المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس

من هو المثقف؟ إن غرامشي لا ينطلق من تعريف المثقف، من التصنيفات والمراتب التي تحددها الرؤيه الأكاديمية الصرفه، والسوسيولوجيه للمثقفين، والتي تعتمد على معايير التخصص الدقيق والتقنيه في التعليم، والمهنه ووظيفتها التكنوقراطية والبيروقراطية، ومستوى المعيشة، ونمط الاستهلاك، وأسلوب الحياة، وعلى معايير سياسية، ونظرة ايديولوجية وثقافية، في إطار تعدد مستويات الانتساب، التي نجدها عند المثقفين، في المجالات المتعددة الاقتصادية والبحث العلمي والتقني، والتعليم والسياسية، والايديولوجيا والثقافة، ضمن إطار التقسيم الاجتماعي السائد. غير أن غرامشي في تحديده لمفهوم المثقف نجده يتخطى جدلياً وتاريخياً المفهوم، الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر الأوروبي، والذي يتسم بالتمييز بين العمل الفكري والذهني، والعمل اليدوي والساعد، بتوجيه "ضربه قاضيه للأفكار المسبقه حول المثقفين بوصفهم طبقة وراثية مغلقه"، حين قال أن كل البشر مثقفون، مستدركاً في الوقت عينه، "ولكن ليس لكل البشر وظيفة المثقفين في المجتمع". والحال هذه، فهو يعتبر كل إنسان يمارس مهنة، وحتى خارج مجال مهنته، إنسان "يمارس نوعاً ما من النشاط الثقافي، أي أنه "فيلسوف" فنان، إنسان متذوق، يشارك في تصوره عن العالم، لديه خط واع لمسلك أخلاقي، ومن ثم فإنه يسهم في دعم أو تعديل تصور ما عن العالم، أي يثير سبلاً جديدة في التفكير"(1).‏

إذن فتحليل غرامشي لمفهوم المثقف، مثلما هو تصنيفه للمثقفين، ينطلق من مقولة النقض الثوري لكل فراق بين العمل الذهني والفكري، والعمل اليدوي، لأن في نظره "أي عمل عضلي، حتى في شكله الأكثر ميكانيكية وابتذالاً، يوجد قدر، ولو بسيط، من التأهيل التقني، أي فاعلية ذهنية مبدعه"(2).‏

ويرتبط تعريف المثقف عند غرامشي، بالرؤيه الماركسية في كليتها، والتي ترى في انقسام الناس إلى طبقات اجتماعية، حيث تكون الطبقات في كل منها أصيله ومختلفة من حيث مكانها في الانتاج، الذي يفرز بالضرورة التاريخية وجود طبقات، بعضها تكون مسيطرة وأخرى مضطهدة، ووضعها المشروط بعلاقتها المختلفة بوسائل الانتاج، باعتبارهما سمتين رئيسيتين تحددان المقياس الرئيس للفوارق الطبقية، وبالتالي لانقسام الناس إلى طبقات متناقضة في مصالحها وأهدافها وتصورها للعالم والحياة. فإذا حللنا البنية الطبقية في المجتمع الرأسمالي، فإنه يتكون من طبقة الرأسماليين، وطبقة العمال، والبرجوازية المتوسطة في المجتمع الرأسمالي، فإنه يتكون من طبقة الرأسماليين، وطبقة العمال، والبرجوازية المتوسطة والصغيرة، فضلاً عن ثمة فئة كبيرة من المثقفين العاملين فكرياً، المهندسين، والأطباء، والأساتذة، والمعلمين، ورجال الأدب والفن- ليست مالكة لوسائل الانتاج، ولا منتجة للخيرات المادية، ولكنها تقدم أهداف الانتاج، والمجتمع، والطبقة المسيطرة. ولهذا فهي تمثل فئة اجتماعية لا طبقة اجتماعية. ثم إن النشاط الثقافي لهذه الفئة ضروري لنشاط الناس في شتى مجالات الحياة الاجتماعية، كما أنه يلعب دوراً مهماً في تطور المجتمع. ولما كان المجتمع منقسماً إلى طبقات، فإن كل طبقة تفرز مثقفيها، الذين يعبرون مباشرة عن مصالح الطبقة التي ينتمون إليها. إذ أن ما يحدد دور كل ثقافة في المجتمع، هو عن أية مصالح طبقية تعبر هذه الثقافة فإذا كانت الثقافة محافظة- رجعية، فهي تعكس مصالح الطبقات الرجعية في عصر ما، وتكون عقبة حقيقية في سير تطور المجتمع. وإذا كانت الثقافة تقدمية وثورية، فهي تعبر عن مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية التقدمية والثورية، في هذا العصر التاريخي، وبالتالي فهي تسهم اسهاماً حقيقياً في دفع عجلة تطور وتقدم المجتمع إلى الأمام.‏

وهكذا فإن تحديد غرامشي لمفهوم المثقف، انطلاقاً من الرؤية الماركسية، باعتبارها تشكل نقطة التحول في اتجاه هذا التحديد، يقوم على أداء المثقف للوظيفة الاجتماعية ضمن خصوصية الواقع الاجتماعي في مرحلة تاريخية معينة، وعلى المكان الذي يحتله المثقفون في بنية المجتمع. إذ أنه ليس هناك طبقة مستقله من المثقفين، بل "تخلق كل طبقة اجتماعية، معها، وبشكل عضوي، زمرة أو مجموعة من زمر المثقفين، التي تعطي لهذه الطبقة تجانسها والوعي بوظيفتها الخاصة بها، وليس فقط في الميدان الاقتصادي، ولكن في الميدان الاجتماعي والسياسي أيضاً"(3).‏

وعن هذا ينتج أن تحديد مفهوم المثقف مرتبط مباشرة، بالطبقة التي ينتمي إليها، غير أن غرامشي يذهب إلى أبعد من ذلك حين يميز بين نمطين من المثقفين. فهو يعتبر المثقفين العضويين، أولئك الذين يمثلون عاده "اختصاصات نواح جزئيه من النشاط البدائي للنوع الاجتماعي الجديد، الذي تولد عن الطبقة الجديدة". والمثقفون العضويون يؤدون وظائف تنظيمية ليس في المجال الثقافي فحسب بل وفي المجال الاداري والسياسي، وفي مجال الانتاج أيضاً، نظراً لعلاقاتهم بعالم الانتاج التي "ليست مباشرة كما في حال الطبقات الاجتماعية بل هي "متوسطة"بدرجات مختلفة من قبل التركيبة الاجتماعية بأسرها، وتعقيد البنى الفوقية. والمثقفون موظفون لدى هذه التركيبه وهذه البنى". أما النمط الثاني من المثقفين، فهم التقليديون الذين يمثلون فئة من المثقفين الموجودين مسبقاً، والذين يستمرون في الوجود تاريخياً، على الرغم من حدوث الانقلاب الثوري والجذري في نمط الانتاج المعين، بمرحله تاريخية معينة، غير أنهم لا تربطهم علاقة مباشرة مع الطبقة الثورية الصاعدة الجديدة، الحاملة في سيرورتها الطبقية نظام الانتاج الجديد، والتي تسعى إلى فرض هيمنتها السياسية والتاريخية على المجتمع، بل إن علاقتهم العضوية تنتمي إلى الطبقة القديمة، التي اندثرت من على مسرح التاريخ، والتي كانت تمثل نظام الانتاج القديم. لنأخذ على سبيل المثال، كان أهل الفكر والثقافة العاليه من رجال الكنيسة واليسوعيين يمثلون المثقفين العضويين بالنسبه لطبقة الارستقراطية العقارية والنبلاء، في بنية النظام القديم الاقطاعية السائدة، أما مع اندلاع الثورة البرجوازية، وصعود الطبقة البرجوازية كطبقة مهيمنة نقيص الطبقة الارستقراطية، تحول هؤلاء المثقفين، الذين كانوا عضويين حين كانت هذه الأخيرة مهيمنة، إلى مثقفين تقليديين، حيث عملت الطبقة البرجوازية على كسبهم في إطار النظام الجديد. يقول غرامشي في هذا الموضوع، إن "كل مجموعة اجتماعية "جوهرية" تنبثق على سطح التاريخ، من بنية اقتصادية سابقة، كتعبير عن تطور هذه البنية نجد وكما حصل في التاريخ حتى يومنا هذا مجموعات من المثقفين الذين قبلها، والذين يظهرون كممثلي الاستمرارية التاريخية الغير متقطعة بأي تغييرات وإن كانت معقدة وجذرية، في الأشكال السياسية والاجتماعية"(4).‏

وانطلاقاً من هذه الرؤية، فان المثقفين التقليديين يشعرون بأنهم "مستقلون ومتحررون عن الفئة الاجتماعية المسيطرة". أما المثقفون العضويون، فهم فئة مديري المؤسسات وكبار الموظفين، والاختصاصيون التكنيكيون والمهندسون، والمستخدمون، التي تحتل أهمية اجتماعية وسياسية في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية. لأن الوظائف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي يقوم بها هؤلاء المثقفون العضويون، في ارتباطهم بأجهزة الدولة الحديثة التكنوقراطية، والمهنية، والبيروقراطية المدنية والعسكرية العليا، وفي المواقع التي يسيطرون بواسطتها في مراكز القرارات الاقتصادية والسياسية، وأنماط التحكم في الفائض الاقتصادي، وعلاقات السوق، هذه الوظائف مجتمعة، تؤلف جزءاً مهماً في بنية الانتاج والاقتصاد الرأسماليين بموجب ما تقتضيه مقومات الهيمنة للطبقة البرجوازية، التي تسيطر على ملكية وسائل الانتاج، والتي تلعب دوراً مهيمناً في التنظيم والتوزيع الاقتصاديين للفائض الاقتصادي، والتي تمارس هيمنتها الفكرية، والايديولوجية، والثقافية على نطاق كل المجتمع، فضلاً عن دورها المهيمن في صنع القرار السياسي بواسطة جهاز الدولة.‏

إذاً، المثقفون العضويون هم على علاقة أكثر مباشرة بأجهزة الدولة، وبالطبقة الاجتماعية المهيمنة، وبالبنية الاقتصادية الخاصة بمجتمعهم، "ويعطي المثقف العضوي طبقته انسجاماً وادراكاً لوظيفتها سواء في الحقل الاقتصادي، أم على المستويين الاجتماعي والسياسي.‏

فالمبادر الرأسمالي يدفع إلى الأمام المدير الصناعي والعالم السياسي والمبدع الثقافي وقانوناً جديداً.. وهكذا"(5).‏

إن المثقفين العضويين، في إطار وظيفتهم، التي هي "التنظيم والتوجيه، أي أنها تربويه، وهذا يعني فكرية"، يقومون بدور توسيط الهيمنة السياسية والثقافية، لمصلحة الطبقة المسيطرة على المجتمع برمته، ضمن اختصاصاتهم المتعددة والمتنوعة، سواء بتنظيم الصناعة وتنظيم الاقتصاد لمصلحة ا لرأسماليين، أم في الدعاية الايديولوجية، وتوسيط الوحدة الايديولوجية لبنية الطبقة المسيطرة، باعتبار أن هؤلاء المثقفين العضويين "موظفي ايديولوجيا" يبررون شرعية هيمنتها، ويدعمون نفوذها الفعلي، من خلال صياغة جملة التصورات، والمواقف والممارسات الايديولوجية، بشكل متجانس، للعالم والحياة لهذه الطبقة المسيطرة المعنية، بهدف توسيط تصورها ورؤيتها، ووعيها في المجتمع الرأسمالي، وترسيخه أيضاً في واقع الجماهير ووعيها، وفي سبيل خلق الشروط المناسبة لتوسيع دائرة الهيمنة السياسية بالنسبة للطبقة المسيطرة على السلطة، وبالتالي على أجهزة الدولة، بواسطة المجتمع المدني، ومؤسساته العامة والخاصة، وتكويناته السياسية والنقابية المختلفة، والتي تشكل جهاز هيمنة لهذه الطبقة المسيطرة على باقي الجماهير الشعبية، عن طريق الموافقة، وكذلك أيضاً بواسطة المجتمع السياسي أي ديكتاتورية جهاز الدولة القمعي، الذي يهدف إلى اخضاع المجتمع ككل للهيمنة السياسية لهذه الطبقة الاجتماعية البرجوازية المعنية، وبالتالي لتكييف واقع الجماهير الشعبية مع نوع هذه الهيمنة السياسية في مرحلة تاريخية معينة، حيث تكون هذه الهيمنة بالاكراه، أي بالقمع. علماً بأن هذه الهيمنة السياسية يحكمها توازن هيمني يتصف "بمزيج من القوة على أنها تستعمل بموافقة الأكثرية، كما تعبر عنها أجهزة الرأي العام المزعومه- الصحف والاتحادات الأخرى والتي تضاعف اصطناعياً لهذا الهدف".‏

ولما كان المثقفون العضويون يمثلون عناصر متخصصه في تبرير شرعية الهيمنة، وبالتالي في اضفاء شرعية مطلقة على النظام الاجتماعي- الاقتصادي والسياسي، باعتبارهم وكلاء أجهزة الدولة، فإن الدولة الرأسمالية، التي تحتكر العمل الذهني داخل مؤسساتها المختلفة، تعمل على دمج هؤلاء المثقفين العضويين، واعدادهم واحتكارهم، وتوظيفهم في البنى الفوقية لهذه الدولة الرأسمالية، حيث أن هذه البنى الفوقية أصبحت واقعاً فعالاً، وعاملاً، متطابقاً مع مصالح الطبقة المسيطرة. "وللدولة الرأسمالية علاقة خاصة بالعمل الذهني، فكما أنها تصدر خطابات خارجية وتبث رسالات ايديولوجية لتسيير وضبط المجتمع فإنها تحوي بداخلها بنية للقول الداخلي والذي يمكن أن نعده بمثابة خطاباً مستوراً وموثقاً لحفظ البنية المؤسسية وتنظيم الأفراد العاملين بداخلها بهدف انتاج رسالات وممارسات خارجية تحفظ كدولة طبقية هيمنتها. ويندرج الأفراد العاملون داخل الدولة والمؤسسات ضمن هذه البنية الضابطة مع اختلاف تصوراتهم الاجتماعية ومحتوياتهم الذهنية، ويبدون "كمثقفين عضويين". ويبدو وكأن خطاب الدولة الخارجي صادر عنهم كذوات حرة. ومن هنا فإننا نرى أن عضوية هذه الذوات الاجتماعية محكومة بأولية العلاقات المؤسساتية حيال الوعي الفردي، وباعتبار أنهم دعائم لعلاقات مؤسسية تنظم الهيمنة وتحتكر العمل الذهني بغية توظيفه واصدار الخطاب البرجوازي الواعي"(6).‏

ليس من شك أن للمثقفين العضويين سلطة كبيرة جداً عند الشعب، لما يمتلكونه من عنصر السلطة، وعنصر التنظيم لها، في عملية الهيمنة هذه، على الرغم من توزع سلطتهم. ويعود هذا إلى العلاقة العضوية، التي تربطهم بجهاز الدولة، وبالطبقة الاجتماعية، التي ينتمون إليها، بشكل من الاستقلال الذاتي. غير أن المثقفين العضويين يمتلكون معرفه ثقافية موسوعية، بحكم أن مجال عملهم الفكري والذهني هو مجال الثقافة، التي تشمل أيضاً مجالات أخرى تربطها علاقات معقدة ومتشابكه، تؤثر في بعضها البعض، مثل مجال السياسة والايديولوجيا، ومجال البحث العلمي والتكنولوجي والاقتصاد، ومجال الاقتصاد والايديولوجيا والسياسة، الخ.. وفضلاً عن ذلك فإن هؤلاء المثقفين العضويين يرتبطون في الوقت عينه بنشاط الناس الانتاجي والاجتماعي اليومي، وبفروع تخصصاتهم الآنفة الذكر، وهم بذلك يلعبون "دور الرابط بين ممارسات الناس اليومية وبين ما تنتجه هذه الاختصاصات المذكورة من معارف وعمل"(7).‏

ومن هذا المنظور، فإن سمات الموسوعية، والنظرة الكونيه، والتمايز، والموضوعية، التي يتسم بها المثقفين العضويين تجعلهم يتسلحون دائماً بسلاح النقد الذاتي للطبقة، التي ينتمون إليها، ويتخذون منها مواقف نقديه انطلاقاً، من ممارساتها اليومية السياسية والاجتماعية، ومما تفرزه اختصاصاتهم المتعددة، التي تتدخل بشكل قوي في مختلف مجالات حياة الناس اليومية. فهذا الحضور النقدي، وكذلك استقلالية العمل الثقافي، يجعلان من المثقفين العضويين المرتبطين عضوياً بالطبقة المعنية، وبالتالي بجهاز الدولة المدافع عن هذه الطبقة، فئة اجتماعية غير خاضعة، بل رافضة لكل أنواع القبول والامتثال والخنوع الأعمى، سواء كانت طبقية أو جهازية. فالعلاقة العضوية، لا تعني الانصياع والامتثال لكل شروطها، خصوصاً حين تصبح هذه العضوية متناقضة جذرياً مع قضايا طبقية وقومية، واجتماعية، وسياسية، وانسانية عادلة. فالمثقفون العضويون متقدمون بوعيهم وبثقافتهم عن طبقتهم، وهذا ما يجعلهم يتخذون مواقف متغيرة ومتحولة باستمرار، وحتى متمردة على طبقتهم، والجهاز، الذي تربطهم به علاقة عضوية، خصوصاً وأن خاصية العلاقة العضوية مع الجهاز تفترض منطق الخضوع الأعمى والامتثال، والثبات في الموقف، وهذه أمور يرفضها المثقفون العضويون، لأنهم يهربون من كل ثبات، ومن التوجه الوحيد الجانب "ويعتبرون أن التناقض هو قانون ومولد لحركتهم، "فكل موقف ثابت ونهائي يقتل الحركة "لذلك فهم لا يشعرون بالراحة وسط الأجهزة لأن كل جهاز يتطلب ثباتاً ونظرة واحدة".‏

من المنطقي والتاريخي، أن تبرز أزمة بين المثقفين العضويين والطبقة، التي ينتمون إليها، وقد تقود هذه الأزمة إلى أبعادهم عن طبقتهم في شروط سياسية وتاريخية معينة، مثلما يمكن أن تشكل قاعدة جديدة للاقتراب من طبقتهم بصورة عضوية أكثر وثوقاً، "ومع هذا فإن الابتعاد كما الاقتراب، في شروط الأزمة العضوية، يأخذ أشكالاً مختلفة، منها القطع النهائي مع الطبقة، وإنهاء الرابطة العضوية فيها. ينتج عن ذلك: أن ابتعاد المثقفين العضويين عن الطبقة التي ينتمون إليها تعبير سافر عن أزمة عضوية شاملة تعيشها هذه الطبقة. وفي شروط كهذه قد يلعب المثقف الوعي الذاتي النقدي للطبقة، وقد يصل أيضاً إلى حدود التفكك، أي فقدان الانتماء الطبقي"(8).‏

إن ظاهرة المثقفين العضويين حديثه ومعاصرة، انبثقت للوجود مع بروز المجتمع البرجوازي الحديث والمعاصر، الذي يتميز بخصائص التعقيد والتنوع في بناه الفوقية والتحتية، وبوجود فضاءات حرة مستقلة، وبتقديس الاستقلال والحرية للذات الفرديه، ورفض الخضوع الأعمى والامتثال، وبانفصال الايديولوجيا عن الدولة، على نقيض المجتمع الاقطاعي القديم، أو مجتمعات الاشتراكية المشيدة قبل انهيارها، ومجتمعات عالم الجنوب، حيث تسيطر الايديولوجية بشكل مطلق على الدولة والمجتمع، في ظل وجود نظام شمولي يحتكر بشكل مطلق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويصادر الكلمه الشعبية، والحرية والاستقلال للذات الفردية، ولا يفسح في المجال لظهور استقلالية نسبية للمثقفين، بل إنه يحتاج إلى المثقف الايديولوجي، الذي يجسد الامتثال والولاء المطلق للنظام، الذي يبث ثقافة التجهيل الثقافي، والاستبداد والفساد على نطاق كل المجتمع. وفضلاً عن ذلك البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذه المجتمعات لا يمكن لها أن تفرز ظاهرة المثقفين العضويين، لأن الدولة في هذه المجتمعات هي عبارة عن وحش كاسر، تعمل على تسييج، وتحطيم المجتمع المدني الوليد بالايديولوجيه الشموليه، وبتعميق الميول الديكتاتورية والاستبدادية في الوعي والمجتمع، والتدمير المنتظم والدائم للسياسة الثقافية الديمقراطية التي تشكل نسيج المجتمع المدني، والتي ينجم عنها انعدام التعايش والتفاهم والعمل المشترك بين الأفراد والجمعات المكونه لهذا المجتمع المدني.‏

وهكذا فإن الطبقة الصاعدة الجديدة، التي تمثل الطبقة الثورية والنقيض، تفرز بالضرورة مثقفيها العضويين، ولما كانت قضيتها المركزية هي انتهاج استراتيجية ضرورية لتحقيق هيمنتها داخل فضاءات المجتمع المدني، فانها تفسح في المجال لامكانية التطور الحر والديمقراطي لسياسة ثقافية جديدة، والتحرر العقلي، حيث يلعب المثقفون العضويون دوراً طليعياً في هذا الاتجاه. وهذا النضال من جانب المثقفين العضويين تكون وظيفته تكون الاجماع السياسي، وتحقيق هيمنة هذه الطبقة الصاعدة، نظراً لتطابق مصالحهم مع مصالحها، وتحطيم الاحتكار الثقافي السابق، الذي كان عائقاً في عملية التحرر السياسي والاجتماعي، والذي كان يجسده المثقفون التقليديون المضادون لمصالح الطبقة الصاعدة. لهذا السبب، عملت الطبقة البرجوازية الصاعدة الباحثة عن توسع قاعدتها الهيمنية على نطاق المجتمع المدني على استعاب هؤلاء المثقفين التقليدين وكسبهم ايديولوجيا، وذلك بهدف توسيع السلطة الهيمنية على الطبقات التي كان ينتمي إليها عضوياً هؤلاء المثقفون، يعني بين أشياء أخرى، أنه ينبغي على البروليتاريا، بعد استلام السلطة، أن تستوعب مثقفي البرجوازية، الذين أصبحوا والحالة هذه مثقفين تقليديين"(9).‏

إذا انتقلنا من التصنيف الأفقي بين المثقفين التقليديين والمثقفين العضويين، الذي اعتمده غرامشي، ضمن ارتباطهم بوضعهم في حركة الصراع الطبقي، وبوظيفتهم المحددة التقنية والتوجيهية في المجتمع، من أجل تحقيق هيمنة الطبقة، التي تتطابق مصالحها مع مصالحهم، فان غرامشي نفسه ينتقل إلى دراسة واقع المثقف ضمن خصوصية الجغرافيا والأصول الطبقية، والعلاقة بين المدينة والريف، والشمال والجنوب، التي تتميز بها خصوصاً ايطاليا، كأساساً ثابتاً لتصنيف المثقفين، حيث أن دراسة وضع المثقف في تصور غرامشي هي "دراسة تاريخ المثقف الايطالي في علاقته بنشوء وتطور الرأسمالية الايطالية". إن قانون التطور اللامتكافىء الذي حكم تطور الرأسمالية في ايطاليا، أبرز اختلافاً بنيوياً في سياق تطورها بين الشمال الصناعي الرأسمالي المتطور، وبين الجنوب الفلاحي المتأخر تاريخياً، وينعكس في الوقت عينه على وجود فئتين من المثقفين مدنية وفلاحية. فالمثقف المدني المنحدر من الشمال جاء من بيئة اجتماعية اقتصادية متطورة صناعية، وبالتالي ترعرع في الصناعة وارتبط بصائرها، وأصبح يمثل نموذج المثقف العصري، الذي يتمثل في "نمط تقني المصنع الذي يربط بين الجماهير العماليه والطبقة الرأسمالية". فالمثقف المدني مرتبط بعملية الانتاج الرأسمالي، حيث أن برجوازية المدن الكبرى تنتج المثقفين التقنيين للصناعة الرأسمالية، "فلا يرى في الدولة كياناً متعالياً ومحايداً، بل يراها كعلاقة فاعلة، في الانتاج والاستغلال، الأمر الذي يمنعه دورالمنظم الايديولوجي للطبقات المسيطرة، بل إنه ينزع، في شروط محددة الالتحاق بالطبقة العاملة والدفاع عن قضيتها"(10)، وتبعاً لذلك يكون المثقفون المدنيون عضويين.‏

أما المثقفون الريفيون ومثقفو المحافظات، فإنهم عادة ما يكونون موظفي الدولة، وأعضاء المهن الحرة، باعتبارها حلم كل مثقف ريفي ايطالي، حيث أنه يعمل لاخضاع الجماهير الفلاحية لسلطة الدولة. ولكن غرامشي يقول أيضاً أن للمجتمع التقليدي لجنوب ايطاليا بعض مثقفيه العضويين من "أصحاب قبعة القش" ويقوم هؤلاء بدور الوسطاء بين الفلاحين من جهة، وملاك الأراضي والحكومة من جهة أخرى"(11).‏

غير أن الطبقة الفلاحية، لا تفرز بالضرورة المثقفين العضويين الخاصين بها، حتى إن وجد هؤلاء المثقفين، فإنه في الأعم الأغلب يكونون غير منسجمين مع الطبقة التي أفرزتهم، وفضلاً عن ذلك، فان المثقفين الريفيين، الذين يضعون في صلبهم القسم الأعظم من رجال الدين، "هم في الجانب الأكبر منهم "تقليديون" أي مرتبطون بالجماهير الاجتماعية الريفية وبالبرجوازية الصغيرة في المدن (وخاصة منها المراكز الصغرى) التي لم تتطور بعد، ولم يبدأ حركتها النظام الرأسمالي".‏

إن كل طبقة تاريخية جديدة، لابد لها أن تفرز مثقفيها العضويين الجدد، الذين يقومون بدورهم بخلق ثقافة جديدة لها، تمتلك تصوراً جديداً للعالم والحياة، والطبقة العاملة إذا تأصلت فيها هذه القناعة، ووعت ذاتها كطبقة عارفة وفاعلة، ومستقلة ذاتياً استقلالاً تاماً، لابد لها أن تطرح مسألة بناء حزبها لتنظيم نفسها، باعتباره يمثل مصالحها في ظل شروط معينة ورمزها في الوقت عينه، بشكل متواز مع مسألة غزوها فضاءات المجتمع المدني، وبالتالي غزو السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية بالتلازم مع غزو السلطة الثقافية.‏

ليس من شك أن غرامشي دأب على اعطاء أهمية كبيرة لقضية الحزب السياسي، ليس فيما يتعلق بحزب الطبقة العاملة فقط، وإنما للأحزاب في حياة الدول الرأسمالية الغربية، لأنه يعتبر الحزب أداة للتثقيف والتحضر، حين يقول "إذا كانت الدولة تشكل الذراع الاكراهي والعقابي للحكم الشرعي القانوني للبلد، فان الأحزاب، التي تمثل الانتماء العفوي لنخبه ما إلى ذلك الحكم (والمعتبر كتنظيم جماعي يجب أن تثقف كل الجماهير بموجبه)، عليها أن تظهر في حياتها الداخلية إنها قد تشربت القواعد التي هي في الدولة التزامات قانونية، على اعتبار أنها مبادىء للسلوك الأخلاقي والوجداني. وفي الأحزاب أصبحت الضرورة حرية، وهذا هو منطلق القيمة السياسية الكبرى.. للانضباط الحزبي الداخلي.. ومن وجهة النظر هذه يمكن اعتبار الأحزاب كمدارس لحياة الدولة"(12).‏

إن هذه الفقرة تكتسي أهميتها من علاقة الأحزاب ووظيفتها بالمؤسسات القانونية والسياسية والاجتماعية، التي تشكل البنية الفوقية في دولة ما. ومن هذا المنظور، فإن على هذه الأحزاب أن تمتثل للحكم القانوني الراهن، الذي ينظم علاقتها بالدولة، وأن تدخل اللعبة الديمقراطية من موقع الصراع التنافسي السلمي. أما فيما يتعلق بمقوله "وفي الأحزاب أصبحت الضرورة حرية"، فان المقصود بها أنه بواسطة الانضباط الحزبي، الذي يعد "ليس بالتأكيد قبولاً سلبياً وكسولاً للأوامر، وليس تنفيذاً آلياً، للمهمات، ولكن فهماً واعياً وواضحاً للأهداف التي يجب تنفيذها والانضباط بهذا المعنى لا ينفي الشخصية الفردية بل يحد من الاندفاعات المرتطبة بالرغبات والاندفاعات غير المسؤولة"، أي من خلال هذا الدور الانضباطي الحزبي تستطيع الطبقة التابعة، أي الطبقة الموجهه قبل الاستيلاء الفعلي على السلطة، أن تحقق أهدافها. والحال هذه، ما هو مفهوم الحزب عند غرامشي؟ وماهي الشروط التاريخية والسياسية التي تفرزه، وتبرر وجوده وشرعيته.‏

لا يمكن لنا أن نفهم تعريف غرامشي للحزب أي "للأمير الحديث" ألا ضمن الظروف المحدده، التي أحاطت به، ومنها تحليله الأساسي للأحزاب السياسية، ولمسألة السلطة، وتطويره المحدد للصيغه اللينينيه للحزب، ضمن متطلبات الشروط التاريخية المحددة، والتي تمحورت سياسياً وتاريخياً ونظرياً حول دور المثقفين، وأهمية البنى الفوقية، ومسألة التجديد الثقافي، والاصلاح الفكري والأخلاقي على صعيد الجبهة الثقافية.‏

إن الترابط بين الوعي المطابق، أو بالأحرى المقاربة المثمرة لواقع اجتماعي سياسي متغير باستمرار وبين الواقع التاريخي، يجعل ممكناً تحقيق الوحدة بين النظرية والعمل فقط، كشرط ضروري لأية فعالية نظرية ثورية، مثلما يجعل ممكناً تحقيق الاتساق بين حركة الطبقة العاملة وأهدافها- حينما تكون لهذه الطبقة، ولحلفائها الممكنين، معرفة صحيحة وواقعية لذاتها، وبالتالي معرفة صحيحة وواقعية للمجتمع باعتبارها الشرط المباشر لتوكيد ذاتها في استراتيجية الصراع من أجل الهيمنة- في نطاق التفاعل المباشر والمطابق مع سيرورة الثورة الاجتماعية، ومع حركة التاريخ، عندئذ فقط تتطابق الأهداف مع النتائج. ولأن خلق مثل هذه الوحدة بين النظرية والعمل على قاعدة فكرية وثقافية جديدة لا يشكل أحد شروط ممارسة وظيفة الهيمنة من جانب الطبقة العاملة، التي تعلن سر وجودها الخاص فقط، وإنما ترتبط عضوياً بعملية التغيير الثوري بواسطة الحزب الثوري، أو الأمير الحديث، حيث أن ماهيته الجوهرية تكمن لا "كمقولة اجتماعية بل كحزب يريد أن يؤسس دولة"(13).‏

إن وضع كهذا، هو الذي جعل غرامشي يؤكد على أهمية دور المثقفين الحاسم في تحقيق اللحمة الفكرية والثقافية الجديدة داخل الكتلة الثورية الجديدة، حين يقول "يشير وعي الذات النقدي تاريخياً وسياسياً إلى بروز نخبة من المثقفين. ليس بإمكان كتلة بشرية أن "تميز" نفسها وأن تصبح مستقلة بارادتها بدون أن تنظم نفسها، ولا تنظيم بدون مثقفين أو قاده، أي بدون أن يكون الجانب النظري من رابط nexus النظرية- الممارسة مميز عينياً في مجموعة مختصة بالتطوير المفهومي والفلسفي".‏

وكان غرامشي يرى أن الشرط المسبق والضروري لتحقيق هذه الوحدة للحلف الطبقي الثوري على صعيد الايديولوجيا والثقافة الجديدة، في إطار معركة تحرير الجماهير الشعبية، يجب أن يحدث موضوعية مطابقة، حيث يصبح الحزب الثوري أو الأمير الحديث، في علاقته العضوية مع المثقفين والجماهير، الصيغة التاريخية والحامل الفعال ليس للوعي الطبقي فقط، وإنما أيضاً التصور الجديد المتكامل للعالم والحياة، أي "لحضارة جديدة في كل مجالات الحياة".‏

ثم أن الجماهير الشعبية عامة، والطبقة العاملة بخاصة تصبح في لحظة معينة من تاريخها، وتطورها، واعية بأنها تفتقد إلى عنصر مكون ضروري، لكي تحتل صراعاً رفيعاً في حركة الصراع الطبقي، وهذا يفترض تنظيم نفسها في حزب ثوري، يمركز ارادتها الجمعية القومية الشعبية، ويبلور الصيغ المنطقية والمنظورة لوعيها الطبقي، ويوحد تلك الكتل العضوية من الجماهير بكل زخم وعيها الطبقي الغريزي، في اتجاه تطوير وعيها الخاص، باعتباره المثقف الجمعي، حيث يكون كل عضو فيه مثقفاً إلى حد ما، بمعنى آخر إنه يشارك في التصور للعالم والحياة.‏

كما أن الحزب- المثقف الجمعي، والمثقف العضوي لا يتمكنان من تملك نظريتهما الثورية، إلا عبر انتهاج سياسية ثورية قوامها تأمين العلاقة بين النظرية والممارسة، لا في النظرية فقط، وإنما في الممارسة أيضاً، عبر وحدة الفكر والتعاضد الثقافي العضوية، وهذا يتطلب اقامة العلاقة العضوية بين المثقفين العضويين والجماهير الشعبية، بنفس قوة علاقة الوحدة المطلوب تحقيقها بين النظرية والممارسة. وهذه الوحدة لا تكون ممكنة، بل إنها تصبح مشروطة، بالدور الذي يلعبه المثقفون العضويون، وبقدرتهم على أن يجعلوا أنفسهم مفكرين عضويين لتلك الجماهير الشعبية، بالإضافة إلى قدرتهم على تنمية وتطوير وتوحيد المسائل، التي تطرحها الجماهير الشعبية في خضم نشاطها الثوري، عبر خلق كتلة ثقافية واجتماعية ثورية. وهنا تكمن مهمة المثقفين العضويين والحزب، في تحقيق العلاقة الجدلية مع الجماهير الشعبية، وفي مد الجسور بين "الفلسفة العليا" و"الفلسفة السفلى"، حيث أن الماركسية باعتبارها فلسفة عالية، لا يمكن لها أن تظل فلسفة متخصصة موجهة إلى زمر محدودة من أهل الفكر والثقافة، بل إن المطلوب من الفلسفة الماركسية، هو اعداد وتنمية فكر وثقافة أرفع وأعلى من فلسفة الجماهير السفلى البدائية، أي فلسفة الحس العام، لكي تخلق ثقافة جديدة نقدية متماسكة تماسكاً عملياً، أي فلسفة جماهيرية جديدة، أو ماركسية شعبية واقعية وتاريخية تكون في علاقة عضوية بالجماهير الشعبية، وتستهدف النهوض بها نحو تصور أعلى للعالم والحياة.‏

يقول غرامشي أن الماركسية لا تتوخى "ترك الجماهير في فلسفتها البدائية، بل توجيهها نحو نظرة أعلى للحياة "محققة بذلك" التقدم الفكري للجماهير وليس فقط لفئات قليلة من المثقفين "ويضيف قائلاً.. "عندما يتجاوز عنصر من الجماهير الحس العام نقدياً، فإنه يقبل في الواقع فلسفة جديدة".‏

والفلسفة الماركسية تصبح ابداعية حين تنتج حقاً فلسفة جماهيرية جديدة، تمتلك تصوراً جديداً للعالم والحياة، وتخصب ثقافة الجماهير، وتغذيها عبر تحقيق التقدم الفكري والسياسي في وعي الجماهير، وتؤمن عملية الانتقال من العلم، باعتبار الماركسية علماً، إلى إعداد فلسفة أخلاقية وسياسية شعبية، أي ماركسية شعبية موافقه لهذا التصور الجديد، تكون بمنزلة الفلسفة الواقعية والتاريخية للعمل السياسي للجماهير الشعبية. وفلسفة البراكسيس تستهدف تحقيق عملية انتقال الجماهير الشعبية من فلسفتها القديمة المحافظة والثابتة وغير النقدية، إلى تبني ماركسية جماهيرية تكمن وظيفتها في إنشاء كتلة فكرية وأخلاقية تعبد الطريق لعلاقة تربوية جديدة بين المثقفين والجماهير الشعبية، تسهم اسهاماً حقيقياً في تطوير الوعي النقدي المتماسك، والتقدم الفكري، اللذان يغيران بشكل جذري كل مرتكزات الفلسفة القديمة، في سبيل تحطيمها جدلياً. والحال هذه فإن الحزب، أو الأمير الحديث "يعيد قراءة الماركسية العالية، ويعيد صياغة الحس العام، ويطرح برنامج عمل، جوهره السيرورة، حيث يعاد أبداً تركيب النظرية والحزب والجماهير.‏

"إن المقدمات السابقة جميعها تأخذ دلالتها من علاقتها ومفهوم الحزب ووظيفته، ودوره، كما يراه غرامشي، فبدون وجود الحزب كوسيط سياسي متعدد المعاني يصبح الحديث عن السياسة الثقافية، وماركسية الجماهير شكلاً من اللغو والثرثره، أو يصبح شكلاً من الحلم الذي لا مجال لتحقيقه على الأرض"(14).‏

لما كان حزب الطبقة العاملة أو الأمير الحديث هو حزب من نمط جديد، له أهمية كبيرة ودلالة بالغة في عالمنا المعاصر، لجهة صياغة التصور الجديد للعالم والحياة الأكثر جذرية، والأكثر مناقضة للتصورات وأنماط الايديولوجيات، والأفكار القديمة، فإن عمله السايسي التاريخي لا يتم دون هذه العلاقة العضوية بين المثقفين والجماهير الشعبية، لأنه في حال انحلال هذه العلاقة، تحول الحزب إلى مجرد علاقات بيروقراطية صورية. فالوظيفة الحقيقية للأمير الحديث، هو تحقيق الوحدة الجدلية بين النظرية والسياسة، وهذه مهمة كلية وشاقة، وحبلى بالتناقضات، وبالتقدم والتراجع، طبقاً للجدل المعقد لحركة الصراع الطبقي في المجتمع. وعملية تحقيق هذه الوحدة مرتبطة أيضاً بجدل العلاقة العضوية بين المثقفين، الذين يتحملون مسؤولية تاريخية في انتاج ثقافة جديدة، عقلانية، وجذرية، وتاريخية، موجهة إلى الجماهير الشعبية، تهتدي بها في نشاطها العملي، وفي ممارستها للصراع الطبقي، وذلك باقامة كتله ثقافية واجتماعية لمواجهة الثقافة المسيطرة، وبين كتلة الجماهير البسيطة الخاملة، التي يعمل الحزب الثوري على الارتقاء بها إلى مستويات ثقافية أعلى، وهذا لن يتحقق إلا بالترابط العضوي بين وجهة النظر السياسية الثقافية من جهة، وبين متانة التنظيم والمركزية الثقافية الجديدة للتربية الجماهيرية من جهة أخرى.‏

يستنتج من هذا، إنه لكي يقوم الأمير الحديث بهذا الفعل التاريخي، أي عمل التجديد الثقافي، وتحقيق الاستقلال الثقافي الذاتي للجماهير الشعبية، لابد له من القيام بالاصلاح الفكري والأخلاقي، من أجل رفع المستوى الفكري والثقافي والسياسي للجماهير الشعبية أوسع فأوسع، والعمل على خلق نخبة من المثقفين تنبثق مباشرة من الجماهير الشعبية، وتكون على علاقة عضوية معها. فعملية الاصلاح الفكري والثقافي مرتبطة بجدل المثقفين والجماهير الشعبية، وبالدور السياسي التاريخي، الذي يلعبه الأمير الحديث، أو المصلح الأكبر، في بلورة سياسة ثقافية جديدة، تكون مكوناً أساسياً من مكونات استراتيجية الصراع من أجل الهيمنة، وتكون في الوقت عينه ابنة الصراع الطبقي في الحقل الثقافي، تؤسس للطبقة العاملة وحلفائها الممكنين تصوراتها الايديولوجية المنسقة والمتجانسة، وباعتبار أن المسألة المطروحة على بساط البحث من جانب هذا المصلح الأكبر، هو تحقيق الوحدة الايديولوجية لهذه الكتلة الاجتماعية- الثقافية، وبالتالي تحقيق الاستقلال الذاتي الثقافي المتمايز للجماهير الشعبية، باعتباره شرطاً مهماً لتحقيق الاستقلال السياسي- الذاتي لها حيث أن هذا الأخير لن يكون حيوياً وجذرياً، وأكثر مناقضة لأنماط الفكر القديمة، إلا إذا احتضن الاستقلال الثقافي الذاتي لهذه الجماهير الشعبية.‏

فالمطلوب، إذاً، من الاصلاح الفكري والثقافي والأخلاقي، هو تأسيس فكر سياسي ثوري، يفك الارتباط بين ايديولوجية الطبقة المسيطرة، والتفكير الجديد، الذي يقوم به المثقفون العضويون، ويكون مرتبطاً بحقائق المجتمع وحاجات تغييره راديكالياً، فضلاً عن أن هذا الفكر السياسي والثقافي القائم على الروح النقدية والممارسة النقدية، وعلى تركيز بنيته الذاتية المستقله، مطالب بأن يساعد الجماهير الشعبية على مغادرة معتقداتها، وتصوراتها القديمة عن العالم والحياة. فالجماهير الشعبية في حاجة دائمة إلى فكر سياسي ثوري، والثقافة الجديدة لن تسهم في تحرير هذه الجماهير من معتقداتها الضيقة المسيطرة عليها، وبالتالي تسهم في تحرير المجتمع بأسره من العلاقات الايديولوجية والثقافية المسيطرة، إلا إذا كانت ملازمة بصورة أساسية لاستراتيجية الصراع من أجل هيمنة الطبقة العاملة، حيث أن صراعها التاريخي الهادف إلى "كسر الوحدة القائمة على الايديولوجية التقليدية، الكسر الذي بدونه لن تستطيع القوة الجديدة وعي شخصيتها المستقلة"، لابد أن يكون مستنيراً بفكر سياسي وتاريخي، في سبيل الاستيلاء على السلطة.‏

وليس من شك أن الحزب، أو الأمير الحديث، هو الواسطة الثقافية للطبقة العامله، والقوة المنظمة المطورة لتصور فكري جديد متكامل، وشامل، والمسؤول الأول عن تنظيم وقيادة السياسية الثورية المؤدية إلى انشاء الهيمنة، كقيادة فكرية وثقافية وسياسية للطبقات الاجتماعية التقدمية، حيث يقول غرامشي "يجب على الأمير الحديث أن يكون عامل اصلاح ثقافي وأخلاقي، إذ أن الاصلاح هو أرضية تحقيق تطور لاحق للارادة الجماعية القومية- الشعبية أرضية تشكل منجز- شامل للحضارة الحديثه"(15).‏

إن مهمة الحزب هي تحقيق وحدة الفكر والسياسية العملية، الذي لا يمكن التوصل إليها، إلا إذا جسد الحزب استراتيجية ثقافية تربوية تهدف أساساً إلى تحقيق همينة الكتلة الثورية في المجتمع، عبر العلاقة الجدلية بين المثقفين العضويين والجماهير، وبالتالي عبر المشاركة الفعلية بين الأمير الحديث والقاعدة الاجتماعية للجماهير الشعبية، التي يمثلها. فالعلاقة التربوية بين المثقفين والجماهير التي يشدد عليها غرامشي، تشكل دينامية ثقافية خاصة، التي يعمل الحزب المهيمن من خلالها، على تحقيق الهيمنة، لأن المجتمع حسب مقولة غرامشي، هو نظام من العلاقات التربوية، إذ أن "كل علاقة هيمنة هي بالضرورة علاقة تربوية"...‏

إن غرامشي يدعو إلى بناء حزب طليعي من نمط جديد هو الحزب المهيمن، الذي يقوم على العلاقة العضوية المتقدمة بين الطبقة العاملة وطليعتها الواعية والمثقفة، وعلى الاسهام العملي والشمولي، والواقعي، من أجل بناء حركه شعبية ثورية ممكنة، تتلاقى فيها الحركة العضوية للجماهير الشعبية والارادة الواعية المثقفة المركزية الموجهة والمنظمة للمثقفين الثورية، وحلفائها الممكنين، في إطار حزب ثوري جماهيري، يجسد الوحدة "ما بين العضوية وبين القيادة الواعية، أو الانضباط هي بالضبط الفعل السياسي الحقيقي للطبقات الدنيا، طالما استمر هذا العمل في أن يكون عملاً جماهيرياً، وليس مجرد مغامرة تقوم بها مجموعات تدعي تمثيل الجماهير".‏

إن وجود الحزب التاريخي تتطلبه بالضرورة السياسية والتاريخية للعلاقة العضوية مع الطبقة الثورية، والجماهير الشعبية، التي يطمح إلى تمثيلها، عبر تجسيده للوحدة بين "التلقائية" و"الاتجاه الواعي"، وهو يقوم بتنمية ثلاثة عناصر أساسية.‏

أولاً: القاعدة الجماهيرية المؤلفة، من "عناصر واسعة الانتشار من الرجال العاديين الذين تتم مشاركتهم بالانضباط والايمان وليس بروح ابداعية أو تنظيمية".‏

ثانياً: القيادة، التي هي "عامل التلاحم الرئيسي الممركز في الميدان الوطني والذي ينمي الفاعلية والقوة في مجموعة من القوى غير ذات القيمة افرادياً "والقيادة تلعب دوراً مهماً أساسياً وتاريخياً في الوجود التاريخي للحزب، "إننا نتحدث عن قيادة بلا جيش، ولكن الواقع إنه من الأسهل أن تشكل جيشاً من أن تجد قادة. ومن المؤكد أن جيشاً موجوداً يمكنه أن يدمر إذا كان يفتقر إلى القادة، في حين أن مجموعة من القادة المتعاونيين والمتفقين على الأهداف المشتركة لن تكون بطيئة في تشكيل جيش حتى وإن لم يكن موجوداً"(16).‏

ويضيف غرامشي بأن القيادة تتحمل مسؤولية كبيرة في ظروف الأزمات والمنعطفات السياسية الخطيرة، ولهذا فان القادة القادرين هم الذين يظهرون جدارتهم في خلق "وجود الشروط الضرورية والكافية التي يمكن لها، وبالتالي يجب أن تحل مشكلات معينة تاريخياً (يجب.. لأن أي فشل في أداء الواجب التاريخي يزيد الفوضى والاعداد لكوارث أكبر خطراً"(17).‏

ثالثاً: الكوادر الحزبية، التي تشكل "العنصر المتوسط الذي يمفصل العنصر الأول مع العنصر الثاني باقامة الاتصال "الجسدي" بينهما، وجدانياً وفكرياً"(18).‏

إن الأمير الحديث يمثل سلطة الظل، قائمة بالفعل، وهو يمارس وظيفة الهيمنة من الموقع، الذي يحتله في الصراع الطبقي الاجتماعي، والتاريخي، والسياسي، باعتباره طليعة ثورية للطبقات الشعبية المضطهدة والمستَغَلَة، والمثقف الجمعي، الذي يهدف إلى تأسيس هيمنة جديدة لهذه الطبقات، يكون لها انتاجها المعرفي الجديد، واخلاقياتها الجديدة، وفعلها السياسي المناضل الجديد، "الكتلة التاريخية" الجديدة. ويكمن دور الحزب المهيمن، باعتباره المثقفي الجمعي، على تحقيق الاختلافات الكبيرة داخل الكتلة التاريخية القديمة، من أجل خلق كتلة تاريخية جديدة.‏

إن الدور التاريخي لحزب الطبقة العاملة، أي الأمير الحديث يكمن في قدرته على بلورة استراتيجية الصراع من أجل الهيمنة، حيث أن على الحزب السياسي أن يقوم بمهمة غزو فضاءات المجتمع المدني، من خلال اختراق أجهزته المهيمنة المتداخلة تداخلاً كبيراً مع المجتمع السياسي، وعبر الهيمنة في الفكر والسلوك الأخلاقي، حيث يقول غرامشي أيضاً "عندما يتحقق جهاز الهيمنة، بقدر ما يخلق أرضية ايديولوجية جديدة، يحدد اصلاحاً لوعي البشر ومناهج للمعرفة، فيكون حدثاً معرفياً، حدثاً فلسفياً"(19).‏

إن الحزب الثوري، لا يمكن أن يتخطى جدلياً وثورياً الاطار الاجتماعي والسياسي، القائم على هيمنة الطبقة السائدة، إلا إذا استوعب، وحلّل أن أزمة المجتمع هي في حقيقتها التاريخية، وضمن سياقها السياسي والتاريخي، أزمة هيمنة، في واقع متصارع.‏

ويقول غرامشي في هذا الموضوع: هناك أزمة هيمنة الطبقة السائدة أو أزمة الأحزاب المعارضة في اكتساب موقع مهيمن. فتحدث أزمة الطبقة السائدة عندما تفشل في مشروع كبير كانت قد طلبت من أجل تحقق وفاق الجماهير أو فرضته بالقوة) الحرب مثلاً- كما تحدث أزمة في هيمنتها عند تنتقل جماهير واسعة من السلبية السياسية إلى نشاط ما وتحدث ثورة(20).‏

أما أزمة الحزب السياسي المعارض، فتحدث حين تشتد النزعة البيروقراطية في داخل الحزب، وتصبح قوة محافظة متحجرة، ومصابة بالانغلاق الايديولوجي، وبالتصلب في شرايين العقل، وتشعر بنظرة استعلائية في علاقتها مع الجماهير، الأمر الذي يقود إلى وجود أزمة علاقة بين الحزب والجماهير الشعبية، حيث أن من مظاهر أزمة الماركسية، في عصرنا الراهن، هي أزمة علاقة الحزب بالجماهير، واستشراس الظاهرة المرضية للمركزية البيروقراطية في الحزب، العاجزة عن اتخاذ أية مبادرة نحو الاصلاح الفكري والثقافي في داخله، لأن هذا أصبح يتناقض جذرياً مع مصالحها الطبقية الجديدة، وبذلك يتحول الحزب إلى مستنقع فاسد، وبركة راكدة، لأن كل نهجه النظري والسياسي، تحول إلى نهج تبريري لعلاقات السيطرة والخضوع القائمة في المجتمع. فالبيروقراطية، التي تمثل الفئة الأوليغارشية الحاكمة داخل الحزب، تعمل على نفي أية ممارسة للديمقراطية السياسية في الحزب، حيث أن التخلي عن الممارسة الديمقراجطية في داخله، تُحَوِل هذا الأخير إلى مزرعة اقطاعية لمصلحة البيروقراطية، التي تقوم بحق انتقاء أعضائها، والاحتفاظ بهم في المراكز الحساسة، في إطار ممارسة عقيمة، تقوم على معيار الولاء لهذه البيروقراطية بصفة أساسية.‏

إن معيار قوة الحزب تكمن في قدرته على انجاز وظيفة الهيمنة، مثلما أن أزمة الحزب، هي أزمة هيمنته، وبالتالي أزمته في العلاقة مع الجماهير الشعبية، حيث يعلق غرامشي على هذه الأزمة قائلاً "ففي لحظات الأزمة الحادة يفرغ من مضمونه الاجتماعي فيبقى كأنه مبني في الفراغ". ويضيف "من الممكن تقييم وظيفة الهيمنة والقيادة للأحزاب من خلال مراقبة نمو الحياة الداخلية لهذه الأحزاب نفسها، فاذا كانت الدولة عبر قواعدها التشريعية تمثل القمعية والنظامية لبلد من البلاد، فعلى الأحزاب التي تمثل الانتماء التلقائي لصفوة من البشر لمعايير من السلوك تعتبر السلوك الأفضل لتربية الجمهور كله- فعلى الأحزاب إذاً أن تظهر في حياتها الداخلية إنها قد استوعبت كمبادىء للسلوك الأخلاقي هذه القواعد التي هي في الدولة ضرورات أخلاقية فتتحول الضرورة إلى الحرية في داخل الأحزاب- تأتي من هنا القيمة السياسية العظيمة (أي قيمة القيادة السياسية) للنظام الداخلي للحزب وقيمة هذا النظام من أجل تقييم امكانيات الانتشار للأحزاب- الأخلاق (مقاومة غرائز الثقافات التي انقضت)- الشرف (الارادة الصارمة في سند نمط جديد من الثقافة ومن الحياة)- الكرامة (الوعي بالفعل من أجل هدف أسمى)"(21).‏

إن موضوع الهيمنة يشكل الاستراتيجية الرئيسة بالنسبة للحزب في موقعه داخل حقل الصراع الطبقي، من أجل بناء مجتمع جديد، تسود فيه فلسفة جديدة للعالم والحياة، وأخلاقيات جديدة، حيث أن الحزب مطالب بممارسة وظيفة الهيمنة هذه المرة وقد أعيد توجيه هذا المفهوم نحو بلدان أوروبا الغربية، التي تسيطر فيها السلطة البرلمانية البرجوازية، المرتبطة بظاهرة الديمقراطية الكلاسيكية الغربية.‏

هوامش الفصل الخامس:‏

(1)- أنطونيو بوزوليني- غرامشي- ترجمة سمير كرم- المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولى كانون الأول (ص182).‏

(2)-‏

Gramsci dans le texte. Editions sociales Paris 1975 (PP595- 609).‏

(3)-‏

D. Grisoni R. Maggiori: Lire Gramsci. Editions universtitaires Paris 1983. (P209).‏

(4)- الأمير الحديث ترجمه زاهي شرفان- قيس الشامي، دار الطليعة، الطبعة الأولى نيسان 1970، (ص170).‏

(5)- جون كاميت- غرامشي حياته وأعماله ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة الأولى 1984- (ص129).‏

(6)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- ندوه القاهرة 1990، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر الطبعة الأولى 1991، (ص234).‏

(7)- رضا الزواري، من هو المثقف؟ مجلة اطروحات- العدد الرابع عشر السلسلة الثالثة 1988- (ص33).‏

(8)- فيصل دراج- غرامشي والبحث عن سؤال الثقافة، مجلة النهج العدد 19- 1988 (ص132).‏

(9)-‏

Lire Gramsci P211 (Gramsci. Gli interllectuali, E.R. Torino 1975).‏

(10)- فيصل دراج مصدر سابق (ص126).‏

(11)- جون كاميت- مصدر سابق (ص269).‏

(12)- المصدر السابق (ص258).‏

(13)-‏

C. Buci- Glucksmann: Gramsci et l`Etat Fayard, Paris 1975, (P36).‏

(14)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- مصدر سابق (ص214).‏

(15)-‏

A. Tosel. Praxis- Editions Sociales- 1984, (P213).‏

(16)- جون كاميت- غرامشي حياته وأعماله- مصدر سابق (ص260).‏

(17)- المصدر السابق- (ص260).‏

(18)- المصدر السابق- (ص260).‏

(19)-‏

Christine Buci Glucsmann L'Etat et l'hégemonie- Dialectiques 4-5, 1976- (P193).‏

(20)- ملاحظات حول ماكيا فللي- الطبعات الاجتماعية في باريس 1975- (ص505).‏

(21)- الماضي والحاضر مشار إليه في مدخل لدراسة الفلسفة (ص152)- هامش 17.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244