المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع

المجتمعات الديمقراطية البرجوازية‏

في أعوام التموجات الثورية في ايطاليا، أسس غرامشي ومجموعة من رفاقه القدامى في "اتحاد الشباب الاشتراكي" صحيفة أسبوعية باسم "اورديني نووفو" أي "النظام الجديد" في نهاية نيسان 1919، حيث اكتسبت هذه الصحيفة أهميتها النظرية والسياسية في تاريخ الحركة العمالية، للدور الذي لعبته في نشر النظرية والثقافة الماركسيتين، وفي تنظيم الحملة السياسية من أجل تكوين السوفيتات الايطالية (مجالس المصانع) خلال "السنتين، الحمراويتين"، في مدينة تورينو قلب الصناعة الرأسمالية الايطالية، ومركز الثورة الايطالية، مع اشتداد الأزمة الدولة الايطالية ما بعد الحرب. لقد انصب جهد معظم القادة الثوريين الايطاليين نحو إقامة السوفيتات في ايطاليا، تحت التأثير القوى، الذي كانت تمارسه ابداعات الثورة البلشفية في روسيا، وقادتها الثوريين، حيث كان لينين يمثل بالنسبة لغرامشي "تلميذاً بارداً للواقع التاريخ" و"ثوريا يبني بدون تخيلات مهتاجة، وبانصياع للعقل والحكمة". وكانت القضية المركزية التي كانت تسيطر على فكر وممارسة غرامشي، هي ضرورة تحويل اللجان الداخلية في المؤسسات، (التي لم تكن لجاناً منتخبة ديمقراطياً تمثل بدقة مصالح العمال كلهم، نظراً لأن أعضائها يجسدون خط الادارة، وقادة النقابات) إلى مجالس للمعامل والمصانع. والمجالس العمالية من وجهة نظر غرامشي كانت تمثل وسيلة تعبئة ثورية للطبقة العاملة في سبيل تأكيد سيطرتها المباشرة على الانتاج، من قبل المنتجين أنفسهم في المصنع، و"رأى غرامشي مفتاح المجتمع المستقبلي، حيث يصبح المنتجون قوة عملية الانتاج لا مجرد منفذيها، وحيث يتحول البرغي في آلية الانتاج الرأسمالية إلى ذات"، في دخول الديمقراطية المباشرة للمنتجين كقوة مستقلة إلى مجال الانتاج نفسه، أي إلى ذلك الحيز من المجتمع الرأسمالي الذي يفتقر بحده إلى الديمقراطية مجال العمل"(1).‏

وفي خضم هذه الأحداث الثورية، برز التنافس بوضوح بين النقابات ومجالس المصانع، لأن النقابات كانت تميل إلى التعاون مع الحكومة وأرباب العمل، فضلاً عن انصياعها التاريخي للقوانين التي تفرضها طبقة الرأسماليين، واعتبارها النضال الاقتصادي مع الرأسمالية نشاطاً مهماً من أنشطة الثورة الاجتماعية، في حين أنه نضال محكوم بسقف معين، وطارىء وليس دائماً. و"نظراً لاعتماد النقابات على القوانين الرأسمالية فإنها لم تكن تملك خطاً ثابتاً، يمكن التنبؤ به للتطور، وبالتالي فإنها كانت عاجزة عن تجسيد حركة ثورية ايجابية". وقد كتب غرامشي في صحيفة "النظام الجديد" عام 1919، إن النقابة "شكل من أشكال المجتمع الرأسمالي، وليست تخطي ممكن له. فهي تنظيم العمال لا كمنتجين بل كمأجورين، أي كمخلوقات لنظام الملكية الخاصة الرأسمالية، كبائعي عملهم بشكل سلطة".‏

أما بالنسبة لتجربة مجالس المصانع والمعامل، فإنها أصبحت تشكل الامكانية الواقعية الثورية، لتحويل النظام النقابي والاصلاحي إلى مجال النضال الثوري، وباعتبارها أيضاً تمثل أداة ثورية حقيقية تفسح في المجال للعمال للسيطرة المباشرة على الانتاج، وبالتالي لامتلاك العمليات الاقتصادية، من أجل تحقيق الديمقراطية، والحرية، والتحرير الكامل من علاقة المضطهد بالمضطهد، وعلاقات المستغل بالمستغل، وهذا ما يجعل هذه القوى الانتاجية المتحررة تسهم بشكل فعال في عملية تطوير الثورة بسرعة قصوى.‏

إن غرامشي يميز بين العمال الاجراء، الذين هم عبيد رأس المال نظراً لاستغلالهم من جانب أرباب العمل، في ظل سيادة الرأسمالية، وبين المنتجين الأحرار، الذين يعبدون الطريق لهيمنة البروليتاريا، وبالتالي يشكلون القاعدة الاجتماعية للدولة العمالية المستقبلية.‏

يقول د. كاينو أحد الذين اشتركوا في حركة المجالس العمالية "قد يعتقد أننا هنا أمام كلمتين تعنيان شيئاً واحداً. ولكن الأمر ليس على هذا النحو. إذ أن مفهوم المنتج بالنسبة لغرامشي ينطوي على مضمون عميق ومعنى ثوري. ذلك إنني في حالة وجودي في العمل لست أكثر من أجير مرتبط برب العمل. ولست أكثر من موضوع أو آلة أو عمل أو بضاعة فقط، ولكن عندما قدم لنا غرامشي مفهوم المنتج، فإنه قدم لنا احساساً مباشراً بأننا أرباب عمل، أي أننا نحن المنتجين وصانعي الثورة".‏

إن تجربة السيطرة المباشرة على المجالس العمالية من جانب المنتجين أنفسهم، شكلت إطاراً سياسياً مهماً في نظرية الثورة عند غرامشي، بما أنها تخطت جدلياً عجز الحزب الاشتراكي الايطالي، الذي كانت تشقه عدة أجنحة متعادية، وبخاصة جناح الاشتراكية الاصلاحية بقيادة سيراتي، وجناح بورديغا- غرامشي الذي أيد النقاط الإحدى والعشرون، أو شروط الانتماء إلى الأممية الشيوعية الثالثة، وقام بإعداد وثيقة مع المجموعات الشيوعية، التي وافقت على طرد الاصلاحين من الحزب، والتي طالبت بتحويل الحزب الاشتراكي الايطالي إلى حزب جديد شديد المركزية، والي تسميته الحزب الشيوعي لايطاليا الملتزم بخط "الكموتترن"، والذي عقد مؤتمره في (ليفوونو) في 21 كانون الثاني 1921. كما أن المجالس العمالية تخطت جدلياً النقابة ووظيفتها، وأصبحت بذلك طليعة حقيقية للنضال الواعي، حين أسهمت في ربط الحزب مباشرة بالحركة الجماهيرية الفعاله الواعية للطبقة العاملة، باعتبارها الطبقة الجديدة من المنتجين، التي يترتب عليها من أجل تحقيق هيمنتها على الطبقات الاجتماعية الأخرى، أن تحقق في الوقت عينه هيمنتها اقتصادياً وسياسياً، وثقافياً، وتقنياً، وبذلك كانت مجالس المصانع، قاعدة الدولة البروليتارية الجديدة، وأداة الحركة الثورية الايطالية، التي مارست من خلالها قيادة فعلية للمجتمع المدني، حيث بدأ هذا الأخير في امتصاص المجتمع السياسي وبالتدريج.‏

مع هزيمة احتلال المصانع في تورينو، كتب غرامشي يقول: "ولم تكن نتيجة احتلال المصانع هزيمة أخرى للعمال فحسب فالبرجوازيون الايطاليون خرجوا من هذا النزاع وهم يشعرون بالمرارة، ليس فقط لأن العمال سيطروا على مصانعهم بل لأنهم اقتنعوا أيضاً بأن الحكومة لم تعد تستطيع حماية مصالحهم. وكان الصناعيون قد فقدوا ثقتهم بـ" الدولة الليبرالية" وأصبحوا يتقبلون الوسائل السياسية التي هي من طبيعة مختلفة كلياً. وكانت الحكومة أيضاً مصرة على اتخاذ اجراءات، وإن "مؤقتة" لاجبار العمال على العودة إلى صيغ أكثر تقليدية للنضال، وكانت ساعة الفاشية قد أصبحت على مدى قبضة اليد. وحركة موسوليني التي كانت ضعيفة وقابلة للتجاهل قبل أيلول سبتمبر 1920 نمت بسرعة مدهشة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من السنة"(2).‏

هناك مجموعة من العوامل ستشكل بالنسبة لغرامشي وقفة تأمل تاريخية في دراسة التجربتين السوفياتية والايطالية، بشكل يمكنه من بلورة استراتيجية جديدة للهيمنة، يربطها خط مباشر هابط بين مجالس المصانع ودفاتر السجن، ومنها هزيمة الحركة العمالية في تورينو، وعجز الاشتراكية الايطالية عن التغلغل في الريف، وبالتالي اهمال المسألة الفلاحية، وعدم تبني غرامشي بعض الصفات اليعقوبية في الثورة البلشفية، والتي فرضتها الظروف الخاصة لروسيا باعتبار المجتمع السياسي هو كل شيء وتأليه ديكتاتورية البروليتاريا، على الرغم من أن الدولة حلت محل الحزب، وبروز ظاهرة التقديس المفرط لأشكال قمع الدولة، و"التي بدت كأنها "كانت سمات دائمة، وليست انتقالية، من سمات النموذج السوفياتي"، والتبني المتأخر لغرامشي للمفاهيم اللينينية حول الحزب، الذي كان يعود إلى اختلافه مع بورديغا"، الذي كان يمثل آنذاك بالنسبة لغرامشي اللينينية".‏

بالإضافة إلى هذه العوامل مجتمعة، هناك "الخصوصية الايطالية"، التي أعطاها غرامشي أهمية معينة، وبخاصة مسألة الجنوب، التي تعتبر بحق "المسألة الأزلية" للاشتراكية الايطالية، حيث كتب غرامشي يقول، كان لحركة تورينو "حسنة لا يمكن انكارها" وهي أنها "جلبت المسألة الجنوبية لانتباه الطبقة العاملة وصاغتها كإحدى المسائل الضرورية للسياسة القومية للبروليتاريا الايطالية".‏

والخصوصية الايطالية نابعة من طريقة الثورة البرجوازية عينها غير المكتملة والناقصة، ومن الضعف النسبي للرأسمالية، وبالتالي ضعف القاعدة الصناعية، ومن جراء طابع التحالفات والتسويات بين برجوازية الشمال الصناعية، وكبار ملاك الأراضي والبرجوازية المتوسطة في الجنوب، التي ولدت في سيرورة تطورها اللاحق تطوراً لا متكافىء للرأسمالية. ولقد أصبحت المفارقة في المجتمع الايطالي تتمثل في وجود الشمال الصناعي، الذي هو بمنزلة مدينة صناعية كبرى ومتقدمة، ويلعب دور المتروبول الرأسمالي، وفي بقاء الجنوب الفلاحي متأخراً تاريخياً، والذي هو بمنزلة ريف واسع جداً، حولته سيطرة برجوازية الشمال المتحالفة مع كبار ملاكي الأراضي والبرجوازية المتوسطة إلى مستعمره مستغلة مرتبطة بالمتروبول الشمالي. وفي ظل الأوضاع هذه "فان المصالح "المتنافرة" والمتناقضة للطبقات الايطالية الحاكمة أعطت البروليتاريا "أهمية أكبر مما لها في بلدان أوروبية أخرى، وحتى تلك الأكثر تقدماً رأسمالياً.(3).‏

ولهذا السبب، ركز غرامشي في أطروحة واستراتجية الصراع من أجل الهيمنة، على ضرورة تحالف الحركة العمالية في الشمال مع حركة الفلاحين في الجنوب، الذي يتوقف عليه مستقبل الثورة البروليتارية في ايطاليا، باعتبارها حلقة ضعيفة بنيوياً في النظام الرأسمالي. وهذا ما يجعل قدرتها أقل على مقاومة الثورة، أولاً، وفي سبيل الحيلولة دون أن يصبح الجنوب الايطالي قاعدة للقوى الرأسمالية المضادة للثورة ثانياً. ومن هذا المنظار، "إن لم يتحقق هذا التحالف، "لن تستطيع البروليتاريا أن تصبح الطبقة "الموجهة" وستبقى تحت الادارة البرجوازية تلك الطبقات التي تمثل في ايطاليا أغلبية السكان، مما سيمكن الدولة من دحر ومقاومة الزخم البروليتاري(4).‏

إن التحالف بين العمال والفلاحين، في ارتباطه الصميمي بمسألة الجنوب، وبمسألة الفاتيكان (باعتبار المسألة الفلاحية في ايطاليا قد اتخذت هذين الشكلين الخاصين والنموذجين)، شكل إحدى الموضوعات الأساسية التاريخية، التي ظل غرامشي يتصدى لها في معالجته النظرية والسياسة منذ تجربة النظام الجديد وحتى مرحلة دفاتر السجن، من أجل بلورته النظرية لمفهوم الهيمنة، الذي استقاه من تراث التجربة الروسية، وخط الكومنتون، فضلاً عن اعتماده على التحليل المشخص للواقع التاريخي السياسي لايطاليا. لقد أدرك غرامشي بأن التحالف الطبقي بين العمال والفلاحين، هو الذي يقدم الشرط الموضوعي والأساس النظري والعملي، الذي يقود البروليتاريا على طريق الثورة في نضالها المشترك مع جميع الفئات المستغله ضد الرأسمالية، وإلى تحقيق هيمنتها على باقي الطبقات الأخرى، باعتبارها الطبقة الموجهة"، قبل الاستيلاء على السلطة، والتي لن تتحقق بدون تقديم بعض التنازلات، والتضحيات بمصالحها المباشرة لمصلحة حلفائها الممكنين في المجتمع. ويؤكد غرامشي، بأن واقع الهيمنة يفترض "مسبقاً أخذ مصالح ونزعات الجماعات التي ستتم ممارسة الهيمنة إزاءها بنظر الاعتبار، إضافة إلى تحقيق نوع من المساومة المتوازنة- وبعبارة أخرى أن على الطليعة أن تقدم تضحيات ذات صفة اقتصادية أيضاً، عليها بالضرورة أن تستند إلى الوظيفة الحاسمة التي تمارسها الطليعة في النواة الحاسمة للنشاط الاقتصادي".‏

ليس بإمكان الطبقة العاملة أن تصبح مهيمنة، من دون أن تقع في استراتجيتها السياسية حل المهام، التي لم تستطع أن تحلها الثورة البرجوازية الديمقراطية، وبشكل خاص في حالة ايطاليا ما بعد الريزوجيمنتو، والتي أصبح انجازها منوطاً بالدور التاريخي للبروليتاريا، باعتبارها الطبقة الثورية الجديدة النقيض، حيث أن عملية تحولها إلى طبقة مهيمنة، يتطلب بالدرجة الأولى، أن تدرك قيمتها الحاضرة، ووظيفتها الحقيقية، ومسؤوليتها، ومستقبلها، لا من خلال وعي مصالحها الحقيقية المباشرة كطبقة فقط (أي انتقالها من طبقة في ذاتها إلى طبقة لذاتها)، وإنما من خلال تقربها من قلب مصالح جميع حلفائها الممكنين، وبخاصة جماهير الفلاحين، والارتقاء بتوسيع هذه المصالح على صعيد مشروعها السياسي الثوري، واكتسابها نفسية وطباع الطبقة السائدة لتأسيس هيمنتها أولاً. ويتطلب انتقال الطبقة العاملة إلى الطبقة المهيمنة النقيض، انتقالها من الدور الاقتصادي، أي عملية تخطيها للبيروقراطية النقابية التي تكمن وظيفتها في إقامة توازن بين العمل ورأس المال، وللاقتصادية- الايديولوجية، التي لا تلعب الدور المحرك الديناميكي في التغيرات والمطالب الثورية، إلى الدور السياسي- الأخلاقي "مما يشير إلى انتقال واضح من البنية إلى مجال البنية الفوقية المركبة"، والذي يستلزم الدور السياسي الشمولي، الذي يتخطى المصالح القطاعية النقابية، والمقولات الاقتصادية، ليشكل مشروعاً سياسياً ثورياً متكاملاً عبر المساحة المجتمعية لمختلف الطبقات المستغله والمضطهدة. ويكون بذلك تحدياً سياسياً وثقافياً وايديولوجياً، في سبيل تشييد نظام فكري وأخلاقي جديد، يقوم على تطوير الأسلحة الأكثر شمولاً وعمومية، والأكثر حسماً دقة، وصقلاً، أي الأسلحة الايديولوجية والثقافية الملازمة بشكل أساسي لغزو فضاءات المجتمع المدني ومؤسساته، من النقابة، والأحزاب، والجامعات والمدارس، ووسائل الأعلام والنشر، والصحافة، ولتغيير موازين القوى الاجتماعية لمصلحة الطبقات والفئات المستغله والمضطهده، من أجل تحقيق هيمنة الطبقة العاملة، عبر كسر واختراق الهيمنة الثقافية والايديولوجية للبرجوازية، باعتبارها الشرط اللازم والضروري لتحقيق سيطرتها السياسية كطبقة مخلصة للمجتمع، ثانياً. من هنا اشتق غرامشي، أهمية الدور الثقافي والايديولوجي في النشاط العملي الثوري (الجمعي)، حيث أنه ليس بوسع الفعل التاريخي أن يقوم إلا على أكتاف "الرجل الجمعي" أو "المثقف الجمعي"، أي الحزب، والدور الريادي للانتلجنسيا الثورية، أي إلى دور المثقفين العضويين، و"يختلف جدل: المثقف/ الطبقة من طبقة إلى أخرى، فلكل طبقة مسارها الخاص بها في تشكلها كطبقة، وفي إنتاج ثقافتها، وتكوين المثقفين العضويين المرتبطين بها.‏

يؤكد غرامشي في هذا الجدل حقيقة أساسية، تقول: لا تحقق الطبقة استقلالها الذاتي، أي وجودها الموضوعي كطبقة، إلا في تحقيق استقلالها السياسي، الذاتي، الذي لا يستوي إلا إذا احتضن الاستقلال الثقافي الذاتي لهذه الطبقة. وبما أن غرامشي لا يرى العلاقات الاجتماعية إلا في شرطها التاريخي الذي أنتجها، فإنه تلمس علاقات الاختلاف بين وضع المثقف في حقل الطبقة العاملة، ووضع المثقف في علاقته بالطبقة البرجوازية.‏

لقد لعب المثقفون دوراً مباشراً في تكوين البرجوازية كطبقة قائدة ومسيطرة. أما في حالة الطبقة العاملة فإن المثقفين يلعبون دوراً جوهرياً في التنظيم السياسي للطبقة. وفي هذا الاختلاف نلمس الفرق بين طبقة برجوازية متكونة وطبقة نقيض تتكون في صراعها السياسي ضد الطبقة الأولى، أي تتكون في سيرورة سياسية معقدة هدفها هزيمة البرجوازية، وفرض الطبقة العاملة كقوة قائدة ومسيطرة. وفي هذه الحالة، يلعب حزب الطبقة العاملة دوراً حاسماً في انتاج الطبقة العاملة كطبقة بالمعنى المادي للكلمة، من خلال جدل معقد يوحد بين القيادة الواعية والعفوية الجماهيرية، أو من خلال تفاعل مفتوح بين القيادة والقاعدة بشكل يلغي المعنى التقليدي للمرتبية الاجتماعية وينتج ظاهرة جديدة هي: المثقف الجمعي الذي هو حزب الطبقة العاملة"(5).‏

إن غرامشي حين يؤكد على دور الثقافية والمثقفين، فإنه لا يعني المثقفين المفصولين عن الشعب، والمرتبطين بتراث منغلق، أكثر من ارتباطهم بالطبقة العاملة وجماهير الفلاحين، لأن هؤلاء المثقفين في علاقتهم مع الشعب كانوا "طبقة منفصلة، ولم يكونوا عنصراً مرتبطاً بالشعب نفسه". مثلما أن غرامشي لا ينطلق في تحديده للمثقفين من المثقفين التقليديين، الذين يتسمون بصفة الخالق المتعالي، نظراً لمستواهم التعليمي والمعرفي والأكاديمي، والذين يظهرون كممثلي الاستمرارية التاريخية غير المتقطعة لسيطرة الطبقة الاجتماعية المالكة لوسائل الانتاج في مرحلة تاريخية معينة ولت، والذين كانوا يمثلون أدوات الممارسة الايديولوجية والسياسية، في خدمة هيمنتها الطبقية، انطلاقاً من ضرورة الحفاظ عليها، لا من ضرورة التحرر منها، وإنما ينطلق من مفهوم جديد كلياً للمثقفين، الذين يلعبون دوراً حاسماً في مجال خلق الوحدة الفكرية والثقافية الجديدة للكتلة التاريخية الثورية القائمة على الوحدة العضوية للحزب الثوري أي الأمير الجديد مع المثقفين والجماهير العمالية والفلاحية، باعتبارها أحد شروط ممارسة وظيفة الهيمنة من جانب الطبقة العاملة، في إطار تصور متكامل وجديد لبناء مجتمع مدني متحرر إنسانياً في كل مجالات الحياة.‏

ولما كان الموضوع الرئيس في استراتيجية الصراع من أجل الهيمنة هو إنتاج فكر ثوري ثقافي، وسياسي، وايديولوجي، يسهم في تحديد تحرك الواقع الاجتماعي من موقع دخوله في ميدان الصراع الطبقي، ومن خلال تحوله إلى أداة للطبقة العاملة الثورية، فإن هذه الأخيرة ستصطدم بجهاز الدولة في ممارستها الايديولوجية والسياسية والثقافية، لصراعها الطبقي، باعتبار أن التناقض الذي يدفعها إلى مجابهة جهاز الدولة، هوا لتناقض عينه بين ممارستها الثقافية والسياسية الباحثة عن هيمنة نقيض، وبين الممارسات السياسية للطبقة المسيطرة، داخل هذا الحقل السياسي للصراع الطبقي. ومن هذا المنظار، فإن موقع المثقف في عملية الصراع الطبقي يتحدد من خلال أدائه لوظيفة اجتماعية سواء في الحقل الاقتصادي أم على المستويين الاجتماعي والسياسي، وعبر علاقته بالممارسة السياسية للطبقة التي ينتمي إليها. فهو يختلف في شكل وجوده الاجتماعي هذا باختلاف الممارسة السياسية للطبقة المسيطرة التي هو أداة لها، أو أن يكون أداة للمارسة السياسية للطبقة الثورية النقيض. وبتعبير آخر، فإن غرامشي حين يدرس وضع وموقع المثقف، إنما يدرسه في سياق تاريخ المثقف الايطالي في علاقته بنشوء وتطور الرأسمالية في ايطاليا. "إن بناء النظرية في علاقة السياسة بالتاريخ يفضي مباشرة إلى مفهوم التمييز أي إلى تطبيق المفاهيم النظرية العامة على تشكيله اجتماعية- اقتصادية محددة من أجل انتاج معرفة نظرية محددة. وفي حال غرامشي، فان التجديد هو انتاج مفاهيم ماركسية تشرح خصوصية الواقع الاجتماعي في ايطاليا. لا معنى للمفهوم النظري العام إلا في تمييزه، أي في اختباره على ضوء واقع محدد، والاختبار يوضح المفهوم أو يعدله، وينتجه من جديد، فاعادة انتاج المفاهيم النظرية العامة، بشكل يحافظ على عموميتها، يحول النظرية إلى مزيج من الايديولوجيا واللاهوت. وفي بحثه في شروط الثورة البروليتارية في ايطاليا، أنتج غرامشي جملة المفاهيم الأساسية مثل المثقف العضوي، والمثقف التقليدي، الهيمنة، الكتلة التاريخية، وهذه المفاهيم، في وحدتها، تطرح سؤالاً أساسياً، كيف يمكن الانطلاق من الواقع الايطالي لتحقيق ما أنجزته ثورة أكتوبر، أي لتحقيق الثورة الاشتراكية في ايطاليا؟‏

وكان غرامشي في هذا السؤال ينكر مفهوم النموذج، ويستنكر فكرة استيراد النموذج، فالنموذج فكرة مجردة، والثورة تبدأ بالمشخص، بالمتميز الذي يتجلى في إنتاج النظرية وقراءة التاريخ، وممارسة السياسة"(6).‏

من الطبيعي أيضاً، إنه بالنظر إلى طبيعة الثورة البرجوازية الايطالية، وحركة النهضة "الريزوجمنتو" المتسمة بطابع التحالف بين برجوازية الشمال مع كبار الملاك في الجنوب، والتي استبعدت الدور التاريخي لجماهير الفلاحين في الثورة الديمقراطية، ولم تعتمد على حركة شعبية ثورية، والتي حافظت على بقاء المؤسسة الدينية المتمثلة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وعلى حضورها الفاعل في الحقل الايديولوجي، أي يعتبر غرامشي حركة النهضة هذه، بأنها "ديكتاتورية بدون هيمنة"، على نقيض الثورة الفرنسية، التي لعبت فيها جماهير الفلاحين وفئات البرجوازية الصغيرة دوراً رئيساً، حيث كان لطابع الهيمنة للبرجوازية الفرنسية سمه شعبية. وفضلاً عن ذلك، فقد شكلت هذه الشروط التاريخية الاجتماعية المحددة لواقع ايطاليا، التربة التاريخية- السياسية الخصبة لمثل هذا الشكل من البحث التاريخي- السياسي، الذي قام به غرامشي في سبيل انتاج فكر نظري متميز بارتباطه الصميمي بالأشكال التي يظهر فيها الصراع الطبقي في ايطاليا، والذي هو في جوهره صراع سياسي، وبعلاقته باستراتجية الطبقة العاملة، و"أميرها الحديث" أي حزبها- حيث تتوحد هنا عند غرامشي النظرية بالممارسة، والسياسة بالتاريخ- التي تحدد الامكانية السياسية والتاريخية، لتحقيق المهمة الهيمنية، من جاب الطبقة العاملة نفسها على جماهير الفلاحين والفئات الشعبية المستغله، والاستمرار في انجاز المهمات الثورية النهضوية، من أجل توحيد البلاد توحيداً فعليا، والقضاء على مخلفات الاقطاع في الريف، على طريق تحقيق الثورة الاشتراكية. ولأن مهمة الهيمنة هذه، في ظل ثورة برجوازية ناقصة، وفي ظل اختلاف البنية الاقتصادية، والاجتماعية بين الشمال الصناعي المتقدم، والجنوب الفلاحي المتأخر تاريخياً، واختلاف المنظور بين مثقفي الشمال، ومثقفي الجنوب، انتقلت من يد البرجوازية وأصبحت ملقاه على عاتق البروليتاريا. "إن الهيمنة البروليتارية تعني والحال هذه اشتغال الايديولوجيا كاسمنت اجتماعي بعمق تماسك الكتلة التاريخية أي أن تصبح ايديولوجية الطبقة العاملة تركيبية تأخذ في اعتبارها التقاليد التاريخية الفريدة للمجتمع والاسهامات الثقافية لمختلف الحركات الاجتماعية المكونة للكتلة المهيمنة، لا أن تكون ايديولوجيا طبقية نقية تعبر فقط عن المصالح الطبقية للعمال، ومن هنا أسس غرامشي تلك العملية الخاصة بالنضال الايديولوجي "الاصلاح الثقافي الأخلاقي"(7).‏

إن تحقيق هيمنة البروليتاريا في ظل الوجود المتميز للواقع التاريخي والسياسي الايطالي، يتطلب من الفلسفة الماركسية باعتبارها النظرية النوعية للتاريخ، وعلم الجدل، والمنطق، والتاريخيةُ المطلقةُ فلسفةً"، أن تتحاور جدلياً مع الايديولوجية والثقافة الشعبية السائدة وسط الطبقات الشعبية، وبخاصة في أوساط الفلاحين، حيث أن فلسفة الشعب تقوم بالضبط على ما يمكن تسميته عموماً بـ"الحس العام" أو "الفطرة السليمة"، والتي ليست سوى مجموعة من المعتقدات الباقية، والآراء المختلفة، والأفكار المبعثرة في جميع مراحل التاريخ الماضية، المفعمة في أغلب الأحيان بالتعصب، وبمتانتها الصورية.‏

من هنا فان غرامشي يعتبران كل البشر "فلاسفة" كل على طريقته، وبصورة لا شعورية، مادام نشاطهم الفكري، حتى في مستواه البسيط، يتضمن تصوراً معيناً للعالم، ويعرف فلسفتهم هذه بحدود "الفلسفة العفوية"، التي تتسم بخصائص معينة، ومنها:‏

1- اللغة نفسها وهي جملة من المفاهيم والمعاني المعينة لا جملة من الألفاظ الفارغة لغوياً.‏

2- الحس العام والفطرة السليمة.‏

3- الديانة الشعبية وبالتالي المنظومة الكاملة للمعتقدات والخرافات والآراء ووجهات النظر والعمل المجموعة عادة في ما يسمى بـ"الفولكلور".‏

يستنتج من هذا المقطع أن غرامشي يدعو إلى اصلاح فلسفة الجماهير، والقيام بالتجديد الثقافي، باعتباره عملاً اصلاحياً ثقافياً وأخلاقياً، ملازماً بالضرورة لهيمنة الطبقة العاملة، وهذا يقتضي، تحديد شروط الانتقال من فلسفة "الحس العام" أو "الفطرة السليمة" العفوية، غير المتماسكة، إلى الفلسفة النقدية المتماسكة، ومنطلق الاعداد النقدي هذا، يتمثل في مقولة غرامشي الشهيرة "أعرف نفسك"، أو وعي لحقيقة الذات.‏

إن غرامشي، وهو يؤكد على ضرورة خلق ثقافة جديدة وفلسفة جديدة تشكلان قوة مادية في عقول الجماهير، وتتأصلان في وجدانها بنفس قوة المعتقدات التقليدية، ينطلق أيضاً من ضرورة القيام بتحليل نقدي لفلسفة "الحس العام"، التي تمتلك تصوراً للعالم غير نقدي، "على النحو الذي نجده في مختلف البيئات الاجتماعية والثقافية التي تنمو فيها الفردية الأدبية للإنسان الوسط" و"الحس العام" باعتباره "فولكلور" الفلسفة لا يتضمن تصوراً متماسكاً ومنطقياً، وهو في هذه الحالة، "يوافق الوضع الثقافي والاجتماعي للجماهير التي يعبر عن فلسفتها"(8).‏

كما أن فلسفة الحس العام لا تتضمن مفهوماً علمياً وصحيحاً عن الحقائق، لأن "الحس العام" مفهوم ملتبس، متناقض ومتعدد الصور، والحال هذه لا يجوز اعتباره محكاً للحقيقة، وإن كان هذا القول ليس انكاراً مطلقاً بعدم وجود حقيقة حس عام. على أن المذاهب الفلسفية التقليدية الكبرى، التي يتبناها أهل الفكر والثقافة العالية، الذين يمتلكون تصوراً نقدياً ومتماسكاً للعالم، يرون في الحس العام، "شيئاً من النزوع إلى التجريب، ومن الملاحظة المباشرة للواقع وإن كان ذلك بصورة تجريبية محدودة". من هنا دعا غرامشي إلى ضرورة تنمية وتطوير النواة السليمة من "الحس العام"، "التي يسميها "بالفطرة السليمة"، في سبيل جعلها متماسكة.‏

إن الخاصية الايجابية في "الحس العام"، هو أنه "إذا عرضت له سلسلة من الاحتكام عرف فيها السبب الحقيقي البسيط والسهل، ولا ينحرف عن الصواب بتأثير الميتافيزيقيا وطلسماتها المتصفة زوراً بعمق النظر ودقة العلم الخ"(9).‏

وتكمن هيمنة المثقفين العضويين في نقد الثقافة والايديولوجيا القائمة على "الحس العام"، وفي التأكيد على دور الأفكار الجديدة في تغيير الحقائق الموضوعية للظواهر الخارجية. على أن هذا النقد لفلسفة "الحس العام" لا يعني الدخول في تناقض عدائي معها بشكل فج، وإنما يتطلب النقد إظهار محدوديتها، وطبيعتها الجزئية في رؤية الحقائق، وتصوراتها المثالية القديمة، المتعلقة بنظرتها للعالم، فضلاً عن ضرورة الاستفادة من الجوانب التقدمية من "الحس العام"، من أجل تنميتها، وتوحيدها، وجعلها متماسكة، عن طريق خلق ثقافة جديدة، تجسد وحدة الفكر العضوية والمتانة الثقافية، حيث يصبح المثقفون العضويون أنفسهم مفكرين حقيقيين للجماهير، في نطاق التحامهم العضوي بالشعب من أجل اعداده فكرياً وثقافياً، لكي يصبح قادراً على التفكير في الواقع الحاضر تفكيراً متماسكاً، موحداً، ونقدياً. وهذا ما تصبو إليه فلسفة البراكسيس، التي "لا تهدف إلى إبقاء "السذج" على فلسفتهم البدائية، فلسفة «الحس» العام بل إلى النهوض بهم نحو تصور أعلى للحياة، وتريد تخليصهم وتحريرهم من التصور البدائي والمشوش للعالم والحياة، ومن التحجر وضيق الأفق والابهام على الصعيد الفكري والثقافي غير المنسجم مع روح العصر، وبالتالي القيام بعملية تفكيك للإرادة الجمعية القديمة، عبر الافساح في المجال "لوعي الذاتي النقدي"، والتخطي الجدلي "للحس العام"، و"الحكمة الشعبية" عبر استخدام سلاح النقد، الذي يقود إلى تحريرهما من الجوانب الرجعية والمضادة للتقدم، مؤدية بذلك إلى حس عام جديد، وكتلة ثقافية وفكرية اجتماعية جديدة، ومتطورة تمتلك آليات الاختراق للوعي الشعبي القديم بواسطة القبول، حيث أن الجماهير الشعبية يصعب عليها في البداية، تبديل تصوراتها القديمة، وفي الوقت عينه القيام بتجذير التصور الجديد للعالم في الوعي الشعبي، وتأهيله في وجدان الشعب "بقوة المعتقدات التقليدية وبما فيها في الوقت نفقسه من طابع الأمر".‏

إن هيمنة "الاصلاح الفكري والثقافي" أو الثقافة الجديدة، الخالقة لمعطيات ايديولوجية جديدة، عبر تجسيد وحدة الفكر العضوية والمتانة الثقافية أو الوحدة الايديولوجية بين أهل الفكر (المثقفين العضويين) والشعب، والتي تمتلك تصوراً جديداً للعالم، نقدياً وموحداً، ومتماسكاً هو شرط ملازم وأساس لوصول ايديولوجية الطبقة العاملة إلى موقع الهيمنة في بنية المجتمع ككل، وفي علاقتها الصراعية مع باقي الايديولوجيات الطبقية المسيطرة. وما نعنيه هنا بالثقافة الجديدة في علاقتها بالشعب والأمة، هي الماركسية المتلحمة عضوياً بجمهور الشعب، حيث أن السؤال المطروح هو "كيف تصبح الماركسية، هي أرقى أشكال الثقافة المعاصرة، وعياً شعبياً أو ماركسية جماهيرية؟"(10).‏

وتتمثل تاريخية غرامشي في رؤيته للثقافة الجديدة المعاصرة، باعتبارها تعبيراً واعياً للتناقضات التاريخية للبنية الاجتماعية في البلاد المخصصة لعملية التغيير الثورية، من أنها لن تصبح مهيمنة، إلا عبر كسرها للوحدة الثقافية القائمة على الايديولوجيات التقليدية المسيطرة، ومجابهتها تصلب وتحجر الثقافة الشعبية المطروحة للهيمنة. والحال هذه، فإن اختراق الطبقة العاملة هذه الهيمنة، وانتزاع السيطرة الايديولوجية، والثقافية، من الطبقة المسيطرة ايديولوجيا، وسياسياً، واقتصادياً، وفرض هيمنتها في اللحظة التاريخية، التي تبلور فيها ثقافتها الجديدة، وتصورها للعالم والحياة، عبر خلقها تراكيب ايديولوجية جديدة، لا يتحدد داخل الميدان الايديولوجي والثقافي على الرغم من أهميته، بل بالفعل التاريخي داخل الحقل السياسي للصراع الطبقي، وبفعل الممارسة السياسية الثورية لهذا الصراع. وهذا لن يتم تحقيقه إلا على أكتاف "الرجل الجمعي"، أي الحزب المهيمن "كمثقف جمعي" أولاً، وبواسطة توافر خاصية الانتاج الاجتماعي للبنية الايديولوجية، وعدم اكتمالها، ثانياً. لأن "انفتاح البنية هذا، وعدم تبلور عناصرها تراه شرطاً أساسياً لحدوث الهيمنة، وليس ذلك وقفاً على النظام الثقافي الخاضع للهيمنة أو المستهدف، بل ينطبق أيضاً على النظام الساعي لها، وعليه لا يجب النظر إلى البنية الايديولوجية للطبقة العاملة باعتبارها بنية مغلقة مكتملة العناصر، وإلا فلن تستطيع التمفصل مع العناصر المتقدمة في الثقافة الشعبية، التي هي بطبيعتها مفتوحة للهيمنة سواء أمام الايديولوجيا الماركسية أو ايديولوجيا الطبقة المسيطرة، وربما يفسر ذلك نجاح بعض النظم البرجوازية الشعبوية في العالم الثالث في التمفصل مع الفكريات الشعبية في بلدانها، والهيمنة عليها. فكانت الايديولوجية الناصرية مهيمنة بالفعل في مصر، ولم يكن لجوء النظام الناصري للعنف موجهاً إلا للقيادات السياسية المعارضة في حين كانت الجماهير منضوية تماماً تحت ايديولوجيته، التي التقت بالعديد من العناصر الثقافية لدى الشرائح البرجوازية الصغيرة والفلاحية، وحتى بعض قطاعات الطبقة العاملة، الأنكى هو تمكن الايديولوجية الناصرية من الهيمنة على فكر منظمات ماركسية واستيعاب كثير من قياداتها(11).‏

إن فيما وراء الهوس "الشخصي" لغرامشي من الثقافة الشعبية يعود إلى المشروع السياسي والثقافي النهضوي، الذي يحمله، وهو بكل تأكيد المشروع الحالم المتجه نحو المستقبل بطبيعته، القائم على ضرورة خلق ثقافة جديدة، وفلسفة جديدة، في إطار الصراع من أجل الهيمنة، ولكن هذا المشروع لا يتنكر للماضي، بل إنه يدعو إلى اعداد فلسفة أصيلة للجماهير، وهذا يتطلب الانطلاق من تحليل نقدي لفلسفة الثقافة الشعبية القديمة للجماهير، حيث الفولكلور إحدى صورها التي لا تحصى. وهذا النقد للماضي القريب يشكل نقطة الارتكاز من أجل توظيفه لمصلحة بلورة الثقافة الجديدة، التي تتخطى جدلياً في الزمان والمكان رسوخ معتقدات "الحس العام"، أو فولكلور الفلسفة، أي لمصلحة المشروع الثوري المستقبلي للطبقة العاملة، وحلفاءها الممكنين في المجتمع، الذي يدخل في قلب عملية الهيمنة على الثقافة الشعبية، لغزو فضاءات المجتمع المدني الحاضرة، وبناء المستقبل على أساس التصور الجديد للعالم والحياة.‏

من هنا نتفهم موقف غرامشي الداعي إلى دراسة الثقافة الشعبية دراسة نقدية، لكي لا تصبح منافسة ومعرقلة للثقافة الجديدة، لأن المضمون الايديولوجي للفلولكلور يظل كما هو عليه على مر الحقب الزمنية والتاريخية الطويلة، حتى وإن كان الأساس الطبقي الاجتماعي والتاريخي، الذي أنتجه، قد تغير. يقول غرامشي في هذا الموضوع "لا يجب التعامل مع الفولكلور كطرفه أوكأمر غريب مثير للعجب فهو شيء جاد جداً ويجب التعامل معه بجدية، إنه تصور للعالم والحياة، وهو خاص ببعض الفئات الاجتماعية (محددة بالمكان والزمان)، أي أنه خاص بـ(الشعب) من حيث هو (مجموع الطبقات الخاضعة). والفولكلور متعدد وشديد التنوع يقف في "تعارض وتنافض" و"معارضة" وضد التصورات الرسمية في العالم، وضد تصورات (الفئات المتعلمة في المجتمع) و"الطبقات الحاكمة" وضد الدولة، أي أن الفولكلور يتناقض مع (المجتمع الرسمي) بشكل عام. ومن هنا يمكن فهم الفولكلور كانعكاس لشروط حياة الشعب الثقافية"(12). إن ميكانيزم العودة إلى دراسة الفولكلور من جانب غرامشي ما كان ممكناً لو لم يكن غرامشي نفسه واعياً جيداً بأن الثقافة الشعبية تشكل تهديداً حقيقياً للمجتمع الرسمي، أي للدولة، خصوصاً عندما تمارس هذه الأخيرة كممثلة للطبقة السائدة تحدياً سافراً للشعب، لمقومات وجوده وشخصيته، الأمر الذي يدفعه إلى الاحتماء بالثقافة الشعبية، للدفاع عن نفسه بواسطتها ضد هذا العدو الطبقي، أو ضد الغزو الثقافي الخارجي. فالثقافة الشعبية تبدأ في التاريخ، مع الانتقال إلى المجتمع الطبقي، ثم مع ظهور الدولة باعتبارها الأداة الطبقية المسيطرة، ومن حيث هي النتاجات الاجتماعية، والفكرية، والثقافية والروحية، والمرتبطة بالضرورة التاريخية في تطورها اللاحق، بالشروط المادية والتاريخية، التي تحدد بنية علاقات الانتاج في المجتمع، حيث أن الشكل التاريخي الذي تأخذه هذه الثقافة الشعبية في مجتمع معين، هو الشكل التاريخي الذي تحدده لها طبيعة البنية الطبقية الخاصة بهذا المجتمع. من هنا فان الثقافة الشعبية وظيفة اجتماعية وطبقية، يتطلب فهمها واستيعابها من أجل كشف عناصر التغيير الثوري الملازمة لها، فضلاً عن أن نجاح المشروع السياسي النهضوي للطبقة العاملة، القائم على نقض التأخر التاريخي، الذي هو عليه المجتمع، يتطلب المعرفة والدراسة النقدية والعقلانية للثقافة الشعبية، لأنهما يشكلان مفتاحاً حاسماً ومهماً في معرفة الشعب، والتعرف عليه، ولأن كل وضع تاريخي جديد، وبالضرورة سيعمل على خلق ثقافة جديدة ملازمةله، وبذلك تصبح الثقافة تاريخاً بالنسبة للعشب، وتوحد هويتها معه، في إطار تحقيق الوحدة الايديولوجية مع الكتلة الاجتماعية، التي لا تتماسك ولا تكون واحدة إلا بفضل التحام المثقفين العضويين بالشعب والأمة.‏

على الرغم من أن غرامشي قد تكون فكرياً وثقافياً في مراحله الأولى تحت راية المثالية المحدثة حيث كان كروتشه يمثل هذه التاريخية التأملية، حيث "يصبح التاريخ تاريخاً صورياً، تاريخاً للمفاهيم وفي التحليل الأخير، تاريخاً لسيرة فكر كروتشه، أن "يصير إلى معناه الحقيقي كايديولوجيا مباشرة، مجرداً عن الألمعية المنسوبة إليه كتجل.. لفكر محايد وصاف قائم فوق بؤس وصدف العالم اليومي في تأمل محايد "(13)، إلا أن غرامشي جسد القطيعة الايبستمولوجية والمعرفية مع فلسفة كروتشه، الذي كان يمثل "البابا العلماني" لهيمنة البرجوازية كما انتقد بشدة المثقفين المثاليين، الذين فشلوا في عدم معرفتهم لكيفية خلق وحده ايديولوجية بين النخبة والجماهير. أي بين المثقفين والجماهير، فضلاً عن نقده للفصل بين المثقفين والجماهير، باعتباره السمة المميزة للتراث الثقافي الايطالي، حيث يقول غرامشي بأن المثقف الايطالي مرتبط بهيبوليتوس وبهنيبعل كارو.. أكثر من ارتباطه بفلاحي أبولياً أو صقليه. من المعروف في تاريخ الحضارة الرومانية عامة، وتاريخ الثقافة الايطالية بخاصة، أن المثقفين كانوا على الدوام مفصولين عن واقعهم الاجتماعي، وغير مرتبطين بالشعب، بل انهم مرتبطون "بتراث طبقة مهنية منغلقة Caste.. هذا التراث منغلق في الكتب ومجرد.. ولم يكونوا عنصراً عضوياً مرتبطاً بالشعب"(14).‏

لقد شكل هذا الوضع التاريخي، أبرز نقاط الضعف في التراث الثقافي الايطالي، الذي كان يفتقد إلى وجود ثقافة "قومية شعبية"، باعتبار أن "قومي" ليس مترادفاً مع مصطلح "شعبي" في ايطاليا، لأن المثقفين غير "قوميين" أي غير مرتبطين بالشعب، أي الأمة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لأن هذا التراث الثقافي الايطالي نجده متجذراً تاريخياً في الوقت عينه في المؤسسات ما فوق القومية، كالامبراطوية والبابوية. وهذا ما أضفى صبغة محددة للواقع القومي الايطالي، من حيث تميزه بالتناقض الصارخ، بين التأخر التاريخي على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي للشعب، وبين التقدم التاريخي الهائل على الصعيدين الفني والثقافي، ويالهوه الساحقة التي تفصل بين الثقافة العالية لهؤلاء المثقفين المرتطبين بتقليد طائفي عن ثقافة الشعب، التي تسيطر عليها المعتقدات الدينية الغيبيه. وليس من شك أن هذا الواقع التاريخي قد كان له تأثيراته السلبيه على القضية القومية الايطالية، باعتبارها قضية أضحت مرتبطة بمعادلات الصراع الاقليمي والدولي وبمخططات القوى الخارجية، أكثر منها بديناميكية مقوماتها الذاتية، وفواعلها الداخلية المحركة لها.‏

وعلى نقيض هذا الفصل بين الثقافة العالية للمثقفين المفصولين عن الشعب، وبين الجماهير، "قامت قوة الديانات، وخصوصاً الديانة الكاثوليكية في الماضي والحاضر على شعورها القوى بضرورة الوحده في العقيدة عند الجمهور "الديني" كله، وعلى نضالها في سبيل الحيلولة دون انقطاع الطبقات المتفوقة فكرياً عن الطبقات الدنيا. وكانت الكنيسة الرومانية أعند ما يمكن أن تكون، في مكافحتها قيام ديانتين رسميتين، ديانة أهل الفكر وديانة "النفوس الساذجة". ولم يخل هذا الكفاح من مساوىء جسيمة طرأت على الكنيسة نفسها، لكن هذه المساوىء مرتبطة بسير التاريخ الذي يبدل كل المجتمع المدني، ويحتوي في جملته على نقد الديانات، وهذا يعلي شأن الاكليروس في قدرتهم على التنظيم الثقافي. وشأن الرابطة الفعلية الصحيحة، التي عرفت الكنيسة كيف تقيمها في فلكها بين أهل الفكر و"السذج"(15).‏

إن القضية الأساسية التي قامت بها طبقة الاكليروس، واليسوعيون، وأهل الفكر، والثقافة العالية، هو تحقيق التوازن بين أهل الفكر والجماهير، وبالتالي تحقيق الوحدة الايديولوجية، لهذه الكتلة الاجتماعية الكبيرة عبر الممارسة السياسية للكنيسة ولرجال الدين، التي هي في حقيقتها ممارسة دينية، تقوم على الخلط الفعلي بين الديني والسياسي، الذي له وظيفة ايديولوجية محددة، هو تسخير العامل الديني لخدمة السياسة، في سبيل أن تحافظ الكنيسة عبر اجتهادها لايجاد أطر ثقافية لاهوتية تهدف إلى تلبية مقتضيات العلم والفلسفة، وإلى تأبيد سيطرتها السياسية على هذه الجماهير الخامله والبسيطة، التي قلما تشعر بالتبدلات والتغيرات في سير حركة التاريخ. وهذا التوازن الهيمني، الذي يصنعه اليسوعيون، لا يكون إلا بهيمنة الكنيسة، لا لضرورة دينية أو لحكمه الهية، بل لضرورة طبقية، هي ضرورة طبقة الاكليروس والكنيسة في وجودها الطبقي، ولضرورة ايديولوجية، لابقاء هذه الجماهير تدور في فلكها طالما، إن البنية الثقافية الشعبية منفتحة لآليات الهيمنة، التي يمارسها النص الديني المؤسسي للكنيسة، ولزعماء الاكليروس واليسوعيين، الذين يقدمون تصوراً محدداً للعالم والحياة يتطلب من هذه الجماهير أن تعتنقه. وفي هذا السياق انتقد غرامشي في كتاب بوخارين حول المادية التاريخية، الكتاب الشعبي في علم الاجتماع الماركسي، منطلقه القائم على الافتراض الضمني، والذي يتمثل في أن المذاهب الفلسفية التقليدية الكبرى وديانة الطبقة العليا من الاكليروس، أي تصور أهل الفكر والثقافة العالية للعالم، تعارض اعداد فلسفة أصيله للجماهير الشعبية، بينما هي في واقعها التاريخي الفعلي، تمارس شكلاً تاريخياً محدداً من التأثير السياسي الخارجي، الذي فيه تمارس الكنيسة سيطرتها الطبقية. وكما يؤكد غرامشي "وفي الحق أن تلك المذاهب تجهلها الجماهير وليس لها أي تأثير مباشر في طريقة تفكيرهم وعملهم". وهذا يعني بوضوح منطقي وتاريخي، إن هذه المذاهب تمارس هيمنة سياسية خارجية، في علاقات توازنها الهيمني الذي تحدثنا عنه سابقاً. ويستطرد غرامشي قائلاً: "إن المذاهب تؤثر في الجماهير الشعبية من حيث هي قوة سياسية خارجية أو عنصر تماسك بين الطبقات الحاكمة، أي عنصر اخضاع لزعامة خارجية تضع حداً سلبياً للتفكير الأصيل عند الجماهير الشعبية، ولا يؤثر فيها تأثيراً ايجابياً مثل خميرة حيوية تحويلاً عنيفاً ما لدى الجماهير من تصور بدائي مشوش للعالم والحياة"(16).‏

إن رؤية غرامشي للثقافة الشعبية تؤطر منهجه التاريخي، وتحدد أفقه، وأبعاده، لأن المجال التاريخي للثقافة الشعبية، يتحدد بشيئين اثنين، هماً أولاً: الأبعاد الثقافية والسياسية والاجتماعية والايديولوجية، لهذه الثقافة الشعبية، التي تضم مختلف الاتجاهات، والفروق، وتعدد المنازع للعناصر المكونة من الحس العام، والفولكلور كتعبير عن تطلعات الشعب وفلسفته، والتدين الشعبي الخ.. ثانياً: المضمون الايديولوجي لهذه الثقافة الشعبية، أي الوظيفة الايديولوجية السياسية والاجتماعية، التي تعطيها الطبقة المسيطرة، أو أهل الفكر والثقافة العالية لهذه المادة المعرفية، في إطار الصراع من أجل الهيمنة على الجماهير الشعبية.‏

من نافل القول، إن غرامشي يعتبر الثقافة الشعبية، مكوناً أساساً من مكونات شخصية الشعب، أي الأمة، ولذا فهو لا يدعو إلى القطيعة المعرفية مع هذه الثقافة الشعبية، والتنكر لها، والقائها في متاحف التاريخ، بل إنه في تناوله لها، من منطلق النقد العقلي الفعلي، ومن موقع الفعل السياسي والتاريخي، عمل على أحداث قطيعة ايبستيمولوجيه مع بنية عقل المثقفين الايطاليين المفصولين عن الشعب، والذين كانت لهم تاريخياً، صفة العالمية أكثر من صفة القومية، فضلاً عن كونهم كانوا موظفين في خدمة العالم الكاثوليكي، وأوروبا المسيحية، إنها نقطة التميز في منهج غرامشي.‏

ولهذا، فإنه في معرض نقده لكتاب بوخارين، الآنف الذكر، وبخاصة فيما يتعلق بتأثير المذاهب الفلسفية التقليدية الكبرى وديانة الطبقة العليا من الاكليروس على الجماهير الشعبية، يميز بين نمطين من الهيمنة. الأولى، الهيمنة السياسية الخارجية، التي تمارسها هذه المذاهب على الجماهير الشعبية، في سبيل اخضاعها سياسياً "لزعامة تاريخية" أي الكنيسة الكاثوليكية، أي البابوية، الامبراطورية، والطبقات المسيطرة، نظراً لأن النشاط الفكري والايديولوجي لهؤلاء المثقفين الكوزموبوليتين "غير" الشعبيين" وحاملي هذا المذاهب، لم يكن مرتبطاً بحل المشاكل السياسية لهذه الجماهير الشعبية. ومن هذا المنطلق لم يكن لديهم هيمنة ايديولجية مباشرة، قادرة أن تؤثر في طريقة وتفكير الجماهير الشعبية. ولهذا السبب شكلت هذه الهيمنة السياسية الخارجية حاجزاً رئيساً، وقيوداً آتيه من الخارج وفي وجه هذه الجماهير الشعبية، تحول دون استعادة وعيها بالجوانب المشرقه، والعقلانية، والأصيلة، في ثقافتها الشعبية، لكي لا توظفها توظيفاً جديداً في بلورة الاصلاح الفكري والثقافي، وبالتالي من أجل بلورة تصور جديد للعالم والحياة، ومحاربة العجز والشلل والنزعة التواكليه. أما الهيمنة الايجابية "التي لم يشر غرامشي إلى طبيعتها وآلياتها فهي تقع أكثر من احتمال حسب القوى الساعية للهيمنة كما تأخذ أكثر من شكل: أ- تفعيل العناصر السلبية والرجعية في الفكريات الشعبية بالتمفصل معها. ب- تحجيم العناصر التقدمية والايجابية. ج- تصدير مقولات متخاذلة إلى الخطاب الشعبي.‏

2- طبقات مهيمنة بديل (تقدميه). أ- تفعيل العناصر الايجابية. ب- تحجيم العناصر السلبية والرجعية. ج- تصدير مقولات نضاليه إلى الخطاب الشعبي.‏

وإذا ما أخذنا بالتراتبية التي يشير إليها غرامشي مراراً في تصنيفه لأنماط رؤية العالم لدى الطبقات الاجتماعية، والتي تقع أدناها قريباً من البنية التحتيه، وفي حين يزداد التعقيد كلما اتجهنا صعوداً حتى نصل إلى الثقافة العالية والفلسفة والتخصص العلمي، إذا أخذنا بتلك التراتبية فان الفولكلور أو الثقافة الشعبية تصبح من أكثر تلك الأنماط تأثراً بالتحولات المباشرة في البنية الاقتصادية وعلاقات الانتاج، لا يعني ذلك أن مرونتها وتحولاتها أعلى، لكنها تغذى عناصر براجماتية وطبيعانية موجودة لديها بالفعل. وهذا يعني انفتاحها الداخلي وليس كما يرى كثير من الباحثين إنها تتسم بالثبات والاستاتيكية، إنها لا تصبح بنية مغلقة، وبقدر من الدراسة العلمية لعناصرها التي تتضخم يمكنها أن تصبح دالة في التغير الاجتماعي والاقتصادي"(17).‏

إن السياسة الثقافية، باعتبارها محوراً أساسياً في استراتيجية الصراع من أجل الهيمنة بالنسبة للطبقة العاملة تتطلب القراءة المتواصلة والمتجددة لتاريخ الثقافة الشعبية الخاص، تاريخها المعرفي والميتافيزيقي، باعتبارها تعكس ألام ومشاكل، وتناقضات وصراعات، مجتمعها، وعصرها، وتحمل في الوقت عينه آماله، وأحلامه، وبالتالي ضمير الشعب، بهدف البحث الكشف عن العناصر الايجابية، والمحرزات التقدمية، في سبيل توظيفها توظيفاً أصيلاً من جانب المثقفين العضويين، والحزب، أي الأمير الحديث، لبلورة ثقافة جديدة تساعد الطبقة العاملة على تحقيق هيمنتها، في المجالات الثقافية والسياسية، قبل وصولها إلى السلطة. في القراءة النقدية للثقافة الشعبية، يجب التسلح بالرؤية التاريخية الواعية، التي تقر بأن لا قراءة للثقافة الشعبية سواء في ماضيها أو حاضرها، بدون وضعها في اطارها الحقيقي التاريخي، أي إطار الصراع الطبقي السياسي، في ارتباطه الصميمي بموازين القوى السياسية المؤثره فيه، وبالحضور السياسي الفعال في حركته، ومجراه، للطبقات الشعبية، التي تجسد استقلالها السياسي والتاريخي في إطار حزبها الجديد، أي الأمير الحديث.‏

"فوفقاً لأفكار غرامشي تتحول الثقافة الشعبية إلى الأدب القومي- الشعبي عن طريق الحزب الجديد، وفي فترة انحلال الحزب وتخطيه تخضع تلك الثقافة الشعبية إلى ثقل عناصر سياسية تجارية، وتتحول إلى الثقافة الجماهيرية، بالمعنى المبتذل، لتكون امتداداً للثقافة المسيطرة"(18).‏

هوامش الفصل الرابع:‏

(1)- الأمير الحديث، ترجمة زاهي شرفان- قيس الشامي، دار الطليعة، الطبعة الأولى نيسان 1970، (ص160).‏

(2)- جون كاميت- غرامشي وحياته وأعماله- ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث‏

العربية، الطبعة الأولى 1984، (ص165).‏

(3)-‏

Thesis 9, Alatri, L`anti fascismo, (P421).‏

(4)- الأمير الحديث- مصدر سابق (ص162).‏

(5)- فيصل دراج. مقال غرامشي والبحث عن سؤال الثقافة نشر في مجلة النهج العدد 19، العام 1988، (ص128- 129).‏

(6)- المصدر السابق (ص123).‏

(7)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- ندوة القاهرة- 1990.‏

مؤسسة عيبال للدراسات والنشر- الطبعة الأولى 1991.‏

بحث عصام فوزي- آليات الهيمنة والمقاومة في الخطاب الشعبي- (ص243).‏

(8)- جاك تكسيه غرامشي، دراسة ومختارات، ترجمه ميخائيل ابراهيم مخول، مراجعة د. جميل صليبا منشورات وزارة الثقافة دمشق 1972، (ص146).‏

(9)- المصدر السابق (ص148).‏

(10)- فيصل دراج مصدر سابق (ص122).‏

(11)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- مصدر سابق (ص248).‏

(12)-‏

ANTONIO Gramsci Cahiers de prison Gallimard, 1983 (PP334- 355).‏

(13)- الأمير الحديث مصدر سابق (ص166- 167).‏

(14)- المصدر السابق (ص168- 169).‏

(15)- جاك تكسيه مصدر سابق (ص155).‏

(16)- المصدر السابق (ص146).‏

(17)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- مصدر سابق (ص149- 250).‏

(18)- المصدر السابق (ص219).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244