|
|||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:02 AM | |||||||
|
الفصل الرابع الأناسة العربية اللغوية المقارنة والميتولوجيّة
اللغة منظمومة سيرورية تاريخية اجتماعية إشارية تصف النشاط التفاعلي بإحداثياته المتعددة البنائية (الذاكرة الجمعية، المخيال-السيكيولوجيا الجمعية.) للجماعة وللفرد هادفة للإرتقاء بالتواصل إلى السويّة الأرقى المأمولة. إن اللغة هي الجماعة البشرية (الكتلة الاجتماعية) المعينة في المكان المعين وعبر سيرورة زمنية (بمفهوم الزمن الاجتماعي) معينة.
سيرورية، لأنها ترتبط بالنشاط السيروري للجماعة، وبالتفاعل المتصاعد لعناصرها البنائية الداخلية. فهي بعلاقتها مع الواقع كفعل سيروري تعبر عن تصاعديته وتطوره وسماته في الآن المناقش ومن خلال علاقتها بالتأثّر والتأثير مع الفكر، ترتبط بتصاعده وأدواته وساحة فعله.
وهنا لا بد من التأكيد على سيروري لأن هذه الصفة هي التي تدفعنا إلى قراءة تاريخ اللغة العربية بمقارنة نشيطة وفعالة عبر أناسيتها التطورية في المراحل المغرقة في القدم، وانتقالها من الشفوية إلى الكتابية الصورية، فالرمزية، فالأبجدية، وكيف صبّت اللهجات العروبية المشرقية والمغاربية في تطوير النماذج الكتابية الأولى، وكيف صبّت لاحقاً في اللغة العربية التي نتحدث بها ونكتب بحثنا هذا، بحيث تشكل نموذجاً سيرورياً متواصلاً.
وتاريخية، لأنها نواتج نمط الاتصال وتفاعل الكتلة الاجتماعية الإنساني مع الوسط البيئي والطبيعي والاجتماعي عبر تاريخ تطور الجماعة أو الكتلة واسمةً لأسلوب التفكير، "وأسلوب مشترك بين أفراد الجماعة اللغوية، لجهة ترتيب المفاهيم والوقائع والأحداث والتعامل معها. تبعاً لقانون الفعل ورد الفعل أو التحدي والاستجابة والذي يتفاوت البشر أفراداً وجماعات في تمثله بحسب الموقع المكاني وشدّة المؤثرات والقدم التاريخي والثقافي للجماعة المعنية(1).
وإجتماعية، لأنها تصف المكونات البنائية للأناسة المعرفية الاجتماعية، وتحدّد طبيعة تلقي وتفاعل ومعالجة عناصرها للمكونات المعرفية الثقافية بأشكالها المتعددة. بحيث تصبح محدّدة لما يخلق الشعور بالإنتماء إلى جماعة أو أمّة ما. "نظراً لما تكون اللغة قد أنشأته في ضمير أعماق الفرد من إحساس بوحدة الرابطة العقلية والنفسية والوجدانية والتي تشد أفراد الجماعة إلى بعضهم بعض. عبر الاتصال الدائم الفردي والجمعي في وسط ونظام معين من العمل والأفكار، والعلاقات الاجتماعية والانتاجية، وعبر النظام اللغوي والدلالات المعبرة عن هذا الاتصال"(2) ومن خلال علاقة اللغة بالفكر وعلاقة هذا الآخير بالواقع، تصبح اللغة أحد عناصر التأسيس اللازمة والأهم في تحديد الهوية "ليصبح القول إنّ الأمة في تكوينها النفسي والوجداني والعقلاني هي نتاج اللغة والثقافة المشتركة التي تيسرها اللغة والتي هي عدا عن كونها وعاء العلم والأدب والفن هي نظام عقلاني منطقي يعمل على التدخل الدائم في البنية النفسية للفرد لحين دفعه للتواؤم مع الجماعة، وبالتالي على تعميق ارتباطه وتفاعله مع جماعته البيئية واللغوية"(3)
وإشارية لأنها تميز الإنسان بجهازها الإشاري الثاني، وتميز الكتلة الاجتماعية كبنية كلية وكأفراد، بربط تلك الجملة بالفكر، بحيث لا يتم صقل أدواته ومناهجه وساحة عمله إلاّ من خلال اللغة،" فاللغة ليست إلاّ واحدة من التجليات المتعددة للوظيفة الرمزية والتي تمّ إنتشارها من خلال تفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية، والاجتماعية، وبالتالي، فإن هذه الوظيفة ما هي إلاّ حصيلة للقدرة المعرفية المرتفعة التي تمكن الفكر من أن يصبح فكراً"(4) بما يعنيه ذلك من ضرورة الاعتراف بوجود مميزات خاصة للفكر العربي، تجعله مميزاً عن مناهج التفكير غير العربية فتتعدى المفهوم المحدد للغة بتعبير اللسانيات وما تطرحه من وظائف للغة (الاتصالية، النزوعية، الإحالية، الشعرية، الفوقية...)(5) لتصبح اللغة تكويناً بنائياً مركباً ومعقداً، ويمثل المنظومة الثقافية الشاملة للجماعة وما تعنيه من معاني معرفية وأناسية وتاريخية جغرافية، وعادات وغيرها فتصف الكلّ الحضاريّ الذي يتجاوز مفهوم البنية الثقافية الخاص- كإنتاج فكري وإبداع أدبي وفني- "لتشمل القيم والعادات وقواعد السلوك والأحاسيس التي تصوغ الوجدان المشترك وتفضي بالتالي إلى الرغبة في العيش الدائم مع الجماعة المحددة.
هذا التكوين للغة يمنعها من الدخول في البناء الفوقي للمجتمع الذي يشمل الفلسفة والدين والأخلاق ولكنه لا يدخلها في البناء التحتي للمجتمع بقواعده المادية والاقتصادية"(6).
فهي بتحديدها لمناهج وخصائص وأدوات الفكر، وعلاقة هذا الأخير بالواقع لا تنزاح باتجاه تحديد علاقة مع البنى الفوقية أو تنزاح للاندماج في التشكيلة النمطية الاقتصادية. رغم أنها تشكل نتاج تطور تاريخي لمئات وألاف السنين، بل تشكل منظومة حوامل لبنى وأجهزة عديدة منها ما ينتمي للبنى الفوقية، ومنها ما ينتمي للتحتية، خصوصاً ما يتعلق منها بالتراكم، أي أن البنية الحضارية الآن قد لا تترك تفاعلاتها على مستوى اللغة في الآني منها، بل في القادم وهذا ما يعنينا في القول إن اللغة سيرورة تاريخية.
وهذا هو المفتاح الهام لشكف المراحل التطورية التي مرت بها اللغة العربية حتى وصولها لما هي عليه الآن / وأقصد حتى وصولها إلى اللغة التي نزل بها القرآن الكريم/ وبالتالي لم تكن، اللهجات العروبية (الأكادية، الكنعانية، الآرامية، المصرية، الأمازيغية..) مجرد لهجات تكلمت بها الجماعات البشرية، فقط، بل هي مراحل تطورية أيضاً مرت بها اللغة العربية الأم، عبر سيرورتها التاريخية، بحيث تبدو تلك اللهجات التطورية تنويعات سيرورية لمحورٍ واحد، هو اللغة العربية، وما زالت تحتفظ حتى الآن بكلمات ومفردات حيّة اكتشفت مسجلة على ألواح طينية ونقوش قبل أكثر من خمسة آلاف عام. وتبلغ هذه الكلمات الحية حتى الآن المئات في الأكدية والكنعانية والمصرية والآرامية "إضافة إلى أن المعاجم العربية القديمة أصبحت الآن أداة مثلى لفك رموز اللهجات العروبية القديمة، وهي وظيفة جليلة لم تخطر ببال مؤلفي وجامعي المعاجم العربية. المفارقة هي أن عدم معرفة اللغويين العرب القدماء بالعلاقات بين العربية ولهجاتها المعبرة عن مراحل تطورية (مثال الآرامية والكنعانية والأكدية) ماتزال شائعة حتى اليوم. وما زال هناك من يأخذ حرفياً بقراءات علماء الآثار الغربيين للخطوط والنقوش العربية القديمة بالمسمارية والكنعانية والهيروغليفية والخط المسند، من دون أن يكلف نفسه عناء العودة إلى الأصل وتصحيح القراءات المغلوطة حتى لو هجرها أصحابها. فمثلاً يقول لغوي عربي قديم إن "القانون رومي معرب معناه الأصل والقاعدة. وأصل معناه المسطرة، ثم سُمي به آلة من آلات الطرب على التشبيه كأنه مسطرات تحرير النغم. "ويعكس هذا القول عدم معرفة اللغويين العرب القدماء بحقيقة العلاقات اللغوية بين لهجات متعددة للغة واحدة/ هي العربية/ صحيح أن لفظة (قانون) مشتقة في اليونانية من لفظة (
Kanna) أي قنا" ومعناها الحرفي قصبة للقياس ومنها جاء اشتقاق (Kanon) بمعنى المقياس أو القاعدة، إلاّ أن الأصل (Kanna) مأخوذة عن الأكدية العربية كما جاء في معجم عالم الآشوريات فون سودن.(7) والأكدية لهجة عربية قديمة كتبت بالخط المسماري وأشهر نصوصها "أخذة كش" المكتوبة قبل خمسة آلاف عام، ولا يزال العربي المعاصر قادراً على فهم العديد من كلماتها وتراكيبها بمساعدة المعاجم التراثية بعد نقل الحرف المسماري إلى الحرف العربي."
وهذه قضية ذات جوانب متعددة، منها ما يتعلق بهوية الأقوام العربية التي طُمست ووضعت لها أسماء قبلية أو جغرافية أو مما حفظته اللغات الغربية والترجمات الردئية" (8) والاستشراق الايديولوجي الزائف، ومنها مايتعلق بالتطور الحضاري في الوطن العربي الذي لم يجد حتى الآن من يجمعه في نسقه الطبيعي الواحد. وهو ما دفعنا باتجاه تكثيف جهودنا لوضع هذا البحث على طاولة الجدية باستخدام أدوات الأناسة المعرفية في قراءة التاريخ الجغرافي، والجغرافيا التاريخية، والتطور الأناسي العروبي المعرفي، وصولاً إلى تاريخنا الحقيقي في مساره الواحد وذي النسق الطبيعي الحقيقي الواحد."
ومن الأسباب الأخرى ما يتعلق بمسار تاريخ المنطقة الذي تعرض للتشظية وللتقطع على يد دراسات قاصرة. ولكن ثمة جانبٌ أثارته في ذهننا ملحوظة اللغوي العربي المشار إليه آنفاً، ألا وهو جانب العلاقة بين اليونانية والعربية. وهي علاقة لا تبدأ في التاريخ المدرسي عادةً إلاّ مع العصر العباسي، مع أنها أبعد من ذلك العصر بعشرات القرون. فمن المعروف وفق الكلاسيكيات اليونانية أن أشهر كتاب اليونان في المسرح والتاريخ والفلسفة ذكروا بشكل متواتر وملفت للنظر أن الكنعانيين والمصريين القدماء وفدوا إلى اليونان وعلموا أهلها الحروف الأبجدية وفنون المعمار والتجارة، ووضعوا التشريعات، وأن اليونانيين في المراحل المتأخرة كانوا يرحلون إلى بلاد كنعان ومصر ليتعلموا الهندسة والطب والرياضيات والدين.وظلت هذه الذكريات قائمة كمسلمات حتى القرن التاسع عشر أي حتى ظهور الغرب الاستعماري، وبروز نظريات العروق المتفوقة، وبحث الغربيين عن أسباب تبرر تدني الأعراق الأخرى وتفوق الهندو- أوروبي. وفي هذا السياق ولدت نظرية الحضارة اليونانية الهندو- أوروبية التي لا صلة لها بالشرق المتخلف. وبدأ طمس كل ما تدين به اليونان للعرب (كنعانيين كانوا أم مصريين أم ليبيين أم غيرهم) والتقليل من شأن شهادة اليونان الكلاسيكية نفسها. ولكن هذا النموذج الذي تطلق عليه تسمية (الآري) نسبة إلى القائلين بأن العنصر "الآري" هو صانع الحضارة اليونانية وكل حضارة على وجه الأرض!!!، بدأ يفقد مكانته أمام حقائق علم الآثار واللغات والفروع المعرفية الأخرى. فتهاوت النظرية العنصرية وتراجعت حركة الاستعمار، ولم يعد أحد يأخذ مأخذاً جاداً خرافات القرن التاسع عشر ونزعاته. وبقي علينا كعرب أن نخرج على خرافات هذا الغرب الذي أنكر علينا حتى هوية حضارتنا القديمة، وأطلق عليها تسمية "الحضارات السامية" التي لا تحمل مغزى من جغرافية أو تاريخ أو لغة، وأنكر على لغتنا العربية عراقتها المذهلة، ولم يعترف بعروبة النصوص الكنعانية ولا الأكادية والآشورية ولا الآرامية... ولا حتى اليمانية(9)".
لذلك كان من المفروض بذل الجهود اللازمة لإعادة التاريخ إلى نسقه وحقيقته وإذا كان لزاماً علينا نحن العرب إعادة قراءة تاريخنا ولغتنا... بمقاربة معرفية تعيد له إحداثياته الطبيعية وموقعه اللازم في بنائنا الأناسي، خصوصاً أن هناك أصواتاً في الغرب نفسه بدأت بمعاينة هذا التاريخ بشكل حيادي ولن يكون بييرروسي الوحيد في هذا حيث يقول: "لقد حان الوقت لكي ندرك، أنه إذا كان غربنا محبوباً، غنياً جميلاً ومنظماً كذلك، فإنما يعود فضل ذلك كله إلى تلكم الإمبراطوريات العربية الكبرى التي خلقت وأوجدت مثل هذه السعادة. وما أشبهنا بزهرة خشخاش عمر الخيام التي كانت تمتح أرجوانها من دم امبراطورٍ دفين"(10).
فالأمر سيكون بسيطاً جداً فيما لو أننا تكلمنا بدلاً عن الساميين، الأبطال المختلقين من أصل خيالي.. لو أننا تكلمنا عن العرب، ذلكم الشعب الحقيقي والذي يمتلك وجوداً اجتماعياً مستمراً، وجوداً ثقافياً ولغوياً يعطي حياةً وتوازناً لهذا البحر المتوسط منذ عدة آلاف من السنين"(11).
"
وفي علاقة اليونانية بالعربية نجد لدينا أحدث دراسة صدرت بالانكليزية في السنوات الأخيرة للباحث مارتن برنال، وهي من ثلاثة أجزاء تحمل عنوان "أثينا السوداء"(12) وأهم ما توصلت إليه هذه الدراسة:*-
أولاً: إن ما يقارب من 70 في المئة من ألفاظ اليونانية عربية الأصل، مقسمة بنسبة 50في المئة عربية كنعانية و20في المئة عربية مصرية وأما ما تبقى منها (30في المئة) فهو هندو- أوروبي" وأهم ما في هذا أن الألفاظ العربية في اليونانية هي مفرادات الحضارة، أي المفردات السياسية والتجارية والزراعية والدينية، إضافة إلى مفردات المفاهيم المجردة الضرورية لنشأة الفلسفة والعلوم الرياضية. أما المفردات ذات الجذور الهندو- أوربية فتتعلق بمجالات أخرى مثل الضمائر وحروف الوصف، ومعظم الأسماء والأفعال المتعلقة بالحياة العائلية. وهذا في رأي برنال أمرٌ مألوف حين تعطي لغة المسيطرين مفردات ثقافتها الأعلى إلى الأهالي الذين يحتفظون بالقواعد اللغوية والمعجمية للغتهم. واللافت للنظر أن مفردات مثل العربة والسيف والقوس والموكب والدرع والمعركة في اليونانية ليست هندو -أوروبية، بل عربية الأصول. ويتتبع برنال جذور العديد من الألفاظ في المجالات الدينية والجغرافية والسياسية والفلسفية والحربية إلى أصولها العربية.ثانياً: "إن المكتشفات الأثرية الحديثة في الأرض اليونانية وفي كريت، وفي الدلتا المصرية ومناطق سورية الطبيعية تشير إلى إقامة العرب في اليونان منذ عصور موغلة في القدم. كما أن الدراسات المقارنة للأساطير والمعتقدات تؤكد أن شخصيات الأساطير والعقائد الدينية اليونانية مجلوبة من أرض كنعان ومصر بما في ذلك أثينا الشهيرة.(13)
فلو لم يتأدب الإغريق في ظل الثقافة العربية، لما وجدوا أرسطو بالتأكيد(14)
لأننا وعندما نؤكد من خلال نظرة شاملة أن الشرق يتعين من خلال ثقافة عربية في مساحة عربية، فإننا لا نخترع شيئاً، إننا لا نفعل شيئاً جديداً سوى جمع وإحكام العناصر الجغرافية والثقافية الموطدة الواحد إلى الآخر(15)
"
وبالحري ان اللغة العربية قد أعطت دون انقطاع منذ أصولها النيوليثيكية والرافدية، حتى يومنا هذا، وفي جميع أشكالها وصورها، دون استثناء أعطت تديناً صاغ منه مجتمعنا جميع التأملات والفلسفات والجماليات والعلوم الخفية أو العامة، فلقد كان كاهن بعل يتكلم العربية، وبها يتعبد التقي المؤمن بإيزيس أو موسى المصري، وبالعربية يتكلم من ثم عيسى المسيح عندما يتحادث مع قيافا أو مع شعب فلسطين -ولعلها بديهةً أن نسجل هنا أن محمداً قد بشرّ بالعربية وبها نشر رسالته (16)، "فاللغة" الآرامية تطورت إلى اللغة العربية التي وجدت نفسها الوارث الطبيعي للماضي العروبي المصري والكنعاني والبابلي، وهذا هو المعيار الدقيق للثقافة العربية(17).فإذا كنا عازمين على ألا نستعير شيئاً من أحلامنا، فيجب علينا عندئذ أن نعرّف العروبة كثقافة الشرق الوحيدة(18) لأن "شعوب" منطقة الشرق العربي المصرية والكنعانية والسورية والبابلية والأناضولية تنتمي للأسرة العربية نفسها(19).
لذلك كان من الضروري اعتماد أدوات القراءة المعرفية المقارنة بمظاهرها الأناسية على كافة المكونات البنائية للتاريخ الأناسي وللبناء الميثولوجي والمنظومة اللغوية خصوصاً ما يعتمد فيها على القراءة الحيادية المقارنة" فإذا كانت عشتار وبدءاً من الألف الثالثة قبل الميلاد محترمة ومقدسة في طيبة وبابل وكركميش وأوسوس من قبل أن يعرفها الإغريق تحت اسم أفروديت وقبل أن يعطيها الرومان صفات فينوس(20)" نلاحظ دون أن ندخل في التفاصيل إلى أي حد كان تاريخا مصر ومابين النهرين متطابقين، وإلى أي درجة تكون طيبة وبابل قطبي عالم ملتحم (21) واحد. والتاريخ الأناسي والمثيولوجيا المقارنة يؤكدان حقيقتين: أولاهما وحدة الثقافة العربية الممتدة على المساحة الجغرافية التاريخية التي تحدثنا عنها في الفصل السابق وثانيتهما أسبقيتها وتأثيرها على كل التطورات الحضارية العالمية التالية. وربما كان ذكر بعض المفردات اليونانية ذات الجذور العربية الواضحة مفيداً لتقدير المنهج اللغوي المقارن- الذي اتبعه مارتن برنال في كتابه المذكور أعلاه. من ذلك كلمة "قدس" "
Qds"العربية ومعناها المقدس ولها ما يقابلها في اليونانية لفظاً ومعنى "Kudos” وتستخدم مع جملة كلمات أخرى بالدلالة نفسها وهل نذكر بالمفردة السابقة "قنا" أما كلمة "قسّم" العربية فهي جذر اليونانية “Kosm” وبالمعنى نفسه وجذر ما اشتق منها في اللغات الأوروبية المعاصرة مثل "كوزمورس" و"كوزمتك" ونجد في اليونانية اللفظتين العربيتين : سمة وسيماء وبدلالاتهما العربية نفسها ( SEM) و ( SEMA) وأيضاً ذاك ودال العربيتان فهما في اليونانية (Deil) بمعنى خضع وللفظة "سامي" العربية وجود واضح في اليونانية بأشكال متعددة ولها بالمعنى نفسه أي المرتفع والمنيف والعالي، فهناك "من موس"و "ساموثراس"... إلخ.وإذا إلتفتنا إلى الأبجدية اليونانية القديمة بخاصة، فسنلاحظ أنها كانت تكتب من اليمين إلى اليسار أولاً، وأن عدداً كبيراً من حروفها يكاد يكون منقولاً نقلاً حرفياً عن الأبجدية الكنعانية والخط المسند اليماني وبالقيم الصوتية نفسها إلاّ ما اقتضاه تحول (العين) إلى (واو) في اليونانية أو(الهاء) إلى (خاء) مثلاً(22).
نستنتج من ذلك أن اللغة كفعل سيرورة، منظومة تطورية وأن ما نقرأه من لغات بُنيّات للغة العربية كالمصرية والكنعانية والأكدية والآرامية والمسندية وغيرها ليست إلاّ لهجات تطورية، أي مراحل تطورية زمنية مرت بها اللغة العربية قبل وصولها إلى ما هي عليه الآن، والأمثلة المطروحة عن تأثير اللغة العربية باليونانية (وسنأتي على أمثلة لاحقة، وعلى التأثير العروبي الميثولوجي والديني واللغوي في حينه) ليس إلاّ برهاناً على أن اللغة العربية لم تكن مجرد النص اللغوي القريشي الذي عُمم مع الرسالة المحمدية العظيمة، بل كان ذا استنادٍ تاريخي عميق وعريق يمتد إلى ما قبل الحضارات الجليلة، وما أسميته الصعود العربي الثاني. وهذا ما حدا ببعض الباحثين إلى البحث والتنقيب قبل وجود المكتشفات الأثرية الحالية، ليس فقط عن الجذور العروبية للهجة المصرية أو الأمازيغية وغيرها- بل لبعض اللغات الإفريقية أيضاً. فأحمد كمال مثلاً يرى أن اللغة المصرية ليست الوحيدة ذات الأصل العربي، بل والإفريقية أيضاً ذات أصل عربي(23) وهو يرى أن اللهجة المصرية ما هي إلاّ لغة قبائل الأعناء التي سكنت مصر وما جاورها من الأقاليم، وهي أصل اللغة العربية بلا مراء" وفي مقالة له بعنوان "بحث لغوي" نشرها في مجلة المقتطف يقول: "ظهر من نقوش قديمة محفورة على جدران معبد الدير البحري في طيبة الغربية وإزاء الأقصر من الغرب أن المصريين القدماء أرادوا تخليد ذكر أهلهم، فأثبتوه بالحفر على آثارهم قائلين إن أجدادهم يُدعون (الأعناء) جمع عنو أي أنهم من قبائل شتى اجتمعوا في وادي النيل وأقاموا مدناً كثيرة" (24) و أرجع أحمد كمال كل كلمات "اللغة" المصرية القديمة إلى اللغة العربية، وقال "المصري" والعربي يرجعان إلى أصل واحد ولغة واحدة (25) وقد أشار إلى ذلك جبرضومط في كتابه "اللغة العربية" فقال: "لقد أظهر لنا أحمد كمال الاتحاد بين اللغة العربية /الحديثة/ واللغة المصرية القديمة، وألف قاموساً كبيراً أورد فيه ألوفاً من الكلمات الهيروغليفية الموافقة للغة العربية المعاصرة، إما موافقة تامة أو موافقة بضرب من التحريف أو القلب والإبدال المعهود مثله في اللغتين، وقال: إن أحمد كمال يرى أن العربية أصل اللغة المصرية القديمة المدوّنة بالقلم الهيروغليفي ومن لوازم هذا أن أصحاب المدينة كانوا من العرب(26)
والمعروف أن أحمد كمال (27) (1849-1923) أول عربي تعشق تاريخ مصر الفرعونية وجعل حياته وقفاً عليه، ومضى يبحث فيه بهمةٍ منقطعة النظير خصوصاً أنه كان يجيد معرفة اللغات: العربية والفرنسية والهيروغليفية والانكليزية والالمانية والتركية... وقد صنف معجماً فريداً يقع في (22) مجلداً قضى في تأليفه قرابة ربع قرن وما زال محظوظاً لدى نجله محرم كمال (28) وجملة رأيه فيه:
"
إن أغلب اللغة التي استخدمها قدماء المصريين عربية الأصل لفظاً ومعنىً، فضلاً عن أنها شبيهة بالعربية المعهودة الآن التي نتكلمها اليوم، وإن لغة المصريين القدماء هي ولغة جزيرة العرب تتشاكلان وتتداخلان، ولا تختلف إحداهما عن الأخرى إلاّ بالإمارات وبعض المترادفات، فهما لهجتان في لغةٍ واحدةٍ(29).اللغة العربية هي إذن القاسم الأناسي المعرفي المشترك الذي يتشعب بخيوطه وخطوطه وحوامله التي تستند عليها الذاكرة الجمعية العروبية باعتبارها التكوين المعرفي للتاريخ الجماعي الكتلي المعيش، من حيث قدرة اللغة على الاحتفاظ بالبنية المعرفية للكائن (جماعة أو فرداً) ونقلها إلى السوية التالية. ويستند على تلك الحوامل أيضاً المخيال الاجتماعي، من حيث قدرتها على حمل البنية الثقافية بمكوّناتها المتعددة وتداخلها في أرومة المنظومة الثقافية بشبكاتها العديدة.
أما من حيث ارتباطها بالفكر والواقع فهي تلعب دوراً مهماً في صياغة البنية السيكيولوجية الجمعية، ليس من حيث علاقتها المذكورة أعلاه بالمخيال والذاكرة الجمعيين فقط، بل، من خلال دورها الاجتماعي والتوحيدي تربوياً بما يحقق عملية التفاعل النشيط والاتصال العقلاني بين أفراد الجماعة باتجاه تأطير السلوكية الجمعية وتعميق الاتصال والشعور الوجداني والفكري، بما يعنيه ذلك من تداخل عناصر التأصيل التراثية مع الآن المعرفي المعيش والطموح البعدي بما يحقق أفضل الأدوات للتعامل مع الواقع المحيط (بيئياً واجتماعياً) بما يعنيه ذلك من قدرة خاصة للغة على التطور واستنباط المفردات بما يحقق المقاربة والمعالجة العقلانية للعالم المحيط.
لذلك، لم يكن التقاطع المحوري في اللهجات التطورية العروبية والتي صبت في اللغة العربية المعاصرة، مسألة قوننة واشتراطٍ اجتماعي محدد ببنى فوقية، بل كان الناتج الطبيعي لاستناد تلك اللهجات على عمود فقري واحد، لا بالمعنى اللساني فقط، بل بكل المعاني الأناسية المعرفية التي نحاول مناقشتها في مشروعنا هذا.وبالتالي فإن القرابة بين اللهجات العروبية في تطورها، هي أحد المعاني الأساسية للوحدة الأناسية المعرفية (وبالتالي الثقافية) للأمة العربية فكلها تشترك بالإضافة إلى معجم المفردات والمعاني المشترك بنسبة كبيرة بما يلي:
أولاً: إن أصول كلماتها ثلاثية.
ثانياً: طريقة اشتقاق صيغ جديدة للكلمة الواحدة تتم فيها بواسطة تغيير الصوت الصائت في أصل الكلمات الدالة على الفعل، حيث يتألف أصل الكلمات الدالة على الفعل فيها من أصوات صامتة.
ثالثاً: تشابه الضمائر المتصلة.
رابعاً: الفعل المتعدي يكون بتشديد عين الفعل.
خامساً: وجود الحروف الحلقية كالهمزة والعين وغيرها، وذلك حسب مرحلة تطور اللهجة في سياق التطور العام للغة العربية.
سادساً: التشابه في تسميات أعضاء البدن (الجسم)
سابعاً: التطابق في تسميات الدولة الحضارية والثقافية الميثولوجية وغيرها، حسب سياقها التاريخي. ولقد أضاف الدكتور عبد العزيز صالح جديداً في تأكيد قرابة اللغة المصرية القديمة واللغة العربية، فكشف الغطاء عن عدد كبير من الألفاظ المصرية لا تزال حية في صميم اللغة العربية الفصحى، وكذلك العلاقة الوثيقة من حيث تركيب اللغة كوجود العين بين حروفها والمصدر الثلاثي بين أفعالها والفعل المعتل الآخر ووجود الفعل قبل الفاعل وارتباط الصفة بالموصوف واستعمال تاء التأنيث وياء النسبة واستخدام كاف المخاطب وميم المكان ونون الجمع(30).
وكان العالم اللغوي والمؤرخ العروبي أحمد زكي الملقب "شيخ العروبة" (1866-1934) قد نشر في المقطم-13 اكتوبر 1929 بحثاً تحت عنوان "الفراعنة عرب عرباء" قال فيه بأن الفراعنة عرب وفدوا من شمال الحجاز ونجد وبادية الشام، ومن اليمن... وأيده في ذلك نقولا حداد معتمداً على المؤرخ الانكليزي "روبنسون" الذي يرى أن العرب دخلوا مصر ثلاث مرات:
الأولى: -قديماً- قبل الألف الثالث قبل الميلاد.
الثانية: هجرات العمالقة.
الثالثة: بعد الفتح العربي الاسلامي(31)
لذلك تتأكد السمة الاجتماعية الوحدوية للغة، فالعناصر الأربعة عشر المشتركة بين اللهجات العروبية تكشف عن أن منظومة الارتباط بين اللغة والمجتمع كانت مشتركة. بمعنى آخر، كان المجتمع ذا بنية أناسية معرفية واحدة بتركيبها الداخلي والخارجي وبالتالي كانت اللهجات في سيرورتها التطورية ذات قياسات احداثياتيه مشتركة، مما عنى في جوانب عديدة قدرة اللهجات العروبية على التطور والتعامل المبدع الفعال مع كل عناصر العالمين الداخلي والخارجي للغة. فنمط الانتاج، وآلياته، ومظاهر البنى المجتمعية متطورة متصاعدة، وبالتالي تتطور سوية الخبرات والمعارف ومظاهر العلاقات الاجتماعية والآداب ونماذج الإبداع الإنساني- القومي، تماماً كما تتطور المفرادات الدالة على تلك الحيثيات الواقعية التي تشير في منظوماتها الدلالية إلى جملة من المعطيات الحضارية والاجتماعية والثقافية والنفسية، وكامل البناء الأناسي المعرفي ببنيته التطورية، والتي تؤدي بمجملها إلى تطور لغوي، فتموت ألفاظ وتحيا أو تُبعث أخرى، وتظهر كمفردات لغوية جديدة... دلالة واشتقاقاً. فالأسباب الحضارية وبسبب الاتصال الثقافي والعلمي بالآخرين، أو بسبب التطور الذاتي للمجتمع مادياً وعلمياً وفكرياً، تفضي إلى استحداث مفردات جديدة تتناول المتغيرات الحاصلة في أساليب العمل وأدوات الانتاج والعلاقات الانتاجية، مثلما تتناول المفاهيم الفكرية والعلمية والتقنية" (32) أما الأسباب النفسية فترتبط بطبيعة التغيرات الحاصلة في أنساق البنى الفوقية من أخلاقية وجمالية وحقوقية وغيرها.
أما الأسباب الداخلية فهي المتعلقة بقوانين التطور الدلالي اللغوي، والتي يمكن إجمالها في تقسيم منطقي يتحدد في التخصيص، والتعميم، وانتقال الدلالة.
فالتخصيص يقصر المعنى العام على بعض الاستعمالات كالحج وهو القصد، وخصص لمعنى الفريضة الدينية والكفر، ومعناه الستر وخصصّ بانكار الدين.
أما التعميم فيكون بتوسع المعنى ونقله من الخاص إلى العام كالوِرد وأصله اتيان الماء فجرى استعماله لاتيان كل شيء.
وكذلك المجاورة والمشابهة التي تسبب انتقالاً من دلالة إلى أخرى وبطرق أبرزها الاستعارة والمجاز المرسل، والذي يكون عبر مجالين، أولاً من الحسي إلى الذهني المجرد، وثانياً عبر المحسوسات المختلفة عن طريق التعميم أو التخصيص والانتقال من مجال إلى آخر.
وفي هذا المجال نلاحظ أن التطور الدلالي من الحسي إلى الذهني، لا يلغي الأصل الحسي بل قد تتعايش المعاني الحسية والذهنية ويبقى للإستعمال فضل إشاعة أحدهما على حساب الآخر في زمن معين(33).
مؤدى هذا أن اللغة وعاء اجتماعي وحضاري، يستوعب الحراك الاجتماعي بكافة مستوياته ودلالاته وتضميناته القومية والطبقية، والفكرية والعلمية، المتقدمة والمتخلفة وأهدافه السوية والمرضية وفق قانون معياري يمكن رصده. وإن كان يعمل بآلية عفوية، مرةً كنتيجة لوجود المطاليب المادية المباشرة، ومرةً كنتيجة لطلب التوافق بين الفرد وبيئته الطبيعية والاجتماعية ولكن في إطار الثقافة السائدة، وخاصة في المعاني المجردة المعبرة عن العالم الذهني للإنسان ومستوى تطورها الدلالي عن الحالات الشعورية، النفسية والوجدانية(34)
واللغة العربية قد أثبتت التصاقها مفردات ومعاني بالبيئة الاجتماعية والحضارية العربية ذات السمات الإنسانية والقيمة الوجدانية، المعبرة عن الانسجامية بين الذات والحياة في عالم مادي طبيعي مفتوح على الصحراء والسماء(35)، عبر أنواع الدلالات اللغوية الثلاث -الحقيقية والمجازية والثقافية- وهي التي تظهر جلية في لغة العلم، ولغة الأدب سواء في الشعر أم في النثر. وهو الأمر الذي كانت به اللغة العربية وفي كل مراحلها تحمل وجهاً فكرياً ووجهاً عاطفياً للإنسان العربي متمثلاً بالفصاحة والبلاغة والغنائية والتي لا تعني التعبير فحسب بل تعني التعبير المحكم الدقيق والشاعري أيضاً.(36).
وذلك لم يعن اللغة العربية (بصيغتها المعاصرة) فقط بل يعني لهجاتها ومراحل تطورها بما تعنيه من استمرارية للسيرورة التاريخية للغة العربية عبر مراحل نموها من الشفوية إلى الكتابية (المسمارية والهيروغليفية ثم الالفبائية)/ وبنمطيها الكتابة المقطعية والكلماتية.
ورغم أن الجسد الشاقولي والأفقي للغة العربية هو واحد متكامل متماسك، إلاّ أننا درجنا على استعمال التقسيمات الحضارية الجغرافية لعاملين:
الأول: تناولنا للفكر الاستشراقي المؤدلج كحقيقة مطلقة بالوقت الذي كان يسعى فيه هذا الفكر لتقسيم انتماءاتنا الجغرافية واللغوية والتاريخية والحضارية إلى جذور ومناحٍٍ مختلفة بل ومتناقضة أحياناً.
الثاني: أن المكتشفات الأثرية والدراسات الأناسية المعرفية بفروعها المتعددة لهذه المكتشفات تمت بمراحل زمنية متباعدة نسبياً.
والعاملان مترابطان مع جملة ظروف ذاتية وموضوعية ليست في مقام بحثنا الآن.
وأقصد بالجسد الشاقولي للغة، تطورها في السياق التاريخي، أما بالجسد الأفقي فأقصد به الرقعة الجغرافية التي انتشرت فيها اللغة المقصودة وبنت عمارتها الشاقولية، أي السياق الجغرافي (الديموجغرافي) ونظراً لواقع اللغة العربية وتاريخيتها الجغرافية، وجغرافيتها التاريخية المميزتين فإنّ التسمية هنا تتداخل، بحيث نرمز للبعد الشاقولي أحياناً بتسمية ذات جذور جغرافية مكانية أو ديموغرافية خالصة خصوصاً أن اللهجات المصنفة حسب جذرها الجغرافي أو الديموغرافي متداخلة ومتقاطعة لدرجة لا يمكن تمييز لهجة عروبية عن أخرى. كما أن الكثير من المظاهر الحضارية التي أطلقت عليها تسميات جغرافية أو ديموغرافية تبنت لهجات عروبية لحضارات عروبية أخرى، بحيث يستحيل التمييز بين بنية أناسية معرفية (ضمناً لغوية) لواحدة عن أخرى: أما ما يخص التراتبية الأفقية فيمكن تمييز المجموعات التالية للهجات العروبية:
1-
المجموعة الجزيرية: وفروعها، العربية الجنوبية والحميرية.2-
المجموعة السورية: وفروعها الايبلاوية والكنعانية والفينيقية والبونية (القرطاجوية)3-
المجموعة الثالثة: وفروعها الفرعونية القديمة والقبطية.4-
المجموعة الرابعة: وفروعها العروبية الماقبل سومرية، السومرية، الأكادية بفرعيها البابلي والأشوري.5-
المجموعة الآرامية: وفروعها السريانية والآرامية الغربية (السورية الرافدية).6-
المجموعة الليبية: وفروعها الليبية والقديمة والبربرية.7-
المجموعة الشمال إفريقية: وفروعها الأمازيغية والليبية القديمة والكنعانية والبربرية.8-
المجموعة الحبشية: وفروعها الأمهرية والجمزية.9-
المجموعة الكوشية: وفروعها الجالا والصومالية والبجا.وإذ درسنا حركة الكنعانيين بشكل مفصل في الفصل الأول وأثبتنا حراك جولاتهم من المنطقة الجنوبية اليمانية لشبه الجزيرة العربية باتجاه الساحل الشامي فالساحل العربي الإفريقي، كنموذج بين لما يمكن أن يكون عليه هذا التقسيم، نكشف كم هو اشتراطي هذا التقسيم فهو لا يعني إطلاقاً أي امتداد جغرافي محدد، فقط يكون ذا جذور ديموغرافية لكنعانيين مثلاً. أو ذاتسمية مكانية جغرافية كالايبلاوية والأشورية أو البابلية.
لذلك، يمكن وضع التصنيف العمودي (الشاقولي) عبر التسلسل التاريخ الممكن بما يعنيه ذلك أيضاً، من اشتراط محدد. فعندما نقول المجموعة الكنعانية (الفينيقية مثلاً) فمن المعروف أن الكنعانيين تواجدوا قبل الألف الرابع قبل الميلاد في الجنوب اليماني من شبه الجزيرة العربية وقبل الألف الثالث في منطقة الخليج العربية وفي الألف الثاني والثالث في بلاد الشام والساحل السوري، ومع نهاية الألف الثاني وبداية الألف الأول امتدوا على الساحل الافريقي العربي (بل والأوروبي كاملاً) مما يعني أن القراءة التأريخية لن تعطي نتائج أفضل. من هنا كانت مقاربتنا للمنظومة الأناسية المعرفية من جهة التاريخية الأناسية اللغوية المعرفية تعني بنية الزمن الأناسي المعرفي.
وعن الحركية التاريخية الجغرافية تحدثنا باسهاب عن بدايات الإنسان العاقل الحديث في المشرق العربي وقبل ظهوره في مناطق أخرى بما يزيد عن 60.000 عام أعقبه وجود إنساني أكثر تحضراً مع نهاية الألف العاشر حيث انتشرت الحضارة النطوفية والسبيلية والصفاقصية على امتداد الوطن العربي وصولاً إلى العصر الحجري الحديث مع نهاية الألف الخامس قبل الميلاد حيث تم اكتشاف تل حلف في سورية وتل العبيد في جنوب العراق. وفي تل جمدة نصر تم الكشف عن ظهور أول كتابة وذلك عام 1928 وتعود إلى نهاية الألف الرابع قبل الميلاد بـ3200 سنة وهي أقدم بداية للتاريخ. وتداخلت في جنوب الرافدين الحضارة السومرية ومركزها أور مع حضارة عروبية قديمة أيضاً وحلت محلها، ثم تداخلت السومرية مع حضارة عروبية أخرى هي الأكادية وظهرت إلى شمالها حضارة آشورية أولى مركزها نينوى ثم ظهرت في بلاد الشام حضارة عمورية مركزها ماري هي امتداد للأكادية باتجاه البحر، ثم انكفأت هذه الحضارة لتظهر في بابل الأولى، ثم ظهرت حضارات بداية الألف الثالث قبل الميلاد وحتى الثلث الأول من الألف الثاني ظهرت حضارة الوصل الهامة بين تشعبات تلك الحضارات ألا وهي حضارة إيبلا (عبلة) وفي بلاد النيل ظهرت حضارة موازية لحضارة الرافدين بدأت معها بنفس الزمن التأريخي وتطورت ضمن حدود أسرات فرعونية تعاقبت بعد أن وحدت وجهي وادي النيل، يوازيهما امتداد متوازن ومتزامن على سواحل شبه الجزيرة العربية وسواحل الصومال والحبشة، وامتداد السواحل الإفريقية على الشاطئ العربي من البحر الأبيض المتوسط وكان أهم ما قدمته سومر للبشرية هو اختراع الكتابة المسمارية، وأقدم نصوص سومرية مكتوبة تم العثور عليها يعود إلى حوالي 3000ق.م وإن ساد الاعتقاد ببدايتها- في شكلها المبدئي- قبل ذلك بخمسة قرون (37) وتحتوي اللهجة السومرية على (15) صوتاً، وهي تجميعية، حيث تلصق الكلمات سوياً لتكوين كلمة مركبة ذات معنى مركب. وهي تتكون من مقاطع صوتية وليس من حروف، فيقوم الكاتب بالتعبير عن أفكاره عن طريق اختيار شكل العلاقات التي يستخدمها، من حيث دلالاتها الصوتية والتركيبية اللغوية التي تصاغ بها. وبها كلمات عربية ترجع إلى الأقوام الأولى قبل ظهور الحضارة السومرية (38). وهذا يعني أنها تشكل المرحلة الانتقالية الأولى من الشفوية إلى الكتابية. لأن "أسس الحضارة المادية قد وضعت في عصر ما قبل التاريخ وحتى يستطيع الإنسان الإنتفاع من هذه الإبتكارات كان عليه إيجاد الوسيلة المحققة لذلك. فكانت الكتابة التي بواسطتها تنتقل الأفكار بين الناس ومن جيل إلى جيل، وكما عبر الإنسان عن أفكاره بالصورة، عبّر بداية عن الكلمة التي ينطقها بالصورة، ثم حول الصورة إلى رمز لكلمة. وما لبث أن أخضع الرموز لنظام محدد فجردها عن الكلمة وأعطاها صوتاً أو لفظاً محدداً، من إضافته إلى بعضه يتركب الكلم أو الكلام الذي بواسطته يلبي حاجاته إلى التدوين والتسجيل"(39) فمع أن السومريين ومن سبقهم من أقوام عروبية هم الذين اخترعوا هذه اللغة"(40) إلاّ أن غالبية النصوص التي تفسرّ طريقة النطق بها ترجع إلى الأكاديين الذين خلفوهم. واستخدمت الكتابة المسمارية بعد ذلك لتدوين اللهجات الأكادية والبابلية والأشورية حتى ابتكار الأبجدية الفينيقية.
وبالتوازي مع المسمارية ظهرت الهيروغليفية في وادي النيل وقد عثرت البعثة الألمانية عام 1993 على نماذج منها في إحدى المقابر بمنطقة أبيدوس بصعيد مصر تعد أقدم من لوحة نارمر بمئة عام على الأقل- وأعلن الدكتور جنتر الذي أشرف على أعمال الحفر أن حدود التاريخ العربي في وادي النيل تقدمت لتصبح 3200 قبل الميلاد، وتقع هذه المقبرة على حافة وادي النيل غربي مدينة البلينا في محافظة سوهاج في صعيد مصر، وعثر فيها على بعض الكتابات الهيروغليفية مكتوبة بالحبر الأسود على الأواني الفخارية. ومعنى هذا أن أقدم النصوص الهيروغليفية التي تم العثور عليها يسبق أقدم النصوص المسمارية المكتشفة حتى الآن بمئتي عام (41) وقد أطلق المصريون اسم "تُدونتر" أو"مداد نطر" أي الكلام المقدس، مداد: كلام، حبر، و"نطر": مقدس.
وما ذنبنا نحن العرب، أو ذنب لغتنا إذا كانت لغات المستشرقين لا تحتوي على حروف: ح، ض، ط، ظ، ذ، ح، ع، الهمزة... ليعود إلينا "نطر" بعد أن يتحول في عقولهم "نتر" و"حينما في الأعلى" والتي كتبت هكذا أصلاً" أينما ايلي ش "فلأن لغات المستشرقين لا تحتوي حرف "ح" يترجمون "حينما" إلى
Inama وتعود إلينا إينما، ويترجمون نطر إلى "نتر" Ntr فتموت الـ "ط" لتقف بدلاً منها الـ"ت" وبسبب عدم وجود حرف "ع" في لغاتهم يترجمون أعلى إلى Iliوتعود إلينا إيلي، وبسبب عدم وجود "ض" يترجمون أرض إلى Ard وتعود إلينا مشوّهة "أرد" ولأن لغاتهم لا تحتوي على "ح" و"ص" يترجمون حمص إلى "إيميس" Emis فتعود إلينا إيميس، وحماة تصبح Emat إيمات و"دمشق" ديماشكي Dimashki ونتلقفها غريبة عن لغتنا، لأننا نتناول ما يعطوننا إياه كمقدس غير قابل للنقاش أولا، ولأننا لم نهيء الكوادر العلمية التي تعرف لغتنا العربية حق المعرفة عبر تطورها التاريخي والأمثلة على ذلك كثيرة جداً وسنأتي على نماذج مماثلة لاحقة، لكني فوجئت ومنذ سنوات عندما قرأت: "إينوما إيلي شي" وترجمتها للعربية تعني "حينما في الأعلى" وقلت في ذهني، ولماذا يكتبون "وترجمتها إلى العربية"، أليست العبارة بحد ذاتها عربية فصحى خالصة يفهمها أي عربي أينما كان شريطة إعادة الحروف المشوهة على أيدٍ جاهلة بلغتنا أو قاصدة تشويهها إلى وضعها السليم/!!!!وبالعودة إلى المصرية القديمة وعلاقتها باللغة الأثنوغرافية والتأسيس الأناسي نلاحظ انعكاس الأمتداد التاريخي الجغرافي على البنية اللغوية، فالتأسيس الاثنوأناسي المعرفي، بما يعنيه من وجود امتداد قَبْليّ يعطي سماته الخاصة للامتداد التاريخي كما نلاحظ ذلك في إحدى أساطير الخلق المصرية؛ بحيث تقول هذه الأسطورة: إن إله الشمس (رع) بكى، فخلق الجنس البشري من دموعه المتساقطة، وكان البشر ينقسمون إلى أربعة أقسام: المصريين (رمث) والليبيين (ت م ح و) و(الامو) والزنوج (ن ح س و) وسمى المصريون أنفسهم "ر م ث" (البشر الحقيقيون) وهي تسمية تعتمد على التشابه اللفظي بين (ر م ث) بمعنى "بشر"و "ر م ي ت" بمعنى دموع(42).
وبسبب أهمية التحليل اللغوي المقارن الذي انتهجه الدكتور علي فهمي خشيم رئيس قسم الفلسفة في جامعة الفاتح في طرابلس، لهذه الأسطورة، وقراءة الأبعاد التاريخية- الجغرافية للتكوين الأناسي الاثنوغرافي للشعب العربي، كان لا بد من إيراده ملخصاً وقد نشر في مجلة الوحدة -السنة الثالثة- العدد33-34 حزيران- تموز 1987 وضمن ملف "اللغة العربية والوحدة" يقول الدكتور خشيم:
[
تمضي دون الدخول في التفصيلات الزمنية والأسطورية، إلى تحاليل الكلمات التي تحتوي قصة الخلق هذه:(1)"
رمث" Rmt بشر. (2) "رم ي ت" Rmyt: دمع.(3) "
ت م ح وTmhw: ليبيون. (4)"أمو Amw: ما شرق مصر.(5)"
ن ح س و"Nhsw :زنوج.وقراءة الرمز الهيروغليفي: على أنه يعني "ر م ث" خطأ شائع درج عليه بعض العلماء والذي يجب أن يقرأ "ر ث"
Rt(43).وقد قرأ "فولكنر" الرمز (مع وجود
المحدّد: صورة إنسان) على شكل
"ر م ث"
انتفت -كما يقول الدكتور الباحث علي فهمي خشيم، لأن المقصود معنى آخر غير الذي ترجمه العلماء بكلمات "بشر، ناس، الجنس البشري، ونحوها" فالمعنى هنا شيء من قبيل: الأصل، الاساس، الأوّل- في حالة إفراد، وقد يكون العرق.
والمكافئ لكلمة "رث" في اللهجة المصرية كلمة "رسّ" في العربية الفصحى المعاصرة "وقد تعاقبت الثاء المثلثة والسين، كما تتعاقب الآن في لهجة عرب مصر المحدثين بالضبط، أو عرب بلاد الشام فيبدلون الثاء سيناً فيقولون: أساس=أثاث، سلاسة=ثلاثة، سُمّ=ثُمّ، مسلاً=مثلاً وغيرها فما معنى الرسّ في العربية؟
فيقول ابن منظور: "في حديث ابن الأكوع: إن المشركين راسّونا للصلح وابتدأونا به.. معناه: فاتحونا، من قولهم: بلغني رسّ من خبر، أي أوّله. والرّسّ: ابتداء الشئ. والرسيس: الشيء الثابت. و"رسّ وأرسّ: دخل وثبت".
فالرسّ إذن يفيد البداية والمفتتح والأولية والثبات أي "الأصلية"- الأولية والتجذّر=البداية والثبات) وهو ما قصده المصريون الأول من إطلاق "رث" على أنفسهم.
وفي القرآن الكريم" وعاداً وثموداً وأصحاب الرسِّ وقروناً بين ذلك كثيراً " الفرقان /38)
"
كذّبت قبلَهم قومُ نوحٍ وأصحاب الرّسِّ وثمودٌ"(ق/12)وقد اختلف علماء التفسير في هذا الرس "ما بين كونها بئراً لطائفة من ثمود دفنوا فيها نبيهم وكونها دياراً لثمود، أو قرية باليمامة" ويروى أنهم كذبوا نبيهم ورسوه في بئر أي دسوه فيها حتى مات(!).
وهذا تفسير تخريجي لفظي محض لا يثبت. والأصوب القول بأن "أصحاب الرّسّ" قوم عاصروا عاداً وثموداً وليسوا من عاد وثمود بدليل ذكرهم معهم منفصلين وإن اقتربوا بهم، وبدليل قوله تعالى (وقروناً بين ذلك كثيراً) أي أزمنة وأجيالاً وأمماً.
في اللهجة المصرية يسمى شعب جنوب مصر "رس ي و"
Rsyw=جنوبيون والمفرد (ر س ي) Rsy=جنوبي و"الجنوب" (ر س) Rs وقد ترجمت رس ومشتقاتها بأنها تعني الجنوب - أو:الصعيد.. بحسب ما فهمه الغربيون. فلم لا تكون هي "رسّ" العربية بالمعاني التي تفيدها ومنها أصحاب الرسّ أي الرسيون (المصرية) "ر س ي و"Rsyw؟إننا نعرف أن قوم الصعيد (الجنوب) عاصروا قوم عاد وثمود منذ زمان وذكرهم منفصلين عن عاد وثمود يعني انفصالاً مكانياً، بدليل اقترانهم جميعاً في الايتين (وقروناً بين ذلك كثيراً -أي في أزمنة طويلة سحيقة).
هذا هو التفسير الذي عرضه الدكتور الخشيم، ولا يمتنع من أن تكون "ر س"هي "رث" بتعاقب السين والثاء إذ من الواضح أن "رث" =المصريين= الخلق الأول /الأصلي/ كانت تطلق على أهل الجنوب في مقابل "ت م ح و ى)
Tmhw سكان الشمال. الجنوب إذن "رث" وهو "رسُّ"... والمعنى واحد. وفي الانكليزية كلمة Race التي يعرفها معجم أوكسفورد الاشتقاقي بأنها مجموعة أشخاص أو حيوانات ترتبط بأصل مشترك، إلى جانب تعريفات قريبة من أهمها الدلالة على الأمة المشتركة الأرومة /العرق/. كما أن كلمة Race تعني أيضاً: جذر، أصل. ودخلت الانكليزية من الفرنسية وهذه أخذتها عن الكلمة الإيطالية Razza وجميعها دخلتها من العربية "رس" خاصة أنها لم توجد في السنسكريتية أو غيرها مما يسمى اللغات الآرية.وبالتأكيد أتت الكلمة من اللاتينية التي تطورت في شبه الجزيرة الإيطالية لكن اللاتينية كانت مسبوقة بلغة أخرى هي الاتروسكية. ومنذ مائة عام كتب العالم الاميريكي برنتون مقالة خطيرة خلص فيها إلى أن الاتروسكيين ليبيون هاجروا من شمال إفريقيا واستقروا في إيطاليا ونمت حضارة لهم هناك وقد عقد فصلاً ممتعاً عن أسماء الآلهة الأتروسكية والليبية القديمة وفصيلاً آخر عن الصلات اللغوية. وفي عام 1980 كتب الباحث الاستاذ "مايكل غرانت" كتاباً عن الأتروسكيين وكانوا عنده ينحدرون من أصل كنعاني(45).
وبعد أن يؤكد الباحث أن الاتروسكيين ولغتهم، ليس لهم أية علاقة مع عائلات اللغات الهندو -أوروبية يخلص إلى القول: "لقد أعانت هذه العزلة اللغوية الأتروسكيين على الشعور بأنهم متميزين يكونون وحدة أو أمة منفصلة وهي مادعوها (رسنا)
Rosna أو "روسينا Rosnea وقد تفجرها اليونانيون: "رسنّا Rasenna.لقد قال برنتون بأنهم ليبيون وقال غرانت بأنهم كنعانيون وذلك على أساس اللغة المقارنة. فات الأستاذين الكبيرين أن اللهجة الليبية والكنعانية مشتركتان في كونهما لهجتين للغة واحدة هي اللغة العروبية نشأتا من مصدر واحد، وهذا هو السبب في أن الأتروسكية كانت قاسماً مشتركاً بينهما، فهي لغة عروبية أيضاً، سواء جاء أهلها إلى إيطاليا من ليبيا (برنتون) أو جاؤوها من بلاد الشام (غرانت) (46).
لذلك كانت القائمة التي أوردها برنتون للكلمات الأتروسكية مقارنة بالليبية تنطبق تماماً على العربية بالضبط، كذلك ما جاء به غرانت من مفردات أتروسكية مقارنة بالكنعانية يتطابق مع العربية أيضاً.
(
ويجدر بنا هنا أن نذكر القارئ الكريم بالحراك الجولاني للشعب العربي، الذي فصّلناه في الفصل السابق)، خصوصاً أن علماء المصريات يجيرون على معنى كلمة "رث ن و"Rtnw بأنها عنت في النصوص المصرية القديمة "جزءاً من بلاد الشام" حسب قول"فولكنر" (ص150) ومعجم "بدج" (ص436)ويضيف "بدج" أن في المصرية: "ر ث ن و ح ر ت"
Rtnw Hrt (بلاد الشام العليا) و(رت ن و.ق ر ت) Rtnw Qrt (بلاد الشام السفلى) عربيتها: "ر ث ن و" والحرة/الحرية= العليا.وما دام المصريون فرقوا بين الشام العليا= ح ر ث" والشام السفلى -ق ر ت" وقبل كل منها كلمة "ر ث ن و" فلا بد إذن أن تكون هذه تعني بلاد الشام كلها، أو على الأقل ساحل الشام. وهي بصيغة الجمع "ر ث ن و" بإضافة واو الجماعة في آخرها. مفردها "ر ث ن". وهذا يعود بنا إلى ما قرره غرانت من أن أصل الأتروسكيين هو بلاد الشام، وهم كنعانيون في نشأتهم الأولى، ثمّ استقروا في أرض ايطاليا وأنشاوا حضارة خاصة بهم، كنعانية الأرومة. ولن نذهب في جدل طويل مع ما ذهب إليه "برنتون" من أنهم ليبيون أصلاً، إذ لا يمتنع أن يكونوا جاؤوا من بلاد الشام واستقروا في الشمال الإفريقي، ثم هاجروا إلى ايطاليا، وطبيعي أن تبقى البنية الاناسية بتعابيرها المختلفة، واللغوية خاصة، متفاعلة ومتطورة بين ثابت أصيل ومتطور ديناميكي مبدع. وهذا يدفعنا إلى قراءة الربط بين "رث" (بشر) و"رم ي ت" (دمع) فكان أن كتبت الأولى أحياناً (رم ث) وقرئت كذلك، ليحدث الجناس اللفظي بين الكلمتين وهو ما أغرم به المصريون الأقدمون نتيجة الفكرة الاسطورية في الخلق من دموع (رع) حين بكى حزناً على مصير العالم. وقد تكون "رث" أيضاً تعني بكى هي الأخرى في الأصل وهنا نرجع إلى الجذر في العروبية "رثا":
"
رثى فلانٌ فلاناً يرثيه رثياً إذا بكاه بعد موته.. ورثوت الميت أيضاً إذا بكيته وعددت محاسنه وكذلك إذا نظمت به شعراً [لسان العرب].ومنها الرثان: المطر غير المتتابع، المتقطع (كالدمع).
وأرض مرثّنة ومرثّمة ومرثونة أصابها رثان ورثام (لاحظ العلاقة بين (رثم) و(رمث) وفي بعض النصوص المصرية وردت "رث"
Rt بدلاً من "رث"Rt والمعاني ذاتها وقد قام "بدج" بمقارنة الكلمتين السابقتين مع القبطية "رمى" Rome (ص4-423) الجذر "رم" Rm ومنه: "رم" و"Rmw ناس، بشر، الجنس البشري و"رم"Rm يبكي، ينتحب و"ر م ي" "Rmy: يبكي و"رم ث" و"ر م ي ث": دموع.فماذا نجد في العربية المعاصرة للجذر "ر م"
Rm (الذي يفيد "الدمع" والبكاء الذي تنحدر فيه الدموع.في مادة "رمي" يقول ابن منظور: "الرميُّ: قطع صغار من السحاب. سحابة عظيمة القطر شديدة الواقع.. الرميُّ: الشقيّ وهي السحابة العظيمة القطر.. وقال مليح الهذلي في الرميُّ السحاب:
حنين
اليماني هاجه بعد سلوةٍ |
وميض
رميٍّ آخر الليل معوقُ |
وقال أبو جندب الهذلي:
هنالك
لو دعوت أتاك منهم |
رجال
مثل أرمية الحميم |
"
أرمية" جمع: "رمي" والحميم مطر الصيف ويكون عظيم القطر شديد الوقع.في مجال أسطورة الخلق المصرية يمكن استخلاص أن "الرميّ" (السحاب العظيم القطر الشديد الوقع) هو ذاته "ر م ي"
Rmy [دمع الاله (رع)] باعتبار المطر الغزير الواقع من السماء دموع الرب الباكي تهطل مدراراً فتتحول القطرات إلى بشر (ر م ث) يدبون على الأرض دبيباً.وهذا استنتاج أول- برأي الباحث الدكتور علي فهمي خشيم- أما الاستنتاج الآخر فيكمن في تتبع الجذر الثنائي "ر م" الذي يحدث بإضافات حروف أخرى؟ سنقرأ في حينها كل المفردات التي لها علاقة مباشرة بالعين أو بسقوط الدمع: الرمق، الدمع، الرمص، الرمز، الرمد، الرمح، الرمج. وهذا ما يتوافق مع ارتباط الرمز الهيروغليفي المحدد للجذر"ر م"
Rm بمشتقاته الدالة على البكاء وذرف الدموع (معجم بدج- ص424) كما نحصل على دلالة سقوط المطر من "رمي"وأخيراً يذكرنا الباحث الدكتور الخشيم بالجناس أو الطباق الموجود بين "رث" (خلق /بشر "و "رث" (بكى/ دمع) مع مقارنة ذلك بالعربية:رثا=بكى. رس=رث/ أصل) و"ر م ي ت" (دمع، العربية: رمي) كذلك في العربية يبدو أن هناك تطابقاً في المعنى والدلالة بين "رثا" و"رمى"
أما الشق الآخر من أسطورة الخلق المذكورة فهي كلمة "ت م ح و"
T M H W وهي كلمة تطلق على الليبيين سكان الدلتا في القديم، قبل توحيد الدلتا والصعيد على يد (مينا) حوالي سنة 3200ق.م وهي تسمية تتردد في كتب التاريخ كثيراً. وهذا الاسم مكوّن من مقطعين:"
ت ء"Ta: أرض، بلاد (بالعربية، طيّة، طاة، طاءة)، و "م ح" Mh: شمال، جهة الشمال. ويضاف إلى ذلك" و"W: واو الجمع. وفي المصرية نلاحظ الجذر "م ح" يتكرر في الكلمات التالية:
"
م ح ت" M Ht : ربة الشمال"
م ح ي ت" M H Y Yt بلاد الشمال، الدلتا، شمالي."
م ح ت ي و" M H Y T : القبائل الشمالية"
م ح و ت" M H W T: ريح الشمال.كما أن "م ح" يدل على الماء الغزير والفيضان والمطر الدافق.
"
م ح ي" M H Y : فيضان، غمر."
م ح ي ت" M H Y T : عاصفة لمطرة، فيضان، ماء كثير، غمر."
م ح ي ت" M H Y T : ربة الفيضان."
م ح و ي و" M H W Y W : الفيضان الذي أهلك الجنس البشري.وفي العربية المعاصرة نقرأ:
"
المحوة: المطرة، تمحو الجدب، عن ابن الإعرابي. وأصبحت الأرض محوةً واحدةً إذا تغطى وجهها بالماء حتى كأنها محيت. وتركتُ الأرض محوةً واحدة إذا طبقها المطر. وقيل المحوة: هي الشمال.قال الأصمعي وغيره: المحوة من أسماء الشمال، وكلمة محوة غير معروفة.
قال ابن السميت:
قد
بكرتْ محوةُ بالعجاج |
فدمرّت
بقية الرّجاج |
والمدهش فعلاً أن تكون "محوة" معرفة غير مصروفة ولا تدخلها ألف ولام.. كأنها اسم علم والشيء نفسه في المصرية والأبعث على الدهشة أن تكون "محوة" اسم موضع بغير ألف ولام، وأن تكون "المحو" اسم بلد.
وقد أشارت مصادر أخرى إلى محوة =الجنوب فقال ابن بري: أنكر عليُّ بن حمزة اختصاص المحوة بالشمال لكونها تقشع السحاب وتذهب به. قال: وهذا موجود في الجنوب.
قال "تمحو" إذن ليس فقط أهل الشمال: بل هم أهل الجنوب أيضاً أي ليبيو الجنوب. ويقدم لنا الدكتور الباحث الخشيم في بحثه المذكور أعلاه الحركية الجولانية التاريخية الجغرافية فيقول متابعاً" ويبدو أن هذه القبائل الليبية كانت في الجنوب" غربي الصعيد" ثم انتقلت إلى الدلتا حيث عاشت في الشمال في التاريخ القديم فصارت الدلتا مع انتقالهم تسمى "ت كـ م ح و"
T A- M H Wأما القسم الثاني من بشر تلك الاسطورة فهم "ع كـ م و" =ع م و لأن الهمزة بين العين والميم مزيدة، وهناك عدد لا يحصى من الكلمات العربيةالفصحى المعاصرة وقد حذفت من مطابقاتها في اللهجة المصرية (القديمة) الألف أو الواو أو الياء.
المصرية القديمة العربية الفصحى المعاصرة
و ء ح ت واحة
ب ء س ت = بسة (هرة)
ب ء ق= فاق
ب ء ق س = فقس
ح ء ت = حيط
ق ء ب ء س = قبس
خ ء ب = خار (الثور)
س ء ب= صبَّ
ك ء ب= كبو (حرق البخور).. إلخ
نستنتج من الأمثلة السابقة أن (ع كـ م) =(ع م) = العمو= (ع م و) ومنها "العمالقة" من عاد، والعناقيم، و"عامو" و "ع م" =الشعب بالكنعانية وهي نفسها "أناس" بالأكدية - "أم م" وبالعربية المعاصرة:
الأمّة والإمّة = الدين( ومعنى القوة)
الإمّة = النعمة
الإمة = المُلك
أمُّ القوم= رئيسهم ومنها الإمام =القائد.
الأُمّة= الجماعة الواحدة.
وفي المصرية أيضاً "أ م و"
A M W أحد آلهة الفجر (معجم "بدج" ص 6).والفجر يأتي حتماً من المشرق أي من بلاد "الأمو" أو "العمو"
أما القسم الأخير من أسطورة خلق البشر المذكورة فهم "ن ح س و" أهل السودان= جنوب مصر. وهذه الكلمة تعني: نحس" =السواد= النُّحاس /بضم النون/ الدخان الذي لا هب فيه: "وفي التنزيل "يُرسَلُ عليكما شواظٌ من نارٍ ونُحاسٍ فلا تنتصران)..
قال الجعدي:
يضئ
كضوء السراج السليـ |
ط لم
يجعل الله فيه نحاسا. |
والنحَّاس :بفتح النون/ ضربٌّ من الصُّفَر والآنية شديدة الحمرة. ابن بزرج: يقولون: النَّحاس بالضم، الصفُّر نفسه، والنّحاس، بالكسر وخانه، وغيره يقول للدخان نحاس (اللسان، مادة نحس) وهذا يعني تحديداً عرب السودان الذين يميل لونهم للحمرة أكثر منه إلى السواد.]
هذا نموذج بين لما تعنيه المقارنة الأناسية المعرفية لدراسة ظاهرة وحدة البنية التاريخية العروبية، ليس فقط من ناحية خارطتها الثقافية الواحدة وآلية حملها اللغوية، بل من ناحية الدراسة المقارنة الأناسية للهجات العروبية على مسارها التاريخي العميق العريق وهو ما يفضي بالنتيجة الموضوعية الحتمية إلى حراك الخارطة الاثنوغرافية العروبية على كامل مساحة الوطن العربي وبما يعنيه ذلك من تداخل عضوي جدليّ بين البناء الشاقولي للغة والبناء الأفقي لحراكها التاريخي فيتداخل الماقبل خليجي مع الماقبل سومري مع الأكادي والمسندي والمصري والأمازيغي (البربري) والليبي والكنعاني والعبلاوي عبر سلّم تطور تاريخيّ واضح وصريح وصولاً إلى اللغة العربية المعاصرة.
وعندما نتكلم على اللهجات العروبية الأولية وتطورها اللاحق، فنحن لا نتحدث من وجهة نظر لغوية فقط، بل نتحدّث عن الواقع التاريخي الذي ارتبطت به، وعن الملامح والخارطة الاثنوغرافية التي شكلت مساحة عمل وحراك الكلتة الاجتماعية.
فالسطور والكلمات القليلة السابقة والتي قدمها الباحث الجليل الدكتور علي فهمي الخشيم، تؤكد مجموعة من الحقائق التاريخية التي من الممكن تثبيتها في منظومتنا الثقافية المعرفية كبنى راسخة ومن أهمها:
-
إن القراءة الأناسية المعرفية لا تعني الحركية الاثنوغرافية إلاّ بمقدار ما توضح هذه الأخيرة وحدة الجنس بمعناه المعرفي والسيروري التاريخي، وليس بمعناه العرقي،-
وإنَّ علاقة المكان (الجغرافية) بالكتلة الاجتماعية، ليست علاقة أحادية الجانب. فالعروبيون لم يُطلقوا أسماءهم على الأمكنة التي توضعوا فيها فقط، بالمفهوم المطلق، بل أثّروا وتأثّروا، وأثْروا مخزونهم الحضاري بما كانوا يبدعون على كافة المستويات.-
إن اللهجات العروبية في مراحل تطورها الأفقية والشاقولية، بقيت متمحورة حول عمود رئيسٍ واحد فما لاحظناه مما سبق، يؤكد أن الكنعانية والمصرية والليبية وحتى الأتروسكية لم تفقد محورها الرئيس رغم حركيتها الجغرافية المتتابعة والواسعة. فالكنعانية التي امتدت من الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية، ومن ثم امتدت إلى الجنوب اليماني، فساحل الخليج العربي، ثم بلاد الشام، ومن هناك إلى الشمال العروبي الافريقي وحتى سواحل البحر المتوسط الشمالية بقيت متمحورة مع الليبية التي امتدت في جنوب وادي النيل ثم إلى شماله في الدلتا، ثم إلى الصحراء العربية الكبرى وعادت بدورتها بعد الهجرة الليبية الكبرى إلى وادي النيل، وانتشرت إلى الضفة المقابلة من البحر المتوسط، مما دفع العلماء الغربيين إلى الانقسام بين من ردَّ اللغة الأتروسكية إلى الكنعانية وإلى قسم آخر ردَّها إلى الليبية، وذلك بسبب جهلهم بأن الكنعانية والليبية هما لهجتان للغة العروبية الواحدة. والاثنتان تتقاطعان مع المصرية التي لم تترك واقعها النسبي في جذور حراكها، لا في المراحل السابقة ما قبل تاريخية، ولا في حراكها في وادي النيل. مما أعطاها انطباعاً خاصاً بتقاطع كل صفاتها وخصائصها ومفرداتها ليس فقط مع اللهجات العروبية التي كانت متوضعة أفقياً وشاقولياً حينها وقبلها وبعدها، بل ومع اللغة العربية الفصحى المعاصرة (وهذا ما سنعود إليه في جداول لاحقة).-
إن القراءة اللغوية المقارنة وحسب المنهج الأناسي المعرفي- لا تعني شيئاً على الإطلاق، إن لم ترتبط بالجوانب التاريخية من ناحية، والتاريخية الجغرافية من ناحية أخرى- وبالبنية الثقافية الحضارية ببنائها الشمولي وإذا كان هذا يشير إلى شيء واحد فقط هو أن التكوينات البنائية للمنظومة المعرفية العروبية واحدة مهما كانت تنويعاتها التأريخية والتاريخية والجغرافية، "فقد ظل اللسان الأكادي مثلاً أهم أداة لنقل الثقافة والمعارف والفنون في منطقة المشرق العربي 2500سنة. كما ظلت الإنجازات الثقافية للأكاديين الأوائل تتردد أصداؤها حوالي ألفي سنة بعد زوالهم. وقد تحدرت إلينا وثيقة أصلية من ذلك المجتمع، إنه نص أدبي حميم كتب في عهد سرجون مؤسس الإمبراطورية الأكادية وأعظم شخصية في تاريخ المشرق العربي القديم. وهذا النص هو "أخذة كش": وهو أشبه شيءٍ بآلةٍ لاختراق الزمن تطلعنا على اللسان الأكادي المحكي في القرن 23 ق. م نقرأ في هذا النص مثلاً.أخُذْ
فاكِ ش رُفَّتِ |
و"كِرِعي
يطورُ الضأن" |
أي:
أخذتُ فاكِ ذا الرقة:
آخُذْ =أخذتُ
فاكِ -فاك
شَ=ذا
رُفَّتِ= الرِقّة
أما الجملة الثانية=
كِرعي= كالراعي
يطورُ= يطور
ضَأَنَ= الضأن
فتصبح جملة كِرعي يطورُ ضأن=كالراعي يطورُ الضأن(47)
وهنا أعود لأذكَّر بأسطورة اينوما ايليش= حينما عيليش، والتي "ترجمت" إلى العربية" حينما في الأعلى "فنرى:
حينما= حينما
عيلي= عالي =أعلى =أعالي
شَ= ذا
فتصبح "حينما الأعلى (الأعالي) هذا". في الأمثلة السابقة نلاحظ أن أوجه الشبه، بل التطابق بين الأصل وتأديته بالعربية الفصحى المعاصرة لا تخفى والسمة العربية لا تنكر.
وفي ملحمة "جلجامش" إذا اقتطفنا بعض الجمل نلاحظ:
والآلهة يبكون معها= ايلاني بكو ابيتيشا
الآلهة=ايل=الله=إله
يبكون =بكو
وفي اليوم السابع = سيبوواومو
اليوم =أومو
السابع= سيبرو=سيبعو (لأن اللغة التي ترجم منها النص إلى العربية لا تحتوي حرف "ع". وفي ايبلا (عبلة) من آلاف الألواح المكتشفة، هناك لوحات قوائم معجمية لمفردات لغوية شبيهة بالمعاجم الموسوعية المعروفة في عصرنا الحديث، وتتألف تلك القوائم من مفردات سومرية مع ما يقابل معانيها من المفردات التي يتداولها أهالي (إيبلا) في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد. فضلاً عن اللفظ الصوتي للمفردات السومرية في بعض الأحيان.
إلى جانب هذه الوثائق المعجمية ذات الأهمية البالغة، هناك العديد من اللوحات التي تضم نصوصاً أدبية لأساطير وملاحم الأبطال السومريين أو لقراءات ذات طابع سحري أو ديني (48) وكأن العلاقة في ذلك بين البنية العامة للمجتمع الإيبلاوي وملامح الثقافة السومرية علاقة عناصر واحدة لبنية واحدة، وبشكل مميز بين اللغة الايبلاوية وما تحمله من منظومة أدبية وثقافية تتداخل وشائجها أفقياً وشاقولياً مع الأكادية أيضاً. فاللغة الإيبلاوية أقدم لغة وصلتنا من منطقة غرب الفرات، مكتوبّة حتى الآن، ولم يكن أحد يتوقع العثور على شواهد مسطَّرة منها، وتتماثل هذه اللغة مع اللغة التي جرت العادة على تسميتها بالكنعانية وبالأخص مع الأوغاريتية التي نملك شواهد منها، ترقى إلى 1400-1200 ق.م ومع اللغة الفينيقية التي ترقى شواهدها إلى ما بعد 1200ق.م فضلاً عن هذا تماثلها مع اللغة العربية (49) المعاصرة، فمثلاً نجد بين مفردات لغة أهل إيبلا في الألف الثالث قبل الميلاد كلمات ماتزال حية في العربية الحديثة مثل (كتب) و(ملك) و(يد).
وبهذا تكون الإيبلاوية أقدم لهجة عروبية مكتوبة حتى الآن. وذلك لأنَّ وثائق (إيبلا) تشمل جيلين سبقا عصر الملك الأكادي سرغون الأول.
و"يكشف لنا هذا التفوق الحضاري المنسوب لإيبلا حقيقة جديدة، وهي أن الأكاديين بعد فترة متأخرة قد اقتصروا على نسخ نظام الكتابة المسمارية" (50) هذا من جانب التواجد الجغرافي المحض بقراءته التأريخية أما من جانب التكوين اللغوي والقوام الثقافي فإن اللغة الإيبلاوية قريبة من الأكادية وتتماثل معها، بالإضافة لتماثلها مع اللهجات العروبية الأخرى التي تحدثنا عنها أعلاه وهي بالإضافة إلى كل ذلك تتماثل مع أقدم بنية في اللهجات العربية الجنوبية"(51)
وبقراءتنا لرأي بيغز
Biggs (52) نتأكد من الوحدة اللسانية واللغوية الثقافية والمعرفية والأبعاد الحضارية الأفقية والعمودية من الانتشار الأناسي المعرفي مع فجر التاريخ حيث يقول: "إن الكتابة الايبلاوية كغيرها من الكتابات المسمارية تتألف من رموز لكلمات ومن انتشارات لأصوات ليست بالضرورة كلمات مقطعية، وفي الأكادية فإن رموز الكلمات تتضمن نظاماً مقطعياً ولكن غير أبجدي، والأمر كذلك في الإيبلاوية التي استعملت الكتابة المسمارية أيضاً، وهذه الكتابة مأخوذة عن السومرية ولذلك فإن قراءة النصوص الايبلاوية لا بد أن تعتمد على القراءة السومرية بمقارنتها بمترادفاتها في اللغات الأخرى الشقيقة للإيبلاوية. وألواح إيبلا تغطي مرحلة تأريخية زمنية طويلة تعود بمرحلتها الأولى إلى ما قبل 2600ق.م وألواحها تشابه ألواح (فارا في العراق) في حين تعود المرحلة الثانية إلى مرحلة أبعد تتماثل مع ألواح (أبو صلاييخ في العراق).والباحث الأثاري بيتيناتو نفسه (53) يعتبر أن اللهجة الإيبلاوية وسيطة ومشتركة بين الأكادية والكنعانية، بل هي الكنعانية القديمة نفسها، وبأن العلاقة بين اللهجة القديمة (الأكادية- الإيبلاوية- الكنعانية)/ استخدم بيتنياتو نفسه كلمة لهجة في بداية قوله/ وبين اللغة العربية ظاهرة وواضحة ومؤكدة. وتتميز العربية -حسب قوله- بأنها لغة صرفة والألفاظ الدخيلة فيها معروفة بوضوح وأورد عدداً من المفردات والجمل ومعانيها باللغة الانكليزية بعد أن كتب نطقها بالايبلاوية.
الايبلاوية |
الانكليزية |
العربية |
Mi-Ka- Yà |
Who Is Like Ya? |
من- ك- يا (ك للتشبيه) |
Mi-Ka-IL |
Who Is Like Il? |
من- ك إل(إل=إله) |
En-Na-Niil |
Il Has Mercy On Me |
إنني إل |
En-Nq-Niya |
Ya Has Mercy On Me |
إنني يا |
Is-Mà-Il |
Il Has Heard |
اسمع إل |
A-Na Ma Lik |
I Am Malik |
أنا أملك |
Rà-I-Na-Aded |
Aded Is Our Shepherd |
راعينا حدد |
A-Dam-Ma-Lik |
Man Of Malik |
آدم الملك |
Du-Bu-Hu -Ma -Lik |
Feast Of Malik |
دبيحة الملك |
Eb-Du Dra-Sa -Ap |
Servant Of Rasap |
عبد رشب |
Is-A-Bu |
Aman Is The Father |
هو أبو |
I-Ad-Do-Mu |
The Hand Of Damu |
يد دامو |
Ib-Na-Ma-Lik |
Malik Has Created |
ابن ملك |
وبعد أن نعلم أن هذه اللهجة هي الكنعانية القديمة، وتشبه لهجة أوغاريت فماذا نجد، فقط لو كان قارئ هذه الألواح عربياً أو يعرف العربية ويتعامل مع قراءة الألواح بحيادية العالم. فنلاحظ التطابق في المفردات والجمل
Mi=مي= "مين"=من Ka=كَ= للتشبيه باللهجة الايبلاوية واللغة العربية المعاصرة إنني= Ni=Na=En سمع=Mq=Is، أنا=A-Nq.ملك=
Like =Ma راعينا= Na= I =Rà (يلاحظ التطابق بالإسم والضمائر المتصلة أيضاً) آدم =A-Dam) دبيحة = Hu = Na = Bظ = Du.. إلخ.وفي موقع آخر من نفس البحث الذي نشره بيتناتو (54) -الباحث المتصهين- مقارنة بين مجموعة من المفردات الايبلاوية حدد معناها بالسومرية فكانت متطابقة تماماً حتى مع العربية المعاصرة ولنقرأ:
البكر=الابن البكر.
فروم= القوي البطل
تدبيرو= تدبير
يدو=يد
أكلم= أكل
نقسم= حياة
أم=أم
كلماتو=كلمات =مزاح(55)
إن هذه الأمثلة لتؤكد الأواصر القوية بين اللغة العربية الحديثة واللهجة الايبلاوية، والتي أكّد الدكتور عفيف بهنسي من خلال متابعته لكل ما تعلق بها "بأن مكتشفات ايبلا هامة لسورية ولكل العرب، لأنها تكشف عن عمق جذور الأمة العربية وحضارتها، وهذه المملكة التي يبلغ عمرها 4500سنة هي مملكة عربية تمتد بين منطقتين هامتين، هما منطقة الرافدين (أكاد) ومنطقة الساحل الكنعاني، وكل تلك الحضارات تنبع من حضارة واحدة هي الحضارة العربية القديمة (56) لأن سكان هذه المملكة هم قوم يتكلم بدوات اللغة العربية الحديثة. وقد يكون هؤلاء هم العموريون وقد يكونون أجداد الكنعانيين، وذلك أن لهجتهم وسط بين لهجة أكاد ولهجة كنعان، وهذا ما يؤكد الوحدة اللغوية بين هذه الممالك التي تفسر وحدتها القومية" (57)، وهذا يعني من جانب آخر ضرورة تناول الرُّقُم المكتشفة في الوطن العربي باللغة العربية، ذلك لأن عدم تناولها على هذا النحو يحجب الروابط التي تربط العربية المعاصرة باللهجات العروبية السابقة، وهو ما يكشف ليس فقط "الترجمة" الحية الحراكية المباشرة ونقلها عبر حلزونها التطوري الصاعد، بل ويكشف أيضاً ملامح وقدرات تلك اللهجات في سماتها التوالدية والشعرية والوظيفية بالإضافة إلى توضيح الوحدة الأكيدة في البناء الأناسي الذي أنتج وتفاعل مع هذه اللهجات في سيرورتها العروبية. والحق أن نفراً من المؤلفين العرب قد شعروا بأهمية معالجة التراث القديم بالعربية كالشيخ نسيب وهبة الخازن وأنيس فريحة وسامي سعيد الأحمد وكميل البستاني إلاّ أنهم اقتصروا في منهجهم على استبدال الحرف العربي بالحرف أو الرمز القديم العروبي وهو ما يمكن تسميته بالنقل الحرفي واتباعه النص (58)، ولذلك لا بدّ من أن تكون القراءة حية، متسلحة بمقدرات اللغة العربية المعاصرة وبخصائص اللغة العروبية بلهجاتها المتعددة السابقة، وإظهار الروابط التي تصل بين العناصر المكوّنة للبناء اللغوي بتطوريته وحراكه التاريخي، وهذا ما يكشف بالإضافة لذلك الجوانب الأخرى غير اللغوية المباشرة المرتبطة بالبناء الميثولجي والأدبي والثقافي والفني والحضاري والتقني. "فأسلوب تأدية الأعلام القديمة باللغة العربية- مثلاً- في الوقت الحاضر يفتقر إلى الدقة العلمية، ويشكو من عيبين أساسيين. الأول إن تأدية هذه الأعلام لا تصدر عن الأصل القديم بل تُستمد، عن طريق التعريب، من التأدية الأوروبية، والثاني، أنها تتجاهل دور الكتابة العربية (والعروبية) التي تميز بطبيعتها الصوائت الطويلة عن الصوائت القصيرة وهو أمر لا يتيحه الحرف اللاتيني (59)، يضاف إلى ذلك وجود أحرف كثيرة في العربية ولهجاتها كالـ (ق) و(غ)و (ع) و(ض)و (ظ) و(ذ) و(ح) والهمزة غير موجودة في اللاتينية وبنات الهندو -أوروبية- ولقد عرض فرانز ورولي إلى هذه المشكلة عند السؤال عن اللفظ الحقيقي لمدينة إيمار، فهل هي عمار، أم غمار، أم خمار؟ وكذلك عندما تحدث عن اللفظ الحقيقي لايبلا فقال إنه عبله (60) فمن الأسماء التي وردت في وثائق ايبلا مثلاً حمص نُقلت إيميس، لافتقار الابجديات الأوروبية إلى حرف (ح)/ و"حماه" و"إيماة" وغيرها أمثلة كثيرة.
أما بالنسبة لبعض الأسماء العمورية (الأمرية) والتي تحدرت إلينا منذ القرن الخامس والعشرين ق.م فيتضح من قراءتها العربية بأنها عربية صحيحة مطلقاً "فمن الأسماء التي وردت من القرن الثامن عشر ق.م أي عصر السلالة البابلية الأولى إلى أشهر ملوك هذه السلالة والذي لقب :أبي عمور"= (عمورابي) =(حمورابي) (أبي العموريين) إنه "عمُّ رافئ"/ ومعناه (الإله) عمُّ رافئ صاحب الشريعة الشهيرة. وتتيح لنا رُقُمُ ماري المعاصرة قائمة بأسماء أعلام عمورية منها "أبو سليم" "عبدُ نّوار" و"عبد مَلِك" يريم حداد" "يسمع حدّاد" "حداد باني" إلخ(61).
ومملكة (أمُرُّ) التي لم تدم طويلاً في أواسط سورية عرفت ملكين "عَبْدُ عشتار" و"ابن عَزيزُ". ومملكة (أوجاريت) التي كان ملوكها يفاخرون بتحدرهم من "أهل مضارب وَزَن" (وهي واحة في شمال الجزيرة العربية تعرف اليوم بالعُلا) والتي تشبه لغتها لغة العرب حرفاً ولفظاً. مملكة "كومد" (كامد اللوز الحالية في البقاع اللبناني، حيث اكتشفت فيها أقدم كتابة أبجدية غير مسمارية: شظيتان من رقيم ينسبهما مكتشفوها إلى القرن 14ق.م بكثير من التأكيد، ومما يلفت الانتباه في هذا الشاهد قربه من الابجدية العربية القديمة التي عرفها الثموديون بشمال جزيرة العرب في الألف الأول قبل الميلاد(62) ومن سبعة نصوص أوردها الشيخ نسيب وهيب الخازن(63) يمكننا قراءة وفهم النص الثمودي مباشرة، وبالتالي النص الكمدي، باللغة العربية المعاصرة، ومنها اقتطفتُ عشوائياً عدة جمل:
الثمودي |
العربية المعاصرة |
وذكرت احشيمه وتمله |
وذكرت اللات احشمه وتيم الله |
ها رضو سمع لملوك هولت |
يارضى اسمع لملوك الرئيس |
همسكت بن يشعن بت |
هنا ساكن بن يشعن بات (ليلة) |
حممت جمأت |
جمأت أصيب بالحمى |
سعدن الم سور شمس |
سعدان رسم هذه العلامات للشمس |
لُبّك سرر وهب وصدقي |
قلبك (لُبُّك) سرور وهبة وصدق |
بك هسرهشمس متعلي |
بك السرور يا شمس المتعالي |
سقم دد |
داد مريض (سقيم) |
وأسماء علم: تاحز، غر، سالم، عفيف، حنّا، طايح، مُرّة، كميلة/ رفيق، فوح، حنّان، نيران، علي، حمدي، كوكب، سلمان، ذيبان، عصمان قادم، تميم، معن عمرو، النمري، عمان، عكار، صالح، عباس، أوس.
وهذا يعني تواجد كتابات لمراحل تأريخية متعاقبة وغير متوازية في نفس الموقع الجغرافي فالثمودية تنتمي للمسند المنتشر في الجزيرة العربية في حين تحدثنا عن اللهجة الأوغاريتية (الكنعانية) وانتشارها لكن المتتبع للمسند المنتشر في الجزيرة العربية في حين تحدثنا عن اللهجة الأوغاريتية (الكنعانية) وانتشارها. لكن المتتبع للمسند كما سنرى لاحقاً سيكتشف كيف شكلت اللهجات العروبية بنى تداخلية شاقولية، متداخلة فيما بينها، بحيث تشكل الواحدة تكويناً من الأخرى بانتشارها الجغرافي والديموغرافي الأفقي وبعلائقها التداخلية مع ما قبلها ومع ما بعدها. فالأحرف المتطابقة بين المسند، والفينيقية هي التالية:
حروف المسند الأحرف الفينيقية
اللفظ |
الشكل |
اللفظ |
الشكل |
|
ت |
× |
ت |
× |
|
ش |
|
ش(شين) |
|
سنّ |
ر |
ر |
رأي |
|
|
قاف |
|
قاف |
|
|
ج |
|
جمال |
|
ج |
( عين)ع |
O |
( عين) ع |
O |
|
ف |
|
ف |
ے |
فاء فم فو |
( ميم) م |
|
م |
|
ميم ماء |
ن |
|
ن |
|
|
ل |
|
ل |
|
لمّاد |
ز |
|
ز |
I |
زين |
ك |
|
ك |
y |
كاف (كفّ) |
ص |
|
ص |
|
صادي |
د |
|
د |
|
دولات |
هـ |
|
هـ |
|
هات |
أما المتتبع لتسلسل الأبجدية الفينيقية فيلاحظ بأنها تحمل التالي:
(
أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت) وهذا ما يحفظه أي عربي معاصر، أي أنها مكونة من 22حرفاً:ا ب ج د هـ و ز ح ط ي ك ل م ن س ع ف ص ق ر ش ت
الحرف بالعربية |
الحرف الفينيقي |
لفظه |
معناه |
أ |
K |
الف |
ثور |
ب |
|
بيت |
بيت |
ج |
6 |
جمال |
زاوية عصا |
د |
|
رولات |
باب |
هـ |
|
هات |
أواه |
و |
Y |
واو |
وتد |
ز |
I |
زين |
مطرقة |
ح |
|
حيط |
حائط |
ط |
إ |
طيط |
تاء مفخمة (أي طاء) |
ي |
l |
يود |
يد |
ك |
y |
كاف |
كف |
ل |
|
لماء |
كلاّب، حساس |
م |
|
ميم |
ماء |
ن |
h |
نهاس |
ثعبان |
س |
|
سمك |
سمك |
ع |
o |
عين |
عين |
ف |
|
فاء |
فم، فو |
ص |
|
صادي |
جندب |
ق |
Q |
قاف |
قرد |
ر |
|
ريش |
رأس |
ش |
W |
شين |
سنّ |
ت |
|
تاو |
وسم |
والمتتبع الدقيق للفظ الحرف الفينيقي مع معناه يدرك التطابق الدقيق في المقصود الحركي والدلالي لكل حرف من هذه الأحرف، وهو ما يعني أن المعنى المعطى والذي يشكل بؤرة الحراك المعرفي بعلاقة اللغة بالواقع، هو واحد في بنيته وسيرورته عبر آلاف السنين من سيرورة الأناسة المعرفية بمرحلتيها العروبية والعربية: بيت =بيت / حرف الباء/ حيط= حائط/ الطاء/.
يود=يد /الياء/ كاف= كف/الكاف/ إلخ.
وبالعودة إلى المسند نلاحظ التراتيبية التالية:
أ |
|
|
|
ب |
|
|
|
ت |
|
|
|
ث |
|
|
|
ج |
|
|
|
ح |
|
|
|
خ |
|
|
|
د |
|
|
|
ذ |
|
|
|
ر |
|
|
|
ز |
|
|
|
س |
|
|
|
ش |
|
|
|
ص |
|
|
|
ض |
|
|
|
ط |
|
|
|
ظ |
|
|
|
ع |
|
|
|
غ |
|
|
|
ف |
|
|
|
ق |
|
|
|
ك |
|
|
|
ل |
|
|
|
م |
|
|
|
ن |
|
|
|
هـ |
|
|
|
و |
|
|
|
ي |
|
|
|
- |
|
غير موجود في العربية المعاصرة وهو بين السين والزاي |
|
الأبجدية المسندية تسع وعشرون حرفاً.
ولقد انتشر استعمال المسند، ليس فقط في الجنوب اليماني من الجزيرة العربية، بل في منطقة (قنا) والجيزة (في بلاد النيل) وفي العراق (منطقة الوركاء) وفي بلاد الشام، وفي باقي منطقة الجزيرة العربية (66) ومن المسند اشتق القلم الحبشي القديم وقد عثر على كتابات به في منطقة (يحا) (يها)
Jeha، وهي تمثل أقدم نماذح الكتابات الحبشية، وقلمهت هو القلم السبئي القديم (67) كما أن للمسند تأثيراً مباشراً أو بالواسطة في عدد من الأقلام، منها كتابات عثر عليها في افريقيا /بالاضافة إلى الحبشة/ في اللهجة الكوشية والنوبية (68) بالإضافة إلى الخط البربري القديم(69)."
فمن بين المساهمات الكثيرة التي قدمها لافريقيا المهاجرون الوافدون من اليمن لغة سبأ التي عُرفت في الحبشة باسم جعيز GEEZ نسبة إلى القبيلة اليمنية التي كانت تتخاطب بها. والجعيز أم اللغات الرئيسية الثلاث التي يتخاطب بها اليوم في الحبشة وارتيريا، وهي التجرينية، والتجرية والأمحرية أما التجرينية فهي لغة التخاطب في مقاطعة تجراي -مملكة أكسوم القديمة- وكذلك يمكن اعتبارها الوارث المباشر للجعيز. ويسمى الناطقون بالتجرينية لغتهم "حبشة"(70) Habesha أي اللغة الحبشية دون سواها.وأما التجرية
Tigre وتعرف في مقاطعة كسلا بالسودان باسم "الخاصية" فهي لغة التخاطب بين سكان المنخفضات في شرق ارتيريا، وفي سهولها الشمالية والغربية، وكذلك بين قبائل بني عامر.واللغة الامحرية -نسبة إلى مقاطعة أمحرة- هي لغة معظم سكان الهضبة الوسطى وعُرفت منذ زمان بعيد بلسان النجاشي إذ كانت لغة البلاط(71).
والحروف الحبشية مستمدة من الحروف الهجائية بجنوب الجزيرة العربية (المسند) وعددها 33 حرفاً وفي مدينة هَرر بشرق الحبشة لغة تعرف عند الناطقين بها باسم "حضري وهي تكتب بالحروف العربية وهي نتاج تداخل مع الصومالية والقالة
GALLA (72).إذن، نعود إلى قولنا في الفصل السابق بأن تاريخ الحبشة (73) وكامل الساحل الشرقي الافريقي يبدأ في الجزيرة العربية وهذا ما يبرر انتشار المسند في تلك المنطقة "وحروف" المسند ومفرداته وتكوينه اللغوي قريب ومتقاطع مع الأكدية والحبشية، ويقول فيليب حتي "أن الأكدية والحميرية والحبشية تمثل أقدم شكل للسان العروبي"
ويدعم هذا بانتشار البنية الميثولوجية نفسها التي سادت في الجزيرة العربية (سنفصل ذلك في حينه) فقد سادت في الموطن "الجديد" في الحبشة مع فجر التاريخ، عبادة آلهة جنوب الجزيرة العربية نفسها (عتتر =عشتار= عشتاروت) القمر=المقه/ في سبأ "وود" في معين، عم في قتبان، و"سين" في حضرموت والشمس. ففي النقوش المكتشفة في منطقة الشرق الافريقي يظهر دائماً تقريباً الاسم المقه" إله القمر ويرمز إليه بالهلال والقرص، وتتمثل عبادة الشمس في زوج من الالهة: ذات هميام وذات بعدان (شمس الصيف، وشمس الشتاء).
والبحث في أصل المسند مازال موضع جدل بين الباحثين في العربيات الجنوبية، فمنهم من يرجع أصله إلى الخط الفينيقي (لاحظ المقارنة التي أوردناها أعلاه) ومنهم من يرجعه إلى كتابات سيناء حيث عُثر فيها على كتابات قديمة جداً يعدّها الباحثون أقدم عهداً من العربية الجنوبية (74) فقد وجد شبه كبير بين حروف هذه الكتابات وحروف المسند مما دفع هؤلاء الباحثين إلى اعتبار المسند مشتقاً من خطوط سيناء ومنهم من يعتبر المسند مشتقاً من الخط الكنعاني بسبب التشابه بين حروف الخطين.
فماذا تبين لنا رحلة المسند؟
حول جذوره تتعدد الآراء من أنها كنعانية أو فينيقية جنوبية،أو سيناوية وهذا يعني أن الكنعانية /الأوجاريتية/ والفينيقية الجنوبية، والأكدية، والسيناوية... تتقاطع أيضاً فيما بينها إن لم نقل تتماثل.
أما الاشتقاقات التي تطورت منه فهي لهجات الشرق الافريقي، والبربرية القديمة، ولهجات الجزيرة العربية والنوبية وغيرها، وهذا بالنسبة للشاقول الزمني يضعنا أمام تأكيدٍ آخر للخارطة التاريخية الأناسية العروبية التي أكدناها من خلال لهجات أخرى.
أما من ناحية الحراك الجغرافي فإن المتتبع لمسار المسند بأصوله المحتملة واشتقاقاته التالية، يلاحظ بأننا شملنا الجزيرة العربية بكاملها وبلاد الرافدين / وبلاد الشام، ووادي النيل (من النوبة إلى الجيرز) والساحل الاريتري على البحر الأحمر والهضبة الحبشية والقرن الافريقي واتجهنا إلى الشمال الافريقي العربي مع اللهجة البربرية القديمة فنكون قد شملنا كامل المساحة الجغرافية العربية من خلال متابعتنا لحراك المسند، وهو ما يتطابق أيضاً مع الامتداد الجغرافي لحراك الكنعانيين /الفينيقيين/ ومع الحراك العروبي الأول السابق للتاريخ... ومع كافة احداثيات الحراك الأخرى، الجولانية، مهما كانت اتجاهاتها الجغرافية (التضاريسية) لأن هذه الأخيرة لا تغير ولا تبدل من طبيعة القوام الأناسي المعرفي الذي يشكل وعاء الاحتضان والحركيات الحضارية والثقافية وغيرها.
واللغة منظومة جمعية- كما قلنا أي أنها وليدة الحياة الاجتماعية فالإنسان الذي عاش في الجماعة كان يحتاج للتواصل مع أفرادها نتيجة انخراطهم في الحياة الانتاجية (بتعدد معاني النتاج)، مما دفع هؤلاء الأفراد إلى استخدام الأصوات، والتي انتقلت لاحقاً لتصبح كلمات انتظمت في أنساق خاصة وشكلت اللغة ولم تكن هذه الأخيرة بنموها معزولة عن التفكير بل تترابط وتتداخل وتتفاعل معه، نتيجة لتطور الرؤية الأناسية بمعاني التجريد والتشخيص، ليس بما يخص الواقع المادي الموضوع الموجود فقط، بل بما يتعلق أيضاً بالحوادث والتصورات والاستحضار. وهذا ما عنى في أحد أعمدته الأساسية، التأكيد على الفعل- الأثر، أي إطلاق المعنى خارج العالم الذاتي الخاص الشخصي للفرد، ودفعه للتأثير في البنية المحيطة في غياب الفرد- الأنا أو مع تطور الجماعة إلى أجيالها التالية أو في بناء علائق خاصة مع جماعات أخرى وهو ما أدى إلى الانتقال من اللغة الشفوية إلى الكتابية، والتي مرت بعدة مراحل من التطور.
والجماعات التي تعيش واقعاً تاريخياً - موضوعياً- متطابقاً أو متماثلاً تنتج طرائق للاتصال وللتواصل متطابقة أو متماثلة. وبالتالي لا يمكن أن يكون التطابق في ذلك، وليد الصدفة. خصوصاً أن المراحل التأريخية والتاريخية التي مرت بها اللغة، هي السياق التراكمي والنوعي (البطيء جداً بالمفهوم الزمني) والذي يعني أن التطابق في التصورات واللغة هو تطابق في الخارطة البنائية الاثنوغرافية والأناسية المعرفية بتعدد جوانبها وتطور احداثياتها.
فعندما ناقشنا مثلاً إطلاق تسمية الفينيقيين على الكنعانيين وشرحنا كيف أن هيرودت أشار إلى وجود الطائر -إله (الفينيق) في جنوب الجزيرة العربية والذي كانت مهمته محصورة في حماية شجر البخور واللبان من الأيدي الآثمة التي تمتد لقطع هذه النباتات المقدسة في مرحلة من مراحل التاريخ كانت هذه المواد أهم سلع تجارية في العالم. لأن البخور هو غذاء الآلهة في العالم القديم" وما كان لغذاء الرب هذا أن ينمو سوى في ما عرف عن المصريين في بلاد "طءنتر= وطأة=أرض=بلاد، نتر=نطر-رب أي في بلاد" الرب" لقد كان البخور العمود الأساسي للطقوس الدينية في المعابد والبيوت على كامل امتداد المشرق العربي بما في ذلك بلاد النيل. ورغم أن شجرة البخور كانت تنمو على الساحل الصومالي أيضاً إلاّ أن رديفها اليمني كان، وما زال، ذا نوعية أفضل، مما جعله مؤهلاً لأن يقدم لآلهة تلك الشعوب. وقد عُرف أن البخور أو اللبان لعب دوراً أساسياً في حياة العرب الدينية القديمة أيضاً (75).
لقد كان ساحل "البخور" في ظفار، أما درب البخور والذهب / وهو ما يشير إلى الحراك الترابطي الأناسي/ فقد كان يبدأ من شبوة عاصمة حضرموت منطقياً باتجاه تمنه، ثم إلى مأرب مروراً بقرنو لينتهي في مرحلته الأولى في نجران، ومن تلك النقطة تحديداً كان الطريق يتفرع في عدة اتجاهات:
أولها يمر بوادي الدواسر والافلاج واليمامة لينتهي في الخليج العربي العراقي ومن الجدير بالذكر أن ابن المجاور سجل في "تاريخ المستبصر" وجود طريق يمتد من نجران وحتى شط العرب يسمى "درب الرضراض"(76)
أما التفرع الثاني لدرب البخور والذهب فكان ينطلق من حضرموت تجاه نجران ثم إلى يثرب والعلا شمالي الحجاز ثم إلى البتراء في بلاد الشراة حيث كان يتفرع من هناك بثلاثة اتجاهات: الأول كان يقود إلى دمشق وساحل البحر الأبيض المتوسط والثاني يقود إلى بلاد الرافدين، والثالث كان يقود إلى مدينة غزة ومنها إلى بلاد النيل والتي كان يصلها البخور أيضاً من الساحل الإفريقي الشرقي إما البخور المزروع في الصومال أو عبر مضيق باب المندب.
وبالتالي عُرِف الإقليم الجنوبي لجزيرة العرب بأهم منتج ديني- زراعي- تجاري... ولحماية هذا المنتج سجل هيرودوت في مؤلفه (3/107-112) معلوماته عن الطائر- الإله "الفينيقيا" والأفاعي المجنحة التي تحمي شجرة البخور في بلادهم(77).
وتسمى النخلة باليونانية فنيقس "فينيق" وتقال للعنقاء أيضاً، وسميت فينيقس لأنها كما تقول الاسطورة تتوالد على شجر النخيل. وفي مصر القديمة كان النسر رمزاً لإله الشمس، وكانت النخلة مقدسة عند أم الإلاهه الكبرى. وكان المصريون يعتقدون أن العنقاء تأتيهم محلّقة من جزيرة العرب لأن الشمس تشرق عندهم من سينا. وكان العرب- الصوفيون يكنّون بالعنقاء عن الهيوي(78) ويذكر فون سودن في قاموسه الأكدي الألماني لكلمة النخلة بالأكدية هي: ماراتو، (يلاميتو، ارخانوا، خولاميتو، و"نخلة" العربية المعاصرة مأخوذة من خولاميتو(79).
وما يزال العراقيون يطلقون على الحبل الذي يحاك من ليف النخيل ويستعمل في ارتقاء النخلة (تَبِلْيَة) وهي في الآرامية نفسها
Tabhleya وبالأكدية توبالو. ولقد عثر على نقش في إحدى منحوتات تل حلف على صورة للتبلية.ومن نخلة
Palm=العمود= المستقيم اشتق اسم مدينة تدمر باللاتينية Palmyra و"تدمر" مشتقة من تمر، ومنه لفظة "ثمر" بالعربية الفصحى، والكلمة العروبية المشتركة للنخلة هي مادة (تمر) =تامار بالكنعانية وهي مأخوذة من مارّاتو الأكدية الدالة على النخلة والاسم السومري للنخلة هو غيش- يم- مار=GISHIMMAR وهو يحتوي على المقطع MAR الذي يعني قُبّعاً على صورة رقم 8 ويرد في كلمات ترمز إلى فأس مزدوجة لرأس مزودوجة، أو للمعول وهي نفسها لفظة (المر) بالعربية المعاصرة والأكدية، ومن ثم فإن المقاطع السومرية GISH -IM-MAR تعني:"
الشجرة السماوية المقدسة"(80) وفي الجزيرة العربية كان العرب يعبدون نخلة نجران ويكسونها الملابس ويزينونها بالزينة النسائية وقد عبدت قبيلة حنيفة التمر. وصنعت منه تمثالاً أكلته حين ألمّ بها الجوع. ومن المهم جداً الإشارة إلى أن النخلة أحياناً تقترن باسم بعل "بعل تامار" أي بعل النخلة. ومعروفة أيضاً نخلة مثوى العزى، والعبلاء مثوى "ذي الخلصة" فتقديس العرب للنخلة ليس بالأمر الغريب، فقد كانت شجرتهم المقدسة في مصر وبابل وفينيقيا والجزيرة. ولا غرابة فقد كانت الشجرة بالنسبة إليهم صنواً للحياة سواءً نظرنا إلى الشجرة من حيث هي كائن واقعي أو من حيث هي رمزٌ حيّ. فمن النخلة التمر طعام سائغ وذخرٌ أو عدة للسفر والنبيذ نشوة وانفتاحٌ على عالم لا يكدر صفوه الموت، فلا غرو إن كانت شجرة عشتروت، عشتار المقدسة(81) وهي الضرورية جداً لتجديد حياة العنقاء (طائر الفينيق)- الذي نسبه الإغريق إلى بلاد العرب(82).وهناك إجماع على أن صورة العنقاء مستوحاة من النسر، والعنقاء من العنق ومنها العناق وبغض النظر عن البعد الميثولوجي الذي يتحرك بنفس المناحي التي تنتقل فيها اللغة إلاّ أن الدلالة الهامة التي تشير إليها تلك البنية السابقة، تحمل في بنائها وحدة انتقال التأثير بين اللغة والفكر على مساحة جغرافية هامة وعلى مراحل تاريخية متعاقبة من التاريخ الجغرافي العربي.
وإن كنا سنخصص للبناء الميثولوجي بمرحلتيه العروبية والعربية جزءاً من بحثنا إلاّ أننا نجد من الضرورة أحياناً التعريج على جوانب هامة لها علاقة بالبناء اللغوي واستناداته الأناسية وكما لاحظنا كان هذا التعريج وسيكون مختصراً، ومتعلقاً بالجانب التوضيحي اللغوي.
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |