|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:01 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث نستنتنج مما سبق أن إنسان المشرق العربي بدأ مع نهاية الألف السادس قبل الميلاد بالانتقال من: 1- وحدة الواقع والحلم. 2- وحدة الأرض والسماء. 3- وحدة القائم حالياً مع الخلف والسلف. إلى: 1- التمييز بين الواقع والحلم. 2- فصل الأرض عن السماء. 3- التمييز بين ما هو قائم في " الموضوع" عن الخلف والسلف. لكن وبعد أن أثبتنا التوازي والتطابق في التطور، وحتى تلك الفترة، على كامل مساحة الوطن العربي والتي ضبطناها جغرافياً وحددناها ضمن دائرة البحث بالشرق العربي " الأدنى" / بلاد الشام وبلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية/ وبشمال افريقيا مضافاً إليه السودان كامتداد جغرافي وطبيعي وديمغرافي لوادي النيل والساحل الشرقي للبحر الأحمر وامتداده التالي في الساحل الصومالي مروراًبالقرن الافريقي، لابدَّ من المرور على الحركية الديمغرافية باحتمالاتها المفترضة وبالسياق التاريخي المفسر. برغم وجود احتمالات نظرية أخرى لطبيعة واتجاهات حركات جولات الكتل البشرية في المنطقة العربية المحددة أعلاه. فلقد " أكد عدد من مشاهير علماء الآثار أن الهجرات من جزيرة العرب لم تقتصر على سورية وفلسطين ولبنان / بلاد الشام/ والعراق، بل تعدتها إلى مصر أيضاً حيث يعتقد بأن جماعات نزحت من جزيرة العرب إلى وادي النيل واستقرت فيه في حدود الألف الرابع قبل الميلاد، فجاءت هذه الجماعات إلى مصر من بزرخ السويس أو من طريق جنوب الجزيرة عبر مضيق باب المندب"(1). وهنا لابد من التذكير بحقيقةٍ ثانية/ بالاضافة إلى الحقيقة الأولى التي أوردناها في الفصل السابق/ مفادها أن الامتداد العربي في القارة الافريقية هو أوسع في جغرافيته الطبيعية والديموغرافية مما هو عليه في آسيا ." فيذهب البعض إلى أن الهيكل المنضدي المصدوع الذي يمثل سواحل اليمن والحجاز- يظهر بشكل متشابه في سواحل أفريقيا فيما وراء البحر الأحمر، مما حدا بالجغرافيين إلى اعتبار شبه الجزيرة العربية جزءاً من القارة الافريقية يفصله عنها شبه انحراف "(2) كما يذهب البعض الآخر، إلى أن البحر الأحمر في عهود جيولوجية غابرة كان عبارة عن بحيرة مغلقة تتوضع بين القارتين الافريقية والآسيوية. أما الدراسات الحديثة لدى بعض المفكرين الافريقيين في غرب أفريقيا فترى أن القبائل العربية عبرت مضيق باب المندب من اليمن إلى شرق أفريقيا وعبرت القارة على طول خطوط العرض حتى استقرت في بلاد اليوربا، غربي نيجيريا، وفي السودان الغربي، وأوغلت جنوباً عن طريق بحر العرب والمحيط الهندي إلى زنجبار وشواطئ كينيا وتانجانيقا ومن هناك توغلت على خطوط العرض حتى عرفت جبال القمر وهضبة البحيرات وأكثر من هذا وصلت إلى تقسيم المياه بين نهري النيل والكونغو(3). إن الأخذ بهذه المقولة يبدو سليماً من الناحية العلمية خصوصاً إذا أدركنا طبيعة الحركية الديمغرافية مع الظروف والشروط البيئية والطبيعية. وقيام الحضارات الأولى في المناطق الزراعية المستقرة نسبياً مع بقاء حركة الجولان في مناطق الرعي والصحراء مفتوحة على احتمالات عديدة ومتشعبة. بحيث لم تكن الجزيرة العربية أشبه بكأس ماء على حد وصف المستشرق غوستاف لوبن كلما زدنا امتلاء الكأس فاض الماء عن الكأس وسال عن أطرافه إلى مالانهاية. ففي العصور الماقبل تاريخية تذهب الدراسات إلى أن " هجرات "- لأسباب مختلفة - تمت بين مناطق الوطن العربي وحتى فجر التاريخ، ولم تكن الحضارات التي نشأت إلاَّ نتيجة امتزاج جديد بين العناصر العروبية ذات النشأة الواحدة بعد أن تفرقت وعادت لتلتئم.فحضارة وادي النيل العظيمة نمت وتطورت بتدفق الهجرات من جانبي الوادي، من الصحراء الليبية غرباً، ومن صحراء الجزيرة اللتين كانتا غزيرتي المياه مناسبتين للحياة من جهة، وتجفيف المساحات الشاسعة من مجرى النيل الذي كان مجرد مستنقعات، بحيث صار من الممكن العيش فيه من جهة أخرى. وتكونت " مملكتان " في الشمال والجنوب من الوادي حتى تم توحيدهما أواخر الألف الرابع ق.م. وتكوين التاريخ المكتوب لحضارة مصر القديمة (4). واستمرت الهجرات من الصحراء الليبية حتى بعد ذلك. في نفس الوقت الذي دفعت فيه الجزيرة هي الأخرى بموجات اتجهت هنا وهناك. فإلى مصر عن طريق عبور البحر الأحمر وصلت مجموعات كونت دولة الصعيد. "وما يؤكد ذلك أن البلاد المعروفة اليوم باسم " اثيوبيا" لم تُعرف عند العرب- قبل الاسلام وبعده- بغير اسم الحبشة ومن التمسية العربية أخذ الأوربيون تسميتهم للبلادAbyssinia والتسمية " الحبشة" نسبة إلى قبيلة " حبشت" التي قدمت من اليمن / مهرة بحضرموت/ أو تهامة اليمن. ويمكن القول إجمالاً إن الجنس الغالب في الحبشة شبيه عرقياً بسكان جنوب الجزيرة العربية. بل إن تاريخ الحبشة يبدأ في الجزيرة العربية. وكانت الحبشة- عبر تاريخها الطويل- جسراً بين قارتي آسيا وافريقيا. وكثير من سكانها قدموا من الجزيرة العربية منذ زمن بعيد عبر مضيق باب المندب الذي لايتجاوز عرضه- حالياً- عشرين ميلاً" (5) والمتفحّص لتسمية الأماكن والأنهار والتضاريس منذ فجر التاريخ وحتى الآن، يدركُ أن الحبشة كانت العتبة التي وطأتها أقدام العرب في انتقالهم اللامتقطع باتجاه القسم العربي من افريقيا، فيكتشف أن أسماء تلك الأماكن في الجانب الافريقي من أصل يمني مثل: سبأ، سَحرت، هَوزن، سراة، مأرب(6)... وهي بالتأكيد أسماء نقلها المهاجرون من وطنهم الأصلي إلى حيث استقروا.(بالنسبة للتطابق في الأثر اللغوي والميثولوجي والديني فسيرد في فصوله الموافقة) "ففي عام 1681 أعرب هيبوب لودولف عن وجهة نظره بأن حضارات الحبشة يمكن ارجاعها إلى مهاجرين قدموا من اليمن، استناداً إلى التشابه بين لغة البلدين ووجود عناصر مشتركة في دياناتهما وعاداتهما القديمة، والتشابه في الملامح والهيئة.. وأشار لودولف على وجه الخصوص إلى أقوال الجغرافيين القدامى. فقد أورد أحدهم - ستيفانوس البيزنطي- فقرة من" العربيةArabic من تأليف أورانيوس عرَّف فيها الأحباش بأنهم من أصل عربي قدموا من اقليم يقع وراء سبأ وحضرموت. وأعرب لودولف عن اعتقاده بأن اسمهم لابد وأن يُخفي اسم الأجداد العرب للأحباش. إلاَّ أنه لم يتمكن من تحديد الموضع الذي قدموا منه من اليمن، ويبدو أنه حسبهم قدموا من تهامة على ساحل اليمن. كما أنه لم يتوصل إلى تحديد هجرتهم من اليمن واكتفى بالقول إنها هجرة قديمة منذ ماقبل ميلاد المسيح. والأصول العربية للثقافة الحبشية أخذت طابع الحقيقة المسلّم بها بعد أن قام النمساوي د. هـ. ملر سنة 1893 بنشر قطع من سبعة نقوش كتبت بحروف جنوب الجزيرة العربية " المسند" عُثر عليها في بلدة يحا Yaha على بعد خمسين كيلو متراً شرقي أكسوم على الطريق المؤدية إلى ميناء أووليس " عدولي" القديم (7). وعندما درس جليسر القضية سنة 1895 رأى أن التسمية " حبشة- حبشت" منذ زمن عريق في القدم كانت تسمية عامة لكافة مزارعي وجامعي اللبّان، لافي جنوب الجزيرة العربية فحسب بل أيضاً في الصومال والحبشة واعتبرهم استمراراً ثقافياً واحداً، وبرر رأيه بورود الكلمة" ألف مضة" حبستي في النصوص الهيروغليفية القديمة وبالرجوع إلى المعنى الأصلى للفعل العربي " حبش" وهو" جمع(8) ولا أعتقد من ناحيتي بأن من الضرورة بمكان تذكير القارئ بأن جنوب الجزيرة العربية كان المصدر والمنتج الوحيد للبخور واللبان في كل نواحي العالم المعروف منذ ما قبل التاريخ وحتى المراحل التالية من الحضارات الجليلة. وفي عام 1962 نشر الباحث الفرنسي دروز Drewes دراسة تحليلة للنصوص الحبشية في كتاب صدر في ليدن بعنوان" نقوش من الحبشة القديمة" ومن أهم النقاط التي أثارها تلك المتعلقة بهوية الشعب الذي أدخل ثقافة جنوب الجزيرة العربية إلى الحبشة، وبالتالي أصبح مقبولاً بأن حبشت كانت في الأصل قبيلة من جنوب الجزيرة العربية عبرت في وقت مبكر- قبل القرن الخامس قبل الميلاد بزمن طويل- البحر الأحمر واستقرت بادئ الأمر على ساحل أرتيريا " سهل سمهر" وتسربت تدريجياً إلى أقاليم المرتفعات في الداخل الحبشي حول يحا وأكسوم(9). "أما المستشرق الايطالي كونتي روسيني فيرى أن شعب الحبشة قدم إلى افريقيا من ساحل اليمن أو عسير/ مما يسهل لقربه عملية العبور إلى ساحل ارتيريا. وهو يرى أن أحد المواطن الرئيسية لحبشت كان بمقاطعة سحرمّان القديمة"وفي هذا المنطقة يوجد جبلان يحمل أحدهما اسم" حبش " ويحمل الجبل الآخر اسم" جيش" وعلى وجه التحديد على مقربة من لحيّة حوالي سبعين كيلومتراً شمال غربي الحديدة، مابين وادي بيش ووادي سردود. كما يرى روسيني أن مقاطعتي سحرت وهوزين في اقليم تيجري شمال الحبشة تقابلان سحرتان وهوزن في اليمن . ويفترض روسيني أن بعض هؤلاء الحبشت كان قد هاجر قبل القرن السادس قبل الميلاد إلى الحبشة حيث قامت على يديه أولاً حضارة مركزها يحا، ثم حضارة أكسوم، ولكن بعضهم بقي في موطنه الأصلي وظل يحتفظ بعلاقات تجارية وسياسية مع النازحين(10). [ وهكذا أدخل المهاجرون عبر موجاتهم المتتالية منذ ما قبل التاريخ وحتى بداية الألف الأول قبل الميلاد إلى الساحل الافريقي من البحر الأحمر، لغتهم، وفن البناء بالحجر، والقراءة والكتابة وكانوا أول من أدخل الزراعة، ومن هناك توغلوا إلى عمق القارة الافريقية وجهاتها المتعددة. أما المهاجرون من اليمن فلم يكونوا بدواً رحلاً، بل كانوا قوماً مزارعين مستقرين وأدخلوا إلى البلاد استعمال المعادن وأسلحة لم يسمع بمثلها قبل قدومهم وحيواناتٍ مدجّنة كالجمل والحصان والأغنام ومحاصيل وأساليب زراعية جديدة ونظماً راقية في الري والفلاحة وحلَّت من الناحية الأناسية المعرفية نظم المجتمع الأبوي والتنظيم الاقليمي والملكية الجماعية بدلاً من منظومة المجتمع الأمومي. يضاف إلى ذلك نظام الزراعة بالمصاطب على سفوح الجبال والسدود. ومما لاشك فيه أن العرب باصطحابهم المحراث- الذي لم يكن معروفاً في افريقيا السوداء كان هبة قيمة من هؤلاء الوافدين العرب كما اكتشفت البعثة الألمانية سنة 1905 في حفرياتها قرب أكسوم مجموعة كبيرة من الآثار هي عبارة عن عدد من الأعمدة والمسلاّت ليس منها سوى واحدة قائمة والباقي على الأرض ويبلغ طول المسلة القائمة 27م. ويبدو أن هذه المسلات كانت لأغراض دينية حينما كان السكان يعبدون الشمس وكان القرص في أعلى المسلّة- يمثل قرصها- وهو يرسل أشعة إلى جميع الجهات. كما عثر عام 1953-1954 في أزبي ديرا في أقصى شرق هضبة تتجري على تمثال حجري لملك يرتدي رداءً ثميناً مزيناً، وهو جالس على كرسي، وعند قدم التمثال كتابة بالسبئية. كما اكتشف في مدينة أفا "Ava"/تحا/ حالياً" معبد للاله شمس. ويبدو أن تحاكانت المدينة الرئيسية في المملكة التي سبقت مملكة اكسوم. واكتشفت فيها في السنوات الأخيرة أوانٍ فخارية جيدة الصنع وقناديل ومصنوعات من البرونز وحراب وفؤوس ومناجل وبعض الأختام، وأقدم المباني التي عثر على بقايا مهمة منها في هضبة الحبشة شديد الشبه ليس فقط مع أطلال المباني في جنوب الجزيرة العربية بل مع مباني العصر في تلك المنطقة ولاغرابة في ذلك إذ أنها معابد أقامها القاطنون العرب من جنوب الجزيرة العربية للالهة التي كانوا يعبدونها. وأقدم هذه المعابد معروف في يحا جنوب شرق عدوة. وهو مبني من كتل صخرية كبيرة يشبه مباني مأرب أما المعبد الآخر المهم وهو أقدم من سابقه بكثير فيعرف باسم ميلازو ويتبين طابعه الديني من هدايا النذور ومعظمها تماثيل صغيرة لماشية. بينما تدل اللوحات الحجرية المنقوشة على أن المعبد كان مكرساً للاله القمر] (12) ومن المعروف دور موقع الإله قمر " سين" كأقدم إله في المنظومة الثيولوجية العربية ليس فقط في جنوب الجزيرة العربية،كما سنرى لاحقاً، بل في عموم أصقاع الوطن العربي. ومنطقة ميلازو المذكورة غنية بالتماثيل التي تعود إلى فترة جنوب الجزيرة العربية. فثمة تمثال صغير لرجلٍ يرتدي عباءة فضفاضة وعلى الجانب الأيمن من القاعدة يرد اسم علم مذكور مكتوب بالسبئية. وهناك تمثال صغير لامرأة جالسة وعلى القاعدة نقش اسم من جنوب الجزيرة العربية " كنعان" ولهذا الاسم أهمية خاصة تاريخية وأنتروبولوجية معرفية من حيث الحركة الديموجغرافية لهذا الاسم باتجاه الخليج العربي، من ثم لاحقاً باتجاه بلاد الشام، ومن هناك باتجاه الساحل الشمالي لافريقيا. " كما عثر على كثير من مذابح حرق البخور، ومعظمها ينتمي إلى الأنماط المعروفة في جنوب الجزيرة العربية. وتشير العلامات على هذه المذابح إلى آلهة جنوب الجزيرة: هلال فوقه قرص" (13). وهكذا نستنتج وبما لايدع مجالاً للشك بعد كل تلك الذخيرة من الوثائق أن الوحدة الأناسية بشكليها التاريخي والجغرافي " وسنأتي لاحقاً على شكلها اللغوي والثيولوجي والديني" بين شبه الجزيرة العربية والساحل الافريقي من البحر الأحمر تشكل البرهان الأكيد على أن أحد المنافذ الاساسية للهجرات التالية باتجاه وادي النيل كان من ناحية باب المندب، وهو مايتمم ما أتينا عليه سابقاً من الدور المؤسس لوادي الخسيف وامتداده في جنوب الجزيرة العربية قبل تشكل الممر المائي في باب المندب وبعده، في التطور الأناسي التالي للإثنية المعرفية " وليس العرقية العربية كمطلقٍ أكيد في انبعاث الحداثات التالية عبر مراحل الباليوليث والنيوليت وحتى الحضارات الجليلة. وبالانطلاق شمالاً نحو السودان/ الجزء الجنوبي من وادي النيل/ نلاحظ وبنفس المعطيات السابقة التي تحدثنا من خلالها حول الوحدة الاناسية الجغرافية- التاريخية للساحل الافريقي المقابل للساحل الاسيوي من ضفتي البحر الأحمر، نلاحظ بأن سكان السودان يمثلون خليطاً أيضاً يغلب عليه أؤلئك الذين وفدوا من جنوب الجزيرة العربية، من جانب، ومن الجانب الآخر أولئك الذين وفدوا عليه من الصحراء العربية الكبرى، بعد جملة التغيرات البيئية والجغرافية، حيث جفت الصحراوات العربية والليبية، وتجف كذلك تلك المستنقعات الشاسعة من مياه النيل ويتمدد- بشكل أفضل - مجراه ويصبح من الممكن زراعة أرضه واستغلال مياه النهر في الاستنبات، ويتدفق على الوادي سكان الصحراوين المهاجرين طلباً لمكان أنسب للحياة والاستقرار. فالتشكيل السكاني" الديموغرافي" الأول لما عرف بعد ذلك باسم " المصريين" في اساسه مرتكز على مهاجرين من شرق الوادي وغربه. وكان من الطبيعي أن يحمل القادمون إلى الوادي ثقافتهم ودياناتهم وأن تكون هذه الثقافة، بما فيها الدين، الأساس الذي بنيت عليه الحضارة المصرية(14). ولقد كان من المستحيل ذلك، قبل انتهاء المراحل المتأخرة من العصر الجليدي الأخير، حيث لم يكن مجرى النهر قد أصبح قابلاً للحياة المستقرة، كما أن الصحراوين العربية والليبية كانتا قابلتين للحياة. إذن تداخلت معنا ثلاثة شروط مترابطة فيما بينها: 1- الجفاف العظيم الذي حلَّ بالصحراء في شبه الجزيرة العربية، والصحراء العربية الليبية الكبرى وهذا ما كان قائماً في السنين القريبة من العصر الميزوليتي كما بينا ذلك في الفصل الأول من هذا الكتاب، حيث تؤكد كل المكتشفات " كما أسلفنا" على أنها كانت مناطق قريبة من البيئة المدارية. 2- جفاف المستنقعات التي كانت تغطي كل وادي النيل، والتي كان يستحيل بوجودها، التوضع الاستنباتي المستقر. 3- حركية الهجرات التالية للعامل الأول مما دفع تلك الكتل من الشعب للانطلاق بحثاً عن مواقع للحياة أفضل قابلة للاستقرار ولاستنبات تلك المكتسبات الثقافية والتقنية في مواقع أفضل. وإذا كان ما أكدناه وأثبتاه في بداية هذا الفصل يشكل الخزان البشري في جناحه الشرقي لوادي النيل فهذا لايمنع أيضاً من انبثاق الخزان الغربي باتجاه الشرق والشمال نحو الساحل المتوسطي.الأول وشكله تراكم الهجرات المغرقة في القدم، أو التواجد المتوازي المتطابق التاريخي الأناسي بين جنوب الجزيرة العربية والمنطقة الممتدة من القرن الافريقي وحتى أبعد نقطة من الساحل الأريتيري على البحر الأحمر مع تمركز هام في هضبة الحبشة ودفعته تلك التغيرات المناخية التالية إلى الاتجاه نحو وادي النيل." وهذه الوضعية تكتسب صيغة أكثر وضوحاً وتدعيماً، حينما نتبين التكوين اللغوي الرئيسي الذي هيمن في السودان القديم( والوسيط والحديث بمزيد من الوضوح) فهذا التكوين كان أصلاً وفرعاً من جذور ( من شبه الجزيرة العربية) لغوية، تبلورت هناك أكثر فأكثر باتجاه اللهجة أو اللغة " العربية". ويمكننا أن نورد مثالاً على ذلك بعض المفردات التي نواجهها في السودان/ المشابهة لما لمسناه في الساحل الاريتيري والهضبة الحبشية/ تلك هي:/ ابريم.. أم بقول درمان- أبو هرار- أم شنقة- أبو خراز- أبو دليق- بلل -بربر -باري- تنزه- الثيب- جبل تعلى- جنس- جبل شنقول- جبل الداير- حلفا- حنك- صلة تركبان- خندق- دبور- ور- ونقلة- وبة -ديكة- دارة - سواكن- سبوع- سمنة- سكوت - سبت- شكا- صلب- صنم- عمده- فرص- كلكل- كلابشة- كوبان- كاكا- كتم- واو" تلك المعطيات، وأخرى عديدة تاريخية واقتصادية وثقافية، تسمح لنا بأن نوسع دائرة بحثنا، بحيث تبرز السودان- أي معظم الشطر الجنوبي من وادي النيل- بصفتها أحد مظاهر المجتمعات الشرقية العربية القديمة. بل إن وادي النيل هنا، يمثل في شطريه، مستوى اقتصادياً ولغوياً وثقافياً متكاملاً بصورة أساسية، وذلك ضمن الوحدة التاريخية الاثنوغرافية والاثنولوجية للشعوب العربية(15). " وإذا كان من المسلم به أن أسماء الأماكن واسماء الأشخاص إذا وجدت متفقة بين اقليمين في القديم فإنه برهان على وحدة هذين الاقليمين، فإن دراسة أسماء الأماكن والمواقع واسماء الأشخاص بين أقطار الوطن العربي تبين بشكل لايقبل النقض هذه الوحدة. بل إن دراسة عن أسماء القبائل الليبية القديمة التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد أثبتت بالقطع صلتها بقبائل عربية موازية لها، كما بنيت عن التسمية العربية لهذه القبائل بلغةٍ نفهمها اليوم.. ونظرة واحدة إلى خارطة الشمال الافريقي مثلاً ترينا كيف أن قبيلة ما- كالمشوش- نجدها في عصر في ما يسمى تونس اليوم، ثم نلقاها في الصحراء الشرقية من ليبيا بعد مدة من الزمان. وهذا ما هو حادث حتى يومنا الذي نحياه، إذ نجد قبيلة - كالفرجان مثلاً - في وسط الجماهيرية وهي ذاتها في موريتانية ونعثر على العبيدات في شرق الجماهيرية وهي كذلك في الأردن، والعنزة موجودة في ليبيا والكويت أو شمال الجزيرة (16) وحتى في كل بلاد الشام. وإذا كان باحث ما يتحدث عن طريق واحد للوصول إلى وادي النيل، كما يفعل كمال حسين مثلاً" بأن المصريين والسودانيين من أصل واحد، وأنهم جاءوا إلى وادي النيل من بلاد العرب ( الجزيرة العربية) عن طريق الصومال على ما تدل عليه البحوث والاستقراءات (17) أو كما يضيف باحث آخر بوجود الهجرة الليبية العظيمة (18) إلى وادي النيل من الناحية الغربية بالاضافة إلى الطريق الأولى، فإن فريقاً رابعاً، وهو محق أيضاً في أبحاثه واستناداته على وجود طريق رابع للحركية الجولانية الديموغرافية عبر سيناء، إلاَّ أن هناك باحثين آخرين يؤكدون وجود حركة جولانية انطلقت في أزمنة ما قبل التاريخ ومطلع الألف الرابع من وادي النيل باتجاه الشرق، كما يفعل الباحث القدير الدكتور سيد القمني في معظم أبحاثه. إلاَّ أن الجميع متفق على وجود حركية دائمة لم تتوقف بين الجماعات البشرية للشعب العربي وعبر مواقع تواجده كلها. وإذا كان من المسلم به أن الجزيرة العربية كانت" خزاناً بشرياً" كما هو الاستعمال الشائع يدفع بموجات الهجرة إلى مختلف الجهات في حقب متطاولة من التاريخ، فإن هذه الجزيرة ذاتها كانت " تستقبل" المهاجرين إليها من الشمال ومن الجنوب، بل ومن الغرب أيضاً. فالهجرات بين مناطق ما نعرفه اليوم بالوطن العربي كانت متبادلة باستمرار ولم تكن تنبع من منبع واحد، وذلك بحسب الظروف والعوامل البيئية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية المختلفة. وهذا يعني من الناحية الأناسية التاريخية أن قاطني هذا الموقع الجغرافي هم مجموعة بشرية واحدة نشأت حتماً في مكانٍ ما، جماعة صغيرة ثم نمت وتفرعت وكثرت. أو أنها مجموعات متناثرة كونتها نفس الشروط والظروف وتطابق المعطيات البيئية والاشراطات الأناسية بحيث تطورت بشكل متطابق ومتوازٍ من أقصى الوطن العربي شرقاً إلى أقصاه غرباً وعلى مسار عشرات الألوف من السنين بحيث أنتج وحدة أناسية وثقافية ولغوية ومعرفية واحدة/ كما أثبتنا ذلك في الفصل الأول/..." ومهما كان الأمر في المكان الذي نشأت فيه هذه الجماعة، ما بين الجزيرة العربية، وأرض الرافدين، والشمال الافريقي، وشرق أفريقيا أو وادي النيل" (19) أو أنها تطورت بشكل متطابق ومتوازٍ لتجد نفسها وفي المراحل المتأخرة من زمن ما قبل التاريخ تشكل وحدة أناسية واحدة" إلاَّ أنه من الثابت- بشكل قاطع- أن ثمة تشابهاً في المخلفات الأثرية الأولى ما بين أماكن ومواطن تبدو متباعدة مما يدل على امتزاج حضاري بدرجات متفاوتة تؤيده الكشوفات الأثرية يوماًبعد يوم، فحضارة وادي النيل في تكويناتها الأولى تؤكد ارتباطاً وثيقاً بينها وبين حضارة الصحراء الليبية من جهة وحضارة الجزيرة من جهة أخرى. والآثار الفخارية للانسان الحجري القديم في فلسطين " بلاد الشام" تبرز تشابهاً واضحاً مع نفس ذلك العصر في الجبل الأخضر، وهذا يدل على نوع وثيق من التواصل الحضاري(20). أما ما يخص المغرب العربي فلنا في ذلك وقفة كشبيهتها التي وقفناها مع الساحل الافريقي من البحر الأحمر وحتى القرن الافريقي / بداية هذا الفصل/ إذ لابد من التمييز بين ثلاث معطيات هامة تشكل التسلسل التاريخي للهجرات العربية إلى الشمال الافريقي من المغرب العربي، وهي: الهجرات الأولى في مراحل ما قبل التاريخ وبداية الألف الثالث والتي شكلت الهجرات الأمازيغية محورها الهام. وهجرات الفينيقيين في نهاية الألف الثاني ومطلع الألف الأول قبل الميلاد، من ثم المراحل الهامة من انتشار الرسالة الاسلامية. فلقد أكدنا في الفصل الأول التطور المتطابق والموازي في البنية الاناسية المعرفية لحضارة المغرب العربي الماقبل تاريخية مع مثيلاتها في وادي النيل وبلاد الشام والجزيرة.ونكون بذلك وضمن المنهج الذي نتبعه قد حددنا واحداً من الجذور الأناسية التاريخية البعيدة لمنطقة عربية هامة راهنة. وإذا كنا سنخصص لاحقاً حقلاً خاصاً بالتاريخية الأناسية اللغوية للوطن العربي إلاَّ أننا لابد أن نعرّج في مقدمة طرحنا للموضوع باعتبار " البربر" كانوا يتكلمون لهجات ليبية يمتد أصلها البعيد إلى أصل اللهجات " اللغة" العربية في الشرق ." وهذا يشير إلى أننا غدونا في موضع تقصي الأصول البعيدة " للبربر" وإذا كان الأمر كذلك، فلابد من أن نأتي على الواقعة التاريخية التالية والتي أجمع المؤرخون على صحتها. تلك هي أن كلمة " بربري" لاتنطوي على أي مدلول عنصري أو لغوي أو ثقافي. إذ لم يطلق البربر على أنفسهم هذا الاسم، بل أخذوه من دون أن يروموا استعماله عن الرومان الذين كانوا يعتبرونهم أجانب عن حضارتهم وينعتونهم بالهمج Barbri ومنه استعمل العرب كلمة برابر وبرابرة-" مفرده بربري"/"(21). ويذكر عبد الرحمن بن محمد الجيلاني في تاريخ الجزائر العام- الجزء الأول بيروت 1965 ص 48 ما يلي حول لفظ بربري: إنما هو وضعي يراد به عند اليونان " صوت الالثغ" وهو كل إنسان أجنبي عنهم لايتكلم بلغتهم، ومن ثمة أطلقه اليونان أنفسهم على سكان هذا الوطن وعلى غيرهم ممن هو ليس يونانياً كأمة الطاليان فإنها كانت تسمى عندهم " برباريا" ويتابع بأن اللغة البربرية هي كغيرها من سائر لغات البشر ذات لهجات وصيغ مختلفة كما هو مشاهد من أهلها إلى الآن بين سكان القطر الجزائري والمراكشي، فهناك لهجة خاصة بزواة- بلاد القبائل- تختلف في بعض مصادرها عن لغة الشاوية وبني مصار " مزاب" وبني صالح بجبل البليدة والشلوح والتوارك..... الخ ولايزال اسم ( تماشغت )أو ( تمازغت) يطلق على جميعها بمعنى اللغة المازيقية. وكلها ترجع إلى جذر واحد يمت بصلة إلى اللغت العربية" الجزيرية" وعثر الباحثون من علماء الآثار على نقوش مكتوبة بالخط الحميري على صخور من دوباعه وثمود ومشهد ووادي ثقب هي قريبة الشبه جداً من نقوش الخط البربري الموجود بناحية الهغار من القطر الجزائري. وفي موقع آخر يكتب المؤلف تسمية نهر النيل مايلي:" كما تشهد لنا بذلك أيضاً كلمة " نيل" نفسها فهي تسمية بربرية اسوبية لامحالة سمي بها مجرى نهر مصر المشهور." ويذكر المؤلف في موقع آخر بحادثة شهيرة بأنهم " الأمازيغ" كما جاء في تصريحهم أمام الخليفة عمر بن الخطاب حينما ذهب إليه الوفد بعد فتح مصر فانتسبوا إلى مازيغ، وأنهم أصحاب البلاد الواقعة بين خليج " البحر الأحمر" والبحر المحيط ولم يقولوا له أنهم بربر"(22). "ولعل اللغة الليبية تعتبر من أهم مجالات المقارنة. فهي أم اللغة" البربرية" الأمازيغية ( تسمى الجبالية) والحكم في هذه الحالة لايمكن أن يكون إلاَّ لما يسمى" النقوش اللليبية " أو اللوبية Lybigue القديمة. ودراسة هذه النقوش مفيدة جداً، فهي لم تتعرَّب حسب منطقة بعض القوم !! وبالتالي فهي صافية خالصة. نظرة واحدة إلى أيٍّ منها توضح عروبية لغتها تماماً. وحجر" مسنسن" الذي يتكون من ضربين من الكتابة واللغة " البونيتية" والليبية" ليس إلاَّ حجراً يحوي في لغتيه مفردات عربية " أو عروبية" لايرقى إليها الشك. وهكذا بقية النقوش التي كشفت في مايعرف اليوم باسم : ليبيا، تونس، الجزائر، والمغرب وما سوف يكتشف من نقوش يجب الاهتمام به اهتماماً جدياً وعرضها على محك الدراسة والمقارنة لاثبات عروبتها، وبالتالي دحض أي فكرة تشكيكية في عروبة الشمال الافريقي كله منذ عصور التاريخ الأولى وما قبلها، بما يعني ذلك وحدته الاثنية والثقافية واللغوية مع بقية أهل الوطن العربي القديم، وأنه لم يتعرب" فقط بعد الاسلام كما هي المقولة الخاطئة الشائعة. فتحليل الاسماء الليبية القديمة لقادة وردت أسماؤهم في النقوش المصرية من عصر " نارلر" وحتى عصر " مرنبتاح" و" رمسيس الثالث" يؤكد حيث تترجم هذه الاسماء بأن معانيها عربية خالصة العروبة. وهذا ما دفع استاذاً جليلاً مثل العالم الألماني " برغش" منذ أكثر من مائة عام إلى القول بأن أصول الاسرة الثانية والعشرين اللليبية " أسرة شيشنق" التي حكمت مصر أوائل الألف قبل الميلاد إلى ما يقرب من مائتي عام- هذه الاصول كانت" آشورية " لأن أسماء فراعينها تدل على ذلك. هذا أمر قد يبدو مدهشاً لكن التفسير المنطقي الوحيد المقبول ليس بالضرورة القول بأن فراعين الاسرة الثانية والعشرين جاؤوا مباشرةً من الرافدين، وإنما القول بوحدة أصل الليبيين والاشوريين وتمتعهم بنفس العناصر البنائية للتكوين الأناسي المعرفي(23). أما كيف بلغ العروبيون شمال أفريقيا، فهذا تم، على سبيل الترجيح، عن طريق أحد أمرين، أو عن طريقهما معاً: الهجرات البشرية العربية باتجاه الهلال الخصيب ووادي النيل وشمال افريقيا، والتأثر والتأثير الأناسي المعرفي بعوامله المتعددة " اللغوية والتقنية والثقافية والدينية وغيرها" بشكل مباشر وغير مباشر. فبالنسبة إلى هذا الأمر الآخير، لايستبعد أن تكون اللغة الجبالية " البربرية"( أخت لغة قدماء المصريين والليبيين وخصوصاً إذا ما اعتمدنا مقالة من يقول إن قدماء المصريين هم من سلالة سكان الجزائر ومراكش )(24). ويبدو من الضرورة إعادة التذكير بوجهة نظر من قالوا بأن افريقيا هي موطن العروبيين الاصلي ضمن القراءة الانتربولوجية لتطور الانسان. وقد قال بذلك المستشرق نولوكد ومن بعده بارتون. وقد قال نولوكد برأيه ذلك انطلاقاً من التشابه الكبير بين لهجتي اللغة الواحدة غرب وشرق البحر الأحمر من التراب العربي." وبالتالي فإن الحديث عن شمال افريقي عربي لايبدأ مع دخول الفينيقيين مع نهاية الألف الثاني وبداية الألف الأول قبل الميلاد وإنما يعود إلى أزمنة أقدم بكثير، ولايختلف في عراقة قدمه الزمنية من الناحية الأناسية عن بقية أهله في المواقع الأخرى من أرض العرب،" وهذا يجعلنا ننظر إلى ذلك الجزء من الشعب العروبي الذي أطلق عليه لفظ " بربري" على أنه ينتمي إلى عائلة الشعب العربي. أما المرحلة التالية فهي التي تخص الهجرات الفينيقية والتي تمتد حركيتهم من الناحية الزمنية إلى مراحل ما قبل التاريخ، حيث كان موطنهم الاصلي في جنوب الجزيرة العربية وفي منطقة اليمن تحديداً، ولنفس الأسباب التي دفعت بالهجرات العروبية إلى مواقع أخرى، هاجر الفينيقيون إلى منطقة الخليج العربي واستوطنوا في / وقرب جزيرة الديلم" البحرين حالياً " ويعتقد العالم راكوزين أن الفينيقيين.الذين سكنوا الساحل الشامي كانوا قد قدموا من البحرين وقد تفرقوا إلى قبائل وتوزعوا في أقسام عديدة من سوريا وأطلق على أحد فروعهم اسم بنط أو بونا PUNE PUNT ودعاهم الإغريق بالفينيقيين والبونيون" الفينيقييون" كانوا شعباً تجارياً وقد هاجروا إلى الاماكن التي تزدهر فيها التجارة. كما سكنوا شمال افريقيا ومنهم القرطاجيون. على أن أهم فرع لهم سكن في بلاد اليمن وحول مضيق باب المندب ثم انتقل إلى السواحل الافريقية الشرقية واستوطن بلاد الصومال وسيطر على البحر الهندي والبحر الاحمر، ويعتقد المؤرخون بأن البونيين قبيلة من الكنعانيين استوطنت بلاد سوريا منذ أقدم الأزمان وما زالوا. فتذكر أن الملك سهورع من السلالة الخامسة كان يرسل السفن في البحر الأحمر إلى بلاد البنط وهي بلاد اليمن وسواحل الصومال وكانت هذه البلاد تُعرف ببلاد البخور والطيب. ولم تقتصر أهمية بلاد النبط على تصدير البخور بل كانت في تصدير الأشجار كذلك تغرسها أمام المعابد، كمعبد دير البحري. وقد صورت على جدرانه طريقة نقل هذه الأشجار من بلاد الصومال عبر البحر الأحمر، وظهر أمير بلاد الصومال وأميرته وهما يحييان بعثة الملكة حنشيسوت البحرية التي أرسلتها لاستقدام الاشجار والبخور، وقد صور الأمير والأميرة بهيأتهما الحقيقية حيث يظهر عليهما تأثير الجنس الأسود بوضوح، وهناك صلة وثيقة بين سكان النبط وبين سكان بلاد وادي النيل القدماء (25). ويرى المؤرخ هيرودوت أن موطن الفينيقيين الأصلي هو االبحر الاريتيري(26). أما مايؤكد هجرتهم باتجاه الخليج العربي فهو وجود نفس أسماء المواقع التي أطلقها الفينيقيون حيثما حلّوا فاسترابون يشير إلى أن سكان الخليج العربي أكدوا أنهم يسمون عندهم، باسم صيدا، صور، وأرواد، وأراد، وأن المعابد عندهم تشبه معابد الفينيقيين (27) والمؤرخ جوستان يصف الشعب الفينيقي بأنه مكوّن من الفينيقيين الذين نزحوا من بلادهم الاصلية حين أفزعتهم الزلازل. وقد نزلوا أولاً على ضفاف الخليج العربي ثم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وهنا بنوا مدينة سموها صيدا بسبب وفرة الصيد من السمك، والفينيقيون يسمون السمك صيدا (28). وقد أشارت رسائل تل العمارنة إلى سكان الساحل الفينيقي باسم كناهي أو كناهوَن " كنعان"(Kinahn) وكلمة كنعان تعني في اللغة العربية القديمة" انخفض " وهي مشتقة من فعل " كنع" ويقصد بها الأرض المنخفضة هنا حيث انخفاض الساحل الفينيقي بالنسبة لجبال الساحل الشامي التي هي امتداد طبيعي لجبال طوروس. وبالتالي فالتسمية هنا هي عبارة عن مصطلح جغرافي. لذلك فإن التسمية كنعان أطلقت على الفينيقيين العرب في مرحلة من مراحل توضعهم الجغرافي تاريخياً على الساحل الشامي. ويقول بونفانت:" لقد اشتق اسم فينيقي من اليونانية Phoinix، أي أحمر أرجواني، ليشير إلى صناعة الأرجوان التي اشتهر بها الفينيقيون وبعد أن أطلق اليونان هذا الاسم على الكنعانيين الذين تاجروا معهم فإن كلمة فينيقي أصبحت حوالي 1200 ق.م مرادفة لكنعاني (29)، كما أشار بعض المؤرخين والنسّابين والأخباريين العرب إلى أن بعض العرب العماليق وصلوا إلى بلاد الشام، وكان منهم الجبابرة الذين دعوا بالكنعانيين(30). ومن الملفت للانتباه أن فينيكس تعني أيضاً طائر العنقاء، الطائر الأسطوري الذي يخرج من قلب الرماد، ونظراً لأهمية البخور واللبان في المراحل الزمنية المغرقة في القدم قبل التاريخ وحتى مراحل الحضارات العربية الجليلة، كان لابد من تكوين بنية مخيالية اسطورية قادرة علىحماية هذا المصدر الحياتي، فيورد بعض المؤرخين القدماء/ هيرودوت مثلاً في ج3/ أن طائر الفينيق كان يظهر عندما تمتد أي يد آثمة بهدف العبث أوسرقة البخور أو اللبان من موقع زراعته أو جمعه في جنوب الجزيرة العربية. وبفضل النتائج التي قدمتها بحوث سفينة الابحاث الميثيور الالمانية فإنَّ " أرضاً يابسة في قاع الخليج العربي تشكل امتدادا طبيعياً للبر العراقي تماماً مثلما يشكل الاخير الامتداد الارضي للحوضة الأولى السورية.ومن المرجح جداً أن ضفاف مجرى النهر الاصلي في قاع الخليج كانت موطناً لجماعات من صيادي الباليوليثي، وأن تكون الأراضي الرسوبية الخصبة المجاورة لها قد سكنت من قبل مزارعين- صيادين يشابهون في عيشهم وفي تطورهم نمط تطور جيرانهم النطوفيين " نسبة إلى وادي النطوف قرب أريحا/ مدينة القمر/ وتحدثنا باسهاب عن هذه الحضارات في الفصل السابق" سكان قرى المريبط وأبي هريرة وبقراص في حوض الفرات الأعلى. وقد يكتشف علم الاثار الغارقة تحت المياه فصلاً جديداً وهاماً من تاريخ منطقة متممة لما بين النهرين. إذ من المحتمل أن تكون مراكز الاستيطان الباكرة في الأراضي المنخفضة التي لانعرف حالياً اسمها والتي اقترح لتسميتها اصطلاح منطقة ما قبل الخليج كانت جزءاً من ثقافة كبيرة معاصرة انتشرت مراكزها في الجنوب الرافدي وجواره قبل الخليج Pre-Gulf Rejion قد شكلت المرحلة التحضيرية التي ستمهد لنشوء حضارات مدن الجنوب الرافدي المزدهرة اعتباراً من الألف الرابع قبل الميلاد. وهنالك احتمال آخر لايقل رجحاناً في أن منطقة ما قبل الخليج كانت جزءاً من ثقافة كبيرة معاصرة انتشرت مراكزها في الجنوب الرافدي وجواره قبل أن تجبر مياه البحر الصاعدة أهلها على الرحيل تدريجياً إلى مواطن جديدة هذا الاحتمال يؤكده عثور الآثاريين على فخاريات العبيد في /32/ موقعاً أثرياً على شواطئ شبه الجزيرة العربية الشرقية مقابل جزيرة البحرين، كما وعلى مبعدة /65كم/ إلى الداخل (31) " بحيث نستطيع أن نتخيل الآن ما كان عليه واقع بيئة منطقة ما قبل الخليج العربي قبل بداية العصر الدفيء الحديث، باعتبارها كانت تشكل منطقة متكاملة متجانسة مع بنية الجزيرة العربية الجغرافية وحتى اليمن والساحل الشرقي للبحر الأحمر. بحيث شكلت حركة الجولان لأجداد العرب القدماء في بقاع المنطقة نمطاً واحداً للحياة، مما يستدعي بالضرورة ربط التطور الموازي لتواجد الفينيقيين "البونتيين" ومنذ المراحل الماقبل تاريخية في تلك المنطقة. بحيث تبدو عملية الانتقال والتجوال في هذه الحالة مقنعة تماماً، نظراً للمساحة الواسعة التي تمتد على أكبر رقعة من مساحة الوطن العربي الحالي، تواجدت آثارهم فيها. فمع من نقف نحن على سبيل المثال؟ مع مدرسة فرانكفورت التي أكدّت تواجدهم في منطقة الماقبل خليج، أم غيرها من الباحثين الذين يطلقون على مناطق ارتيريا والصومال بلاد الفينيقيين " البونت"؟ أم هيرودوت الذي يربطهم بجنوب الجزيرة في اليمن؟ أم بعض الباحثين المعاصرين الذي يؤسسهم تماماً في بلاد الشام ووادي النيل منذ مراحل ما قبل التاريخ؟ يبدو أن الجميع متفقٌ على أن هذه الجماعات البشرية قطنت وتوالدت وانتشرت واستنبتت واخترعت وابتكرت وتطورت بشكل متوازٍ ومتطابق من عصر لاقط الثمار ورجل الصيد إلى مرحلة التدجين الحيواني والنباتي في مرحلة كان فيها شط العرب كنهر يمتد حتى مضيق هرمز حيث كان مصب نهري دجلة والفرات( كل الدراسات تشير إلى ملامح التدجين الموازية والمطابقة للمرحلة النطوفية والصفاقصية والسبيلية والعُمانية وهذا ماتؤكده المكتشفات والمستحاثات المأخوذة من قاع الخليج وعلى ضفتي النهر الذي كان)." وفي الوقت الذي كانت منطقة الخليج العربي تحت المياه تتألف من مناطق خصبة ويجري في قرارها دجلة والفرات، ووادي الرمّة، بعد أن يتحد بوادي الدواسر، ومجموعة غيرها من الأنهار والجداول الأخرى، كانت منطقة شبه جزيرة العرب منطقة أمطار موزعة على جميع فصول السنة وبالتالي فقد كانت الوديان أنهاراً غزيرة دائمة الجريان. ومن المعروف أن منطقة كنعان، وجميع المنطقة الممتدة من عدن في أقصى جنوب اليمن إلى حدود بلاد الشام على سواحل البحر الأحمر الشمالية إنما كانت من أخصب بقاع الأرض"(32). ومع تقدم مرحلة العصر الدفيء، وذوبان كتل الجليد الاسطورية الضخمة التي تجثم على المنطقة الممتدة من أواسط أوروبا إلى القطب المتجمد الشمالي، أخذت مياه البحر في التقدم والارتفاع تدريجياً، كما بدأت كميات الامطار التي تتساقط على المنطقة بالتراجع، وأخذ الجفاف يتقدم تدريجياً ليقلل من تجمعات المياه الحلوة ومن غزارة الأنهار ذات الينابيع المحلية، كما زادت في الوقت نفسه، غزارة كل من دجلة والفرات اللذين تنحدر مياههما من هضبة أرمينا في أقصى الشمال. ومع اقتراب عصر الجليد من نهايته كان وادي الرمة يشكل شريان الاتصال المباشر ما بين منطقة الخليج التي أخذت عملية انفجارها بمياه البحر لتصير إلى ما هي عليه اليوم وبين المنطقة الزراعية الخصيبة في غربي شبه الجزيرة العربية على سواحل البحر الأحمر الشرقية(33) مما أدى إلى الهجرات العروبية المعروفة منذ بداية الألف الرابع قبل الميلاد بحيث تبدو كل الهجرات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحركية الفينيقيين " الكنعانيين"/ البونيتيه/ إن لم تتطابق معها. ومن المعروف أن نفس الاشتراطات تتطابق على وادي النيل الذي تحدثنا عن التغيرات التي حصلت عليه سابقاً. ويمكننا بسهولة أن نربطها مع الهجرات التي حصلت إلى الشمال الافريقي في الألف الرابع قبل الميلاد. فالنجاح العظيم الذي حققه الفينيقيون في تلك المناطق خلال نشاطهم في الشمال الافريقي يشير إلى وجود طبقة أقدم من المستوطنين العروبيين في شمال افريقيا..وهناك ذكريات غامضة لمرويات تجعل العروبيين القدماء موجودين في مناطق غرب البحر المتوسط، واحتفظت بها الكتابات الكلاسيكية والعربية. إن هذا القول ينسجم مع قواعد العلم والمنطق، لأنه يدحض فكرة إمكان قيام شعب أو ظاهرة على فراغ. فلولا وجود الاساس العربي منذ أقدم الأزمنة في تلك الاصقاع- وهذا ما أكدته الكتابات العربية القديمة جميعاً- لما تمكن الفينيقيون من أن يوطدوا أقدامهم ويرسخوا وجودهم فيها، كما أنه كان من المستحيل أن تثبت عروبة تلك المنطقة إلاَّ كما ثبتت " عروبة" اسبانيا إبان الدولة العربية الاموية ثم العباسية فيما بعد (34). وهكذا فإن الفينيقيين ليسوا إلاَّ جزءاً من العرب الذين سكنوا الساحل الشامي وإن وجودهم في الشمال الافريقي تحديداً يعود إلى زمن موغل في القدم منذ حوالي الألف الخامس قبل الميلاد ويلي مباشرة الوجود العربي في حوض النيل أو تزامن معه كما دلت كل المكتشفات الأثرية(35). نستخلص من ذلك أن بعض الباحثين يطلق على الساحل الشرقي للبحر الأحمر بلاد كنعان، كما يطلق بعضهم على الساحل الشامي. مهما كان الأمر فمن الواضح تماماً أن التسمية باعتبارها ذات بعد جغرافي (تضاريسي) كاحتمال أول فهذا يعني أن الفينيقيين هم من أهل هذه البلاد، حتى ولو كان الاحتمال الثاني هو الأرجح بحيث ارتبطت التسمية بأسماء أخرى. أما النتيجة الثانية والتي يجمع عليها كل الباحثين هو تواجدهم في المنطقة التي أسميناها الماقبل الخليج العربي بدايةً، ثم الساحل الشرقي لشبه جزيرة العرب بعد تشكل الخليج بوضعه الحالي وفي جزيرة البحرين التي شُكِّلت لاحقاً، وهذا لايعني بالضرورة أنهم رحلوا إلى هذه المناطق من جنوب الجزيرة العربية، بل يعني أنهم تواجدوا كاحتمالٍ ثانٍ في المنطقتين معاً، وهذا ماتفسره لنا الأناسة التاريخية التي تعنى بالتطور المتوازن والمتوافق والذي يعني أن شبه الجزيرة العربية كان يشكل واحةً واحدةً مترابطة حتى بدايات الألف الرابع قبل الميلاد. تُربط كل تلك الأبحاث مع إمكانية الانتقال أو التواجد إلى/ وفي الشمال الافريقي مع بداية الألف الرابع، وهذا ما يفسره من خلال التسميات العديدة التي اتسمت فيها تلك المناطق قبل التواجد الفينيقي المتأخر مع نهاية الألف الثاني وبداية الألف الأول قبل الميلاد/ ليبيا مثلاً وموقعها في الميثولوجيا الفينيقية. وجود نفس المواقع بتسمياتها على الشاطئ الشرقي لجزيرة العرب وعلى الشاطئ الشامي وعلى الساحل الشمال افريقي يؤكد بأنهم يدركون بأن الانسان هو الذي يصنع المكان، ولاتواجد للمكان بدون الانسان، وأن هذا الانسان يتحرك في مكان هو أهله، بحيث لم يتم الجولان إلاَّ من خلال علاقات سلمية ومودة، في حين كانوا مقاتلين أشداء كما حدث مع الغزوات الغربية. ووجه القرطاجيون كل عنايتهم إلى الأسطول الحربي منذ بداية القرن الخامس ق.م(480) عندما أدركوا بالتأمر الاغريقي الغربي عليهم، فاصطدموا لأول مرة في معركة هيمرا في صقلية بذلك التحالف الذي كان يقوده الطاغية جيلون حاكم مدينة سيراكوزا(36).في حين لم يحدث أي شيء من ذلك القبيل لافي بلاد النيل ولا مع سكان المناطق الداخلية أو الساحلية في الشمال الافريقي فكان اعتمادهم على علاقاتهم الودية/ الطيبة/ مع سكان الداخل جعلهم يحصلون على منتوجات المناطق الداخلية بدون عناء عن طريق هؤلاء السكان (37) بحيث كانت العلاقات كما هي في الدولة الواحدة بين سكان الساحل وسكان الداخل." بينما على العكس من ذلك تماماً كانت سياسة الرومان تعتمد على السيطرة وتهدف إلى تحويل المغرب العربي إلى مستعمرة تخدم الاقتصاد الروماني وحده وتشبع رغبة العسكرية الرومانية. ولذلك نجد أن الرومان كانوا قد نفذوا إلى المناطق الداخلية وبنوا مدناً وقلاعاً عسكرية" (38). إذن، حتى ولو افترضنا أن الفينيقيين هاجروا بشكل موجة بشرية إلى السواحل العربية الافريقية فهم لم يجدوا صعوبة تذكر لافي التعامل ولا في مراحل بناء المدن والموانئ، ولابعلاقاتهم مع أبناء الداخل، لامن الناحية اللغوية ولا من النواحي الثقافية والعلائقية الأخرى. فحتى لو افترضنا أن السكان السابقين في بلاد المغرب العربي لحضور الفينيقيين لم يكونوا بنفس البناء الأناسي الأثنولوجي، أي لم يكونوا ينتمون لنفس الشعب، فلابد أن نصل إلى نتيجة مفادها أنهم كانوا يحملون نفس المواصفات التواصلية والأناسية، بحيث لم يحدث ما يشير حتى ولا إلى أي خلاف بين الطرفين. وبالتالي لايمكن النظر إلى توضع الفينيقيين في الشمال العربي الافريقي مع " الهجرات" العربية الأولى، والتي أكدنا أنها ذات نفس الأصل الأثنولوجي المعرفي والبناء الأناسي إلاَّ تماماً كما ننظر لعلاقات الأكاديين والبابليين والاشوريين باعتبارهم يشكلون بناء أناسياً معرفياً لشعب واحد بتمظهرات فرعية جزئية يفرضها السياق التاريخي العام للتطور.بحيث يبدو عنصر الاتصال الجغرافي التاريخي قائماً في عمق الزمن المعرفي. وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكننا أن نأخذ صور كمدينة بُنيت ( ولا خلاف على أن الفينيقيين هم بناتها) في بداية الألف الثالث قبل الميلاد على الساحل الشرقي لبحر أمور أو" البحر المتوسط" في حين بنوا قرطاجة " القرية الحديثة= أوغاريت الجديدة نسبة إلى أوغاريت الساحل الشرقي" في بداية الألف الأول قبل الميلاد " تم انجاز بنائها عام 840ق.م". " فالمؤرخ هيرودوت يروي بأنه أثناء زيارته لمدينة صور سنة 450 ق.م أكد له كهنتها بناءها حوالي 2300 سنة قبل زيارته لها. وعلى ذلك يكون بناء مدينة صور قد تم في حوالي 2750 ق.م (39). ولم تكن علاقات المظاهر الحضارية بأسمائها المختلفة ذات البناء الأناسي المعرفي الواحد مع الساحل الشامي علاقات عدائية إلاَّ بالمفهوم التطوري المعهود في داخل أية دولة واحدة، وما علاقة مدينة صور مع المظاهر السياسية للحضارة العربية الجليلة " البابليين، والمصريين، والاشوريين وغيرهم.." إلاَّنموذجٌ بيّنٌ لعلاقات المدينة القوية في الدولة الواسعة. أما المرحلة الثالثة والهامة والتي لاتحتاج للوقوف عندها فهي انتشار الرسالة الاسلامية كمظهر معرفيٍّ عظيم من مظاهر العروبة. وبذلك يبدو التواجد العروبي في المغرب العربي هو الواسم الوحيد والاوحد للهوية الوطنية ليس فقط بعد انتشار الرسالة الاسلامية، أو من خلال ما سبقها بحوالي ألفي عام من خلال الجولان العروبي الفينيقي والصرح العظيم الحضاري الذي انتشر على كل سواحل البحر المتوسط من الشرق إلى المحيط الأطلسي، بل ومن خلال الهجرات العروبية الأولى التي امتدت على مساحة الزمن الواسمة منذ انتهاء العصر الباليوليثي/ انتهاء العصر الجليدي الأخير/ وابتداء الميزوليت، وصولاً إلى الهجرات الثانية. والمتعمق في هذا التاريخ يدرك، أن المغرب العربي لم يكن ولا في يوم من الأيام، بعيداً عن هويته الديمغرافية العروبية، وأعتقد من ناحيتي أن لاحاجة للتذكير بالكثير من المعلومات التي يعرفها الجميع ولايستطيع أن يتغاضى عنها حتى المستشرقون الذين يؤسسون نظراتهم على اشتراطات ايديولوجية تزييفية. فالفينيقيون بتواجدهم المتواصل، وتواصل حضاراتهم، كانوا يبنون، ويدخلون النشاط أينما تواجدوا ليس فقط على الشواطئ العربية بل وعلى الشوطئ الشمالية للبحر المتوسط، فهم الذين بنوا الموانئ التجارية والمراكز السكنية التي تميزت بحيويتها، واتصلت فيما بينها بشبكة اتصالات بحرية ملاحية راقية امتدت من سواحل الشام الشرقية وكيليكيا والدلتا المصرية والشمال الافريقي باتجاه اليونان وصقلية وقبرص وسردينيا- وأسسوا قادش في اسبانيا" نسبة إلى قادش بلاد الشام" أما قرطاجة ( كرت حديث= القرية الحديثة) فكانت نموذجاً لصور وأوغاريت وتؤكد الأساطير الاغريقية أن " ليبيا" وهذا الاسم الذي أطلق على كل الشمال الأفريقي العربي هي تسمية فينيقية، وهي زوجة برزيدون وأم جينوز. نستنتج من ذلك، أن التاريخ الأناسي للفينيقيين العرب يمتد بعيداً إلى ما قبل التاريخ على رقعة الوطن العربي كلها من الساحل الشرقي للبحر الأحمر " كنعان1" إلى منطقة اليمن وجنوب الجزيرة إلى الساحل " كنعان 2" إلى دلتا النيل والشمال الافريقي كاملاً حتى بحر الظلمات. وهذا يعني أن الأناسة التاريخية والجغرافية الأناسية للعرب الفينيقيين تشكل وحدة متواصلة متكاملة أما ما قدّمه هؤلاء العرب للبشرية حتى تاريخه ابتداءً من فن الملاحة وتنظيم المدن والموانئ، والتعدين، وغيرها وصولاً إلى أول أبجدية قدموها للبشرية، وهي مازالت حت الآن الاكتشاف الأهم في التاريخ الأناسي كله. أما في منطقة الشرق العربي فلقد اشترك الأكديون والسومريون في بناء حضارة بلاد النهرين، من ثمَّ انصهرت البُنى الأناسية الحضارية مع نهاية الألف الثالث قبل الميلاد وبداية الألف الثاني ليظهر على مسرح الأحداث التكوين الناتج التالي لما يمكن أن نسميه البناء الكنعاني- الأموري فظهرت معالمهم المكملّة للبنية السابقة لهم: بابل في أواسط العراق، وآشور في شماله، وماري أواسط الفرات، وكركيش على حوض الفرات الأعلى ويمحاض في منطقة حلب، وقطنة/ المشرفة/ قرب حمص وجبلا على الساحل، ودان على منابع نهر الأردن، وحاصور في سهل الحولة، ومجدو في شمال فلسطين.. وكلمة آمور الأكادية- السومرية تعني الغرب ( لذلك سمي البحر المتوسط بحر أمورو)، وقد وصف السومريون والأكاديون تلك الحركة الديموغرافية القادمة من البادية الشامية إلى بابل وسومر بالأموريين أو أهل الغرب. " هذا فيما يتعلق بآمورو، أما فيما يتعلق بكنعان فإنّه أول ماذكر كاسم جغرافي في النص ت.م / 75/ 2367 المكتشف في تل مرديخ/ عبلة / ايبلا، ويعود تاريخه إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ويبدو أن منطقة كنعان التي ذكرت في هذا النص كانت مجاورة لمملكة إيبلا.. ومن المرجح أنها كانت تشمل المنطقة الجنوبية الغربية من بلاد الشام طبقاً لما ورد في رسائل العمارنة، حيث وصفت السواحل الشامية الواقعة إلى الجنوب من حوض نهر الكبير الجنوبي ببلاد كنعان، ومملكة حاصور في سهل الحولة على أنها من بلاد كنعان وإلى هذه المناطق انتسب الفينيقيون أيضاً.ومهما يكن الأمر فإنه من الواضح أن معظم مناطق بلاد الشام كانت موضعاً للكنعانيين فسميت بأسمهم. هذا من جهة- ومن جهة أخرى فإن الوثائق التي وصلتنا من ماري وبابل وأوغاريت والعمارنة قد كتبت بلغة واحدة هي الكنعانية. لكل هذا اعتقد كثير من العلماء أن القبائل التي انتشرت في بلاد الشام خلال القرنين الأخيرين من الألف الثالث قبل الميلاد وانتقلت شرقاً إلى بلاد النهرين- كانت كنعانية" (40). "وقبيل نهاية الألف الثالث وعند مطلع الثاني ق.م كان قد جلس على عروش بابل ملوك كنعانيون / آموريون كما هو الحال في إسين، لورسا، بابل وأشنونة، ففي لارسا نابى نوم 2025-2005 ق.م، الذي أسس ملكاً دام حتى عصر الملك ريم شين 1822-1763 أما في إسين فقد أسس الماري إشبي إ" را 2017-1985 ق.م ملكاً دام حتى عصر سين مجير 1827-1817، وفي اشنونة حكمت سلالة ضعيفة. وجلس على عرش بابل سومو آبوم 1894-1881 الذي جاء بعده ملوك أقوياء كان أشهرهم حمورابي 1791-1750 الذي وحد البلاد وبعث أمجاد المملكة الاكادية" (41) فسلك نفس طريق سرغون الاكادي ( مؤسس أو ل امبراطورية في التاريخ بالمعنى السياسي) فوحّد بلاد الشام وبلاد الرافدين في امبرطورية منبعثة جديدة مركزها بابل. أما ممالكهم الأخرى آشور، كركميش، يمحاض، ماري، ايبلا، قطنة.. فجميعها ذات أهمية خاصة، لكن ما يستحق الوقوف عنده، ولو لبعض الوقت فهي آشور وماري وايبلا. لما لذلك من أهمية خاصة تؤكد الوحدة الاناسية التاريخية ليس في شرق التراب العربي، بل وفي غربه أيضاً. فبعد أن تحدثنا عن دور ذلك الشعب في القسم الغربي من وطن العرب، لابد من العودة إلى بعض ملامح التاريخ الاناسي في المشرق العربي، لما لذلك من أهمية خاصة تغلق نوافذ الانعزالية في الهويات الوهمية. تماماً كما فعلت مع بلاد المغرب واريتيريا والسودان والصومال ووادي النيل، سنرى ماذا يقول التاريخ الأناسي عن آشور وماري وايبلا، لنعود لاحقاً بعكس الزمن الفيزيائي إلى دراسة التكوين الأناسي التاريخي للسومريين بزواياه التي تدحص فكر الاستشراق المزيف. بدأت آشور مملكة ضعيفة عند بداية الألف الثاني ق.م ولما تولى السلطة الملك القوي شمشي حدد ( شمشي هدد) 1815-1782 معاصر حمورابي البابلي، وحّد المناطق الواقعة شرقي دجلة وغربه مع ماري، حتى وفاته، حيث ضمَّ حمورابي آشور لدولته بعد ذلك. أما المركز مدينة آشور ( قلعة شركت_ حالياً)، فقد سميت بهذا الأسم على شرف الاله آشور. وقد كان سكانها من العروبيين القادمين من شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، وراحوا هنا يعبدون الاله آشور وباسمه سموا بالآشوريين ( أتوراية) (42). بعد ذلك انتقل المركز إلى كلخو في عصر ناصر بعل ثم نينوى، حتى امتد تأثيرهم السياسي عام 671 ق.م إلى بلاد وادي النيل. أما بالنظر لمنهجنا في قراءة التاريخ، وأقصد بذلك التكوين الأناسي التاريخي، فلا يمكننا أن نجد حدوداً للفصل بين كل تكوينات التاريخ العربي القديم، المعرفية منها والمثيولوجية واللغوية والحضارية، ليس فقط بما يخصُّ تلك الممالك أو المناطق أو التكوينات السياسية المتلاصقة أو المتقاربة، بل أيضاً تلك المتباعدة منها، من قادش غرباً على بحر الظلمات وحتى قادش أواسط الشام، ومن قرطاج جنة العظيمة إلى بابل الجليلة. وبالتالي، لايمكننا أن نضع حدوداً للفصل بين مكونات البنائية الأناسية المعرفية للأشوريين والبابليين، بل أن كلاً منهما يشكل وجهاً مطابقاً أناسياً للوجه الآخر، مع التنوع في خصوصية الزمن التاريخي الذي يتحدث عن مظهر هام من أهم مظاهر العروبة بتكوينها الثقافي- الحضاري معبراً عن نفسه بحضارة جليلة تعيش نتاجها كل البشرية حتى اليوم، ولنتذكر ما كتب ن. نيولسكي" لقد دخلت عناصر الثقافة الاشورية - البابلية في لحمنا ودمنا وتغيرت وتفاعلت لدرجة غير معقولة بحيث لم يراودنا الشك في منشئها زمناً طويلاً. إلاَّ أنها عديدة وتذكرنا بنفسها يومياً. فنحن اعتدنا مثلاً على الأيام السبعة للأسبوع لدرجة أنه لانتصور أن نسأل أنفسنا 60 دقيقة في الساعة، 60 ثانية في الدقيقة. إن هذه التقسيمات الاساسية الداخلة في لحمنا ودمنا ليست بمجملها منجزات أصلية لحضارتنا بل إنها تأخذ منابعها من قديم الازل من بلاد بابل العريقة. إن الانسان الفرنسي والانكليزي والالماني.. يلفظ تسمياته لأيام الأسبوع بشكل آلي دون أن نظن أبداً أن هذه التسميات هي ترجمة مبسطة لتسميات بابلية قديمة. يتعلم مئات الآلاف من الطلاب والطالبات في المدارس تقسيم الدائرة إلى 360 درجة ويقيسون الأقواس والزوايا بالدرجات ولايرد ببال أحد منهم السؤال لماذا لم تقسم الدائرة إلى مئة أو ألف درجة وفق النظام العشري، كما لايفكر أحد من علماء الرياضيات بضرورة إجراء مثل هذه الاصلاحات. إذ أن مجمل علم الهندسة المبني على هذا التقسيم قد دخل في لحم ودم علماء الرياضيات والتخلي عنه صعب مثلما هو صعب التخلي عن تقسيم اليوم إلى 24 ساعة والساعة إلى 60 دقيقة. إنه يحمل مثل هذه العراقة المشرفة ويرجع في أصوله إلى هاتيك البلاد في بابل. إن الموطن التاريخي لعلم الفلك هي بابل أيضاً وإن الفلكيين البابليين هم الذين وضعوا القواعد الاساسية لعلم الفلك." (43) وهناك اكتشاف آخر في تاريخ الموسيقى حيث تكلم عنه أساتذة جامعة كاليفورينا سنة 1975م، إذ أنهم بعثوا الحياة في رومانس آشوري مكتوب على لوح الرومانس. وكان يعتبر سابقاً أن الموسيقيين القدامى استنبطوا نوطة واحدة فقط في المرة الواحدة، أما الآن فقد تم البرهان على أن الموسيقيين الاشوريين- البابليين استنبطوا نوطتين في كل مرة، واستخدموا المدرج الموسيقي السباعي وليس الخماسي فقط، إذ أن علماء الموسيقى كانوا يعتقدون قبل هذا الاكتشاف أن المدرج السباعي وضعه الاغريق سنة 400 ق.م. والاختراع الآخر لدى البابليين- الاشوريين والذي مازال يستعمل على نطاق واسع حتى يومنا الحاضر هو الساعات الشمسية والمائية والتي شاهدها حتى هيرودوت. وقد أثبت العالم الاثاري البلجيكي ف. كيومون أن الاغريق اقتبسوا الساعة الشمسية من الشرق العربي أثناء إقامة العلاقات التجارية بين الشرق العربي والمدن اليونانية(44). واستعمل البابليون الاشوريون أيضاً الساعات الشمسية النصف دائرية لأغراض الرصد الفلكي. كما استخدموا في تلك الأزمنة الغابرة الساعات المائية. إن الأسبوع السباعي الأيام هو من إرث العرب الاشوريين- البابليين ويرجع إلى آلهة الفلك السبعة، الذين يمثلون تراتبية خاصة في كل مظهر من مظاهر المثيولوجيا العربية: شمس ( الشمس)، سين ( القمر)، مردوخ (المشتري)، نيرغال ( المريخ) - عشتار ( الزهرة)، تابر ( عطارد)، فينورتا (زحل) وقد حفظت هذه الأسماء في تسميات الأيام باللغات الالمانية والفرنسية والانكليزية ولغات أخرى. يضاف إلى ذلك الكثير من المكتشفات التي أنتجتها العبقرية البابلية- الاشورية بالتنظيم، وفن التطريز والبنى القانونية... وعندما نبدأ بدراسة الهندسة لابد لنا أن نتعلم نظرية فيثاغورث وقد اقتبسها أثناء زيارته لبابل. أما الرياضيون البابليون- الاشوريون فقد عرفوها قبل ذلك الوقت بألف عام، كما عرفوا استخراج الجذر التربيعي والتكعيبي ووضعوا مبادئ الجبر. ويكتب الأكاديمي ستروف:" إن مصدر النجوم الذي يمكن رسمه دون استخدام التلسكوب وضع في بابل وعبر الحثيين وصل إلى غربي البحر المتوسط. لقد وصل الفلك في بابل إلى درجة عالية جداً بحيث كان له تأثير واضح على المعارف الفلكية في بلاد الاغريق فيما بعد" (45). وفي بلاد ما بين النهرين تم وضع أول تقويم قمري ما زال يستخدم حتى الآن، لقد تمكن علماء هذه البلاد من إيجاد العلاقة بين الشمس وإشارات الأبراج الفلكية في يوم الاعتدال الربيعي- كان بإمكانهم التنبوء بالكسوف والخسوف. لقد جمع علماء الشرق العربي النباتات واصطفوها وصنفوها ووضعوا قوائم بالحيوانات المحلية والمستوردة، وكذلك بالمعادن كما أجروا تجارب في الزراعة والري. لقد حول سكان بلاد الرافدين وطنهم إلى مركز ضخم في الزراعة وقد اشتهروا بزراعة العنب وصناعة الخمور منه. كما أسست في بابل أول حديقة للحيوانات كما كان للنحت تطوره الرفيع الخاص. وإذا عرجنا على مملكة ماري، فإننا سنلاحظ أن تاريخها في القرنين التاسع والثامن عشر ق.م هو تاريخ بلاد الشام الشمالية" ولولا وثائق ماري لما استطعنا كتابة تاريخ كركميش وإيحار ويمحاض وقطنه خلال هذين القرنين، ناهيك عن تاريخ الدولة الاشورية في عهد شمشي حدد الأول. ولاغرابة في هذا، فمن ماري انطلقت القبائل الكنعانية الامورية إلى بلاد بابل وسومر وآشور. ومثل ماري كانت عبلة" ايبلا" أيضاً فقد مرت بنفس الظروف التاريخية. فسكان المملكتين من أصل واحد وظروفهم الاجتماعية واحدة. ففي النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد استقر شيوخ القبيلتين " ماري" و" عبلة" في المدينتين اللتين سميتا بنفس الاسم وأسسوا دولتين قويتين ساهمتا في صنع حضارة بلاد الشام.(46) ولم تكن العلاقة وثيقة فقط بين ماري وعبلة" ايبلا" فقط، بل بينهما ومع أوغاريت وحلب(47)، وبينهم جميعاً وبلاد وادي النيل." فقد اكتشفت في أوغاريت آثار مصرية من عصر الامبراطورية الوسطى 2052-1610ق.م أهمها منحوتات لزوجة الفرعون زيزستروس الثاني ( 1897-1879ق.م) وللملك أمنحت الثالث ( 1840- 1792ق.م) وإن دلت هذه المكتشفات على شئ فإنها تدل على قيام علاقات صداقة ودية بين حكام أوغاريت وحكام مصر وحاشيتهم. وقد أرسل المصريون هذه المنحوتات إلى أوغاريت للتقرب منها والحصول على بركة أربابها. أما في المراحل اللاحقة فقد ظهرت مجموعة من الممالك كقادش ( تل النبي مندو على الطرف الجنوبي لبحيرة قطينة إلى الغرب من حمص) فقد كانت من أعمال الدولة المصرية في عهد تحوتمس الثالث ( 1490 - 1436 ) من ثم عادت ووقعت تحت السيطرة المصرية في عهد رعمسيس الثاني فبقيت هي وبلاد الشام الجنوبية تحت النفوذ" المصري يضاف إليها حاصور غرب طبرية ويانوعما في حوض الاردن وبيلا وأكشف إلى الجنوب من عكا وشكما قرب نابلس ومجدو والتي تعتبر من أهم وأقدم مدن كنعان، وقد عين رعمسيس الثاني حاكماً مصرياً عليها بعد القرن الثالث عشر قبل الميلاد. ومملكة غزة وعاصمتها غزة من المدن القديمة في بلاد الشام. جعلها تحوتمس الثالث من أملاك الفرعون الخاصة مثل يافا. كانت مقر مملكة زاهرة، ثم أصبحت مقر الممثلية الفرعونية ببلاد كنعان في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ولقد كان لوادي ودلتا النيل تأثير هام بالمفهوم الثقافي الذي يفضي إلى تكوينات أناسية معرفية ضمن علاقة التأثر والتأثير، كما نلاحظ من خلال السياق، وذلك على الامتداد العربي الكنعاني - الفينيقي الآموري الغربي " وكانت تلك العلائق ذات صفة خاصة مع القسم الجنوبي من فينيقيا وخاصة جبيل التي سّمّى حكامها أنفسهم ملوكاً مصريين وكتبوا آثارهم ووثائقهم باللغة المصرية." (48) يضاف إلى ذلك أن استخدام اللغة الاكادية ورموزها في الحياة اليومية كان واحداً من أهم عناصر الثقافة الأوغاريتية: باللغة الاكادية وضع مختلف أنواع الوثائق والمراسلات الدولية والرسمية والخاصة. فيرى د. لاريا أن اللغتين الاكدية والاوغاريتية استخدمتا على قدم المساواة في كتابة الرسائل والوثائق الاقتصادية. أما في حقلي العبادة والمثيولوجيا فقد استخدمت الاوغاريتية وحدها، وفي مجال العلاقات الدولية والمجال القانوني والثقافي استخدمت الاكادية فقط. ومع ذلك فثمة وثائق في العلاقات الدولية والتجارية كتبت بالأوغاريتيه. لكن بالرغم من ذلك لاريب في أن اللغة الاكادية كانت اللغة الرئيسة للكتابة(49). ألا يعني كلَّ ما قلناه سابقاً أن هناك وحدة أناسية معرفية مميزة لكل الاشكال السياسية ومظاهر الممالك التي عُرفت في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام. وبين هاتين المنطقتين وشبه الجزيرة العربية، ومع وادي ودلتا النيل، والساحل الافريقي من البحر الاحمر، امتداداً حتى الشمال الافريقي، مروراً بليبيا. أما النقطة الأخيرة التي تحتاج الوقوف عندها قبل الانتقال إلى النواحي الأخرى من البنية التطورية الأناسية المعرفية العربية كاللغة والبناء الميثولوجي، فتتمثل في الوقوف عند نقاط الاستفهام في الحضارة السومرية- الاكادية والتي كانت موازية لإبلا بحيث حققت وثائق ايبلا ثورة في معارفنا التاريخية عن الشرق الأدنى في الألف الثالث قبل الميلاد، هذه الفترة التي شهدت بناء الاهرامات في مصر أو ما يسمى بعصر الملوك، وشهدت الحضارة السومرية- الأكادية العظيمة في الرافدين. فإلى جانب أكبر مصدرين للمعلومات التاريخية وهما مصر وبلاد الرافدين، أصبحت سورية بفضل اكتشافاتنا هذا المصدر الرئيسي الثالث للتاريخ الحضاري والسياسي في الشرق الأدنى" (50). ومن المهم جداً إعادة التذكير بالتطور المناخي- الجغرافي الذي تعرّضت له منطقة الخليج العربي منذ نهاية العصر الجليدي الأخير وبداية المرحلة الدفيئة وحتى بداية الألف الرابع قبل الميلاد. فكما قلنا سابقاً، كان مجرى نهري دجلة والفرات يمتد حتى مضيق هرمز، حيث كان مصب النهرين يطل مباشرة على بحر العرب، وتشكلت على ضفاف هذين النهرين مناطق ملائمة لجولان الانسان الباليوليتي ( وهذا ما تثبته بحوث السفينة الالمانية البحثية الميتيور)، بحيث تشكلت حضارة ما قبل الخليج والتي تؤكد كافة البحوث والدراسات والمكتشفات أنها موازية ومطابقة للمرحلة النطوفية في بلاد الشام والسبيلية في وادي النيل والحضارة الصفاقصية في المغرب العربي. ومع نهاية العصر الجليدي وبداية العصر الدفيء تقدمت مياه البحر لتغطي المساحة الممتدة بين مضيق هرمز وشط العرب مشكلة الخليج العربي، والذي كان يمتد مع نهاية الألف السابع قبل الميلاد إلى ما يقارب 145 كم شمالاً عما هو عليه الآن، بحيث كان الخليج يمتد حتى جنوب أور. وكان دجلة والفرات يصبان فيه كل على حدة. لأن مياه الخليج كانت تغطي ما يسمى الآن شط العرب. ومع مرور آلاف السنين تراكم الطمي والمواد اللحقية من انسحاب نسبي لمياه الخليج، بحيث شكل سهل شط العرب الذي شكله النهر ان بالتقائهما. وقد سادت في المرحلة الممتدة بين 4500 -3500 ق.م ما نسميه حضارة تل العبيد وتوافق النصف الأول من العصر الحجري النحاسي، وما يوافق ذلك من حضارة تل حلف. وقد سميت بذلك الاسم نسبة إلى تل العبيد الصغير، في جنوبي العراق، وإلى الغرب من مدينة أور الشهيرة حوالي 6كم. وقد امتد تأثير حضارة تل العبيد من سواحل شبه جزيرة العرب المطلة على الخليج إلى بلاد النهرين، ليشمل النصف الشمالي من بلاد الشام، وخاصة سهل العمق، وأقام سكان تل الشيخ صناعة فخارية محلية، لاتقل جودة واتقاناً عن فخار الحلف والعبيد"(51) بالاضافة إلى التطابق شبه الكامل في تلك العناصر التقنية والمثيولوجية، بامتداد يشمل الساحل الشرقي لجزيرة العرب على الخليج ومنطقة الرافدين وبلاد الشام،" ومع تطور المعتقدات الدينية، ظهرت المعابد، بيوت الأرباب، فيها يقيم الناس صلواتهم، ويعبدون ربهم، ويتقربون إليه. ودليلنا على ذلك ما اكتشف من معابد في مدينة أريدو، التي تقع في أقصى الجنوب من بلاد الرافدين. في هذا الموقع نقبت بعثة وطنية عراقية تحت الزقورة، وكشفت عن ثماني عشرة طبقة، في كل طبقة معبد صغير بني للرب أنكي، إله الماء. في البدء كان المعبد عبارة عن مصلى مستطيل الشكل في وسطه منضدة لوضع النذور والقرابين عليها. وبعد وقت ليس بالقصير، أضيف إليه محراب، قبالة المدخل. ثم رفع فوق الأرض المجاورة، بواسطة مصطبة، بُني فوقها المعبد. ومع مرور الزمن كان لابد من توسيع المصلى، الذي أصبحت الحاجة إليه ماسة لسبب أو لآخر. فبنى مصلى أكبر من السابق، شكله بقي مستطيلاً.ووضع أمام الضلع العرضاني محراب يقابله أما الضلع الآخر المنضدة وأحيط المصلى بمحراب، وأصبح الدخول إليه من باب في أحد جانبيه. ومع مقارنة هذا الشكل مع أشكال المعابد في العصر اللاحق، يمكننا القول إن المخطط العام للمعابد السومرية- الأكادية قد رسم في هذا العصر، وأن وظيفة المعبد الاساسية قد حدِّدت أيضاً" (52) ونفس المعبد بنفس المواصفات تم اكتشافه في أقصى شمال بلاد الرافدين في تبه جوار ومعابد تل أسود أيضاً (53) كما أن المكتشفات في النسول على الساحل الشامي الفلسطيني أثبتت التطابق والتوازي في التطور الاناسي الحضاري على كافة المستويات، بحيث تميزت هذه المرحلة 5500-3500 ق.م باكتشاف النحاس، وحصر العبادة في أماكن مخصصة هي المعابد. فهل يمكن ضمن هذا الواقع المشخص بمعطيات اقتصادية واجتماعية ومثيولوجية محدّدة أن نتساءل عن معنى وجود كيان سياسي بالمعنى المعاصر للكلمة، يضم كل بقاع الجغرافية التاريخية العربية التي تحدثنا عنها وما معنى هذا الكيان بصيغته التطبيقية في ذلك الزمن. إن تلك الحضارة بتوضعاتها الجغرافية المتعددة هي الناتج الاناسي المعرفي لتطور أمّةٍ واحدة." وإن هذه المناطق الحضارية لم تكن تخصُّ أمماً، بل أمة / متشعّبة/" (54) تركزت أسسها الحضارية في كل مواقع هذا الوطن الجليل، ومن أهمها، والتي تستوجب الوقفة المعرفية، حضارة جنوب بلاد الرافدين. لقد تميَّزت المرحلة السابقة للتاريخ بالتراكم الاقتصادي- الزراعي- البضاعي مما أدى إلى التخصص في العمل والوظائف. وتطوير المقدرات التقنية وجوانبها الانتاجية، مما أدى إلى تشكل طبقة إدارية خاصة من رجال الدين بحيث تتحول البنية المثيولوجية من ثيولوجيا الجماعة الكتلة إلى مؤسسة دينية قادرة على الربط والتمييز بين المعبود والمكان.وهذا لم يكن مجرد طفرة في الزمان أو تأسيساً من خارج المكان البشري، بل كان نتاجاً موضوعياً وطبيعياً لحركية الكتلة الاجتماعية، بحيث أصبح النتاج الحضاري بإحداثياته الأناسية واسماً للجماعة التي تقطن تاريخية هذا المكان. وهذا ما يعطي التحديد بُعْدَيْهِ الأفقي والعمودي. فلا تبدو مسألة الوحدة السياسية الكيانية في ذلك الزمن بتعبيرها المعاصر إلاّ شكلاً من الفانتازيا، كسؤالنا تماماً، عن طبيعة البث التليفزيوني وبرامجه في مراحل ما قبل التاريخ فهذا النتاج الموضوعي والعضوي ببعديه الأفقي والعمودي كان موسوماً بوحدة عناصره التكوينية البنائية مما يعطي كل المكوِّنات اللازمة للوحدة الأناسية المعرفية ببعديها الجغرافي والتاريخي الواسمين لاحداثيات ذلك الزمن الاجتماعي. وهنا يبدو مفهوم الكتلة فعلاً بنائياً قائماً في لب الحركية الأناسية، مرتبطاً عضوياً بما قبلها وبما بعدها، فلايمكننا عزل مرحلة كتلية " بمفهوم الزمن الاجتماعي" عن سابقتها ولاحقتها، كما لايمكن أن نُدخل قسراً حركية كتلة من خارج السياق العام الموضوعي للتطور الأناسي، إلاَّ إذا كانت موسومة بنفس الملامح والعلامات الثقافية. وانطلاقاً مما سبق علينا مقاربة المرحلة التالية من الاناسة العروبية التاريخية والمسماة المرحلة السومرية- الأكادية. وسومر هي المنطقة الممتدة من بابل ( جنوبي بغداد) إلى الخليج العربي. وقد تشكلت سهولها بعد انسحاب مياه الخليج نتيجة تراكم الطمي الذي حمله نهرا دجلة والفرات عبر آلاف السنين التالية لذلك. بحيث تبدو الحركية الحضارية الباليوليتية والميزوليتيت والنيوليتية بحضارات تل العبيد والورقاء باتجاه الشمال نحو ماري وايبلا( عبلة) - تل مرديخ متواصلة متداخلة ببداياتها ونموها التالي بالتطور السومري- الاكادي، ومن ثم البابلي الاشوري بحيث يصعب من الناحية الاناسية التاريخية مفصلة عناصرها إلى مكونات معزولة .. سومر" شومرو" كلمة أكادية كتبت بالخط المسماري " كي- إن- جي " وتعني البلاد السيّدة وأنَّ هذه المنطقة كانت عامرة بحضارة عريقة قبل فجر التاريخ " مما يعني بالضرورة أن الحضارت السومرية هي استمرار معرفي كامل متطور لما قبلها، ونتاج عضوي وموضوعي للحضارة العروبية. والقارئ لأهم نص سومري: " في عابر الأزمان لم يكن ثمة حية ولاعقرب لم يكن ثمة ضبع ولا أسد لم يكن ثمة كلب متوحش ولا كان ذئب لم يكن هناك خوف ولا ارهاب ولم يكن للانسان منافس في غابر الزمان كانت بلاد" شويور"و" همازي" وبلاد سومر المتعددة الالسن البلاد العظيمة ذات النواميس الالهية الخاصة بالإمارة وبلاد أوري التي حوت على كل ما هو لائق وبلاد مارتو كانت آمنة مطمئنة وجميع البشر والكون في وحدة وإلفة يمجدون الله بلسان واحد ------- في: دلمون" لاينعق الغراب الاسود وطير" العتيدو" لايصيح ولايصرخ الاسد لايفترس والذئب لايخطف الحمل لم يعرف الكلب المتوحش الذي يلتهم الجدي ولم يعرفوا الكوارث التي تدمر الغلة لم توجد الارملة والطير من الاعالي لايسقط والحمامة لاتحني رأسها ما من أرمد يقول " عيني مربقة" ولا مصدوع يقول " في رأسي صداع" عجوز " دلموت " لاتقول " أنا عجوز" العذراء ليست بحاجة إلى أن تغتسل ولايهدر الماء الرائق في المدينة من يعبر نهر " الموت" لايتفوه بالموت والكهنة النائحون لايدورون حوله المنشد لايعول بالرثاء وفي طرق المدينة لاينوح ويندب" يدرك بأن هناك تمثلاً لزمنٍ ماضٍ، يصف مرحلة سابقة قبل حدوث التراكم المادي الاقتصادي الذي أدى إلى تشكل طبقة إدارية وطبقة ملاّك " أو حيازة- كما يحقُّ للطيب تيزيني أن يسميها " بالأضافة إلى تحول البنية الثيولوجية المثيولوجية ( الدين) إلى واقع مؤسساتي، تُفرز له شريحة خاصة من الكهنة والسدنة وارباب المعابد. والنص السابق، يصف بما لايدع مجالاً للشك منطقة الخليج العربي في المراحل المتأخرة من النيوليث والميزوليث. فالاشارات المكانية واضحة، مركزها دلمون " البحرين حالياً " أما جزيرة الديلم وهي الجنة الموصوفة في غابر الازمان، وهذا يعني أن الكتلة الاجتماعية التي يخاطبها النص تعرف عبر الذاكرة الجمعية والمخيال ما معنى الدلمون، وأين هي، وبالتالي فهي تعيش الناتج الحضاري الأناسي للتغيرات التي طرأت على الواقع الجغرافي والديمغرافي بشكل عام في منطقة تعيش في لب التكوين الثقافي والتاريخي للكتلة الاجتماعية التي يخاطبها النص. وهذا يعني أن السومريين هم أبناء هؤلاء الأجداد الذين بنوا الحضارات السابقة على امتداد جغرافية المشرق العربي. الاشارات الأخرى لأوري ومارتو تعني معرفة دقيقة في الامتداد الجغرافي الشمالي لبلاد الرافدين وبالامتداد الحضاري الجغرافي لها في سوريا. يضاف إلى ذلك أن السومريين لو كانوا غرباء عن المنطقة كما يحلو لبعض المستشرقين المتصهينين الادعاء بذلك، فلماذا تركوا كل السياق الجغرافي وامتداده للرافدين شمالاً وقطنوا في المنطقة الجغرافية الواقعة شمال غرب الخليج العربي وبما يرمز له النص بامتداد تاريخي نحو البحرين حالياً. الاعتراف بالتراكم المادي وبفائض الانتاج الذي أدى إلى فرز طبقة الكهنة واضح في النص : " والكهنة النائحون لايدورون حوله" يعني وجود طبقة من الكهنة وهي سمة ملازمة للدين المؤسساتي، بما يعنيه ذلك من توضع مادي عريق، كان متوفراً في تلك الحضارة، ولو كان متوفراً للسومريين قبل قدومهم لو كانوا غرباء لما احتاجوا إلى الهجرة والتنقل والبحث عن موقع للحياة. النص يتحدث بصريح العبارة عن وحدة الحضارة أناسياً في منطقة الشرق العربي:" وجميع الكون والبشر في وحدة وإلفة يمجدون الله نليل" بلسان واحد.ومن المعروف ولادة الإله " سين"/ الاله القمر / من خلال لقاء انليل وننليل في جزيرة الديلم/ الدلمون/ والبحرين في الثيولوجيا السومرية، وهذا بالتعبير الأناسي الثقافي الدقيق لايمكن أن يكون إلاَّ كناتج أناسي تطوري للكتلة الاجتماعية العروبية في مظهرها السومري، بحيث شكلت الحركية الجولانية نمطاً ناقلاً في المخيال والذاكرة الجمعيين المكونات البنائية الحضارية. فلولا تمتع السومريين بتلك المكونات العروبية لما استطاعوا إحداث تلك النقلة في منطقة من الطمي والرسوبيات." وعلى كل حال يبدو من نتائج الدراسات الحالية وكأن جنوب بلاد ما بين النهرين الذي عُرف فيما بعد ببلاد سومر، قد دخل مرحلة التطور متأخراً قليلاً عن الأقاليم الشمالية لنهري دجلة والفرات. وقد تجلى ذلك بالدرجة الأولى مقابل ماعرف بعد ذلك ببلاد آشور في ضواحي مدينة الموصل الحالية وفي منطقة الخابور. وقد يكون هذا طبيعياً إذا اعتبرنا أن منطقة الفيضان المستنقعية عند مصب دجلة والفرات قد امتدت إليهما يد الانسان شيئاً فشيئاً وقطنها بعد أن نفذ فيها طريقة ري بدائية وشق إلى جانب ذلك شبكة من الطرق اللازمة. إن الذي يدل على الاستيطان المتأخر نسبياً- للجنوب، هو أنه لم تظهر هناك أية مكتشفات واضحة من العصر الحجري أو حتى من فجر العصر الحجري- النحاسي. وفي المقابل أصبح الأمر في هذا المجال عادياً لدينا في شمال ما بين النهرين وفي شمال بلاد الشام" (55). ومن البسيط جداً تفسير ذلك بالعلاقة مع حركة مياه الخليج العربي عبر التأكيد على حضارة ما قبل الخليج التي تحدثنا عنه يضاف إلى ذلك أن شكل الجمجمة المورفولوجي المكتشف في بعض المواقع لايعتبر دليلاً، لأن الانسان عبر تطوره التاريخي مرَّ بمجموعة من المراحل المورفولوجية. كما أن منطقة جنوب الرافدين، والخليج العربي كانت مستقراً لمجموعة من الحركيات الجولانية التاريخية. بالاضافة لذلك لابد من التأكيد على أن الوضعية المكتشفة لتماثيل مناطق سومر هي مورفولوجيا محسوبة على سكان الشرق العربي. أما الجماجم المستطيلة والطويلة فهذا تابع لما قلناه أعلاه. يضاف إلى ذلك ما يذكره البعض من ارتداء سكان سومر للثياب الخشنة. بحيث يمكن أن نتساءل هل ارتداء الثياب الخشنة تابع لفولوكلور شعبي أم استجابة بيئية لمناخ معين؟؟ فحتى لو افترضنا أن السومريين قدموا من خارج المنطقة، فهل كان ذلك من خلال هبوطهم بالمظلاّت بحيث لم يكن لديهم الوقت اللازم لاستبدال ثيابهم بأخف منها بما يستجيب لمنطقة الجنوب الرافدي الدفيئة؟!! أليست الثياب واللغة حالات اجتماعية قابلة للتطور قياساً بالمفهوم الزمني الاجتماعي؟ أم أننا نطالب أجدادنا منذ ستة آلاف عام أن يكتبوا الشعر بطريقة بدر شاكر السياب، وإلاَّ فهم غرباء عن المنطقة فالعودة إلى البنية الميثولوجية بما راكمت من عناصر بنائية تمكننا من التأكيد أن السومريين لم يكونوا إلاَّ عروبيين أقحاحاً لم يتصفوا بعنصر تكويني واحد خارج البناء الأناسي العروبي (56). ولاتكفي في هذه الحالة الردود المحدودة المنشورة هنا وهناك إن كان على صموئيل كريمر أوديورانت أو غيرهما ممن حاولوا أن يردّوا فجر التاريخ إلى خارج المنظومة العروبية فعندما عجزوا عن تزوير أناسة المكان، لأنه قائم في الأثر المكتشف وفي احداثيات الموقع المدروس، ارتدوا لتزوير أناسة الزمان " التاريخ"، فيتساءل كثير من المستشرقين" وحتى أنطون موتكارت نفسه" بأن تلك الحضارة هل كانت ثمرة النضوج الفكري لشعب المنطقة أم أنها كانت بتأثير شعب جديد قدم إلى هناك؟ (57) بالإضافة لما قلناه سابقاً لابد لنا من العودة لما أسميناه" الاحداثيات الأناسية المعرفية" ببعديها العمودي المرتبط بالماضي والحاضر والمستقبل، وبالأفقي المرتبط بالبنى المعرفية الأناسية التي سارت موازيةً أو سبَّاقة على تلك المقدّمات التي أعطتها الحضارة السومرية. ومن المهم التذكير به أولاً، أن السومريين لو كانوا قد قدموا إلى المنطقة العربية من خارجها، فمن أين جاؤوا؟ ومن أي منطقة أتوا.. وهم يحملون معهم ما حملوا من تقدم حضاري، لماذا لم يتركوا في المنطقة المزعومة التي تركوها، ما يدل على آثارهم العظيمة؟ إن كانوا من بلاد ماوراء القوقاز أو من الهضاب الموزعة هنا وهناك خارج المنطقة العربية. وأعتقد جازماً بأن أي شعب من الشعوب المجاورة أو البعيدة عن الوطن العربي لن تبخل علينا لإظهار أي قطعة حصى أو حجر تؤكد انتماء السومريين لها. ولا أعتقد كما قلت أعلاه، بأنهم نزلوا بالمظلات من سماء مجهولة، لذلك نحن بانتظار تنقيبات الفضاء عن تلك الحضارة. ولايهمني في هذا الإطار الإشارة فقط إلى أدوات الاستشراق الأيديولوجي الزائف، بل يهمني أيضاً الاشارة إلى أولئك الباحثين العرب" الذين يمكنني أن أتهمهم بأنهم، إن كانوا عن غير قصد قد تبنوا تلك النظريات الاستشراقية فهم جهلة بالقراءة التاريخية المشخّصة. فكل ذلك اللفيف " بعربه وعجمه" متفقٌ على السؤال، ترى من أين جاء السومريون؟ وكأن السياق العام الذي تقدمه إحداثيات التحليل الأناسي يبتعد بالسؤال إلى خارج المنطقة العربية. إن ذلك السياق يقدم كل المعطيات اللازمة للتأكيد على أن السومريين هم النتاج الطبيعي والعضوي والحتمي للتطور الأناسي السابق لهم في المنطقة العربية. فحتى لو افترضنا أنهم غرباء هل يمكن عزل ما قدموه عن المنظومة الثقافية والحضارية / الأناسية المعرفية/ العربية؟! إنّ المتفحص البرئ والحيادي لتطور المنطقة العربية كما أوردناه/ منذ عصور الباليوليت وحتى العصر الحجري- النحاسي ثم النحاسي يدرك بما لايدع مجالاً للشك بأن النقلة النوعية الحضارية التي تحققت مع نهاية الألف الرابع قبل الميلاد هي الناتج الأناسي الطبيعي لما سبقها . حتى ولو كان السومريون من خارج المنطقة العربية فهم لم يقدموا ما هو غريب عن سياقها التاريخي لامن ناحية البنية التقنية ولا من النواحي الثقافية والميثولوجية. وهذا التداخل العمودي الذي نتحدث عنه يدفعنا للتأكيد على انعدام القدرة على إيجاد حدود الفصل بين المرحلة الماقبل سومرية والمراحل التالية لذلك لانرى عيباً في تسمية المرحلة التالية كما يفعل كثيرٌ من دارسي التاريخ بالسومرية- الاكادية. إن التراكم المادي الذي تحدثنا عنه والذي أدى إلى وجود فائض سلعي دفع باتجاه تمايز شريحة الكهنة. وهذا ترافق بالضرورة مع تطور اللغة كسيرورة اجتماعية تاريخية مميزة للجهاز الاشاري الثاني لدى الانسان وما يعنيه هذا من أنها مرت بمراحل زمنية طويلة من التطور الاشاري الصوتي قبل انتقالها إلى مرحلة الكتابة. بحيث مرت هذه الاخيرة أيضاً بمراحل تطور تميزت بالتراكمات الكمية وبالنقلات النوعية التي نحن بصدد الحديث عنها باختصار." ونحن نعرف أنه حيثما توجد كائنات بشرية تكون لها لغتها، وفي كل الأحوال تكون هذه اللغة أساساً لغة محكية مسموعة في عالم الصوت. وعلى الرغم مما تحمله الاشارة الجسدية من ثراء، فإن لغات الاشارة المتطورة ليست إلاّ بديلاً للكلام، تعتمد على نظمه الشفاهية، حتى عند استخدامها على يد الأصم خلقياً. أما معظم اللغات فلم تعرف طريقها إلى الكتابة على الاطلاق. وليس هناك من بين الـ 3 آلاف لغة المتكلم بها اليوم سوى ما يقارب 78 لغة فقط لها أدب مكتوب. وليس ثمة طريقة إلى الآن لإحصاء عدد اللغات التي اختفت أو تحولت إلى لغات أخرى قبل أن تعرف الكتابة. كذلك فإن مئات اللغات المستخدمة اليوم لم تكتب أبداً، إذ لم ينجح أحد في التوصل إلى طريقة فعالة لكتابتها. إن الأصل الشفاهي لأي لغةٍ هو أن للغة سمة لاصقة بها(58). ولابد من مرورها بمرحلة بينية قبل تحوّلها إلى لغة كتابية. وتتميز هذه المرحلة البينية بتجميعية اللغة، باصطفاف الكلمات والتصاقها سوية لتكوين لغة مركبة، ذات معنى مركب. وتعتمد على المقاطع اللفظية وليس على الحروف. ومن الطبيعي أن تتميز طبقة الكهنة بامتلاك هذا الانتقال النوعي نظراً لرفعة المؤسسة الدينية ( الميثولوجية) ودورها في التمايز التالي في الكتلة الاجتماعية. وإذا كانت اللغة السومرية عبارة عن صور أو رموز مجردة تعكس تعبيراً معيناً كمرحلة بينية للانتقال إلى اللغة المكتوبة الأبجدية اللاحقة إلاَّ أن بها كلمات عربية ترجع إلى الأقوام الأولى قبل ظهور السومريين" (59)" كما كانت هذه الكتابة واسطة عملية لإدارة اقتصاد المعبد المادي أكثر من أن تكون تعبيراً لمفاهيم روحية سامية، إذ أنها كانت عبارة عن واسطة عملية لتنظيم اقتصاد المعبد فقط(60). وهذا يؤكد نخبويتها وتخصصها في الشريحة العليا من المجتمع ذات التخصص الكهنوتي أو ما يرتبط به من إدارة. وهذا يؤكد أنها نتاج عروبي، وإلاَّ لماذا، وكيف دخلت بها كلمات عربية ترجع إلى الأقوام الأولى قبل ظهور السومريين، فيما لو كان السومريون قد جاؤوا من خارج المنطقة حتى ولو من جنوبها ؟! حيث يتحدث بعضهم وكأن جنوب منطقة سومر خارج المنطقة العربية أليس هو منطقة الخليج العربي، والساحل الشرقي للجزيرة العربية؟ أليس هو منطقة البحرين/ الديلم؟ وهل منطقة الجزيرة العربية خالية من الجبال ليقول بعضهم، إن وجود" الجبل" في المثيولوجيا السومرية دليل على اغترابهم عن المنطقة؟".. وكذلك لأهمية " الجبل" في اعتقاداتهم الدينية. إلاَّ أن غالبية الباحثين تميل الى الاعتقاد بأن السومريين وصلوا عن طريق الخليج في الجنوب لأن تجمعهم كان في الجنوب" (61) يضاف إلى ذلك أهمية ذلك التداخل العمودي في التكوين الأناسي المتوّاشج عضوياً وموضوعياً" هو أن غالبية النصوص التي تفسر طريقة النطق" باللغة" السومرية ترجع إلى الاكاديين الذين خلفوهم. واستخدمت الكتابة المسمارية لتدوين" اللغات" الاكادية والبابلية والآشورية والأوغاريتية حتى عُممت الأبجدية الفينيقية " ( 62) وبنفس التزامن ظهر معها "اللغة المصرية القديمة " كلهجة من لهجات اللغة العروبية" ممايدل على أن سكان مصر أقوام جاءت من الجزيرة العربية وشمال وشرق أفريقيا " فهي تشترك مع تلك اللهجات العروبية في خاصتها الاساسية التي تجعل كلماتها تُشتقُّ من مصدر واحد، غالباً ما يتكون من ثلاثة أحرف كما تشتمل على الكثير من الكلمات والمفردات المشتركة/ وسنعود بمزيد من التفصيل إلى هذا الحقل في الفصل القادم. أما ما يخص التداخل الأناسي المعرفي الأفقي فهو التطابق في البنية المثيولوجية، ووجود مواقع أخرى موازية زمنياً تتفوق على المستوى الذي ميّز النقلة السومرية فذلك التفوق كان حقيقة واقعة منذ قرون عديدة كما حدث في ماري وكيش،" خاصة وأننا نملك منحوتات من مدينة ماري تحمل كتابة عروبية أقدم من عصر سلالة أور الأولى" (63) ويدعم ذلك بأن كريمات الحكام الاكاديين كنَّ قد دخلن معبد إله القمر في أور كعرائس للآلهة(64) حتى أن سرجون الأول كانت أمّه عروساً من عرائس الآلهة، ومن تلك الكاهنات اللواتي قطعن عهداً على أنفسهن بعدم انجاب الأولاد منذ اللحظة التي بوركن فيها. ولكن عندما أنجبت رغم ذلك طفلاً في مدينة آزوبيرانو وضعته سرّاً في صندوق من القصب وألقت به في نهر الفرات(65). كما أن المرء لايشك الآن في قيام علاقة ومبادلات تجارية مع النوبة ( في وادي النيل) = ملوحة آنذاك، بعد أن ثبت وجود علاقة قوية بين سومر في عصر فجر التاريخ ومصر في عصر تيكاد الثاني .(66) وبنفس الوقت يتعذر على المرء أن يفرق بين الديانة الأكادية والاعتقاد السومري بالآلهة بعد ذلك الانصهار القوي بين عناصر الديانة السومرية والعروبية الشرقية (67). بحيث يتأكد بالبراهين الدقيقة أن السومريين هم النتاج الطبيعي الموضوعي للتطور الأناسي العروبي .وشكلوا حلقة من حلزون التطور العروبي التالي، فاسما آخر ملكين في سلالة أور الثالثة شو- زن وأبي - زن كانا عروبيين حتى أن من أبرز ما قام به الملك العروبي " شو- ايلي - شو" أو " جميل - ايلي-شو" الذي حكم مدة عشر سنوات حربه مع العيلاميين وانتصاره الساحق عليهم مما أدى إلى استرجاع تمثال إله القمر (نناز) الذي حمله العيلاميون معهم إلى بلادهم قبل انتصارهم على ملك أور " أبي -سن". " لقد كانت سورية في العصر الحجري النحاسي كما كانت في العصر الحديث المركز الحضاري الرئيسي في الشرق الأدنى بأسره، ويرجح بعض العلماء أن معرفة النحاس قد انتشرت من سورية إلى جميع جهات الشرق الأدنى كمصر وبلاد الرافدين، كما أنهم يرجحون أن استعمال الخزف وتدجين القمح والشعير وبعض الأشجار كالتين والزيتون والكرمة وتدجين بعض الحيوانات الأهلية التي عُثِرَ على دمى لها مصنوعة من الطين كالثور والغنم والماعز والخنزير وبعض الطيور كالحمام انتشرت من سورية إلى المناطق المجاورة" (68)" وقد يصعب أحياناً بالنسبة لعلماء الآثار تحديد مسار حضارةٍ ما وفقاً لتعاقبها الزمني مع حضارة أخرى، إلاَّ أن الرأي السائد هو أن نقطة الانطلاق كانت في الشمال الرافدي، ثم تحولت نحو الجنوب خلال أدوار العصر الحجري النحاسي، أي أن التحول انتقل من الشمال إلى الجنوب إلى المنطقة التي شهدت ميلاد الحضارة السومرية فيما بعد.وليس من السهل تحديد الأدوار المتعاقبة للعصر الحجري النحاسي ب، 2500 سنة أي في الفترة الواقعة ما بين 6000 و3000 سنة قبل الميلاد وتقع ضمن هذه الفترة مرحلة الانتقال إلى عصر فجر التاريخ(69).فكيف ينحو أنطون موتكارت بعد قوله السابق للتساؤل عن الموقع الاساسي للسومريين، بحيث يتساءل عنه وكأنه قد حسم موقفه بأنهم غرباء عن المنطقة العربية. علماً أن كل النصوص التي قمنا بإيرادها، لاتدع مجالاً للشك بأن السومريين هم من أبناء القبائل العربية تحديداً، وهم حلقة من حلقات التطور الأناسي في حركيته المعرفية والحضارية.ففي عصر فجر السلالات عرف أقدم حاكم من حكام ( لاجاش) يدعى" لوجال- شاج- " وقد ورد اسمه في نصٍ قديم مسجل علىرأس دبوس قدّمه للاله " نينجرسو" إله مدينة لاجاش ملك عربي كان يحكم مدينة " كيش" اسمه مسيليم وقد كتب النص المذكور كما يأتي: " مسيليم ملك كيش، الذي بنى معبد نينجرسو، أودع رأس الدبوس هذا من أجل نينجرسو، حين كان لوجال - شاج - أنجور حاكماً" ايشاج" على لاجاش"(70). ويشير نص آخر إلى أن ملك كيش قد قام بالتحكيم بين مدينتي " لاجاش" و" أوما" عندما اشتد الخلاف على الحدود بينهما. ويشير النص المذكور إلى وضع اتفاقية حددت بموجبها الحدود بين المدينتين، كما يذكر أن تلك الاتفاقية وضعت بناءً على رغبة الإله " انليل" وأن كلاً من إله " لاجاش" وإله" أوما" قد وافقا عليها. ووضعت لوحة مسيليم على خط الحدود الفاصل بين اراضي المدينتين حسب الاتفاقية المذكورة. ولذلك نرى في بعض المراجع، إن لم يكن في معظمها، أن مجموعة كبيرة من المؤرخين تقسم تلك المرحلة إلى ماقبل مسيليم، ومسيليم وما بعد مسيليم. فكيف إذن يمكن أن نقول مع هؤلاء المستشرقين ذوي الأيديولوجية التزييفية بأن السومريين قدموا من خارج المنطقة العربية؟ أليس حرياً بنا نحن العرب أن نعود لقراءة تاريخنا قراءة أناسيةمعرفية تضع الاحداثيات التاريخية في سياقها الزمني الصحيح وتضع الأحداثيات الجغرافية في مواقعها المترابطة تاريخياً، بحيث نعيد لتاريخنا مساره الصحيح. وحتى إذا عرّجنا قليلاً على إطلاق التسميات وبحثنا في بعضٍ من تأسيسها المعرفي لاحظنا بأن الكتلة الاجتماعية العروبية في تاريخها السحيق تشكل كتلة أناسية معرفية " تاريخية وجغرافية" واحدة، ذات سيرورة بنائية متصاعدة متكاملة. فيذكر د.منير يوسف طه: بأن سكان شبه جزيرة عمان لايمكن فصلهم عن سكان الساحل الغربي للخليج العربي مادام هذا الساحل يشكل وحدة جغرافية تتصل بسواحل البحر الأبيض عبر الفرات، ويقترح بأن الأموريين " العموريين" هم كانوا سكان المنطقة الممتدة من عُمان إلى البحرين، اعتماداً على بعض اللقى الأثرية، وبعض الكتابات التي ذكرت أسماء أمورية " عمورية" لأفراد من منطقة ديلمون " البحرين". وفي فترة متأخرة، تعود إلى حوالي سنة 640 ق.م أيام الملك الاشوري أشور بانيبال يوجد هناك نص من معبد عشتار في نينوى يذكر أن الملك بادي (PADE) ملك أرض كادي " قادي" (Qade) والمقيم في مدينة اسكي، قدم إلى نينوى ليقدم الجزية إلى الملك الأشوري.(72). كما نلاحظ أن النص ذكر بلداً باسم كادي، وهو اسم لعُمان، استخدم منذ عهد الدولة الاشورية الثالثة مروراً بزمن الدولة الكلدانية. والاسم أكدي الأصل" كا- دي-ي -De-E- Qa) أو ( كاددو-وQa-Du-U) وكاد - دو - بالأكادية. وهي كلها تدل على اسم مكان واحد هو عُمان. أما اسم أسكي الوارد في النقش، فهو ربماإزكي، وهو اسم لمدينة مشهورة تقع في المنطقة الداخلية من عُمان، وتعتبر من أقدم المدن العمانية(73). أما بعلاقة العمالقة التاريخية وسكناهم في تلك المنطقة، فعلى ذلك يتفق كل الاخباريين والمؤرخين والذين أطلق عليهم لاحقاً اسم الكنعانيّين " الفينيقيين" والذين شرحنا باسهاب حركية تاريخهم الأناسي في التاريخ والجغرافية العربيين بالإضافة لما أوردناه في هذا الفصل من حيثيات تأريخية وجغرافية دقيقة ونظراً لضرورة إكمال هذا البحث باتجاه القراءة المتأنية والحيادية لأصل السومريين بالقراءة النسبية يمكن إضافة العناصر التالية: - إن الدراسات الأنتروبولوجية Antrpolojy التي أجريت على عظام وهياكل قبور هيلي في رأس العين في الامارات، وشمل، وغليله في شمال رأس الخيمة، والتي تعود فتراتها إلى الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، تثبت أن السكان كانوا يتمتعون بصحة جيدة، وأنهم كانوا يتصفون بالرشاقة والطول والضخامة، إضافة إلى أن حياتهم كانت قصيرة حيث دلت الدراسات على أن أعمارهم تقدر بين 35-40 سنة بالاضافة إلى أنه توجد على هياكل قبور هيلي بعض الملامح الافريقية مما يوحي بأن السكان ربما اختلطوا بجنس افريقي (74) وهنا لايمكن مناقشة الاختلاط بشكل طفرة أو الاختلاط العابر. فهذه السمات التي تدلُّ على العماليق= الكنعانيين= الفينيقيين، تؤكد بأن علم الاناسة الاثنولوجية يوضح لنا أن جولات القبائل العروبية بين الألفين السادس والثالث قبل الميلاد لم تختزل في القسم الاسيوي من الوطن العربي فقط، بل شملت كل القسم الافريقي، وخصوصاً الساحل الشرقي الافريقي المطل على البحر الارتيري" الأحمر" مروراً بمضيق باب المندب وحتى الرأس الافريقي والساحل الصومالي. فبالإضافة لما ذكرناه سابقاً حول شهادة هيرودوت بناء مدينة صور من قبل الفينيقيين على ساحل البحر الكبير= أمورو " عمورو"= البحر الأبيض= الساحل الفينيقي الشرقي، عام 2750 ق.م يشير الجغرافي اليوناني سترابو "64ق.م - 21م" إلى أنه توجد في منطقة الخليج العربي معابد ومدن شبيهة بتلك التي على الساحل الفينيقي، كما أيَّده بذلك بليني (23-79م). أما المؤرخ الروماني جوستين " القرن الثاني الميلادي" فيذكر أن الفينيقيين قد هاجروا من بلدهم الأصلي بسبب زلزال أصاب بلدهم واستقروا أولاً بالقرب من بحيرة سورية " البحر الميت" ومن هناك انتشروا على سواحل البحر الأبيض. كما استفاد الاسكندر المقدوني (336-323) ق.م من خبرة الفينيقيين في الملاحة وصلتهم القديمة بمنطقة الخليج العربي ( 75) بارسالهم إلى مياه الخليج عبر نهر الفرات. كما أن التشابه في بعض أسماء المدن والمواقع في الخليج والساحل الفينيقي مثل: صور في عمان وصور في شمال فينيقيا على الساحل الشامي، وجبيل على الساحل الفينيقي وجبيل على ساحل الخليج في شمال شرق الجزيرة العربية،.. وما أوردناه أعلاه يؤكد أن الكنعانيين= الفينيقيين هم نفسهم العمالقة الذين استوطنوا شبه جزيرة عمان، وأجزاء كبيرة من شبه الجزيرة العربية وساحل الخليج العربي وأنهم هاجروا إلى بلاد الشام واستقروا على ساحل البحر الأبيض قبل وأثناء الألف الرابع قبل الميلاد كأحد المحاور من محاور جولانهم في شعاب الوطن العربي وسواحله خصوصاً كما قلنا أعلاه. بحيث يبدو من القراءة الدقيقة أن السومريين جاؤوا فعلاً من دلمون / البحرين/ وفيها تعلموا الكتابة كما يقول علي أكبر حبيب بوشهري - 76). ومما تجدر الاشارة إليه في المحطة الأخيرة من تقييمنا للتاريخ الأناسي المعرفي الاصلي للكتلة الاجتماعية العروبية في مراحل الحضارات الجليلة نماذج من العلائق المتينة التي تؤكد على وحدة التاريخ والجغرافية الأناسيين العربيين. بحيث لابدَّ من الوقوف عند إحدى الحلقات الهامة التي تؤكد على الطبيعة الواحدة في التركيب البنيوي الثقافي وبالتالي السياسي، وذلك من خلال العلاقات التي كانت تربط بلاد الشام كإحدى أهم حلقات الوصل بالامتداد العربي مع وادي ودلتا النيل. ففي نفس الوقت الذي تحدثنا فيه عن التماثيل في مراحل التاريخ الحضاري للنطوفية والسبيلية انتقلنا إلى رسم التكوين الأولي المعرفي أناسياً الذي أدى بالضرورة إلى تكوين واقع فكري مميز لخصناه في السطور الأولى من هذا الفصل، وفصّلناه باسهاب مع تطور اللغة الشفاهية إلى كتابية في مشرق الوطن العربي بما عناه ذلك من ضرورة تمايز طبقة الكهنة كمؤسسة دينية ارتبطت بوجود التراكم المادي والفائض الاقتصادي الذي وشى ببنية جوهر حركيته ما يمكن أن نسميه تفرّغ هؤلاء الكهنة، وهذا، طرح ضرورة الارتقاء بعلاقات الكهنة بالمعبود من خلال اللغة وبمكان العبادة من خلال تجسيد أفكار الاعتقاد والعبادة " ميثولوجياً" عبر لغة تنتقل إلى صيغة التجسيد القائم المعزول عن وجود الانسان بحيث دفعت تلك الحاجة إلى نقل اللغة الشفوية، التي يزول تأثيرها، بانتفاء وجود الانسان المتحدث بها، إلى اللغة الكتابية أو المكتوبة والتي يبقى تأثيرها قائماً رغم انعدام وجود ناطقها. وهذا ما شكل أحد العلامات المميزة الرابطة بين نقل التجسيد من واقع الصوت إلى واقع النقل الحركي له مكتوباً. كل ذلك شكل أحد الملامح الأساسية للانتقال في "فلسفة" القراءة المعرفية الأناسية لمعنى وجود الانسان وعلاقاته بمكوِّنات وجود البنائية. فاعتبر قراءته للذات مرتبطة بالنطق، باللفظ، بالكلمة الملفوظة، ومع انتهاء آخر حركية صوتية كان يعتقد بأنَّ ذاته انتهت مع انتهاء تلك الحركة بما يعني بها من وشائج ربط مع كل إحداثيات وجوده المرتبط بالمعبود، فحدا به ذلك إلى الانتقال إلى حالة استمرارية في قدرة تأثيره، وهذا بالضبط ما تحققه الكلمة المكتوبة. ومن المؤكد أن الكتابة نشأت وتكاملت بصورة تدريجية أيضاً في بلاد النيل كما هي الحال في بلاد الرافدين وديلمون ،" فقد عثر على صور ورسوم متنوعة من عصر ما قبل الاسرات، دخلت فيما بعد في طريقة الكتابة الهيروغليفية التي كانت تتألف من مجموعة من الصور المبسّطة..فالخط المتعرج يمثل الماء، العصا المقوّسة عند طرفها والتي يحملها الملك تدل على السلطة والسلطان، رسم الشجرة يدل على النبات، والقدم على الرجل أو فعل المشي أو الذهاب..وقد بدأت الكتابة بتصوير الاشياء للدلالة عليها، ثم تطورت فأصبحت الصور تدل على الأفعال المتعلقة بتلك الاشياء، ثم أصبحت الصور تدل على الأفكار المرتبطة بها (77). ومن الملفت للانتباه أن هذا التطور في الارتقاء حدث بالتوازي والتطابق مع مثيله في بلاد الرافدين مع نهاية الألف الخامس وبدايات الألف الرابع قبل الميلاد. ففي عصر ما قبل الأسرات بين نهاية الألف 4500 - 3200 ق.م تقدم سكان الدلتا تقدماً فكرياً كبيراً في هذا العصر، فاخترعوا الكتابة ورتبوا العمليات الزراعية حسب تقويم أوجدوه من ملاحظاتهم المتكررة لظاهرة الفيضان السنوي التي تقع بانتظام، فقد كان الفيضان يصل في يوم معين من كل سنة إلى منف وهليوبوليس، وقد تأكد السكان من ذلك بملاحظة بعض الظواهر الفلكية، كما دفعتهم ضرورات الحياة الزراعية إلى الانتباه لمثل هذه الملاحظات، فتمكنوا بذلك من معرفة عدد أيام السنة وقسموّها إلى اثني عشر شهراً، وقسموا الشهر إلى ثلاثين يوماً، وخصّصوا للأعياد الأيام الخمسة الباقية وفيها ينصرفون إلى اللهو والطرب" (78) ولم يكن ذلك إلاَّ نتاجاً لتطورات نوعية وتراكمات كمية عبرت آلاف السنين في علاقات مناطق الوطن العربي مع بعضها، فبعد أن أخذت الأمطار تقل تدريجياً، وأخذ الجفاف بالازدياد مع نهاية الألف العاشر قبل الميلاد، بحيث شهدت هذه الفترة مولد نهر النيل بشكله الحالي.. واستمرت صناعة الأحجار الصغيرة والدقيقة ذات الاشكال الهندسية المختلفة التي كانت منتشرة في الفترة الاخيرة من الحضارة السبيلية وانتقلت من حلوان إلى فلسطين(79) ومنها إلى باقي بلاد الشام فيما يسمى الحضارة النطوفية التي كانت سائدة في بلا الشام بين الألفين التاسع والثامن قبل الميلاد. إن تطور الرؤية الفلسفية بمعانيها الأولية للوجود بما عنته من علاقة الأرض بالسماء، بحيث تعبر النفس الانسانية عن علاقة التأثير فيما بينها، بحيث لاتستطيع إلاَّ أن تدفع بالأرض تجاه الأعلى في علاقةٍ ما زال حتى إنساننا المعاصر يبحث عن جوهر تلك المحاولات في الصعود عبر الارتفاع بالأرض والتعبير بما تستطيع يداه فعله من خلال بناء المعابد الصاعدة أو المقابر التي ترتفع" بالمتوفى" ولم يكن حل هذه المعادلة بالغريب عن فكرنا العربي بمقدماته الأولية والتالية، بل كان عنصراً من عناصر تطوير البنية الأناسية الحضارية " فهرم سقارة المدرج الفريد من نوعه، والذي يبلغ ارتفاعه ستين متراً، وهو أول هرم عُرف في التاريخ يشبه بصورة عامة بناء الزقورة أي الأبراج التي كانت تبنى في بلاد الرافدين " (80). أما بالقراءة السياسية المباشرة" بما تعنيه في تلك العصور" فيمكن أن نختتم قراءتنا في هذا الفصل ببعض ملامح الوحدة بين بلاد الشام وبلاد النيل، بعد أن بينا بمعطيات التاريخ الأناسي هذه الوحدة: فلقد وصلت حملة تحوتمس الأول(1525-1495 ق.م) إلى منطقة النهارينا ( تقع بين نهر العاصي ونهر الفر ات وفروعه إذ تمتد حتى الخابور) وخلد تحوتمس الأول هذه الفتوحات بلوحة تذكارية أقامها على شاطئ الفرات وذكر فيها أعماله وفتوحاته موحداً بذلك / وبالشكل السياسي / مصر وسوريا (81) كما أن الحملة الثامنة لتحوتمس الثالث وصلت إلى نهر الفرات (82)، كما أن أمنحوتب الثالث (1397-1365 ق.م) تزوج بإمرأة مشهورة تسمى " تي" وهي ابنة شيخ وأمير سوري، كما كانت تتواجد في قصره أميرات سوريات وبابليات وآشوريات عديدات. كما أن زوجة أمنحوتب الرابع" ابن الملكة السورية " تي" " أخناتون، تاو وخيبا هي سورية وقد عرفت باسم نفرتيتي(83). وأخناتون هذا أول من نادى بعبادة الاله الواحد- الديانة التوحيدية وهذا الاله هو أتون الشمس المحرقة،، وأدى به الحماس إلىالاله الجديد إلى أن حرم على الناس إقامة التماثيل للاله أتون، لأن هذا الاله حسب زعمه موجود في كل مكان، ومن المعروف وحدة انتشار هذه الفكرة ورفعة تأثيرها باتجاه شبه الجزيرة العربية بالصابئة والاحناف، كما أن تلك الأدعية التي تمجد إله الشمس أتون تذكر بتمجيد السوريين له إلى جانب شعب مصر والنوبة(84) وفي عصر رمسيس الثاني تمَّ ضم الساحل الفينيقي (1284 ق.م) وفي العام الذي يليه تقدم رمسيس الثاني إلى الداخل الشامي فانضم إليه ملك قّطْنا العموري وبعد ذلك بفترة ليست طويلة حكم الامير السوري " ارسو" مصر كاملة (85). أمَّا عن وحدة التطور الحضاري الأناسي مع بلاد الرافدين، فبالاضافة إلى كل ما ذكرناه أعلاه، يشير طه باقر إلى أن وحدة العلاقات تعود" إلى أواخر الطور الحجري- المعدني أي عهد ما قبل السلالات، كذلك في بداية عهد السلالات أي في المراحل الأولى من نشوء الحضارة الراقية في كلا القطرين" (86) ومن أهم الدلائل على ذلك ظهور ووجود واكتشاف بعض الادوات والنماذج الخاصة بحضارة بلاد ما بين النهرين في مصر (87) ويشار في هذا السياق إلى " أواني الحجر المزينة بالنحت البارز وبعض الطرز القديمة الخاصة بالأبنية السومرية التي وجد ما يطابقها في المقابر الملكية المصرية في المصاطب القديمة، وفي تخطيط اللحود الملكية الأولى ولاسيما لحود ملوك السلالة الأولى، وكذلك استعمال الأختام الاسطوانية" (88). حتى أن الدولة الاشورية الحديثة أخضعت مصر الفراعنة نفسها لسلطانها (89). لذلك أرى من الضروري إعادة التذكير بما قدّمه الباحث إحسان جعفر في بحثه" بين اللغة المصرية القديمة واللغة العربية "، حيث يؤكد على الاصل الأناسي الأثنولوجي الواحد لعرب الجزيرة العربية ووادي النيل وشمال افريقيا والذي يعود تأريخياً إلى الألف العاشر قبل الميلاد (90)، ويشير إلى أن أكثر من دراسة تاريخية أو آثارية أو لغوية قام بها عدد من المؤرخين والعلماء وتبين أن الرأي الذي ذهب إلى أن الفراعنة عرب قدماء ما هو إلاَّ حقيقة واقعة، وقد تبّنى هذا الرأي كثير من علماء اللغة والآثاريين الألمان، وشاركهم في رأيهم هذا الاثاري العربي المصري الأول أحمد كمال، وشيخ العروبة أحمد زكي والدكتور أحمد عيسى وغير هم، وهم يرون أن المصريين القدماء جاؤوا من جزيرة العرب، وبهذا الصدد يقول المؤرخ اللغوي أحمد كمال في كتابه " الحضارة القديمة":" اختلفت الآراء حول الجهة التي وفد منها قدماء المصريين فقال لبسيوس : إنهم دخلوا عن طريق برزخ السويس، لكن قوله هذا نُبذ الآن- وقال غيره: إنهم اجتازوا البحر الأحمر من الجهة التي تُعرف الآن بميناء القصير، فساروا منها إلى وادي الحمامات، ثم إلى مدينة قنا الواقعة في مصر الوسطى على مقربة من طيبة. ورجح نافيل انتقالهم من جنوب الجزيرة العربية عبر البحر من جهة مصوع بما في ذلك من توافق مع الرواية المنقولة عن ديودور الصقلي، وقال نافيل : هذه الرواية المؤيدة لمجئ المصريين عبر مصوع كافية بمفردها لاثبات ماسبق بيانه من أن أصل المصريين القدماء من بلاد العرب الجنوبية لأن في الرواية إشارة إلى أن أولئك الفاتحين بعد أن انتقلوا من مواطنهم نزلوا على شواطئ البحر الأحمر في الحبشة/ كما أوردنا وبتفصيل أناسي معرفي وتاريخي في بداية هذا الفصل واقاموا فيها زمناً قبل زحفهم على وادي النيل (91). ويضيف أحمد كمال في موضع آخر من كتابه المشار إليه إنه :" لما جاء الحوريّون- وهو يقصد بهم قدماء المصريين القادمين من بلاد العرب- تغيرت مظاهر الحياة، وتبدلت معالم البلاد بما انتشر فيها من الحضارة الجديدة، فكانت أعمال ملوكهم باكورة التقدم والنجاح، وفاتحة كثيرٍ من الاصلاح. ويفسِّر لنا أحمد كمال اسم هؤلاء الحوريين الوافدين من جزيرة العرب فيقول:" إن الملوك القدماء حوريون، أي يُنسبون لحوريس، وبطريقة أوضح لأنهم أتباع " الحر "(92) إي البازي لأن هذا الطائر الذي امتاز بسرعة الطيران والقنص كان لهم بمثابة لواء تستظل به قبيلتهم الاصلية، وكان يرمز به لمعبودهم حوريس سواءاً كان على صورة طائر أو صورة إنسان برأس طائر، والبازي باللغة البوربائية (93) إشارة هيروغليفية يلفظ بها" حُر" وهو لفظ عربي بحت معناه البازي أو الباشق، ولاشك أن هذا المعنى يؤيّد، من حيث الاصل قوله: إن الفاتحين أي أتباع حوريس كانوا من بلاد الجزيرة العربية. هوامش الفصل الثالث (1) محمد عزت دروزة: تاريخ الجنس العربي الجزء الثاني + ج1 صيدا وبيروت 1376 ص26 ويستشهد أيضاً بهذا النص أحمد سوسة في كتابه " العرب واليهود في التاريخ" ج1 دمشق 1975ص127 والطيب تيزيني في مشروعه المعروف الجزء الثاني الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى - دار دمشق- ط1 1982 ص 48. (2) Duberete, Et Weulersee, Manuale De Georaphie: Fa Penisule Arobique,Beyrouth 1940 استشهد به الباحث محمود المحمود- الجذور التاريخية للعلاقات العربية الافريقية مجلة الوحدة العدد 97 تـ 1992. (3) عودة د. عبد الملك، سنوات الحسم في افريقيا ( 1960-1969)، 1969 مكتبة الإنجلو المصرية القاهرة ص 29-30. (4) د. علي فهمي خشيم نحو دراسة علمية للتاريخ العربي القديم مجلة الوحدة العدد 42-1988 ص 78. (5) د: أمين توفيق الطيي- جريدة الحياة عدد" 19770 -" 14 أيار 1995.- العلاقات بين الجزيرة العربية والحبشة قبل الاسلام " 1 من 3". (6) المصدر السابق. (7) المصدر السابق. (8) المصدر السابق (9) المصدر.السابق (10) المصدر.السابق (11) المصدر.السابق (12) المصدر.السابق (13) نذكر المصادر التي اعتمد عليها الباحث أمين توفيق الطيي في بحثه المذكور أعلاه كما أوردها في نصه: 1- Seligman, C.G Races Of Africa Oxford 1957 P,87. 2- Ullendorff,E, The Ethiopians, Oxford 1961 P,12q 3- Seligman P,87 4-Shohid, I,Pre-Islomic Arabice "In The Combridge History Of Islam Vol. IA (1977),P7. 5- Irvine ,A. K. " On The Identity Of Habashat In The South Aralion Inscriptions ",In Journal Of Semitic Studies , Manchester 1965, Vol 10P-P 182-4 6-Ullendorf-P , 134 7- Shahid P,9 8-Trimingham , J.S , Islam In Ethiopia London 1976 P.33 9-Trimingham P 34 10- Hurni G. Arab Seaforing Beirut 1963 P.33 11- ابن خلدون. عبد الرحمن، كتاب العِبَر بيروت 1979 ج2 ص8 12- الهمذاني الحسن بن أحمد، صفة الجزيرة العربية بيروت 1983 ص194 13- ياقوت الحموي معجم البلدان، بيروت 1979 ج4 ص 250. 14- المقريزي أحمد. الالمام بأخبار من بأرض الحبش من ملوك الاسلام.- القاهرة 1895 ص2 15- شهاب الدين أحمد بن عبد القادر، كتاب فتوح الحبشة باريس 1897 ص319 16-Jones A .H. M And Monroe E.A History Of Ethiopic Oxford 1978 P33 17-Perhom ,M. The Government Of Ethiopic london 1948 P20 14- د. علي فهمي خشيم نحو دراسة علمية للتاريخ العربي القديم -مجلة الوحدة العدد 42 آذار 1988 ص 79. (15) الطيب تيزيني الفكر العربي في بواكيره وأفاقه الأولى ج2 ص 53. (16) علي فهمي خشيم نحو دراسة علمية للتاريخ.. (17) الطيب تيزيني نفس الاستشهاد المذكور سابقاً ص51. (18) علي فهمي خشيم المصدر السابق. (19) المصدر السابق. (20) المصدر السابق. (21) الطيب تيزيني المصدر السابق ص66. (22) استشهاد قاده الطيب تيزيني في مرجعه السابق ص66. (23) علي فهمي خشيم المصدر السابق (24) عبد الرحمن الجيلاني -تاريخ الجزائر العام- مأخوذ من كتاب د. طيب تبزيني المنوّه به المصدر السابق ص67. (25) فرانكفورت هـ وفرانكفورت هـ 1 وغيرهم.ما قبل الفلسفة الانسان في مغامرته الفكرية الأولى ترجمة جبرا ابراهيم جبرا - المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الثالثة 11982 ص57. (26) محمد الصغير غانم " التوسع الفينيقي في غرب البحر المتوسط" -المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- السلسلة التاريخية ط2 ص18 (27) المصدر السابق ص18. (28) المصدر السابق ص19. (29) R.B Smith Cathage And The Cathaginious -عن تاريخ سوريا القديم - د. أحمد داوود ط1 1986 ص 778. (30)د. أحمد داوود - تاريخ سوريا القديم ط1 1986 ص778. (31)د. أحمد داوود - تاريخ سوريا القديم ط 1 1986 ص294. المصدر السابق -د. هشام الصفدي" تاريخ الشرق القديم" ج1 ص 80-91.- كما وترد نفس المعطيات السابقة في كتاب جواد علي - المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام في مواقع عديدة. (32)د. أحمد داوود - المصدر السابق ص295-296 -تشايلد" الشرق القديم" ط1 1964 ص15-16. (33) المصدر السابق ص299. (30) د. أحمد داوود - المصدر السابق ص 792. (35) The Cambridge Anuet History Volume 3,P 7 138 - د. أحمد داوود - المصدر السابق ص 800. (36) محمد الصغير غانم - التوسع الفينيقي في غربي البحر المتوسط - المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع - ط2 1982 ص129. (37) المصدر السابق، نفس المعطيات ط 103 (38) المصدر السابق، نفس المعطيات ص103 (39) المصدر السابق، نفس المعطيات ص28 (40) د. علي أبو عساف آثار الممالك القديمة في سورية منشورات وزارة الثقافة في ج. ع. س. 1988 ص 320-321. (41) د. علي أبو عساف - المصدر السابق ص322. (42) ط. ما تغييف وأ. سازونوف: حضارة ما بين النهرين العريقة - ترجمة د. حنّا آدم دار المجد ط1 1991 ص173. (43) المصدر السابق . ص 205- 206 (44) المصدر السابق ص 207 (45) المصدر السابق 210 - المصدر السابق نفس المعطيات ص 210 (46) د. علي أبو عساف - آثار الممالك القديمة في سورية - وزارة الثقافة في ج. ع. س دمشق 1988 ص 324 (47) د. علي أبو عساف - نصوص من أجاريت - نصوص من أجاريت - وزارة الثقافة في ج. ع. س دمشق 1988 ص10 ويسرد الدكتور أبو عساف مجموعة كبيرة من النصوص والوثائق التي تؤكد طبيعة العلاقة ( الودية الأهلية) بين تلك المراكز في حضارة بلاد الشام". (48) ثقافة أو غاريت - أ.ش. شيغمان - دار الأبجدية ط1 1988 ص119. (49) المصدر السابق 114 (50) د. عفيف بهنسي " وثائق ايبلا " ص 28. (51) د. علي أبو عساف - آثار الممالك القديمة في سورية وزارة الثقافة في ج. ع. س 1988 ص11. (52) المصدر السابق ص117 (53) المصدر السابق ص121. (54) المصدر السابق ص128 (55) أنطون موتكارت - تاريخ الشرق الأدنى القديم - تعريب توفيق سليمان وعلي أبو عساف وقاسم طوير ص17 (56) لدراسة التفصيل في هذا والرد على كريمر وديورانت - يمكن العودة إلى كتاب أحمد يوسف داوود تاريخ سوريا القديم من الصفحة 199 حتى 228. (57) أنطون موتكارت - المصدر السابق ص31. (58) والترج. أونج/ اللغة الكتابية والشفوية/.- ترجمة د. حسن البنا عز الدين - مراجعة د. محمد عصفور عالم المعرفة - 182- شباط 1994 ص54 (59) أحمد عثمان - هجرة قبائل العرب قبل اختراع الكتابة - الحياة 2 حزيران 1995 العدد 11789 (60) أنطون موتكارت - المصدر السابق نفس المعطيات.ص 32 (61) أحمد عثمان المصدر السابق نفس المعطيات (62) أحمدعثمان - المصدر السابق. (63) أنطون موتكارت - المصدر السابق، نفس المعطيات ص 83-84 (64) المصدر السابق، ص86 (65) المصدر السابق، ص87 (66) المصدر السابق، ص92 (67) المصدر السابق، ص94 (68) عبد العزيز عثمان ج1 - تاريخ الشرق القديم ص395 (69) أنطون موتكارت - فنون سومر وأكاد - ترجمة محمد وحيد خياطه - مكتب الفيحاء دمشق ط1 1988 ص8 (70) عبد العزيز عثمان ج1 - تاريخ الشرق القديم ص252 (71) المصدر السابق ص252 (72) د. حمد محمد صراي - السكان القدماء لشبه جزيرة عُمان - مجلة شؤون اجتماعية العدد 43 خريف 1994 ص54 (73) المصدر السابق ص54 (74) المصدر السابق ص57-58 (75) المصدر السابق ص57 (76) د. حمد محمد صراي - المصدر السابق والهامش 37 من الدراسة ص65 (77) عبد العزيز عثمان - تاريخ الشرق القديم ج1 ص69 (78) المصدر السابق ص68 (79) المصدر السابق ص59 (80) المصدر السابق ج1ص 83 - ص83 (81) المرجع السابق ج1 ص123 (82) ج1 ص127 المرجع السابق ( 83) (ج1)المصدر السابق ص134-135 (84) عبد العزيز عثمان ج1 ص138 (85) ج1 المصدر السابق ص155 (86) طه باقر: مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ط1 1955 ص54 (87) د. عبد الباسط سيدا من الوعي الاسطوري إلى بدايات التفكير الفلسفي النظري ط1 1995 دار الحصاد دمشق ص89 (88) المرجع السابق الذكر نفسه/ د. عبد الباسط سيدا وطه باقر علاقات العراق القديم وبلدان الشرق الأدنى- مجلة سومر العراقية ج1، كانون الثاني 1948 المجلد الرابع ص92-93. (89) عبد العزيز عثمان نفس المرجع والمعطيات ص82 (90) إحسان جعفر" بين اللغة المصرية القديمة واللغة العربية" - مجلة الوحدة- العدد (20) أيار 1986 ص138. (91) أحمد كمال، كتاب الحضارة القديمة- طبع مجلة الجامعة المصرية- القاهرة و. ت 1/ 35 مأخوذة عن احسان جعفر - المصدر السابق (92) الحر هو الصقر البازي. قال ابن سيده: الحر طائر صغير أعمر أصقح، قصير الذنب، عظيم المنكبين والرأس، وقيل : إنه يضرب إلى الخضرة وهو يصيد. (93) اللغة البربائية نسبةً إلى برابي مصر، وهي اللغة المصرية القديمة |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |