الدكتور جمال الدين الخضّور - عودة التاريخ- الانتربولوجية المعرفية العربية / دراسة في الأناسة المعرفية العربية التاريخية- اللغوية ووحدتها/-الجزء الأول - حتى الألف الثاني قبل الميلاد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

"والأم بالسومرية AMA وكذلك UMU وتختصر إلى MA=أم، وبالأكدية =أمو =Mo-Ri=الأم المنتجة والولود =Rim تحمل طفلاً و"كانت ماري اسم إلاهة أطلقه المصريون في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد على منطقة في الشمال (قيل أنها قيص!) (89).

و(أي ماري) والتي حكمت مدينة ماري على الفرات حتى ضمها حمورابي سنة 1800ق.م. ولما كانت الأعضاء التناسلية تقترن بالاخصاب والانتاج والانجاب فقد كانت عند الأقدمين رمزاً لعملية الخلق أيضاً. من هنا اقترانها بالأسماء الدالة على المعبود في المعتقدات القديمة، مثل لفظة "بعل". فبعل كان أشهر آلهة الخصب عند الكنعانيين. بعل / هدد: يعني الاسم في كل اللهجات العروبية المالك والسيد والزوج، ويرتبط اسمه بأسماء مدن وبلاد ومواقع مثل بعل حازور، بعل فعور، بعل لبنان، بعل حرام، بعل بك.. وغيرها كثير. وكانت رسائل تل العمارنة تصفه بإله الصاعقة ويقرأ اسمه (أدّو= حدو=هدو/ كما في بلاد الرافدين) ويلقب الفرعون نفسه (بعليا أديا) أي (يابعلي ويا أودي) مما يشير إلى أن الاسمين (بعل وأدو) لمسمّىً واحد. وكان الاسم المحبب لدى الأوغاريتيين، ويقصد به إله الخصب والطقس، وعرف بهذا الاسم في بلاد النيل أيضاً. ويعتقد أن بعل هو من أصل عموري كنعاني حيث يظهر لأول مرة في عصر السلالة البابلية الأولى. أما هدد (هدّ) فيعتقد محمد وحيد خياطة أنه من فعل كسر ودمرّ، والهاد في المنجد هو صوت من البحر فيه دويّ، والهادّة مؤنث وتعني الرعد، يقال ما سمعنا العام هادّة، أي رعداً والهدد هو الصوت الغليظ، وهذا ينطبق تماماً على صفات الاله بعل(90).

أما علي الشوك فيقول "بأن بعل "اسم مشتق من الفعل السومري Al (يثقب) الذي إذا اقترن بالمقطع Ba، سيعني "مثقب، قضيب" وبدمجهما يؤلفان كلمة Bal (يحفر) بالسومرية ويذكرنا المقطع السومري Al (يثقب) بكلمة Alla الأكدية (معول) وهو أداة للحفر، وفي الأوغاريتية -الكنعانية هناك الإله عليّان- بعل ومثله عليان- قردم، وقردم تعني "مقبض الفأس، قضيب" وبعل بالحبشية: يملك الكثير، يغتني، وبعولي: غني. وبعل=رب= سيد، ومثلها في السريانية"(91).

هناك نحت سومري يرقى إلى الألف الثالث ق.م يرمز لإله المطر غبّ الجفاف. وكان الإله هدو= حدد= أدو يصوّر واقفاً على ظهر ثور ممسكاً بصاعقة في كل يد، بصفته إله البرق والعاصفة فهو الذي يطلق العنان للعواصف، وبمشيئه يرعد الرعد وتنحني الأشجار تحت سقوط الرياح الهوج، وهو الذي يتجلبب بالسحب الداكنة ويهدر بصوته الراعب. وعندما أصدر بعل أوامره بأن تغمر الأرض بالطوفان، قام هدّو بتنفيذ هذا الأمر. كما جاء في إحدى الملاحم الأوغاريتية (الكنعانية) "لك أيها الأمير البعل، ألم أكرر (على سمعك) يا راكب السحب... وكذلك البعل يعطي صوته رَعْدَهُ ويرسل ضياءه إلى الأرض بروقاً"(92).

والريح في العربية هي حركة الهواء، كما هو معروف، وهناك الروح وهي حياة الأنفس، وكلمة "روح" صوتية على أغلب الظن أي أن اللفظة اجترحت من صوت الريح(93) لكنّ جون الليغرو يرى أن كلمتي "روح" و"ريح" جاءتا من _ري- خا) السومرية، وتعني العاصفة (94). و"ري- خا" هي بالتأكيد "ري- حا" قبل نقلها إلى اللغات اللاتينية وإعادة الحاء خاء إلينا، تماماً كما لاحظ القارئ في السطور السابقة مع الإله هدّو=حدّو= الذي عاد إلينا في بعض المراجع أدّو. ما يهمنّا في هذه القراءة إثبات التواصل الأناسي المعرفي بشقيه العروبي والعربي وعلى مستوييه الشاقولي والافقي، بدون انقطاع إطلاقاً.

ومادمنا نبحث في مستوى الخصب والماء والعاصفة والبحر والريح والروح ومر-يم، وقلنا بأن مر=الماء شديد الملوحة فإن يمّ بكل اللهجات العروبية تدل على البحر، ومعها اليمامة، ويم، واليمامة منطقة وسط الجزيرة العربية الشهيرة، والتي ترمز إلى اليمامة المقدّسة، والتي منها الحمامة التي تقترن بالإله الحب، فهي طائر الزهرة أيضاً. ومن الجدير بالذكر أن تماثيل الحمام اكتشفت مع تماثيل النساء التي ترمز للخصب في تل حلف وتعود إلى 5300ق.م (95) ومعروفة أيضاً أسطورة الحمامة ونوح في التراث العربي، وعندما أرسل نوح الغراب أولاً لاستطلاع اليابسة فوقع على جيفة ولم يعد، فأرسل الحمامة رمز الطهارة والوفاء فاستجعلت على نوح الطوق الذي في عنقها فجعل لها ذلك جعلاً(96)

وفي ذلك يقول أميّة بن الصلت (عن المصدر نفسه):

وأُرسلت الحمامة بعد سبع

تدل على المهالك لانهابُ

تلمّس هل ترى في الأرض عيناً

وعاينه من الماء العبابُ

فجاءت بعد ما ركضت بقطفٍ

عليه الثأط والطين الكبابُ

فلما فرّسوا الآيات صاغوا

وإن تقتل فليس لها استلاب

ومن اليمّ، يمَّ (قصد) وتيمّم أي مسح يده، ووجهه بالتراب. واليمام: القصد. واليمامة: القصد. ولا بد أن يكون القصد هنا اليم. أي الماء، لأن الغرض من التيمم هو الاستعاضة عن الماء إذ يُفتقد. ويقال"امضِ يمامتي "أما أمامي. كما أن "أمَّ" قصد وليبيا باليونانية تعني المطر المتساقط، لأن المطر الشتوي الغزير يأتي من جهة ليبيا. وهي بالطبع تسمية تالية للتسمية العربية الحقيقية "ذات الأصل الفينيقي- والمشتقة من (اللوب) أي العطش وبالتالي فالليبيون هم سكنة البلاد العطشى أو الجرداء، وبالعربية، لاب، يلوب الرجل أو البعير: عطش. وقيل أيضاً حام حول الماء وهو لا يصل إليه (97).

"وماء" بالسومرية أو"خبير بالزيت" =AI-ZU-ZU وباللهجات العروبية (أسا، يأسو) =آس بمعنى يعالج ومنها جاءت الآسي، أي الطبيب (98) ونرى في هذه الحالة تطابقاً كاملاً بالأصل وبالحركية تماماً كما هي في كلمة "عنب" بالعربية المعاصرة =:إينبو بالأكادية =عينبو (أخذاً بالاعتبار ابتلاع اللغات ذات الأصل اللاتيني لحرف العربية "ع") و"كرمة"= كرامة=Keramu بالأكادية أيضاً.

وكلمة "أيل=الوعل الذكر/ في قاموس تاج العروس للزبيدي.

و(إيحال) =بالأوغاريتية الكنعانية.

(أي الو) بالأكادية.

هـ يال بالحبشية

ايل بالقبطية وأحياناً Jul =أيلا بالسريانية(99).

ومنها أيضاً:

كلمة "شور بالعربية =تورTor (بالآرامية) = (شور) Shor بالأكدية = (ثر) بالأوغاريتية /الكنعانية/ =سومر "بالحبشية واللهجات العروبية الجنوبية. وكلمة "أرض" مشتركة في كل اللهجات العروبية، وهي بالحبشية (مدر)= الطين الذي لا يخالطه رمل (في العربية المعاصرة)(100).

وكلمة "سماء" ="ساماي" بالحبشية (والـ"سمة" هي القبة/ وترتبط بالماء والمطر، فكلمة "شامو" Shammu الأكدية تعني سماء ومطر على حد سواء، والسماء بالعربية المعاصرة كما جاء في كتاب (العين) للفراهيدي، هي المطر الجائر، ويقال أصابتهم سماء، أي مطر. والسماوة هي ماء البادية(101).

وأما لفظة (نون) المصرية، أو (نو) وهي ترمز إلى المحيط الأول، فتذكّرنا بنون العروبية التي تفيد معنى السمكة ويمكن ذكر مدينة (نينوى) أيضاً، والنبي (يونس) الذي وعظ أهل نينوى و(أونس) الكائن الأسطوري السومري الذي يرتبط اسمه بالطوفان وبالسمكة، فهو كما تقول الاسطورة كائن نصفه بشر ونصفه الآخر سمكة.(102).

وهكذا يمكن أن نأتي بمعاجم كاملة عن وحدة التكوين اللغوية المتطور حلزونياً من اللهجات العروبية التاريخية إلى اللغة العربية التالية بصفاتها الحالية المتطورة، وهذا لا يشمل وحدة البناء المعجمي -"المفرداتي" فقط بل، وأيضاً، طبيعة التوظيف اللغوي وما يعنيه ذلك من علاقة الفرد والجماعة مع عناصر التكوين التاريخي، والزمان، والمكان، مع عناصر التكوين الأناسي المعرفي ليس فقط من خلال العنصرين السابقين، بل ومن خلال تكوين ذاكرة جمعية ومخيال اجتماعي وسيكولوجيا جمعية وبنية ميثولوجية ومعتقدية واحدة متطورة صيغت بطرائق مبدعة وخلاقّة أنتجت بنية أناسية معرفية قدّمت في زمنٍ باكرٍ جداً رؤى اكتشافية للمكان وللزمان، وما زالت كغيرها من تكويننا العربي الثقافي تُعاش في كل لحظة اجتماعية أو انتاجية تعيشها الأمم الأخرى.

فمن يتابع رؤية العروبي للمكان (الفضاء) يكتشف بسهولة كيف استطاع ومنذ آلاف السنين تحديد طبيعة الفضاء الذي يتعامل معه في سوياته العديدة. فاستطاع أن يميز الفضاء المكاني المحسوس، عن الفضاء المجرد (التخييلي) عن الفضاء المعرفي. وأعطى لكل بعد من أبعاد تلك الفضاءات حيوية انسانية خاصة، وبُعداً قومياً مميزاً.

فالـ (فوق) والـ(تحت) ليست مجرد أبعاد مكانية، بل تعني علاقة الخير والشر، النور والظلمة، الخصب والعدم. وللنهر والبحر، للماء المالح والعذب علاقات محددة مع منظومات الخلق والتطور، تلك العلاقات وإن أخذت في كثير من جوانبها علاقات الجماعة والفرد بالمقدس وغير المقدس ومن خلال بناء مثيولوجي عروبيّ، إلا أنها صبغت تلك الجوانب بألوان منظومتنا الأناسية المعرفية، وخصوصاً أن في الحراك العروبي الجغرافي والتاريخي، علاقات قاسية مع الفضاء (المكان) ابتداءً من اسطورة الخلق والطوفان، مروراً بالفيضان والتصحرّ، وتقاطع دروب تجارة البخور واللبان، والغزوات الصعبة القاسية التي بدأت تفرض نفسها على الفضاء المعيش ابتداءً من سقوط بابل على يد كيرش عام 539ق.م... وانتهاءً بالحراك المعرفي الأهم في التاريخ العروبي مع ظهور مبادئ الاسلام برسالته المحمدية العظيمة.

فالشرق لا يعني للعربي شيئاً إن لم يرتبط بالشروق والنور، والغرب لا يعني شيئاً إن لم يكن الفضاء الذي يخلع فيه النور ثيابه البيضاء.

حاول أن يعامل المكان بما تطرحه منظومته الفكرية، فحاول الارتقاء إلى الأعلى بالمكان والأرض لأن السماء لا يمكن أن تأتي إليه، فبنى الزقّورات والأهرام، من ثم المساجد... والكنائس ليس فقط كأماكن للعبادة، بل كرمز ارتقاء بنفسه نحو الأعلى. حتى حدود اليمين والشمال نسبة لتوجهّه إلى الشرق، فأصبح اليمين ذو الصلة الوثيقة باليمن والبركة والخير، وما يقع على يمين الشمس، ومنها اليمن السعيد، ومنها أقسم اليمين، ومنها تيامن أي ذهب في اتجاه اليمين، وتشامل أي ذهب في اتجاه الشمال، ومنها الأعسر الذي يستعمل يده اليسرى، ومن ذلك أيضاً الطائر الميمون، ومنها أيضاً كيف يؤتى الإنسان يوم القيامة كتابه إما بيمينه فينقلب إلى أهله مسروراً أو بشماله وهو الذي يصلى سعيراً. حتى أن الطائف في الحج قبل الاسلام كان ينطلق من الحجر الأسود أي من المشرق ثم "يبدأ بآساف فيستلمه ثم يستلم الركن الأسود ثم يأخذ عن يمينه ويطوف ويجعل الكعبة عن يمينه فإذا ختم طوافه سبعاً استلم الركن، ثم استلم نائلة فيختم بها طوافه"(103)

وسنتطرق باسهاب إلى علاقة العربي بالمكان (الفضاء) في فصول لاحقة، أما ما يخص الزمان فسندرسه مع البنية الميثولوجية، لكن الزمن بوصفه من الأمور المجردة، لم يترك بقياسه الفيزيائي، بل كما تعامل العربي مع المكان بحيث تفاعل معه وصبغه بألوانه وبنيته وبمعرفته، أيضاً تعامل مع الزمن الكوني باعتباره جزءاً مكوناً لحياة الانتاج الاجتماعي. وبالتالي لم يعد الزمن بمفهومه السابق يجري في ذاته ولذاته دون أية علاقة مع أي موضوع خارجي في نسق تتتابع فيه الخطوات تتابعاً رتيباً في مجرىً خطيّ، بل ارتبط الزمن العروبي تاريخياً ومنذ مراحل ما قبل التاريخ بنسقين اجتماعيين. أولهما بالطقوس الدينية والميثولوجية بحيث ينقسم إلى فترات حساسة هامة تُفقد عقد التشابه بين خطواته. وثانيهما ارتباطه بالآلية الاجتماعية الانتاجية.

وبالتالي، لم يعد التقويم الزمني وظيفة دينية متجانسة، بل يصبح من الضروري التمييز بين الزمن النوعي الاجتماعي والزمن الكمي. وهذا ما حددته المنظومة الأناسية المعرفية العربية في تطورها الذي تحدثنا عنه. فلم تعد الميثولوجيا العربية في تلك المنظومة تقدم الزمن على أنه شيء دائم ومتجانس أو لحظات متعاقبة "فحتى تعاقب الليل والنهار يصبح صراعاً مستمراً فيُهزم فيه الظلام فجر كل يوم وينتصر فيه بعد ذلك المساء. والزمن يتدخل في شؤون البشر على نحو إداري، مثل الظاهرة الطبيعية (الصواعق، المطر، الزلازل، الفيضان) ومن هنا جاءت فكرة الاندماج بالزمن، على غرار الاندماج المكاني، وهو ما كان يمارسه /العروبيون/ المصريون والبابليون في طقوسهم الدينية عند بداية السنة الجديدة. في مصر ينعكس مفهوم الاندماج بالزمن في اللعنة التي تصب على أعداء فرعون في هذه المناسبة "سيكون مصيرهم الأفعى أوفيس في صبيحة رأس السنة الجديدة" ذلك أن الأفعى أو فيس تمثل الظلام أو الخصم الذي تهزمه الشمس كل ليلة في رحلتها إلى العالم السفلي من موضع الغروب إلى موضع الشروق.

وفي بابل كانوا يحتفلون برأس السنة الجديدة كل عام لعدة أيام (11أو12يوماً) في أثناء هذه الاحتفالات تتلى قصة الخليقة وتمثل معركة بين الآلهة ينتصر فيها انليل على تعامت التي تمثل قوى العماء وفي بداية السّنة الجديدة يبدأ الملك حكمه لأن رأس السنة هو بمثابة بداية الحياة والولادة: بداية الزمن (104).

أما الزمن في اللهجة العروبية الأكدية فيقال له "أدنّو" ولا بد أنه"عدنّو" وبالسريانية عدن، وفي العربية المعاصرة عّدّان وعِدان وتعنيان "زمن"أيضاً والعدان زمان الشيء أو أفضل الزمان أو أوّله ويقال "كل ذلك في عدان الشباب"(105) وحتى الآن تستخدم المفردة بشكل واسع في ريف بلاد الشام: ما حلّ عدانه بعد! أي لم يأت زمنه (أو موعده) بعد.

وربما كان لاستخدام علاقة الزمن بموعد مياه الري في كلمة "عدان" أهمية أناسية معرفية خاصة بارتباط الماء بالخصب والخضرة، بحيث تحوّل السقاية (الماء) الأرض إلى جنة عدن (عدن، عدان، عدنّو).

أما "وقت" العربية المعاصرة فهي "أقيتو" البابلية Akitu التي تقال لعيد رأس السنة وللمعبد الذي تمارس فيه طقوس ذلك العيد وبالسومرية A-Ki-Ti وتعني بالأصل استنزال المطر.

وأحياناً يُقصد بالليلة اليوم بأكمله، كما هو الحال في العربية في قولنا أمضينا أربع ليال، وكلمة يوم مستعارة من الحرارة حيث فعلها في العربية (ومَهَ): اشتد حرارة، ويقال للنهار. وبالأكدية يومو UMU وبالأوغاريتية (الكنعانية) "ي م").

واليوم في بابل يبدأ غروب الشمس: وقوامه الليل (لاحظ الارتباط بقولنا في العربية المعاصرة أمضينا أربع ليال) والنهار. والليل في الأكديةMusu=مساء. والنهار Umuurru (مع القلب بين النون والميم تصبح" ا ن هـ و ر و" وذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن النهار يولد من الليل وأن الشمس ولدت من القمر(106) وفي القرآن الكريم: "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون" (سورة يس:37).

وهذا ما يؤكد أن الرؤية المعرفية (عبر الزمن بفضائه المعرفي) هي التي دفعت الإنسان الاجتماعي العروبي إلى مزج الزمن بتصوراته الأناسية لينتقل في بعض مفاصله إلى الزمن النوعي. ويبدو ذلك واضحاً في تقسيمهم فصول السنة والأشهر وتسمياتها.

فقد كان قوام السنة المصرية ثلاثة فصول:

وقت الفيضان، وقت البذار، جني المحاصيل.

وكل منها يتألف من أربعة أشهر، وكل شهر من ثلاثين يوماً، مع خمسة أيام إضافية في نهاية السنة ليصبح المجموع 365يوماً.

وفي التقارير الكنعانية والعروبية القديمة عموماً تعامل الفصول الأربعة اثني عشر ثوراً منتظمة في أربعة أقسام، وفي كل قسم ثلاثة ثيران، وكانت أسماء الفصول عند البابليين: "حصاد، قيظ، حِر، برد(107).

و"خريف" المعاصرة من الجذر خرَف=قطف= "خارفي" بالأكدية= ناضج.

لكن كلمة "خ فارة" الأوغاريتية (الكنعانية) تعني شاة وتقابلها خروف بالعربية المعاصرة وتعني خرافو بالأكدية وبالمسندية والعربية الجنوبية عموماً، خرف وتعني سنة. وهذه كلها تذكرنا بكلمة الخريف. بمعنى أن هذه الحيوانات إنما كانت تسمى باسم السنة التي تمر على ولادتها، وذلك على غرار الحولي: العجل الذي مضى على ولادته سنة. على أن حساب الزمن بدأ مع القمر قبل أن يعرف الإنسان التقويم الشمسي بزمن طويل، لأن القمر يغيرّ وجهه باستمرار، ويكرر دورته في عدد من الأيام أقل بكثير من دورة الشمس وسميت الفترة بين ظهور هلالين قمراً (بمعنى شهر) وهي "ارخو" بالأكادية تقال للقمر وللهلال وللشهر. وكلمة شهر بالعربية =سهرا بالسريانية التي تقال للقمر (108)، ومنها نقول (سَهَر، سهرة، ساهر، ساهرون، .. إلخ) وهي من الجذر (سهر) بمعنى (تدوّر) أما كلمة "القمر" العربية فهي مشتقة من الفعل (قمر) بمعنى ابيضّ "والقمر في العربية الجنوبية =ورخ. ومنها جاءت كلمة تاريخ. وهنا لا بدّ أن يكون قد لفت انتباه القارئ التطابق بين اللهجة الجنوبية والأكدية وعلاقة التسمية بالتاريخ.

وللقمر والشمس تسميات خاصة ودقيقة ترسم التصور الدقيق لحركاتهما بالإضافة إلى موقعهما المركزي في معظم مظاهر الميثولوجيات العروبية. أما من الناحية الحضارية فمن المعروف للجميع أن تقسيم الزمن الميقاتي مع اختراع الساعات المائية وغيرها، كان من الانجازات التي لا تعد ولا تحصى والتي قدمها العرب على مسار تاريخهم للبشرية.

في البدايات كان لكل مدينة في سومر نظامها الشهري، وأسماء الشهور تمت معتمدة على أصول زراعية ودينية مثل: شهر نزلاء المعبد، وهو الشهر الأول، وشهر (الناعورة) الآله التي تمتح الماء بواسطة الثيران وهو نفسه في البابلية، والشهر يوضع فيه الآجر مع الملاط، وشهر البذار، وشهر عشتار، وشهر فتح قنوات الري وشهر الحراثة... إلخ (109).

وفي زمن حمورابي، أي في أيام الأموريين، كانت قائمة الشهور على الوجه الآتي:

1- نيسانو-يحرك، يقفز، يطير، وبالليبية"الطير.

2- أيارو=وهو من آرو وتقابل (آر=النور) =ينبت الزرع ويطلع أوراقاً وهو والحالة هذه شهر الأزهار، وبالليبية"الماء".

3- سيفانو بالليبية "الصيف".

4- دزو (تموز)= بالسومرية (الابن الأمين لمياه المحيط الجوفي) وبالليبية= ناصر.

5- آبو(معاوٍ/ بسبب حره الشديد/ والليبية "هانيبعال"

6- ألولو وهي مشتقة من الولولة والتهليلة على تموز وبالليبية "الفاتح"

7- تشريتو: ويعني (الأصل، البداية)

8- أرخا- سمعنا (الشهر الثامن) وبالليبية =الحرث.

9- كسليغو

10- ذابيتو (العابس، المظلم)

11- شباطو-المديّر.

12- أدّارو (المكتظ بالسحب)

وفي مصر كان التقويم قمرياً في المراحل المبكرة من تأريخها (إلى ما قبل بناء الهرم) حتى الألف الثالث قبل الميلاد حيث أصبح التقويم شمسياً وكانت السنة المصرية المؤلفة بادئ الأمر من 360يوماً والشهر من 30يوماً ولهذا كان اسبوعهم مؤلفاً من عشرة أيام. ولكنهم كانوا يضيفون خمسة أيام لتستكمل السنة عدتها. ومع أن المصريين كانوا على علم بربع اليوم الذي يتم الدورة السنوية التي عدتها 365 يوماً وربع اليوم إلاّ أنهم لم يدخلوه في حسابهم إلاّ بفترات لاحقة حيث يضاف يوم في السنة الكبيسة (كل 4سنوات).

وكبس السنين، كما يقول جاك لندسي، يعكس لنا المستوى الذي بلغوه، فهو ينطوي على فهم للعلاقة بين السنين الشمسية والقمرية في دورة 19سنة أي أنه 235شهراً قمرياً =19سنة شمسية (110). وهذا ما كان يقابله الشهر النسيء في الجزيرة العربية، بحيث يضاف هذا الشهر كل فترة زمنية محددة لتعديل الفارق بين التقويمين.

ومن المهم ذكره أخيراً في هذا السياق، بالإضافة لما قدمته الحضارات العروبية في وادي الرافدين ومصر من علوم الفلك والرياضيات والهندسة والفن المعماريّ والري وتقنيات الزراعة المتطورة وغيرها الكثير "أن الفلكي الكلداني (البابلي) بنوريمانو حدد أيام السنة بـ 365 يوماً و6 ساعات و15دقيقة و41ثانية وهذا الرقم يزيد فقط على طورها الحقيقي بستٍ وعشرين دقيقة وخمس وخمسين ثانية"(111).

وكان الأسبوع البابلي سبعة أيام، وقد أطلقوا (كما أسلفنا في فصل سابق) على كل يوم اسم كوكب من الكواكب الخمسة المعروفة يومذاك، بالإضافة إلى الشمس والقمر فكان يوم الأحد البابلي هو يوم الشمس (شمسا) ويوم الاثنين هو يوم القمر (سين)/ سين أيضاً اسم للقمر في اسطورة ديلمون السومرية وفي كامل الهرم الميثولوجي لجنوب الجزيرة العربية (112)والثلاثاء يوم الاله نزغال الذي كان إله الحرب في مرحلة مبكرة، ثم أصبح إله الموتى في العالم السفلي- وهو يقابل المريخ. والأربعاء هو يوم نابو إله الحكمة والذكاء وملهم الكتابة، والوسيط بين البشر والآلهة (ومنه جاءت كلمة نبي) وهو المقابل لعطارد والخميس يوم الاله مردوخ = المشتري والجمعة يوم عشتار= الزهرة والسبت= ننيب.

والاشارة إلى الدورة الزمنية التي قوامها سبعة أيام في قصة الطوفان البابلية تعني أن الاسبوع السباعي عند البابليين كان معروفاً منذ تلك الفترة على الأقل(113).

وتجدر الإشارة إلى أن العالم الفلكي البابلي العظيم /قام بعد العالم البابلي المذكور أعلاه /كِدنّو/ قاس الدورة السنوية بدقة متناهية لا تختلف عن مدتها الحقيقية سوى بأربع دقائق و32.65ثا، وكان الفرق في حسابه أقل في واقع الحال من الفرق في حساب الفلكي المعاصر Appolzer أبلوزر عام 1887(114).

فالمفردة، ليست تسمية اشتراطية،إنها في الأساس دلالة معرفية، خصوصاً في لغتنا العربية وفي لهجاتها العروبية السابقة. فهي لا تحدد اشتراطاً معيناً يتناقض مع دلالتها، بل بالعكس من ذلك، لاحظنا أن معظم المفردات المناقشة يدل على ارتكاز معرفي متطور، حسب التاريخ للمفردة، وحسب التشريح الأناسي في انتشاره .

والآن إذا حاولنا مناقشة النتائج المستخلصة من خلال ما سبق مادياً نجد:

أولاً: إن التطابق أو التماثل أو التشابه في البنية اللغوية لمعظم المفردات اللغوية في اللهجات العروبية ابتداءً من لهجة ما قبل سومر، وسومر الأكدية، والإيبلاوية، والكنعانية (الفينيقية) مروراً باللهجة العربية الجنوبية (المسند) والحبشية والأمازيغية والمصرية، والبربرية الثانية، وصولاً إلى العربية الفصحى المعاصرة لهو دليل أكيد على أحد احتمالين:

1-أن يكون هناك أصل جغرافي أثنوغرافي أو(أثنولوجي) مغرق في القدم لكل تلك القبائل العروبية في انتشارها الواسع من الخليج العربي شرقاً وحتى المحيط الأطلسي غرباً، تتحدّد فترة تواجده الأناسي في المرحلة الزمنية التاريخية السابقة لمراحل الحراك الدفئ الذي أعقب توضع نهر النيل بوضعه الحالي، وعودة مياه الخليج العربي إلى ماهي عليه الآن واستقرار منطقة شط العرب، ودلتا النيل مع الانحسار المعروف في الطبيعة وفي البنى المعرفية "الفلسفية" والمثيولوجية للالتقاء التداخلي بين الماء المالح والعذب. فأين كانت تلك التجمعات الأم؟ هل تواجدت في مناطق معينة من الجزيرة العربية أم في الهلال الخصيب كله أم على الساحل الشامي؟ أم على الخليج العربي تحديداً؟ أم في الصحراء العربية الكبرى (الليبية)؟ أم في وادي النيل والدلتا؟ أم في وادي الخسيف؟ بامتداديه الافريقي واليماني..."؟...إلخ

2-أن تكون جملة الظروف البيئية والمعيشية والطبيعية، وتطور الظروف بالحياة الاجتماعية كانت متطابقة لدرجة كبيرة مما عنى بالضرورة، تطوراً موازياً، بالبناء الأناسي الأثنولوجي والمعرفي، والثقافي والحضاري. بحيث دفعت تلك الظروف المتطابقة إلى المواقع الأولى، طبيعة محددة بمعالم بنائية، كان من السهل التعامل معها بنفس الاشتراطات لجماعات بشرية متفرقة عن بعضها، ومتباعدة في الأصول الأثنولوجية!!؟؟ أن تنتج أدوات تواصل واحدة. كانت اللغة المعبر الأرقى والحاضنة الأهم لما يعنيه ذلك التواصل من تداخل كافة جوانب رؤية الحياة. لكن إذا قلنا بذلك - فكيف يكون التقاطع في المفردات ذات التسميات الحرفية لأدوات محددة. تقنية زراعية أو رعوية في بنى "مجتمعة" يطغى فيها أحد النمطين؟ وكيف يمكن أن نفهم استقبال "تقبل" سكان الشمال الافريقي للهجة القرطاجية "الفينيقية" وكأنها لهجتهم الأساسية، بحيث ظهرت اللهجة القرطاجية، كشكل أرقى من اللهجتين السابقتين الفينيقية المشرقية والأمازيغية؟

ثانياً: ليس التطابق في البناء اللغوي يتعلق باللسانية الأدواتية التالية لمحاكاة الطبيعة فقط، بل أن ذلك شمل البنية الميثولوجية والأدبية أيضاً.

ثالثاً: يلاحظ المتابع لما أتيناه من تطابق في المفردات أن اللغة المشتركة التي كانت تجتمع كل لهجاتها على البنية التقنية والطبيعية والبيئية والحضارية منذ عصور ما قبل التاريخ انتقلت مع بداية الألف الثاني قبل الميلاد لتصبح مشتركة أيضاً بلغة التخاطب الأدبي، بحيث أصبحت لغة مشتركة كقيمةٍ أدبية بلغت ذروتها مع القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وما الأمثلة والنماذج العديدة التي أتينا بها من الحضارة الايبلاوية والتي تتقاطع بمحاور الخطاب الأدبي مع الأكدية والكنعانية (الأوغاريتية) والسومرية إلاّ نموذجاً صارخاً وصريحاً لهذه اللغة الأدبية المشتركة وإن كنا متفقين على أن اللغة الميثولوجية هي واحدة في الأساس.أما المثال الثاني الذي يبدو ناصعاً فهو اللهجة السيناوية (نسبة إلى سيناء) فمنذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد ظهرت لهجة عروبية مشتركة بين الجماعات البشرية التي تقطن الهلال الخصيب بامتدادها نحو الجزيرة العربية، وسكان دلتا ووادي النيل وامتدادهم باتجاه الغرب.

وقد استخدمت في الكتابة الأدبية، وظهر هذا بوضوح من رسائل تل العمارنة التي تبادلها الملوك فيما بينهم "ولقد جاءت العربية الفصحى نتيجة لتطور هذه اللغة المكتوبة (115) وشكلت كلغة أدبية خليطاً متداخلاً من اللهجات العروبية المذكورة وأصبحت لاحقاً هي اللغة الأدبية للجزيرة العربية كلها (116).

ففي العصر البرونزي الأول (في الألف الثالث قبل الميلاد) كان هناك أربع لهجات عروبية في القسم الشمالي من شبه الجزيرة (منطقة الهلال الخصيب).

-الأكدية القديمة في الشرق حتى نهر دجلة.

-الآمورية القديمة في الجزيرة السورية.

-لهجة ايبلا قرب حلب في سورية.

-لهجة الساحل الشامي (الكنعانية/ الأوغاريتية/ الفينيقية).

لاحقاً، حلت البابلية والآشورية بتطور طبيعي محل الأكدية القديمة كما أن حكام ما بين النهرين في القرن التاسع عشر قبل الميلاد كانت أسماؤهم آمورية" (117) وتعرضت لهجة الساحل الشامي إلى تغييرات طبيعية، امتدت بنمطها الجديد إلى صحراء سيناء، حيث عثر على الصنف نفسه من الفخار الموجود في جنوب فلسطين. وقد تبنى هؤلاء الساحليون نظام جبيل القديم في الكتابة المقطعية، مع اختصار عدد من الرموز لكي تتطابق مع عدد الحروف الساكنة" (118) وكانت الحصيلة مجموعة كاملة من الابجدية.

وتشير نصوص ايبلا كما لاحظنا سابقاً إلى وجود نصوص مقطعية من مدينة جبيل سبقتها ووازتها أيضاً عناصر مشتركة من اللهجة المصرية. إلا أن ظهور الحروف الابجدية وتطور اللغة إلى ما أصبحت قبل التاريخ- وإن خضعت إدارياً لسلطة وادي ودلتا النيل إلاّ أنها كانت اثنياً تنتمي إلى شمال الجزيرة العربية. وكان سكان سيناء وشمال الجزيرة يعرفون في المصادر باسم "مدين" وكانوا ينتقلون بحرية بين شمال الجزيرة وصحراء النقب وسيناء وشمال وادي النيل.ويبدو أنهم -وإن تعلموا لغة الكتابة الهيروغليفية المصرية- استخدموا اللغة الكنعانية في الحديث، وجاءت بداية الأبجدية عندما حاولوا كتابة لغة كلامهم عن طريق الكتابة المصرية.

فقد عثر الآثاري البريطاني فليندزر بيتري عام 1905 على بعض النصوص- أصبحت تعرف باسم (بروتوسينياتيك) عند سرابيط الخادم بالقرب من معبد "حات صور" "هاتور" ومناجم الفيروز والنحاس، وتبين أنها أقدم كتابة عثر عليها حتى الآن، تستخدم الحروف الأبجدية ولا تستخدم الصور والرموز القديمة. وجد بيتري هذه النصوص منقوشة على بقايا أثرية تم بناؤها في عصر تحوتمس الثالث- الذي قام بتوسيع بناء معبد جات صور خلال النصف الأول من القرن الخامس عشر قبل الميلاد- مما جعل الأثري البريطاني يرجع تاريخ هذه الكتابات إلى الفترة التاريخية نفسها، أي أنها تسبق رسائل تل العمارنة المسمارية بنصف قرن من الزمان. وأثار هذا الاكتشاف اهتمام الباحثين الذين حاولوا جهدهم التعرف على أصل هذه الكتابة ودلائلها، وكان آلان نمارونر (عالم اللغويات البريطاني) أول من تمكن من تحديد الدلالات الصوتية لبعض هذه العلاقات، بعد عشر سنوات من العثور عليها. ووجدها تتفق في تركيبها مع الأبجدية الأوغاريتية/ الكنعانية التي ظهرت بعد ذلك.

ولأن هذه الكتابة (استخدمت علامات الهيروغليفية كأحرف أبجدية لها دلالة صوتية محددة، فقد ساعدت المقارنة بين الطريقة التي كتب بها سكان وادي النيل الأسماء والكلمات الكنعانية على فك رموزها. تقدم نظم الابجدية على أساس أن يقوم حرف مكتوب بالدلالة على صوت ساكن، أو على حركة وكانت الأبجدية الأوغاريتية منذ ظهورها لا تحتوي إلاّ على الحروف الساكنة، وإن استخدمت الألف والواو والياء للدلالة كذلك على حركة محدودة (119)!!؟؟ (والأبجدية الأوغاريتية (أ) بجد هـ[و] ز حط(ي) كلمن، سعفص، قرشت)

وتمّ بعد ذلك العثور على المزيد من هذه الكتابات في سيناء حتى أصبح عدد النصوص خمسة وعشرين نصاً تبين من قراءتها أنها تتعلق بأعمال استخراج حجر الفيروز من مناجم سرابيط الخادم بجنوب سيناء، وتقديم القرابين- التي تسمى هنا "طاعة" إلى مبالات حات صور وتباح سيدة المنطقة وزوجها "بتاح سيرفف".

ومن نماذج هذه النصوص:

[أتت طفن دك م لأبب] ومعناها:

أتت (يا) طافان (اسم علم معناه أرنب) تجمع إلى (شهر) أبيب وكان شهر أبيب هو نهاية موسم العمل في المنجم بمناسبة حلول فصل الصيف الذي تشتد فيه الحرراة.

وهناك نص آخر يقول:

[سمعا مراب رب عبد م] ومعناه:

[اسماعيل _سمعا و:إيل -سامع الإله) مرء (امرؤ) رب العاملين]

/عبدم =العاملين =عبد =عامل، أم للجمع/

وكذلك:

صنت بطن حط نقب/ يرجى ملاحظة وجود حرف الضاد، ومعناه:

[سيدة الثعبان سيد المنجم] والعلاقة اللغوية واضحة بين "منجم" و"نقب" ولقب مبالات هنا هو "صنت بطن" والذي معناه سيدة الثعبان" أما زوجها تباح فلقبه" حط نقب"= سيد المنجم"

ومن الكلمات التي وجدت متكررة في هذه النصوص:

"نقب"=حفرة= منجم.

"مبلة" =مبالات.

"دبح"=ضحّى.

"أنت"=أتت.

"لأخن"=لأخينا.

"رب" =رئيس.

"أرخت"= بقرة.

"بتم" =بيوت= بيت = بتِ والميم للجمع.

ويتم الجمع عن طريق إضافة حرف الميم إلى نهاية الكلمة (بتم= بيوت) وكانت أسماء العلم كثيراً ما تنتهي بألف مثل "سبئ" و"ربئ" و"حلئ" و"عبدأ".

وهكذا استخدمت هذه النصوص الهيروغليفية المصرية الكتابة الأوغاريتية (الكنعانية) التي كانت سائدة خلال القرن الخامس عشر ق.م أما الكتبة الذين قاموا بنقش هذه النصوص وتدوينها، فبينما هم عبرّوا عن لغة كنعانية بكتاباتهم إلا أنهم مثّلوا " أبو الهول" وبعض التماثيل الأخرى التي دوّنوا كتاباتهم عليها، وقدّسوا معبودات نيلية مثل حات صور وتباح الذي وردت صورته مع هذه النصوص وظُن أن اللغة التي تدل عليها نصوص سيناء هي اللغة ذاتها التي كتبت بالأكدية المسمارية في رسائل تل العمارنة.

وكانت هذه الأبجدية هي التي ظهرت بصورة متطورة أكثر في الساحل الفينيقي كله والتي كانت تعبر عن لغة الكلام التي كانت سائدة في ذلك الزمان في جنوب سورية وفينيقيا وفلسطين وسيناء والجزيرة العربية وسرعان ما تطورت عن طريق تداخل واستيعاب مفردات اللهجات العروبية الأخرى لتشمل وادي النيل وبلاد الرافدين والشمال الافريقي وجنوب الجزيرة العربية كذلك(120).

وقبل أن ننتقل للإجابة على الاسئلة التي طرحناها منذ عدة صفحات، لا بد من التأكيد على أن تأريخ اللغة هو وسيلة مباشرة للتثبت من منشأ وتاريخ الشعوب، فإذا كان التقسيم الذي ناقشناه في مقدمة هذا الكتاب إلى ساميين وحاميين ودحضناه بالأدلة والبراهين، فأجد من الضروري إعادة التذكير بأهم عناصر الحوار خصوصاً ما يتعلق منها باللغة وذلك بعد أن طرحنا المقولة المختلقة من قبل شلوتسر والذي أطلق تسمية "السامية" ثم سمى الأقوام الذين ينطقون بها "ساميين" وتسمية الحامية والأقوام الذين ينطقون بها "الحاميين"... إلخ واستبدلت تلك التسميات المؤدلجة الصهيونية باللهجات العروبية والتي يمكن أن نفرّع منها بالمستوى الشاقولي في المراحل التالية:

-العروبية البدئية والتي كانت سائدة حتى فجر التاريخ.

-العروبية التاريخية والتي تمتد حتى منصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد حتى اكتشاف الابجدية الأوغاريتية وأبجدية سيناء. وتميزت بوجود الكتابات الهيروغليقية والمسمارية ونماذجهما الأخرى.

والفاصل التأريخي الهام بين العروبية البدئية والتاريخية ليس فقط ما يسمى بدء التاريخ، بل أيضاً الانتقال الهام إلى اللغة الكتابية التعبيرية من الشفاهية.

ويمكن أن نقسمها إلى مرحلتين جزئيتين:

آ-المسمارية الرمزية.

ب_المسمارية التعبيرية.

-العروبية الابجدية: وتمتد منذ منتصف الألف الخامس عشر قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي.

-العربية المعاصرة: وتمتد حتى اللحظة الراهنة وتقسم إلى مرحلتين:

إن التراكيب الصوتية الفنية في العربية والتي هناك ما يضاهيها الآن وما يوازيها في الأوغاريتية والعربية الجنوبية وغيرها من اللهجات العروبية الأخرى ليصب تماماً في صحة تسميتنا، على عكس ما حاول أن يقوله أحد الباحثين العرب من "إن الرأي السائد الذي يذهب إلى اعتبار العربية إما نموذجاً بدئياً أو صورة حقيقية للغة الأولى تعرض للطعن في الأونة الأخيرة. فالتراكيب الصوتية الفنية في العربية يضاهيها الآن ما يوازيها في الاوغاريتية والعربية الجنوبية، كما أن نظام الأفعال المتطور جداً فيها صار ينظر إليه كنتيجة لمنهجية القواعد أكثر منه لعراقته اللغوية" (121) فنظام الأفعال المتطور جداً لم يكن الناتج الحتمي لعراقة اللغة، بل أن عراقة اللغة هي التي فرضت نظاماً خاصاً للأفعال، وفرضت بنية قواعدية ونحوية دقيقة ومتطورة. لأن قول الباحث المذكور يضع الرأس للأسفل، فلا يمكن أن تأتي عراقة اللغة ومتانتها وقوة وبلاغة تركيبها من خلال مجموعة من النظم والاسس القواعدية والنحوية.

فالتراكم الكمي الأفقي والنوعي العمودي، والغنى المفرداتي والحضاري والثقافي والميثولوجي وغيره، هو الذي يفرض مجموعة النظم والقواعد الناظمة للسيرورة التالية، من هنا كان تأكيدنا على أن اللغة العربية المعاصرة لم تكن وليدة لحظة أو فترة تاريخة قصيرة، بل كانت السيرورة الطبيعية والحتمية لمسارٍ لغوي غني يمتد إلى آلاف السنين قبل التاريخ.

وهذا ما يتأكد من خلال قول الباحث المذكور في ماتلا من سطور في بحثه عندما يقول: "فهناك نقاط التقاء وتقاطع بين الأكدية والحبشية، ونقاط التقاء وتقاطع بين الأكدية والبربرية- الليبية، لقد أكد روسلر أن البربرية الليبية تتسم بخصائص قربى خاصة تربطها بالأكدية، وهو رأي يستند إلى مقابلات ذات طبيعة صوتية، وصرفية ومفرداتية (122) فإذا كانت الأكدية تلتقي مع الحبشيّة، ومع البربرية- الليبية، ألا يعني هذا أيضاً أن الحبشيّة تلتقي مع الليبية أيضاً.

فكيف اعتبر هؤلاء "العلماء "أن الأكدية والحبشية تنتمي إلى أسرة لغوية، بينما تنتمي الليبية إلى أسرة أخرى، خصوصاً أن اللغة البربرية هي لغة الأقوام الأصليين لسكان افريقيا الشمالية وكانت البربرية وما تزال، كتابة تدعى بالكتابة الليبية، ترجع حروفها إلى أصل فينيقي (123).

فنلاحظ كيف أن للبربرية وما تزال كتابة ترجع حروفها إلى أصل فينيقي أي كنعاني، وكيف تتقاطع مع الأكدية والحبشية (الكوشيتية) لنرى معنى البعد الأيديولوجي المخيف الذي يقف وراء تقسيم اللهجات العروبية إلى لغات، ومن ثم تقسيمها إلى أسر لا يستند ولا إلى أي معنى. خصوصاً أننا درسنا بالتفصيل علاقة الحبشية بالعربية الجنوبية، ومن ثم علاقة البربرية- الليبية بالمصرية، وعلاقة هذه الأخيرة بالأكدية وغيرها.

"وتشير الدراسات الفقهية اللغوية التي تستند إلى قياس درجات الإختلاف بين اللغات المتفرعة من اللغة الأم (العروبية البدئية) بمقارنة عدد من المقررات الأساسية (كما فعلنا نحن وسنفعل) إلى أن أول مجموعة انفصلت عن اللغة الأم كانت الأكدية (في حدود 3200ق.م) وثاني مجموعة كانت العروبية الجنوبية (النصف الثاني من الألف الثالث ق.م) كما لوحظ أن للمجموعة المركزية الشمالية (الكنعانية الأوغاريتية، الآمورية، من ثم الفينيقية صلات عريقة مع اللغة العربية" (124) ويجمع اللغويون اليوم على إدراج هاتين المجموعتين (ويقصد السامية والحامية بتسمية الاستشراق الصهيوني) في مجموعة واحدة تمت إلى عائلة لغوية واحدة، انحدرت من أسرة لغوية مشتركة، يفترض أنها وجدت في مرحلة يرجع تأريخها إلى ما بين الألف السادس والألف الثامن قبل الميلاد. وفي الموسوعة البريطانية أن موطنها ربما كان في الصحراء الكبرى. وقد اقترح بعضهم مصطلح Erytheraear (أي العائلة اللغوية الاريتيرية) مع اعتبار أن العائلة وجدت على ساحلي البحر الأحمر.؟. إلا أن هذا الاقتراح واجه اعتراضاً جدياً، لأنه افتراض لا يمكن إقامة الدليل عليه. أما اقتراح اللغوي جوزيف غرينبرغ في عام 1952- بتسميتها المجموعة الأفرواسيوية Afer-Asian فقد اعتبر شاملاً وفضفاضاً جداً، إذا أخذنا بعين الاعتبار محدودية المنطقة التي يقيم فيها الناطقون بهذه اللغات (يقصد مساحة الوطن العربي بالنسبة للقارتين) ثم اقترح اللغوي السوفياتي ايغور ياكوفوف مصطلح Afrasian، ويقصد بذلك النصف افريقي ونصف آسيوي) على أساس أنه يشمل المناطق التي تنتشر فيها هذه اللغات منذ الألف الخامس قبل الميلاد على الأقل"(125)

لكن إجماع اللغويين واضح أيضاً على أن يبتعدوا عن التسمية الحقيقية لهذه العائلة اللغوية فإذا كان الجميع متفقاً على:

1-القدم التاريخي لما قبل الألف الخامس قبل الميلاد على الأقل.

2-انتشارها في المساحة الجغرافية للوطن العربي الحالي.

3-أنها تكوين لغوي واحد.

فلماذا لا يسمونها الأسرة العروبية كما هي فعلاً؟

لكن تبدو الخلفية الأيديو- سياسية التي تحرك هؤلاء المستشرقين واضحة من خلال قراءة الرأيين التاليين "حيث كان البروفسور كلاي Clay من بين من يعتقدون أن بلاد الآموريين (سوريا) كانت مهد الساميين وكان يرى أن النظرية القائلة بأن العرب هم أصل الساميين غير صحيحة، لأنها لا تقدم تفسيراً رسيّاً (عرقياً) مقبولاً: إذ كيف يمكن للعرب ذوي الرؤوس المستطيلة أن يكونوا أسلاف اليهود ذوي الرؤوس المدورة.

وهناك من يرى أن أرمينيا كانت مهد الساميين وذلك بالإستناد إلى أخبار التوراة حول الطوفان وإلى أمور تشريحية مفادُها أن الأرمن والحثيين كانت لهم أنوف معقوفة تشبه أنوف اليهود في حين لا تظهر مثل هذه الملامح عند العرب"(126)

حيث يلاحظ القارئ أن اليهود هم المعيار الأول والأخير للدراسات المناقشة فإذا كان كلاي Clay يثبت اليهود كأصل عرقي في بلاد الشام ويعتبرهم الجذر، ينفي عن العرب وجودهم التاريخي في المنطقة، في حين يقوم الآخر(127) بجرّ كل الجماعات البشرية العروبية إلى خارج المنطقة حيث كان أجداده فعلاً!!!؟؟

فلذلك أرى أن القارئ استطاع أن يقف على أرضية صلبة الآن فيما صنفنا فيه التاريخية الأناسية المعرفية للغة العروبية بدون أن نتطرق للبنية المورفولوجية التي لجأ إليها بعض الباحثين حيث "كان بالاغريف Pala-Garave قد أثبت أوجه الشبه الرسية (العرقية) بين العرب والاحباش والبربر لا سيما شكل الفك ونحافة ربلة الساق، فضلاً عن صلة القربى اللغوية، وكان معه Gerland غيرلاند من أنصار هذا الرأي أيضاً لأنه يعتقد أن العرب ينتمون إلى الجنس الإفريقي (شكل الجمجمة((128).

ففي المراحل الأخيرة من العصر الحجري القديم انتقل الإنسان الحديث Homo Sapiens إلى شمال افريقيا إما من وادي الخسيف الافريقي أو امتداده في الجزيرة العربية عبر سيناء مجتازاً غرب آسيا وحل في ليبيا بين 29000-26000 ق.م وهي مرحلة اقترنت بصناعة الشفرات الحجرية في أواخر العصر الحجري القديم. وفي مصر عثر على مخلفاته التي أبلتها المياه الجارية في طمي عزبة السبيل "وقد تبين بعد التحليل الدقيق أن هذه المخلفات التي تشتمل على أجزاء من الجماجم البشرية، وفكوك وعظام أخرى أقرب إلى الإنسان المصري في المرحلة السابقة لعصر السلالات منها إلى أي جنس آخر/ مع التذكير بأن الدراسات المورفولوجية تثبت اشتراك العرب بنفس المواصفات المورفولوجية المذكورة. وفي نهايات المرحلة الأخيرة (حتى 10.000ق.م) انخفض منسوب نهر النيل في مصر العليا إلى أكثر من مئة قدم عن مستواه الحالي، وأصبحت الطبيعة الصحراوية في شمال افريقيا في جفافها على نحو ما هي عليه اليوم إن لم تكن أشد جفافاً، وقد كفت المنطقة عن اجتذاب مهاجرين جدد من أنحاء أخرى من افريقيا ومن آسيا الغربية، بل بالعكس من ذلك قد يكون الواقع الجديد هو ما دفع سكان الصحراء العربية (التي لم تكن صحراء) إلى الهجرة باتجاه وادي النيل والواحات والينابيع، ولعلهم قد اندفعوا تحت استمرار الجفاف إلى الاتجاه شرقاً عبر سيناء إلى ساحل المتوسط الشرقي وذلك حتى الألف العاشر قبل الميلاد، حيث بدأت الحركة الجولانية بالعكس مع استمرار حالة الجفاف في شبه الجزيرة العربية" فقد تم الكشف في حلوان" عن رؤوس- رماح ذات وجهين من العصر الحجري الحديث سميت "رؤوس رماح حلوان" ويعتقد أن مصدرها وادي النطوف في فلسطين وكما أسلفنا في فصل سابق/ ومع المرحلة الدفيئة عاد النيل إلى مجراه ومستواه الحالي لتنتهي مرحلة الحضارة السبيلية الموافقة للنطوفية في بلاد الشام والصفاقصية في الشمال الافريقي.

واستمرت الصلات بين مصر والدلتا ووادي النيل الشمالي مع بلاد الشمال في حراك جولاني دائم" يمكن إقامة الدليل عليه بواسطة علم الآثار. والظاهر أن الحافز نحو تدجين الحيوانات والنباتات كالحنطة والشعير ونحو ممارسة نمط من الحياة المستقرة يعتمد على انتاج الطعام إنما جاء إلى مصر من منطقة الهلال الخصيب، ومنذ ذلك الوقت بقيت الصلات مستمرة بين مراكز مصر "المدينة" ومراكز مشابهة لها أخرى لكنها أكثر تقدماً، في فلسطين وسوريا، ويمكن إدراك هذه الصلات ليس فقط على الصعيد المادي، بل وفي المعتقدات الدينية وطقوس الدفن، ربما أيضاً في المواصفات الجسمية والعرقية لسكانها (130) ويشير بعض المؤرخين إلى أن مصر الجنوبية خضعت، منذ أوائل عهد المملكة الأولى إلى نفوذ حضاري من الشمال أكثر منه سياسياً. وأن هذا النفوذ ذو جذور ترجع إلى الهلال الخصيب .فقد لاحظ اللغويون أن هناك عناصر عروبية شرقية في اللهجة المصرية القديمة، واستنتجوا من تطابق المعنى للكلمتين الدالتين على "الشمال" واليمن "مع مفهومي" الشرق "والغرب" على التوالي أن هذا العنصر دخل مصر من الشمال مع جماعات الحراك الجولاني العروبي التي اتجهت إلى أعالي النيل ذلك أن الكلمتين المشار إليهما تنتميان إلى طور اللهجة المشرقية العروبية في اللغة المصرية فكلمة (ش م أل) المشرقية وتعني اليد اليسرى لا تظهر في الطور التالي من اللهجة المصرية أو فروعها الديموطيقي ومع هذا استعملت كلمة (شمول) في حالة واحدة فقط في اللهجة القبطية (131).

حيث كانت اللهجات بما تعنيه وضعية اليدين بعداً أناسياً معرفياً مرتبطاً بتوجيه الإنسان نحو الشرق إلى حيث تبزغ الشمس بحيث تصبح اليد اليسرى باتجاه الشمال واليمنى إلى الجنوب ومع إدراك أهمية نهر النيل أصبح التوجيه الإنساني ببعديه الميثولوجي (المعتقدي) والمعرفي إلى الجهة التي يأتي منها النيل وحينها إذا توجه الإنسان (الناظر) إلى الجهة التي يأتي منها النيل العظيم تصبح يده اليمنى باتجاه /اليمن=الغرب/ ويده اليسرى باتجاه الشرق، الشمال =الشرق.

ومن بين المؤثرات الرافدينية على مصر يشار أيضاً إلى : (1) بعض الأواني الصنبورية ذات الطراز الرافديني (2) الاختام الاسطوانية (3) الزوارق الشراعية ذات الأشكال الهلالية الرافدينية (4) بدلة أحد الأبطال المنقوشة صورته في أثر مصري (5) سلالة جديدة من الكلاب، (6) استعمال رأس العصا (الصولجان) كأداة للنقش بالحفر لأغراض تذكارية ونذرية (7) عدد من الملامح الفنية (1) طراز العمارة الآجري ذي الشرفات المفتوحة (9) أنماط من السيراميك (10) استعمال الرسوم في الكتابة"(132)

لكن ذلك لا يمكن أن يكون إلاّ بالعلاقات التبادلية أي يمكن أن تكون قد نقلت ضمن الحراك الجولاني الذي نتحدث عنه من بلاد النيل إلى الرافدين وبالعكس. خصوصاً إذا أدركنا التوازي في التطور الحضاري والمؤكد في بلاد الرافدين منذ بداية الألف السادس قبل الميلاد بتواجد عروبي صريح والذي أطلق عليهم لاندزبيرغر اسم الفراتيين الأوائل، والذي أكد مع مجموعة من الباحثين أن مفردات اللهجة السومرية تتألف من طبقتين (بدون أن يأخذوا بعين الاعتبار التطور التاريخي لأي لغة، ومعنى دخول مفردات جديدة مع تطور الحياة الاجتماعية وآلية النتاج الاجتماعي) احداهما تمثل لغة الفراتيين الأوائل (133) السابقين لوجود السومريين وقد أيد هذه الفرضية البروفسور Gelb غلب مع مجموعة من الباحثين (الباحث غلب Gelb، أحد المسهمين الاساسيين في إعداد معجم شيكاغو للأشوريات الموسوعي) وأكدوا على وجود بعض الاسماء الجغرافية غير السومرية وتشتمل على أسماء بعض أقدم المدن فضلاً عن اسمي دجلة والفرات (ايدحلات، بورانون) بالإضافة إلى كلمات تدل على فعاليات وحرف أساسية:

الفلاحة، البستنة، التخمير، (الجعة مثلاً) الفخار، وصناعة الجلود (اسكافي) والبناء بينما يُعزى إلى السومريين أنهم ابتكروا مفردات للملاحة، والعلف (علاف) والنحت (نحات) والكتابة والتعليم بالإضافة إلى ذلك هناك عدد من الكتابات المسمارية ذات قيم صوتية بحتة تعطي انطباعاً عن ألفاظ غير سومرية ظهرت في الكتابة السومرية!! وهذا يقودنا إلى استنتاج بأن السومريين استعاروا نظام كتابتهم من مجموعة لغوية أخرى(134)

لكن من الواضح مما سبق أن الكتلة الاجتماعية العروبية الأولى كانت تتمتع بوجود لغة عروبية بدئية ولم يكن السومريون إلاّ النتاج الطبيعي لهذه المجموعة حضارياً ولغوياً خصوصاً أن اللهجة العروبية الاجتماعية المذكورة هي التي تطورت لاحقاً إلى الحضارة العبيدية (نسبة إلى تل العبيدة) القريبة من (أور) السومرية جنوب العراق والتي عثر فيها على حضارة سابقة لحضارة السومريين دامت بين 4500-3500ق.م.

ولكن هناك آثار بينة أيضاً على أن حضارات العبيد شملت سومر "أور" أيضاً وكل المناطق المقترنة بالسومريين كما بينت الحفريات أيضاً أن الحضارة العبيدية والسومرية شملت شمال سوريا أيضاً، وبأن حضارة العبيد مع وجود صلات وثيقة مع معاصريهم كانت إلى الشمال والجنوب والشرق.

وهذا ما يؤكد رأينا القائل بأن الجماعة العروبية البدئية كانت تشغل المنطقة كاملاً وببنى حضارية شاملة منذ ما قبل الألف الخامس قبل الميلاد.

"على أن النصوص السومرية تؤكد لنا: أيضاً أن هناك شعباً آخر، يتكلم اللهجة الأكدية، كان موجوداً في المنطقة، ولعله أجدادهم من "العبيديين" الذين تواجدوا في المنطقة قبل السومريين بزهاء ألف عام. وقد عرف الأكاديون أول الأمر من أسماء العلم التي ورد ذكرها في الوثائق السومرية، منذ أواسط الألف الثالث ق.م في ألواح من قارة (شروباك القديمة، موطن نوح البابلي أو ثنابشتم) وربما منذ مرحلة أقدم، في النصوص القديمة من أور. كما أن الكتابات السومرية في أبو صلابيخ كانت تحتوي على عدد كبير من الاسماء الأكدية.وهناك أدلة على وجود كلمات أكدية في اللهجة السومرية منذ مرحلة مبكرة جداً (136) يتضح من هذا أن اللهجة الأكادية كان لها حضور في وادي الرافدين منذ أيام العبيديين (4500-3500ق.م) ولعل من شأن هذه الحقيقة إلى جانب ظهور لغة ايبلا المتقاطعة مع الأكادية والأمورية كما أسلفنا أن توجه أنظار القراء إلى وحدة البنية اللغوية.

لكن الكلمات التي تعتبر سومرية هي بالحقيقة عروبية، وهذا يعني في صميم حوارنا الأناسي المعرفي أن التكوين الحضاري متداخل وواحد في احداثياته العمودية والأفقية، فكلمة ملاّح Ma-Lah التي يحاول المستشرقون ومن معهم أن يعتبروها سومرية (بعد أن يبتعدوا بالسومريين عن الجغرافية التاريخية العروبية) ترجمت إلى (بحّار) وهي بالعربية الفصحى" ملاح" ولا أعتقد بأن أي مهتم سيجد في أي منجد أقل من صفحتين عن شرح هذه الكلمة وعلاقتها بالبحر، حتى من يفتش عن جذريها (السومريين) كما يقولون MA "قاب" Lahيذهب "يسيّر سيجد ملاّ (الاناء المملوء وهي السفينة بالأوغاريتية أنا ي= أنايا بالأكدية = إناء =وعاء، و"اللاح" الوادي الضيق "في حين أن كلمة "ملاح" نفسها تختصر المعاني في علاقتها بالبحر ذي الماء المالح .. إلخ.

أما عن بعض الكلمات السومرية الأخرى التي يقال أن الأكدية استعارتها /طبعاً بتصنيفهم/ فهي (برأي الباحث القدير علي الشوك):

فخار= Phahar=بحّار.

نجّار=Na - Gra=نجار

فلاّح =Ikkar-Engar= بالأكدية "أكار" بالعربية

اسكافي= ASHGAB=اسكاف

البناء=SHIDIM بالسومرية= شيّد بالعربية.

وغيرها الكثير من المفردات التي توضح وتبين أن البنية الحضارية للكتلة الاجتماعية العروبية منذ العصر الدافئ استمرت في تطور متداخل ومتواصل بدون دخول عناصر غريبة عليها. بحيث يصعب حتى تمييز الحدود الفاصلة بين مرحلة وأخرى، /وليس فقط على المستوى اللغوي، بل والتاريخي والحضاري..

فإذا قلنا (كما يفعل الاستشراق الايديولوجي بأن السومريين غرباء عن المنطقة فكيف" تسلّل" كل هذا الكم من المفردات إلى الأكدية) ومن العبيدية إلى السومرية، وبالعكس (فأس =Khazi وتقابلها: خصين" بالعربية و"ثمن، سعر "=Sha,M والثوم =Tomkorum وتاجر =Damgara= تامجار "بالسومرية) وإذا قلنا معهم أيضاً بـأن السومريين قدموا من الشمال.. فكيف استطاعوا أن يتجاوزوا الأكديين المقيمين إلى الشمال من الموقع الذي ظهرت فيه المظاهر السومرية؟ وكيف استطاع الأكديون إذا توالوا حقاً (أي بعد مجئ السومريين) أن يتجاوزوا أو يقفزوا من فوقهم ليتجهوا شمالاً؟ وتنبغي الاشارة أيضاً إلى أنه لا وجود لأي نص سومري ينعت فيه الأكاديين بأنهم أعداء أو غزاة أو بدو.

نستنتج مما سبق إذن، أن المظهر اللغوي "العبيدي -السومري-الاكادي" هو مرحلة تداخلية للمرحلتين الأولى والثانية من التطور العمودي للغة العربية، تتداخل العروبية البدئية مع الكتابة التأريخية مثلها مثل الجوانب الأخرى التي تؤكد الانتماء الأناسي المعرفي والاثنوغرافي بمعانيه الحضارية والثقافية لتلك الجماعة البشرية إلى أمّة عريقة لا يمكن لغيرها أن يضاهي بعمق جذوره في التاريخ كما تفعل هي، بحيث أن اسقاطاً للقراءة اللغوية لتطور اللغة العروبية يمكننا أن ندرس البنية التأريخية للتطور العمودي والافقي للأمة العروبية في مراحلها الأولى والعربية في مراحلها التالية.

بالاضافة إلى ما سبق يستنتج المتلقي أن التطابق الدقيق بين المراحل اللاحقة لتطور اللغة أفقياً وعمودياً من حيث التكوين البنيوي بمواصفات اللغة الاساسية وبالمعجم المفرداتي لا يمكن أن يكون إلاّ ناتجاً لحضارة واحدة بقوام واحد، تتعدد مظاهرها، وتتنوع ألوانها، حسب الغنى الذي تتمتع به من عراقة وتجذير. فاللهجات العروبية (كما سبق ولخصنا الموضوع في بداية البحث وحتى العربية المعاصرة القواعدية:

1-معظم كلماتها ذات جذر ثلاثي وهو أكثر بكثير من الرباعي، ويشغل القسم الاعظم من مصادر المفردات المعجمية اللغوية والرباعي رغم قلته إلا أن الخماسي أندر. فكلمة (كتب) يتألف جذرها الصوتي من ثلاثة حروف ساكنة هي (كتب)... وهكذا.

2-طريقة اشتقاق صيغ جديدة للكلمة الواحدة تتمبواسطة تغيير الصوت الصائت في أصل الكلمات الدالة على الفعل.

3-التشابه في الضمائر المتصلة: فصيغة الفعل (قبر) في العربية للمفرد الغائب: قبر (للمذكر)، قبرتْ (للمؤنث).

في الأكدية قبِر QABIR(للمذكر) قبرت QABRAT (للمؤنث)

وفي الأوغاريتية قبر (للمذكر Qb، قبرت "Qbrt" (للمؤنث)

وفي السريانية قِبَرْ (للمذكر) Qabar وقِبْرت Qebrat (للمؤنث)

وفي الحبشية قبَرَ (للمذكر) Qabara وقَبَرْت Qabarat(للمؤنث)

4-تشابه الضمائر المنفصلة بالمثال:

أنا بالعربية

أنا كو بالأكدية

أن (ك) بالأوغاريتية

أينا بالسريانية

أنا بالحبشية

5-الفعل المتعدي يكون بتشديد عين الفعل (كما لاحظنا في أمثلة كثيرة)

6-وجود الحروف الحلقية كالعين والهمزة وغيرها

7-التشابه في تسميات أعضاء البدن (بل والتطابق في معظم التسميات)

8-حروف العطف:

بالعربية وَWa

بالأكدية U وبالاوغاريتية W وبالحبشية Wa

9-الفعل يسبق الفاعل.

10-ارتباط الصفة بالموصوف .

11-استعمال تاء تأنيث، وياء النسبة، واستخدام كاف المخاطب وميم المكان ونون الجمع.

12-التسميات الحضارية والتقنية والثقافية والميثولوجية (سين، دجن، عشتار، أيل، بعل، آدم، حوا).

وبهذا الشكل نستطيع أن نجزم بأن اللهجات العروبية نمت وتطورت بتداخل وترابط شديدين فيما بينها بحيث يتعذر مثلاً، مناقشة أي لهجة منها بدون دراسة علاقتها مع شقيقاتها، ولا يمكن أن يُضرب أيّ مثل لأي لهجة، بأنها نمت مستقلة، أو كانت بجذور خاصة، أوبعيدة، تماماً كما أننا لا نستطيع تحديد المنطلق الجذري الجغرافي الأولي الذي انطلقت منه الحركية الجولانية فقراءة ما سبق من حراك تاريخي أناسي ولغوي يدفعنا إلى وضع عدة احتمالات:

-منطقة الهلال الخصيب.

-منطقة الخليج العربي (منطقة ما قبل الخليج).

-الجزيرة العربية.

-الصحراء العربية الكبرى (الليبية)

-وادي ودلتا النيل.

ونحن، ومن خلال متابعتنا لما أسميناه الحراك العروبي، لا يمكننا إلاّ أن نضع النتيجة التالية في جوهر أي نقاش حول الجذر التاريخي الأولي للمنظومة العروبية بمعانيها الأناسية والأثنية واللغوية... إلخ:

إن كل منطقة في الوطن العربي لديها الحيثيات الأثارية واللغوية والأناسية والحضارية والثقافية والميثولوجية وغيرها، والتي تدفع الحوار في حال تجريد الظواهر، إلى التوثيق على أن ذلك الموقع أو هذا، هو الجذر الأولي للحراك التاريخي المدروس. وهذا يعني في أهم جوانبه أن ذلك الحراك كان متعدد الجهات، وأن المنظومة العروبية تاريخياً وجغرافياً، عرفت حركة الجماعات البشرية بين أقاليمها بدون أي موانع طبيعية أو حضارية أو لغوية، في تلك الرقعة التي نعرفها الآن بالوطن العربي.

وإذا كان لا بد من التراتبية الزمنية في القراءة التاريخية فيمكن تلخيص الخط العام لذلك الحراك بالشكل التالي:

1-من منطقة الجنوب الجزيري (اليماني)/

الامتداد الجغرافي لوادي الخسيف الأفريقي (العربي) ومن قسمه الافريقي أيضاً، حيث عرف هذا الوادي التواجد الأول للإنسان العاقل الحديث، وكانت جهته في الحالتين باتجاه الشمال باتجاه الصحراء العربية الكبرى (التي لم تكن صحراء في حينها)، في القسم الافريقي، وباتجاه منطقة ما قبل الخليج العربي (حين كان نهرا دجلة والفرات (بالتقائهما وتشكيل شط العرب) يصبان في مياه بحر العرب عند مضيق هرمز وهذا ما يتوافق مع المراحل الاخيرة من العصر الحجري القديم. وبعد أن أثبتنا في الفصل الأول أن إنسان "النياندرتال" في منطقة الشرق العربي كان سباقاً بتواجده على نظيره الأوروبي بحوالي 40.000-60.000 عام مثل الإنسان الحديث Homo Sapiens يصبح واضحاً إذن أن الحراك المدروس كان سباقاً في تأريخه. وهذا يعني أن الإنسان الحديث "العروبي" ARABOID انتشر في الألف الثلاثين قبل الميلاد في ليبيا، وفي منطقة ما قبل الخليج وامتد انتشاره إلى منطقة السبيل في وادي النيل وهذا ما تثبته الحفريات التي اكتشفت الشفرات الحجرية المطابقة لذلك الزمان، إن كان عن طريق السفينة البحثية الألمانية "المونيتيور" أو عن طريق آثاريات منطقة السبيل.

وقد تبين بعد التحليل الدقيق إن هذه المخلّفات التي تشتمل على جماجم وبقايا عظمية إنسانية أنها قريبة من النموذج التشريحي المورفولوجي للسلالة المصرية الأولى والجزيرة (المتطابقة معها).

وفي نهايات المرحلة الجليدية الأخيرة (بين 6.000-10.000ق.م) (اشتد الجفاف في منطقة وادي النيل ومنابعه، ومنطقة الخسيف بامتداديها المذكورين، مما أدى إلى الهجرة الاضافية الثانية بنفس الاتجاه ولكن مع الابتعاد أكثر باتجاه سواحل البحر الأبيض المتوسط بقسميه العربيين (الأسيوي والافريقي).

2-مع بداية امتداد العصر الدفئ وانتشار مياه البحر إلى شمال هرمز، وإلى الشمال مما هو عليه الآن بحوالي 149-160كم شمالاً (عن حدوده الحالية) بالاضافة إلى تشكل الخليج العربي، وفيضان النيل، اندفع الحراك المدروس باتجاه المناطق الشمالية والغربية من الهلال الخصيب...، منطلقة" تلك الجماعات البشرية من منطقة ما قبل الخليج، ومن منطقة وادي النيل القبلي "والصحراء الليبية" وإلى الشمال الافريقي غرباً، وعبر سيناء شرقاً.

وهذا ما انعكس لاحقاً بالحضارات النطوفية والسبيلية والصفاقصية ومثيلاتها في الوطن العربي، وأهمها في شمال الجزيرة السورية.

3-أدى الانحسار التالي لمياه الخليج العربي إلى ما هو عليه الواقع الآن، وعودة مياه نهر النيل إلى الاستقرار إلى حراك جولاني اتجه هذه المرة:

آ- من شمال وغرب الهلال الخصيب إلى جنوب بلاد الرافدين -مع الابقاء على المواقع الأولية والتي استندت عليها الحضارات التالية.

ب- من الصحراء الليبية والتي بدأت تصبح مع هذا الطور صحراء فعلاً إلى وادي ودلتا النيل.

جـ- من منطقة الجنوب اليماني والساحل الشرقي للبحر الأحمر إلى هضبة الحبشة ومنها إلى منطقة النوبة في الوجه القبلي، ومن ثم باتجاه الصحراء الليبية نحو الشمال الافريقي العربي.

وهذا ما أدى إلى ظهور الحضارات البدئية السابقة للحضارات الكتابية التأريخية في جنوب الرافدين، وفي شمال وغرب الهلال الخصيب ودلتا النيل والشمال الافريقي.

4-الحراك الجولاني التلقائي

وهو الذي كان يحدث بين التمركزات المدينية في الحضارات الجليلة الكتابية التي ظهرت مع بداية التاريخ وكان هذا الحراك تبادلاً "حضارياً" ثقافياً" وأحياناً يأخذ الشكل العسكري. لكن الجماعات البشرية العروبية بقيت تتحرك وتنتقل من موقع إلى آخر، ومن أقصى نقطة في الشرق إلى أقصى نقطة في الغرب، وبالعكس ومن الشمال إلى الجنوب، وبالعكس، بدون أية حواجز جغرافية أو لغوية أو إثنية وامتد هذا الحراك زمنياً حتى سقوط بابل نتيجة الغزو الفارسي، على يد كيرش عام 539ق.م.

ومن أهم نماذج هذا الحراك وأمثلته، الحراك الكنعاني /الفينيقي (على امتداد سواحل شبه الجزيرة العربية الغربية والجنوبية، من سواحل الخليج العربي فالسواحل الشامية، ومن ثم الامتداد غرباً باتجاه السواحل الشمالية الافريقية العربية، بل وحتى سواحل أوروبا وغيرها.

(وهذا الحراك عفوي تلقائي، ويتم كحركة جماعات بشرية في وطنها، بدون أية حواجز جغرافية أو لغوية أو إثنية).

5-الحراك الجولاني القسري:

ويتم تأريخه مع بداية الغزو الفارسي وسقوط بابل على يد كيرش (قيرش) عام 539ق.م وما تلاه من غزوات اغريقية ورومانية وغيرها. وهذا ما خلق نمطاً جديداً من الحراك ليس بمعناه الجغرافي التاريخي (القسري) فقط، بل ومعناه الحضاري المتعدد الجوانب.

فالأقوام التي غزت الوطن العربي واستمرت بغزواتها على مدى ألف عام تقريباً، كانت تدرك السبق الحضاري الذي حققه العرب على مدى آلاف السنين السابقة. وبات من الممكن مع التوسع العمودي التالي لمفهوم الدولة العربية من تحقيق بنية "سياسية"/ بإحداثيات ذلك الزمان/ عربية، تنجز مشروعها التالي، الذي أعطى الفينيقيون مثاله الرائع. فكانت تلك الغزوات "دفاعية" من وجهة نظر أصحابها الغزاة من جانب، وهجومية لتلقّف تلك الوضعية الحضارية واحتلالها من جذورها.

6-الحراك العربي الاسلامي:

ولقد كان بتعبيراته السياسية والحضارية الرد الحتمي على ما سبقه. فإذا لم تستطع المسيحية بجذورها العربية تحقيق الرد اللازم بسبب تبنّيها التالي من قبل تلك الامبراطوريات، وبالتالي التغريب بها، ودفعها إلى خارج مواقعها المعرفية الأثنوأناسية التي أنتجتها، إلا أن الرسالة المحمدية العظيمة استطاعت انجاز ذلك المشروع بتعبيراته الحضارية العالية. وتجاوزت العروبة مع هذا الحراك التوضع التاريخي الجغرافي للانتشار العربي باتجاه الشرق والشمال وتجاوزت البحار إلى أوربا.

لكن ما يهمنا في هذا الموقع، هو التأكيد على أن البنائية العربية بتأسيسها الأناسي المتعدد الجوانب وعبر الاسلام كمظهر معرفي من مظاهر العروبة، وإن استطاعت أن تفرض بنيتها السياسية على رقعة واسعة تمتد إلى سور الصين شرقاً وإلى الصحراء الآسيوية شمالاً وإلى جبال الألب غرباً، إلاّ أنها وتأكيداً لما قلناه سابقاً لم تستطع أن تفرض اللغة العربية إلاّ بما يعنيه ذلك من علاقتها بالتكوين الأناسي المعرفي العربي. لتبقى الدولة العربية لاحقاً بالمعنى القومي في حدود التواجد الأوليّ للجماعات البشرية العروبية عبر مراحل تاريخيتها العريقة، وهو ما نسميه اليوم"الوطن العربي".

إذن، لم يكن الحراك الجولاني بين مناطق الوطن العربي ذا اتجاه محدّد، ولم يكن ذا مصدر واحد. أي أن الجماعات البشرية العروبية، وإن كانت في لحظة ما، من التاريخ السحيق جماعة صغيرة نمت وتفرّعت، أو جماعات صغيرة مترابطة جغرافياً وأثنولوجياً، لكن وبغض النظر عن ذلك، من الثابت الآن كما برهنا نحن وبشكل قاطع أن التطابق في المخلفات الأثرية الأولية ولو بين أماكن ومناطق تبدو متباعدة حتى بمقاييس العصر الراهن ليدل على استمرارية الحراك الجولاني والتداخل الحضاري. فالدارس للميتولوجية العروبية المصرية، يكتشف أن معبودات الدين المصري، وبالدليل القاطع (مش: آمون، حور، رع، أوزير، ينث" كانت جاءت من خارج وادي النيل. فأمون، وأوزير، ونيث وغيرهم كثير كانت أرباباً صحراوية قدمت مع المهاجرين من الصحراء الليبية. والمعبود حور هو (=حورس= طائرالحر= الصقر /كما أسلفنا/) كان معبود القادمين من شبه الجزيرة الذين استوطنوا الصعيد وقدّسوه مع الدلتا بعد ذلك. كما أن جميع أسماء الأرباب المصرية القديمة (خاصة ما كان منها على المستوى الوطني الشامل) أسماء عربية الأصل، يمكننا حتى الآن في عصرنا هذا وبلغتنا المتطورة الحديثة جداً أن نفهمها ونردها إلى أصلها العربي بوضوح كامل. والمثير أن عروبة هذه الأسماء تنطبق على أرباب الصحراء الليبية أيضاً مما يثبت وحدة الأصل اللغوي البعيد، أو اللغة الأم. كما أن أهل وادي النيل نظروا إلى الجزيرة العربية (وخاصة الحجاز حيث توجد الكعبة الشريفة) دائماً نظرة تقدير واحترام وتقديس، باعتبارها "أرض الأرباب" (ت. د. ن. ت. ر.و=طية النظر (ين) =أرض الأرباب= أرض الآلهة) (137)... ووردت معنا مئات الأمثلة المطابقة خلال بحثنا أما ما يخص التشابه أو التماثل أو التطابق في البناء الميثولوجي العروبي بمظاهره المتعددة، فلقد خصصنا لذلك جزءاً مستقلاً سيأتي لاحقاً، لكن ما يهمنا في هذا الإطار بعضٌ مما له علاقة مباشرة بالبنية اللغوية. فكلمة "نهر" في العربية المعاصرة هي بالأوغاريتية "ن.هـ.ر" "وبالآرامية" نهرا" وباليمنية القديمة "نهر" وبالأكدية" نهرو" والبحر" كما ورد معنا، بالأوغاريتية "يم" و"يما" بالأرامية و"يامو" بالأكدية وعلى رأي سايروس غورون (138) فان الكلمة أكثر تجذراً في اللهجة الأوغاريتية. وهناك أيضاً مادة (ت.هـ.م) تفيد معنى "العمق، البحر، الملح، اللج، البحر المحيط" في اللهجات العروبية:

"ت. هـ، م" بالأوغاريتية.

"تهموما" بالسريانية.

"تهامات" بالإيبلاوية وتعني "المحيط المنخفض"

"تيامت" بالبابلية وتعني الهولة البحرية التي قتلها الإله مردوخ كما جاء في أسطورة الخلق البابلية" حينما في الأعلى "كما أن"تامتو" البابلية تعني "بحر" وتقابلها في العربية المعاصرة "تهامة" وهي اسم جغرافي يطلق على الجزء الغربي من الجزيرة العربية عند ساحل البحر الأحمر. وهي كلمة لها علاقة بالماء والبحر(139). على أن الدكتور كمال صليي يقترح لهذه الكلمة جذراً آخراً هو "هيم" أو "هام" "بمعنى" عطش "ومنه الهيام" وهو أشد العطش. ويعتبر التاء في بداية الكلمة هي الضمير المتصل المؤنث للمفرد والغائب، من صيغة (تفعل) كما في (تدمر)؟؟! وتغلب وتنوخ. وباعتبار هذه الكلمة لم ترد معرّفة بأداة تعريف فهي ليست نكرة، وفي هذه الحالة تعتبر اسماً جغرافياً على نحو ما يذهب إليه معناها في العربية المعاصرة(140) ومهما كان معناها، فهي موجودة في كل اللهجات العروبية بمعان أربع/

تهامة: أرض منخفضة بين ساحل البحر وبين الجبال في الحجاز واليمن.

تهامة: ذات العلاقة بالبحر.

تهامة: ذات العلاقة بالعطش والصحراء.

تهامة: الرمز الثيولوجي المعروف في "حينما في الأعلى" والذي يقاطع على ما يبدو المعاني السابقة في اتجاهاتها المتعددة.

ولهذه المفردة مغزى "خاص" في الإشارة إلى الحراك الجولاني الذي نتحدث عنه والذي يمكننا من خلاله توزيع الرقعة الأفقية لانتشار اللهجات العروبية على النحو التالي بعد أن تفرعت من اللهجة العروبية البدئية الأصل:

1-اللهجات العروبية المشارقية، وتضم:

-ما قبل خليجية وهي شفوية غير مكتوبة، إلاّ تلك المفردات التي انتقلت إلى اللهجات التالية مكانها جغرافياً:

-السومرية، والأكادية (البابلية والاشورية).

-الكنعانية (الأوغاريتية، الفينيقية، والأمورية، والمرآبية).

-الآرامية: (الآرامية، السريانية، النبطية، والتدمرية، المندائية، الصابئية..)

-العربية الجنوبية (الحضرمية، المعينية).

2-اللهجات العروبية الوسطى:

-العربية الجنوبية (القتبانية، السبئية، الحميرية).

-السيناوية.

-المصرية(الهيروغليفية، الهيراتيقية، الدوميثقية..)

-الحبشية (الجمعرية، الأمهرية، التيغرية، إلخ) الكوشيتية.

3-اللهجات العروبية المغاربية:

-الأمازيغية/ البربرية.

-الليبية (الجبالية).

-الكوشيتية.

-الفينيقية (القرطاجية)/ الكنعانية.

-الاتروسكية.

وبهذا الشكل يبدو جلياً المعنى الملازم للبعد الأناسي المعرفي للغة، ابتداءً من الكتابة التصويرية والتي تعني نقل المشخص القائم في الموضوع والمحيط إلى الحركة الإبداعية، الممثلة بفعل الخلق المنمذج. وهنا تأخذ الذاكرة الحدْثيّة EPIZOTIC دورها الخاص في الانتقال من المشخص العياني إلى الموضوعي، إلى المعزول. فالتصوير يعني الانتقال في التشخيص انطلاقاً مما هو قائم الآن في الواقع المشاهد إلى الواقع الموضوعي، حيث تتدخل الذاكرة البصرية (الطيفية)، لكن تبقى في احداثيات الحدث، المعيّن بأبعاد واقعية. من ثم تنتقل الحركية المعرفية إلى نقل هذا الموضوع عبر أدوات التعبير (التي هي البدء في الحالة المناقشة) إلى بنية أخرى معزولة، لكنها غير متطابقة مع الأصل.

من ثمّ الانتقال الثاني باعتبار اللغة التصويرية الأولى، هي التمثيل الثاني للموضوع، فيُعامل على أنه موضوع جديد مستقل، (وهذا كما أسلفنا مرتبط بالانتقال من اللغة الشفوية إلى اللغة الكتابية) مما يُخضعه لنفس عمليات النمذجة المعرفية التي خضع لها الموضوع الأول المشخص عيانياً.

وهنا تتدخل الذاكرة الدلالية بحدود امتلاكها للواقع الموضوعي. فيتم الانتقال إلى المرحلة التالية من الكتابة التصويرية إلى مرحلة التركيز على عناصر، يعتبرها المبدع هي الأكثر أهمية، ويتمّ بالتالي اختزال بعض الصفات في التصوير الأول، ليُصاغ بالتالي نمطٌ "رمزيٌّ" جديد يحمل السمات الهامة من التصوير الأول. وهذا ما يمكن أن نسميه التجريد الكتابي الأوّلي. بحيث ركز الإنسان العروبي على مفاصل ما، في الكتابة التصويرية الأولى، اعتبرها الأهم، فأهمل ما عداها ونقلها إلى النمط الرمزي الجديد من الكتابة. ونظراً لارتباط ذلك الموضوع المشخص بالحركات الصوتية وما يعنيه ذلك بالمنهج الأناسي المعرفي من تداخل الذاكرتين الصدوية ICOIC "السمعية" والبصرية ICONIC فقد تم إدخال التجريد على التعبير الصوتي والصوري، مما أدى في البداية إلى نشوء الرموز التركيبية ثم تحولت إلى مقاطع ذات قيم صوتية ترسم بخطوط مستقيمة. وبالتالي تم استبدال الأهم في الشكل الواقعي الموضوعي المشخص بالنموذج الرمزي الذي يداخل معه الحركية الصوتية. ولا يمكن لتلك السلسلة الإبداعية أن تتم إلا بفضل عامل التواصل بين أفراد الجماعات البشرية، وما يعنيه ذلك، من نقل التواصل المباشر الموضوعي إلى المجرد. وهذا ارتبط بدوره بنشوء العلامات الأولية للفكر الفلسفي.

والمتتبع لمراحل تطور أبجديات اللهجات العروبية يدرك تماماً، أن هناك تطابقاً كاملاً في الانتقال المذكور عبر مراحل التطور من الشكل التصويري اللغوي إلى الأبجدي.

فالتتبع لتطور اللهجات كالهيروغليفية مثلاً والتي بدأت أولاً بالمرحلة التصويرية "حيث الصورة تعبر عن الفكرة. فصورة القدم تعطي فكرة المشي، وصورة العصفور تعطي فكرة الطيران، ولتمييز الاسم عن الفعل جعلوا إشارة خاصة تتبع الفعل دائماً، ثم انتقلت إلى المقطع الصوتي ثم إلى الشكل الرمزي، بحيث بلغت رمزها وأشكالها وحروفها في إحدى مراحل تطورها السبعمائة"(141) يدرك تماماً أنها عبرت نفس مراحل النمو المعرفي التي مرت به شقيقاتها المسمارية والأبجدية الفينيقية. "فالمسمارية بدأت بحوالي 2000 علامة ثم تقلّصت إلى 500 علامة ثم اختزلت إلى 400-350علامة مسمارية (141) تماهت لاحقاً بالكتابة المسمارية الأوغاريتية، لتتداخل تلك المحاولات للأبجدية وتنتج الأبجدية الفينيقية والتي يرى البعض (أنها تتقاطع بالكثير مع الأحرف السيناوية (نسبة إلى سيناء) المشتقة عن الهيروغليفية المتطورة.

والمعروف أن الأحرف السيناوية مشتقة عن الهيراطيقية. وقد اعتمد هؤلاء الدارسون برأيهم على التشابه الشديد بين الأحرف الفينيقية والسنياوية"(142) وبعضهم الآخر يردها إلى المسمارية الأكدية(143).

وهذا يهمنا بنتيجة واحدة مفادها أن تلك اللهجات تطورت مورفولوجياً وزمنياً بمراحل واحدة ومنحى أناسي ومعرفي وثقافي واحد، بل وبجذر أثنولوجي واحد.

 

r

 

 

 

 

هوامش الفصل الرابع

 

(1) قاسم العتمة - اللغة العربية كأداة توحيد - الوحدة -العدد 33-34- حزيران وتموز1987.

(2)المصدر السابق

(3) المصدر السابق.

(4) د.الغالي أحروشاو: مجلة دراسات عربية العدد /8/ السنة الحادية والعشرون- حزيران 1985.- ومعنى القول مأخوذ من عالم اللغة بياجيه.

(5) هنري لوفيفر، اللسان والمجتمع، ترجمة مصطفى صالح- وزارة الثقافة في ج.ع.س ص135.

(6) قاسم العتمة اللغة العربية كأداة توحيد.

(7) محمد الأسعد - في الشائع والموروث.. وأصل أم الحضارات - جريدة الحياة /العدد 11793/ حزيران 1995.

(8) محمد الأسعد - المصدر السابق

(9) محمد الأسعد - المصدر السابق

(10) بييرروسي - مدينة ايزيس - التاريخ الحقيقي للعرب- ترجمة فريد جحا - وزارة التعليم العالي- دمشق 1980 ص8

(11) بييرروسي - المصدر السابق ص18

(12) محمد الأسعد - المصدر السابق

(13) محمد الأسعد - المصدر السابق

(14) بييرروسي - المصدر السابق ص31

(15) بييرروسي - المصدر السابق ص31

(16) بييرروسي - المصدر السابق ص37

(17) بييرروسي - المصدر السابق ص18-48-49

(18) بييرروسي - المصدر السابق ص34

(19) بييرروسي - المصدر السابق ص38

(20) بييرروسي - المصدر السابق ص25

(21) بييرروسي - المصدر السابق ص50

(22) محمد الأسعد - المصدر السابق.

(23) احسان جعفر - بين اللغة المصرية القديمة واللغة العربية - مجلة الوحدة العدد 20أيار 1986.

(24) أحمد كمال - مجلة المقتطف، المجلد التاسع والخمسون، الجزء الثالث - منقول عن دراسة احسان جعفر السابقة الذكر

(25) احسان جعفر - المصدر السابق .

(26)احسان جعفر - المصدر السابق

(27)أحمد كمال : أول أمين مصري لمتحف القاهرة وأستاذ للحضارة القديمة في الجامعة المصرية القديمة وله من الكتب المطبوعة: "العقد الثمين في تاريخ مصر القديم." اللآلئ الدرية" اجرومية هيروغليفية - عربية - "بغية الطالبين" في علوم قدماء المصريين.- "ترويح النفس" في مدينة عين شمس.- "ترجمة" دليل متحف القاهرة.- "صفائح القبور" في العصر اليوناني والروماني.- الدر المكنوز في الجنايا والكنوز و"الموائد القديمة" وغيرها.

(28) المعلومات السابقة مأخوذة من مقالة إحسان المصدر السابق .

(29) احسان جعفر المصدر السابق،

(30) د. عبد العزيز صالح، حضارة مصر وآثارها الفصل الأول.

(31) احسان جعفر - المصدر السابق

(32) قاسم العتمة - اللغة العربية كأداة توحيد- مجلة الوحدة العدد 33-34 حزيران- تموز 1987 ص10

(33) قاسم العتمة المصدر السابق - ووردت نفس المعطيات أيضاً في مقدمة لدراسة التطور الدلالي في العربية الفصحى، مجلة عالم الفكر العدد 4لعام 1986 للدكتور أحمد محمد قدور ص 29 وما بعدها.

(34) قاسم العتمة - المصدر السابق.

(35) د.عبده بدوي -دور الشعر وخدمته لعملية التنمية الثقافية عالم الفكر- العدد4 -1986-ص99.

(36) قاسم العتمة - المصدر السابق

(37) أحمد عثمان - هجرة قبائل العرب قبل اختراع الكتابة - جريدة الحياة العدد 11789 حزيران 1995.

(38) أحمد عثمان - المصدر السابق.

(39) علي أبو عساف - آثار الممالك القديمة في سورية.- وزارة الثقافة في ج.ع.س 1988ص129.

(40) فك رموز اللغة المسمارية العالم الألماني جبمورج فريدريك عزوتغند وأكمل عمل هذا الباحث الانكليزي رولنسون عام 1846، في حين فك رموز الهيروغليفية- العالم شامبليون.

(41) أحمد عثمان.- المصدر السابق.

(42) د.علي فهمي خشيم - أقسام البشر الاربعة في قصة الخلق المصرية - مجلة الوحدة العدد33-34 حزيران -تموز 1987 ص100مأخوذة عن:

Budge,The Egyption Gods ,P.8

Budge, The Egyption Heaven And Hell P144

(43) انظر:

Gardiner, Eg P.618 Budge An En Heir Diet P432-6

(44) قارن:

Budge, An Eg. Hier Diet-6

Budge, Egyption Language P.10.7-210

(45) M.Grant, The Etrucons. Waidenfeld And Nicolson,London 1980

(46) علي فهمي خشيم - المصدر السابق

(47) د.البر فريد النقاش - الآثار وكتابة تاريخ العرب القديم - مجلة الفكر العدد 52 ص11-12

(48) د.عفيف بهنسي - وثائق ايبلا دمشق 1984.

(49) د.عفيف بهنسي - المصدر السابق ص24

(50) د.عفيف بهنسي - المصدر السابق ص25.

(51) د.عفيف بهنسي - المصدر السابق ص135

(52)

P.Biggs: The Epla Tablette. An Interim Perspective Biolical Archaeology Spring 1980

وارداً في وثائق ايبلا للدكتور عفيف بهنسي ص120

(53) د.عفيف بهنسي - المصدر السابق ص141.

(54) المصدر السابق المذكور بالهامش (52)

(55) د.عفيف بهنسي - وثائق ايبلا دمشق 1984ص147.

(56) د.عفيف بهنسي - المصدر السابق ص152

(57) د.عفيف بهنسي - المصدر السابق ص149

(إن الأمثلة على تطابق اللهجات الايبلاوية والكنعانية -الأوغارتية كثيرة جداً، وهذا يعني وحدتها ضمن منظومة اللغة العروبية التي تطورت إلى العربية الحديثة" ويمكن العودة إلى قاسم الشواف "العلاقة بين لغة رأس شمرا واللغة العربية "والكتاب الذي أصدره بالانكليزية عز الدين الياسمين "العلاقات اللغوية بين الأوغاريتية والعربية "عن جارشكتون كولدج 1952./هامش ص143في كتاب د.بهنسي المذكور أعلاه/

(58) د.البر فرينقاش - الآثار وكتابة التاريخ العربي القديم - مجلة الفكر العربي العدد 52.

(59) د.البر فريد نقاش - المصدر السابق ص16 هامش (4).

(60) د.عفيف بهنسي - وثائق ايبلا دمشق 1984 ص142.

(61) د.البر فريدنقاش - المصدر السابق.

(62) د.البر فريد نقاش - المصدر السابق.

(63) الشيخ نسيب وهيبة الخازن - من الساميين إلى العرب - دار مكتبة الحياة بيروت ص161-163.

(64) حروف المسند مأخوذة من "المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام للدكتور جواد علي الجزء الثامن- 1971الطبعة الثانية ص220.

(65) الأحرف الفينيقية ومعناها مأخوذة من كتاب من الساميين إلى العرب للشيخ نسيب وهيبة الخازن ص39.

(66) د.جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام - ط2 1971-الجزء الثامن ص202وما بعد .- (67)د.جواد علي - ط2 1971- الجزء الثامن ص212. دار العلم للملايين

(68) د.جواد علي - ط2 1971- الجزء الثامن ص213 دار العلم للملايين

(69) د. جواد علي - ط2 1971- الجزء الثامن ص213.

(70) سبق ووضحنا في الفصل السابق ارتباط التسمية بالتاريخ الجغرافي الأناسي لجنوب العربية وارتباطها بالجماعات العروبية المهاجرة (الجوالة) مع فجر التاريخ.

(71) أمين توفيق الطيي - العلاقات بين الجزيرة العربية والحبشة قبل الاسلام - جريدة الحياة العدد /11770/ تاريخ /14/5/1995.

(72) أمين توفيق الطيي - المصدر السابق

(73) أمين توفيق الطيي - المصدر السابق.

(74) د.جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام - المصدر السابق ج8 ص229

(75) زياد منى - عودة التاريخ المخطوف - مجلة الناقد- العدد 54 /أيار- مايو 1994.

(76) زياد منى - المصدر السابق.- ومن الجدير ذكره أن الدراسة المنوه عنها أعلاه صدرت عن دار رياض الريس في بيروت في كتاب مستقل بعنوان "التوراة أتت من جزيرة العرب".

(77) زياد منى - المصدر السابق .

(78) علي الشوك: جولة في أقاليم اللغة والاسطورة - دار المدى ط1994 ص43-44.

(79) علي الشوك - المصدر السابق ص43.

(80) علي الشوك - المصدر السابق ص42.

(81) د.محمد عجينة - موسوعة أساطير العرب - دار الفارابي ط1 1994 الجزء الأول ص275-177.

(82) د. محمد عجينة - المصدر السابق ص336.

(83) علي الشوك: جولة في أقاليم اللغة والاسطورة - دار المدى ط1994 ص9.

(84) علي الشوك - المصدر السابق ص11.

(85)علي الشوك - المصدر السابق ص61

(86) علي الشوك - المصدر السابق ص13.

(87) علي الشوك - المصدر السابق ص13.

(88) علي الشوك - المصدر السابق ص13.

(89) علي الشوك - المصدر السابق ص13.

(90) قاموس الآلهة والاساطير - في بلاد الرافدين والحضارة السومرية - تأليف د.اذزارو وم هـ بوب ورف. رولينغ - ترجمة أحمد وحيد خياطة - توزيع دار سومر -حلب ص183

(91) علي الشوك - المصدر السابق ص15

(92) علي الشوك - المصدر السابق ص19.

(93) علي الشوك - المصدر السابق ص22.

(94) علي الشوك - المصدر السابق ص22.

(95)علي الشوك - المصدر السابق ص28.

(96) د. محمد عجنية - موسوعة أساطير العرب الفارابي 1994- ج1-ص302

(97) علي الشوك - المصدر السابق ص 54.

(98) علي الشوك - المصدر السابق ص62.

(99) علي الشوك - المصدر السابق ص95.

(100) علي الشوك - المصدر السابق ص128.

(101) علي الشوك - المصدر السابق ص128.

(102) علي الشوك - المصدر السابق ص132.

(103) الأزرقي، أخبار ج1 ص177-187.- جولة في أساطير العرب (موسوعة) - محمد عجنية- فارابي ط1 1994 ص184

(104) علي الشوك - جولة في أقاليم اللغة والاسطورة، دار المدى ط1 1994 ص182-183

(105) علي الشوك - المصدر السابق ص185.

(106) علي الشوك - المصدر السابق ص186.

(107) علي الشوك - المصدر السابق ص187.

(108) علي الشوك - المصدر السابق ص191.

(109) علي الشوك - المصدر السابق ص195.

(110) علي الشوك - المصدر السابق ص202.

(111) علي الشوك - المصدر السابق ص204.

(112) سيد محمود القمني - التراث والاسطورة -دار سين، مصر، ط1993 /عدة مواقع/.

(113) علي الشوك - المصدر السابق ص208-209.

(114) علي الشوك - المصدر السابق، ص211.

(115) أحمد عثمان - هل كانت العربية الفصحى هي بالفعل لغة الكلام في قريش - جريدة الحياة العدد 11803/16 حزيران 1995.

(116) أحمد عثمان - المصدر السابق.

(117) علي الشوك - الوطن الأم للأقوام السامية - الكرمل 40-41/1991

(118) علي الشوك - المصدر السابق الذكر ص64.

(119) أحمد عثمان - المصدر السابق.

(120) أحمد عثمان - المصدر السابق.

(121) علي الشوك - الوطن الأم للأقوام السامية - الكرمل 40-41/1991

(122) علي الشوك - المصدر السابق.

(123) علي الشوك - المصدر السابق.

(124) علي الشوك - المصدر السابق.

(125) علي الشوك - المصدر السابق.

(126) علي الشوك - الوطن الأم للأقوام السامية - الكرمل 40-41/1991

(127) الرأي لـ يهو شع عزنتز في بحث نشره في "مجلة دراسات الشرق الأدنى" التي تصدرها جامعة شيكاغو عام 1962 تحت عنوان الوطن الأم للساميين.

وقد ورد بشكل أوسع في الفصل الخاص "الأناسة التاريخية المعرفية المسروقة من هذا الكتاب.

(128) علي الشوك - الوطن الأم للأقوام السامية - الكرمل 40-41/1991

(129) علي الشوك - المصدر السابق .

(130) علي الشوك - المصدر السابق.

(131) علي الشوك - المصدر السابق.

(132) علي الشوك - المصدر السابق

(133) علي الشوك - المصدر السابق

(134) علي الشوك - المصدر السابق.

(135) علي الشوك - المصدر السابق .

(136) علي الشوك - المصدر السابق

(137) علي فهمي خشيم - نحو دراسة علمية للتاريخ العربي القديم - الوحدة عدد 24-آذار 1988.

(138) علي الشوك - الوطن الأم للأقوام السامية - الكرمل 40-41/1991.

(139) علي الشوك - المصدر السابق

(140) علي الشوك - المصدر السابق

(141) لبيب عبد الساتر - الحضارات - دار المشرق- بيروت 1986 ص18

(141) عبد الحكيم الذنون - بدايات الحضارة -دار علاء الدين 1993 ص80.

(142) لبيب عبد الساتر - الحضارات - دار المشرق بيروت 1986 ص88.

(143) لبيب عبد الساتر - المصدر السابق ص90.

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244