ووادي " عرقه" وهي تشبه في أهميتها من ناحية الدراسة الأثرية الصور المتقدمة التي عُثر عليها في " كلوة" في الأردن.‏

وجميعنا يدرك دور الشمس في المظاهرات التالية لمثيلوجية المنطقة العربية من جزيرة الديلم شرقاً وحتى السواحل العربية الافريقية الشمالية وبنفس الدور والأهمية ينخرط الآله القمر. وقد شكلا بنيةً مثيولوجية متتالية متصاعدة سنعرج على بعض جوانبها بالتفصيل لاحقاً.‏

ومن هذا نستنتج أن منطقة الشرق العربي تميزت بسبقٍ مهم على كل مستويات التسلسل الزمني الباليوليثي بسويّاته الثلاث وصولاً إلى العصر النيوليتي والذي كتبت عنه مجلة" العلم والحياة" العدد الرابع 1991 (37)، بأن الشرق العربي، هو مهد الثورة النيوليتية، وبدراسة تجمع آراء العديد من الباحثين الآثاريين لمراحل ما قبل التاريخ كتبت تقول بأن العصر النيوليتي في الشرق العربي مذهل حقاً، بل يستحق صفة" الثورة " عن جدارة واستحقاق. ولكن هل كانت ثورة بيئوية، أم مادية، أم ثقافية؟ وقبل أن ننتقل للإجابة التي أوردها المصدر المذكور، لابد أن نشير إلى أن السياق العام المتعدد المستويات الذي تحدثنا عنه، بما يخص التطور الانتربولوجي المعرفي في توصفاته الميثولوجية الأولى، يؤكد أن الثورة الثقافية والتي كانت المظهر الأناسي المعرفي للتطور البيئي- المادي، ما كانت لتحدث كقفزة في الفراغ بدون التطور المادي البيئي" والبنى التحتية ذات الصيرورة المادية- البيئية. ويؤكد البحث المذكور أعلاه بأن الشرق العربي، هو مهد" الثورة " النيوليتية، وكلمة المهد المستخدمة بالدراسة، توحي بالوحدة الجغرافية للسيرورة، في حين شهدت مناطق أخرى عديدة من العالم تحولاً من النمط نفسه وبالمقابل، الشرق العربي هو أبكر مناطق العالم نضوجاً: لقد انطلقت سيرورة تحوّل الصيادين - القطافين إلى مزارعين- مربي حيوانات، واكتملت هنا في وقت مبكر لم تجاره في بكوريته أية منطقة أخرى(38).‏

لقد استمرت الحركة النيوليتية الطويلة أكثر من أربعة آلاف عام، وخلال هذه المدة غيرت الجماعات البشرية وعدلت، بالتدريج، في سلوكياتها، فاستبدلت الحركية الضرورية لاقتفاء أثر الطرائد والنباتات البرية، لدى الجماعة، بالاستقرار المتدرج في الوقت نفسه والمواقع ذاتها. وانتصبت مكان التخييمات" الفصلية والمآوي الخفيفة والعابرة، أولى القرى التي ضمت أكواخاً ذات هياكل أقوى، تُسكن على مدار العام، وقد تمثلت هذه المرحلة بـ Les NOTOUFINES الذين استقروا في بلاد المشرق العربي منذ الألف العاشر قبل الميلاد، وشكلوا بذلك، الجماعات الحضرية الأولى في التاريخ والتي انبثقت فيها المعالجات التي قادت مع بداية الألف الثامن قبل الميلاد إلى أولى التجارب الزراعية النوعية بعد أن " استغلت" لفترات طويلة في عملية تدجين تمهيدية وظهرت بشكل نوعي الزروع الأولى " القمح والشعير والشيلم" وأولى القطانيات " الجلبان والفول" بشكلها الداجن النوعي. وهذا عنى من الناحية الذهنية التعامل بطرائق عقلية خاصة، قادرة على التحليل والتركيب والتجريب والتجريد بحدوده وعلاماته البيّنة، رغم نمذجتها الأولية والتي أفضت بالتالي إلى التجديد الجوهري بهيمنته التدريجية على الطبيعة المحيطة.‏

فالتحكم بموقع الحقل، وبجودة المحصول وكميته أدى إلى رؤية خاصة لقوة العمل ومدته، وارتباط ذلك ببنية الانسان القادر على التعامل مع محيط أكثر تعقيداً أدى بالضرورة إلى تطور أناسي معرفي انتقل بمقدرات الانسان في المشرق العربي إلى حالة تجريد الظاهرة لضرورة معالجتها. فالاستقرار الموقعي المرتبط بما سبق أدى إلى التآلف التدريجي مع بعض الأنواع القطيعية التي كانت محط صيد متميز " الماعز، والخراف والبقريات" بحيث تم الحفاظ عليها قريبة من مواقع العيش قبل الانتقال إلى تدجينها والتحكم بتكاثرها. وهكذا حددت الآلاف الثلاثة (10,000-7000ق.م) المميزة للثورة النيوليتية في منطقة الشرق العربي، معالم هامة لظاهرة ضخمة وحيوية ونوعية. فعلى المستوى التقني طورت صناعة حجرية أساسية قوامها أدوات صغيرة ودقيقة الأبعاد جداً، واستبدلت هذه الآخيرة بأدوات جديدة، يوحي شكلها مباشرة بمجال وظيفتها، كرؤوس السهام، وأنصال المناجل، مع أسنان وبدونها، وظهرت تقنية صقل الحجارة التي أتاحت لقاء عمل مسبق وأطول مدة مرة أخرى استغلال مواد أكثر صلابة، وبالتالي أكثر استمرارية وخدمة من الصوان المشذب التقليدي:‏

الفؤوس، والبليطات المعقوفة المقاطع، والمجارف المصقولة تكاثرت نحو 7500 ق.م. وكانت هذه التقنية نقطة انطلاق لأشياء جديدة كالأوعية أو الأطباق الحجرية وأدوات الزينة والأساور. وظهرت في نفس الفترة مواد مبتكرة نتيجة التكليس كالجير والجص، من ثم إعادة تمييه الحجر الكلسي أو الجبس، وبعد ظهورها في بداية الألف الثامن راج استعمالها في البناء " لياسة الجدران، وفصل الأراضي." وفي صناعة الآنية (39). ومع بداية الألف السادس قبل الميلاد استبدلت هذه المواد بابتكار آخر أي السيراميك " الفخار"/ تربة مقولبة قبل الشيّ. وروفق ذلك بابتكار فن العمارة ابتداءً من الكوخ الصخري، فالبيت ذي الجدار الدائري، فالبيت ذي الجدار المضلع القابل للتوسع كما تحدثنا أعلاه.‏

" فإذا تمسكنا بالأدلة الناتجة عن تحليل العمارة فإن فرضيات جديدة ستنضم إلى الضرورات التي تفرضها البيئة، وفي الحقيقة سنميل إلى تثبيت الاعتقاد المسبق بوجود درجة من درجات التنظيم الاجتماعي، أتاحت للجماعات البشرية، كما في الألف الثامن، أن تتكاثر وينمو عددها محلياً فالانتظام المتراص للمساكن على طول " الشوارع"/ في أبو هريرة وفي الرماد / دليل على وجود نمط جديد من ترابط النسيج القروي. كذلك فإن الدليل الضعيف حتى الآن على وجود مجاري وقنوات للمياه في بقرص يمكن أن يطرح أمامنا مسألة التوزيع البلدي للمياه، وهو وجه من أوجه التنظيم البلدي الذي أراد الأستاذ تشايلد أن يرى فيه نقطة الانطلاق نحو التمدن"(40).‏

كانت تلك الأرضية الاقتصادية، نموذجاً خاصاً للرؤية التجريدية، في فصل المنظومة العقلية المتعافية في تعاملها مع حالات أكثر تعقيداً، بحيث ينتقل التدجين من كونه فعلاً تلقائياً تقوم به الجماعة بإدارة ما تنبته الطبيعة إلى فعلٍ قادر على ممارسة الفعل نفسه في منطقة لاتنبت تلك النباتات البرية، بحيث تنقل الحبوب من منطقة لتزرع في أخرى لم تكن مهيأة مسبقاً للنمو التلقائي" فموقع راس شمرة " أوغاريت " يقدم لنا الشواهد الأولى على الاستقرار الزراعي في منطقة لاتنبت الحبوب البرية فيها " (41) منذ الألف الثامن، وهذا يعني وجود التصوّر/ النموذج لاستنبات المحاصيل ورعايتها خارج مواقع تواجدها التلقائي، مما حدا بالجماعات البشرية في المشرق العربي إلى الطموح لاختيار مواقع معيشة أكثر تلاؤماً مع الظروف البيئية ليس الطبيعية فقط بل والانسانية في معانيها الأرقى" فقد رأينا أن هجرة الموطن كما في حوض الفرات، في المريبط، لم تكن تعني هجر المنطقة نفسها، ففي الوقت الذي هجرت فيه المريبط نشأت في نهاية الألف السابع ثلاث قرى جديدة إلى الجنوب من الخط المطري الحالي البالغ 200 مم، وهي ابو هريرة وبقرص على الفرات والكوم في حوض تدمر" (42)، وذلك لم يميز فقط منطقة المشرق العربي، بل امتد ليصل إلى المغرب العربي، وذلك بالتوازي والتوافق الحاصل في البنية التقنية والسوية الحضارية لكلٍ من الحضارة النطوفية " والتي تحدثنا عن علاقتها بما يوازيها في وادي النيل" والحضارة القفصية، وبما عناه ذلك من بنية مثيولوجية كانت تشكل جوهر التوصفات اللاحقة في تطور البنى والمظاهر الطقوسية برموزها المتعددة. فالطيب تيزيني يؤكد على ذلك في كتابه الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى حيث يقول :" فلقد اكتشف العلماء الآثاريون معبداً لعله الأقدم من نوعه، وذلك في حضارة أريحا في فلسطين. أما تاريخه فيعود إلى ماقبل الألف السابع قبل الميلاد. في هذا المعبد وجدت أنصاب وتماثيل لعدد من الحيوانات الأهلية " أغنام وماعز وأبقار وخنازير" إضافة إلى شكل لعضو الرجل الجنسي. وقد جعل هذا الاكتشاف وليم أولبرايت يصل إلى الاعتقاد بأن أقوام العصر النطوفي الذين عاشوا في تلك الفترة التاريخية البعيدة، في كنعان كانوا من عبدة العضو الجنسي. والأمر هذا نفسه نتبين تعبيرات أخرى له في الحضارة القفصية في تونس"(43).‏

وبالعودة إلى بلاد الرافدين فلقد " وجدوا بقايا حضارة مختلفة تماماً عن حضارة أور على عمق ستة عشر قدماً من مستوى سطح أور التي عاشت حوالي 2700 ق.م لقد وجدوا مدينة ذات منازل من الآجر حسنة البناء عمرها ستة ألاف سنة. وعرف وولي أنه اكتشف أقدم حضارة على الأرض" (44). وبحديثه عن البنية المثيولوجية لتلك الجماعة البشرية يقول ليونارد وولي: " وكانوا يلقون الميت في قبره على أحد جانبيه ويجمعون ركبتيه إلى صدره، بدعوى أن الانسان يأتي إلى الدنيا بهذا الشكل وعليه أن يغادرها على هذا النحو أيضاً: وكانوا يعتقدون أن الموت عبارة عن انتقال إلى عالم آخر، ولذلك تراهم يضعون إلى جانب الميت أواني الأطعمة ووسائل الزينة وغيرها من الأدوات البسيطة التي يحتاج إليها الفرد في حياته الاعتيادية، وذلك مما يدلنا على اعتقادهم بعودة الروح إلى الجسم، وحينئذ يحتاج الميت إلى ماوضع بجانبه"(45) لكن هل كان ذلك نتيجةً لعدم قدرة الانسان على الفصل بين الحلم والواقع، بحيث كانت تتردد في أحلامه وجوه أسلافه وأترابه المتوفين بشكلها الحي بحيث لايستطيع تمييز ذلك عن واقعة الموت؟ أم كان نتيجة لبنية مثيولوجية كاملة تتوضع بالإيمان اللاهوتي ببعث الميت حياً في زمنٍ لاحق؟ أم كان متوضعاً في بداية ادراك الانسان لمعنى الموت وما يتركه في النفوس من خوف يستدعي الايمان بالانبعاث كمخرج حتمي من هذا المصير؟ سنأتي على ذلك لاحقاً مع الاستمرار بالقراءة الانتروبولوجية المعرفية لتطور الميثولوجيا العربية في صعودها اللاحق.‏

هوامش الفصل الثاني‏

(1) يان ايلينيك -الفن عند الانسان البدائي- ترجمة د. جمال الدين الخضور دار الحصاد دمشق ص 279‏

(2) كوبنز. ي مجلة العلوم المجلد11 - العدد 2 شباط 1995 ص12.‏

(3) هيوتن د. أ، وودوك ج. م- تغير مناخ الكرة الأرضية - مجلة العلوم المجلد 6 العدد 22 تشرين الثاني 1989 ص 11‏

(4) فراس السواح - دين الإنسان ص 124، دار علاء الدين دمشق ط 1 -1994‏

(5) فاندرميرش وبار- يوسف. الإنسان الحديث في الشرق - مجلة العلوم المجلد 11- العدد -1- " يناير" كانون الثاني - 1995 ص30‏

(6) المصدر نفسه ص31‏

(7) المصدر نفسه ص 32‏

(8) المصدر نفسه ص 31‏

(9) فراس السواح - دين الإنسان ص 124‏

(10) فاندرميرش وبار -يوسف -الإنسان الحديث في بلاد الشرق -مجلد 11-1 كانون الثاني 1995‏

(11) المصدر نفسه‏

(12) فراس السواح - دين الانسان ص 129‏

(13) يان ايلينيك - نفس المعطيات السابقة ص 306.‏

( 14) المصدر نفسه.ص 307‏

(15) مور أ.م.ت - قرية زراعية سورية مع نهر الفرات سبقت العصر الحجري الحديث- مجلة العلوم المجلد 6- العدد-10 تشرين الأول- 1989.-نشرت الدراسة في Scintific American August (1979)‏

(16) جاك كوفان - الوحدة الحضارية في بلاد الشام بين الألفين التاسع والسابع قبل المبلاد، ت، قاسم طوير ط 1984 ص8‏

(17) المصدر نفسه ص21‏

(18) يان ايلينيك ص 241 وص 246- 247‏

(19) جاك كوفان ص115‏

(20) المصدر نفسه ص08‏

(21) المصدر نفسه‏

(22) المصدر نفسه 141- 149 -وفراس السواح دين الانسان ص 163- 164.‏

(23) جاك كوفان هامش ص 149‏

(24) جاك كوفان ص 170‏

(25) جاك كوفان ص 170‏

(26) أنطون موتكارت، تاريخ الشرق القديم، بدون دار النشر، ج1، تعريب توفيق سليمان وعلي أبو عساف وقاسم طوير - ص 23-24‏

(27) أنطون موتكارت ص19‏

(28) د. عبد العزيز عثمان تاريخ الشرق القديم ص 395، ج1‏

( 30) فاند يفرب.ب- طليات الخزف القديمة -مجلة العلوم، المجلد 9- العددان "29" يناير- فبراير- 1993.‏

(31) محمد وحيد خياطة -مجلة الفكر العربي ص 41 العدد 52‏

(32) جواد علي. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار العلم للملايين، ط2 1978، ج1 ص 523‏

(33) جواد علي المصدر السابق، ج1 -ص530 عنGeorge Journal Vol‏

(34) المصدر السابق ص 537.‏

(35) د. جواد علي المصدر السابق، ج1 ص534‏

(36) د. جواد علي، المصدر السابق ص531‏

(37) ترجمة محمد دنيا- - عندما انطلق العالم من الشرق " الأوسط"، مجلة المعرفة دمشق - العدد 368 أيار- مايو 1994 نقلاً عن مجلة " العلم والحياة" العدد الرابع لعام 1991‏

(38) المصدر السابق ص 202‏

(39) المصدر السابق ص 204‏

(40) جاك كوفان ص 108‏

(41) جاك كوفان ص 107‏

(42) جاك كوفان ص107‏

(43) الطيب تيزيني، الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى، دار دمشق، ط1 1982 ص409‏

(44) المصدر السابق ص 91‏

(45) السر ليونارد وولي وادي الرافدين مهد الحضارة - تعريب أحمد عبد الباقي مكتبة المثنى ببغداد ط1 1948 ص18.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244