|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:03 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القسم الثالث في السيرورة التاريخية العربية الفصل الأول: تاريخية المجتمع المديني في الوطن العربي أولاً : هل ثمة مجتمع مديني عربي، وماهي سيرورة تطوره التاريخية؟ عرفت المنطقة العربية أول التجمعات الحضارية، وقامت على أرضها أعرق الحضارات القديمة، الملقبة بحضارات الشرق القديم من جانب الباحثين المختصين، التي كان لها أعظم تأثير على الحضارتين الاغريقية والرومانية وغيرهما على الحضارة العالمية في العصور الحديثة. ففي خلال الآلاف 10- 7 قبل المسيح، من عهد ثورة العصر الحجري الحديث، باعتباره شكل مفصلاً تاريخياً مهماً في التحول الجذري، الذي طرأ على حياة الاجتماع البشري، وعلى اعادة بناء كاملة وجذرية لبنية المجتمع الاقتصادية، من خلال انتقال الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد المنتج، تحققت الثورة النيوليتية. وكانت المنطقة العربية، ممثلة بالشرق الأدنى، منطقة سوريا، وفلسطين، وسيناء، والهلال الخصيب، هي "المنطقة النووية" الأولى لهذه الثورة النيوليتية، حسب تعريف المختصين- التي كانت توفر للانسان النباتات الحبية والعلفيه في حالتها البرية، وأنواع الحيوانات الآكله للعشب، وكذلك الشروط الضرورية والموائمة لظهور نمط جديد من الحضارة. وقد اعتبر المؤرخ الانكليزي غوردون شيلد الثورة النيوليتية، بأنها تضاهي في عظمتها وقدرتها، واكتشافاتها، الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر في العصر البرجوازي الحديث. لقد ظلت حياة الانسان طوال كافة مراحل وجوده على الأرض منذ مئات آلاف السنين مقتصرة على ممارسة الصيد وجمع الثمار، وهو يتصرف في علاقته مع الطبيعة مثل باقي الحيوانات الأخرى، أي كنهاب، ومدمر، ولم يكن له أي هم لاعادة انتاج المواد النباتية والثمار الضرورية لاستهلاكه. غير انه مع حدوث الثورة النيوليتيه، انتقل الانسان من مرحلة الانسان النهاب والمدمر إلى مرحلة الانسان المنتج، وتكمن أهمية الثروة النيوليتيه في تحطيمها النمط الاقتصادي القديم القائم على الصيد وجمع الثمار، وفي احداثها تحول جذرى في نظام الانتاج، الذي أصبح قائما هذه المرة على الانتقال إلى نمط الحياة الزراعي والرعوي، أي الانتقال إلى الاقتصاد المنتج. ومنذ ذاك التاريخ، تشكلت الجماعات الزراعية، والرعوية القادرة على جمع ومراكمة المحاصيل الزراعية والغذائية، وانتقلت في نمط حياتها من حالة الترحل إلى حالة الاقامة والاستقرار، وبالتالي إلى حالة التحضر والمدنية، في مجموعات كبيرة داخل القرى والمدن، وذلك بفضل النتائج الاجتماعية والاقتصادية، والثقافية لظهور تربية الماشية والزراعة، والتقسيم الاجتماعي للعمل، الذي ظهر وبلغ درجة من التعقيد بسرعة، جراء تخصيص قسم من السكان في الصناعات الحرفية مثل صناعة الخزف والفخار، والنسيج، وصناعة السلال والمذارى، وسواها، بهدف تلبية الحاجات المحلية أولاً، ثم عبر ممارسة المبادلة مع مجموعات بشرية أخرى، ثانياً، (تصدير اسلحة ومواد). وهكذا كانت بداية ولادة التجارة. ان السمات الخاصة للثورة النيوليتيه تتمثل بشكل جوهري في المسائل التالية: أولاً: تشكلت المراكز الاولية المهمة للاقتصاد المنتج القديم في مناطق سورية، وبلاد ما بين النهرين السهلية، أي العراق وحتى جنوب غرب ايران، ومن فلسطين وسيناء، وحتى ماوراء القفقاز، وعلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وكانت هذه المراكز الأولية من اقدم المراكز الزراعية في العالم، حيث كانت تنمو فيها اصناف الحبوب البرية، والنباتات الغريبة، وتنتشر فيها ايضاً زراعة القمح ذى الحبة الواحدة، والشعير، والعدس، والحمص، والكرسنة، والكتان. ولم تكن اسيا الامامية من اقدم مراكز الزراعة والرعي فقط،" بل كانت الموطن القديم لصناعة التعدين، اذ توفرت هنا في الألف السابع المقدمات الانتاجية لنشوء التعدين فأن الناس الذين كانوا يمارسون استخراج الجير تعلموا منذ مطلع العصر الحجري الحديث طريقة الحصول على الحرارة الضرورية، لصهر خامات النحاس/700-800 درجة مئوية)"(1). وفيما بعد انتقلت صناعة التعدين إلى المناطق المجاورة لاسيما الامامية، إلى مصر، وايران، واوروبا، وافغانستان. كما أن شمال افريقيا يعتبر مركزاً زراعياً ومستقلاً عن هذه المراكز الانفة الذكر ويحكمه تطوره الخاص. وكان له تأثيره المباشر مثله في ذلك مثل هذه المراكز الزراعية القديمة في آسيا الامامية- على تطور الزراعة في مصر العليا، والتدجين المحلي للحيوانات. فالحيوانات الاليفة جاءت إلى مصر من اسيا الامامية ومن شمال افريقيا، وانتشرت تربيتها في دلتا النيل منذ عصرما قبل الصوان، أي منذ الألف الخامس. ثانياً: أنه بفضل هذه الثورة النيوليتيه، التي غدت أكثر ضخامة من حيث قدرتها على أحداث تحولات جذرية عميقة في البنية الاجتماعية، ظهرت وتبلورت المجتمعات البشرية، بصورة عميقة ومدهشة. وازدادت بسرعة التفاعلات الاثنية والحضارية بين هذه المجتمعات، وبدأت تنضج عملية تشكل الطبقات، وقامت المدن ونشأت الدول، وظهرت الحضارات الأولى في المنطقة العربية. أن أهمية الانتقال إلى الزراعة وتطور الرعي، وازدياد أنواع المنتجات الرعوية، وتحسن أشكال الزراعة الفعالة، وتبدل ظروف تربية الماشية وتدجين الحيوانات، وانتشار نمط حياة القبائل الرحل في بعض المناطق، حيث كانت حياة البداوة مرتبطة بالترحال العمودي إلى المراتع الشتوية والصيفية، التي تقع في الجبال والسفوح على ارتفاعات مختلفة، قد أحدث تطوراً وانقلاباً جذرياً وكاملاً في نمط حياة الناس وفي علاقاتهم الاجتماعية. الانتقال إلى الاقتصاد المنتج، يعني الانتقال إلى مجتمع العمل والانتاج، وبالتالي الانتقال إلى عملية التشكل الاجتماعي. ولما كان الناس هم الذي ينتجون حياتهم الاجتماعية، فانه تتوضح لنا العلاقة الجدلية القائمة بين المجتمع والانتاج. فالمجتمع يشترط وجود وتوافر الانتاج، الذي يحدد ما هيته وسيرورة تطوره، وكذلك الأمر بالنسبة للانتاج، الذي لايوجد بدون المجتمع ولا خارجه. وهكذا فان الانتقال إلى الاقتصاد المنتج كاحدى افرازات الثورة النيوليتية، قد شكل المقدمات الضرورية للعملية الانتاجية بالمعنى الواسع والعميق، الذي اعطاه ماركس لهذه الكلمة، أي ظهور حجم الانتاج للخيرات المادية والروحية، وظهور فائض مستمر من المنتوج، وبروز توجه نحو الانتاج المتخصص، وتعميق تقسيم العمل الاجتماعي، وتفرد المهن طبقا للوظائف الاقتصادية والاجتماعية، المختلفة، وتعقد نظام الادارة، بفضل وحدة العملية الانتاجية في شقيها المادي والروحي، باعتبار أن العملية الانتاجية الاجتماعية، هي في حد ذاتها عملية فكرية وروحية. وبفضل الانتقال إلى الزراعة والرعي، تشكلت- المقدمات المادية الضرورية للحياة الاجتماعية بكل عمقها وشمولها، وارست المقومات المادية الثابتة للحياة الحضارية المستقرة مع ازدياد عدد السكان، وحجم الانتاج، وبالتالي تحددت خصائص وسمات المجتمع المدني القديم في المنطقة العربية، وتشكلت الدول والحضارات، حيث كان لنشوء الزراعة والرعي في عهد الثورة النيوليتية ظاهرة ثورية حقاً، في ارساء حضارة الدولة -المدينة Cite´-L´ETAT، والمجتمع المديني، بظهور القرى والمدن في بلاد الشام، وبلاد الرافدين، وفلسطين، ومصر بين الألف التاسع والألف الخامس قبل الميلاد. وهنا نؤكد على ان المجتمع المدني الحديث ليس انجازا برجوازيا فقط، حتى وان بلغ درجة تطوره الكامل في العصر البرجوازي الحديث في أوروبا لان البذور الاصول والجذور التاريخية للمجتمع المدني على الصعيد العربي قديمه جدا ومتنوعة، فضلاً عن توافر مقومات الاجتماع في التاريخ العربي. فالمنطقة العربية تعتبر أول المناطق في العالم، التي عرفت العمل الاجتماعي، والوعي الاجتماعي المتجسد في الاسطورة والدين، أما المؤشرات التي تشير إلى وجود المجتمع المديني، فلها علاقة بالمقولة التالية: ان التاريخ تنويعة على اشكال الاجتماع، وبالتالي فالتاريخ لايظل اسير شكل واحد، كما تعلل ذلك الايديولوجية الطبقوية الستالينيه السائدة في الوطن العربي. ثانياً- المؤشرات التي تشير إلى وجود المجتمع المديني: ان الثورة النيوليتيه التي ظهرت في العصر الحجري الحديث، قد حققت انقلاباً عظيما، وقطعاً تاريخيا على صعيد حياة الانسان باهتدائه إلى الزراعة، وعملية توسيعها، وتدجين الحيوان، حيث ان هذا القطع التاريخي مع ماسبقه، تم في المنطقة العربية: سوريا، العراق، ومصر بالدرجة الأولى، ومهد لتطورات اجتماعية وسياسية وفكرية على غاية من الاهمية عاشتها هذه المنطقة في تاريخها القديم. وفضلاً عن ذلك، فقد كانت هذه المنطقة مهدا ومركزاً للديانات السماوية، ومصدرا للإشعاع الديني، الذي أنار اصقاع الدنيا قاطبة، ومهد لنشوء الحضارات الناضجة في المراحل التي عقبت العصر الحجري الحديث. وكان للعنصر السامي العربي دور اساسي في صياغة، وبلورة، وتطوير هذه الحضارات الانسانية، التي أول مابزغ فجرها في هذه المنطقة من العالم" وفي اضفاء الوحدة المجتمعية والسياسية، والحضارية المدنية لمنطقة الشرق الادنى، وعلاقتها الوثيقة بحضارة وادي النيل. ولقد" ساهم في صنع هذا التاريخ سكان مناطق الشرق الادنى وهم شعوب الصحراء العربية، وكنعان، والساحل الفينيقي، وجبال آسيا الصغرى، وبلاد ما بين النهرين، ومنطقة الأراضي الرسوبية على الخليج العربي، ثم شعوب جبال ايران وهضابها. تختلف هذه الشعوب عن بعضها دما وعرقاً، الا ان لجميعها هدفا واحداً هو الوصول إلى أراضي الهلال الخصيب، وبالتالي التمكن من السيطرة على بلاد جنوب ما بين النهرين، بلاد السومرين، التي أول ما عرفت الحضارة المزدهرة عند مطلع الألف الثالثة ق.م/ تنتسب الشعوب القادمة من الصحراء العربية وبادية الشام، التي دخلت أراضي الهلال الخصيب على شكل موجات عديدة ومتلاحقة طوال ثلاثة آلاف سنة إلى أسرة الشعوب السامية. وبالمقابل تنتسب الشعوب الجبلية أو على الأقل طبقتها القائدة، إلى المجموعات الهندية، الجرمانية التي وجهت اهتمامها إلى المنطقة وتحركت نحوها في الألف الثاني والأولى قبل الميلاد. كما نجد هناك شعوبا أخرى ساهمت في صنع تاريخ هذه المنطقة كالسومرين مثلاً الذين لانستطيع معرفة أصلهم، ذلك لأن لغتهم بعيدة عن ان تكون مرتبطة باللغات المعروفة حتى الآن. لاتختلف هذه الشعوب فيما بينها بالدم واللغة والمستوى الحضاري فحسب، بل نراها ضمن مناطقها الجغرافية المتنوعة تتبع نظاما اجتماعياً مختلفاً، وذلك بفعل تأثير شروط المعيشة الخاصة بها، فهناك بادية الشام موطن البدو الساميين الرحل، الذين ينتظمون في عشائر متعددة ترعى قطعان اغنامها وجمالها في مناطق واسعة ومحددة بدقة. وإلى جانب ذلك فهناك الجبال التي يقطنها البدو الرحل، الذين يعتمدون في عيشهم على الصيد وتربية الخيول وذلك عندما لايوجد مكانا لهم في الوديان الخصبة، التي استقر فيها من سبقهم من السكان الحضر. وختاماً نجد الهلال الخصيب المحصور بين الصحراء والسلاسل الجبلية قد أصبح موطن الفلاحين المتحضرين، الذين لم يعودوا ينظمون بعد حسب علاقاتهم العشائرية أو القبلية بل اطلاقاً من موطن سكنهم أو انتمائهم لقبائلهم أو كما حدث بصورة خاصة في الأراضي الرسوبية حتى جنوب الرافدين وذلك حسب مناطق مقابلة لهم دويلات آلهتهم. كانت هذه الفئات الثلاث، أهل البادية، وبدو الجبال، والفلاحين على اتصال مستمر فيما بينهم. وكانت هذه الفئات تتأرجح في عيشها مع بعضها بين وئام وخصام دائمين رغم حاجة كل منها لحاصلات الأخرى. لقد حاول الحضر من السكان السيطرة دوما على الطرق التجارية التي كانت في ايادي البدو، وعلى النقيض من ذلك فقد استهدف البدو بصورة رئيسية الولوج والتحكم بالمناطق المتحضرة، وبالرغم من احتقارهم في الواقع للفلاحين كانوا يطمعون دوماً في ارزاقهم وخيراتهم. ويلازم هذا الصراع الاجتماعي في بلدان الشرق الادنى بتناقض بين السكان من النواحي اللغوية والفكرية والاحوال العرفية. إذا تتبعنا تاريخ الشرق الادنى نجد أنه لايتمثل في شعب واحد خلق توزان القوى الغربية والمحلية. لقد كان هذا التاريخ نتيجة لصراع دام قرونا من الزمن بين شعوب غريبة عن بعضها البعض. غير ان تحاك أو بالاحرى تشابك المصالح المادية والفكرية جعلها تنتظم في مجتمعات ودول كما أصبحت عليه في بلاد الغرب خلال القرون الوسطى والعصر الحاضر(2). أننا حين نعود لدراسة التاريخ القديم للمنطقة العربية، فلكي نحلل آليات انتقال حياة الانسان من مرحلة الفطرة والتوحش إلى مرحلة بناء المجتمع المديني، وانشاء الدول والحضارات الناضجة، حيث أن أسس المجتمع المدني الحديث، والحضارة الانسانية الحاضرة، تمتدان إلى ذلك المجتمع المديني القديم، وتلك الحضارات. ومن المؤكد أن المادة المتكاثرة عن نشوء المجتمع المديني، والحضاري، والعمران البشري، وحياة ذلك العمران، وأحواله، على الصعيد العربي، ستساعدنا لاعلى تكوين آراء، وتعليل نشوء المجتمع المدني فقط، وانما ستساعدنا أيضاً على فهم ذلك الماضي البعيد الذي تكون فيه المجتمع المديني، وتوضيح حاضر المجتمع المدني وفهمه. ويهمنا هنا أن نوجز أهم الانقلابات، والمؤشرات، التي حدثت في تاريخ تطور المجتمع المديني منذ العصور الحجرية القديمة، ومنها بداية الزراعة وتربية الحيوان، وصنع الالات والادوات، ونشوء اللغة، التي ظهرت عند الانسان في زمن ما من العصر الحجري، حيث ان اللغة ليست البنية الفوقية كما تعرفها لنا التوصيفات الماركسية، انما اللغة هي البنية التحتية التي أسست لظهور المجتمع على الصعيد العربي، وبتبلور فكرة الأمة العربية، لأنه بدون لغة ليس هناك تجمع بشري. لذا فإن اللغة ومارافقها من تكون ثقافي، وصنع الالات، شكلا ركنين اساسيين في تأسيس المجتمع المديني والحضارة البشرية. ولقد كانت اللغة، والكتابة والتدوين، قد تم اختراعها في بلاد وادي الرافدين، ووادي النيل التي كانت اساس نشوء المجتمع المديني القديم في المنطقة العربية. 1- العصر الحجري الحديث 8500-5500ق.م لما كانت العلاقة بين الاستقرار والانتاج علاقة سببية، فقد شهد هذا العصر، بداية الزراعة وتربية الحيوان، ونشوء القرى، والحرف اليدوية، وكانت سوريا الشمالية وفلسطين موطنان لزراعة القمح والشعير، اللذين يتمتعان بقيمة غذائية عالية، فضلاً عن أن السكان الذين قطنوا في هذين البلدين، كانوا أول من مارسوا شكلا من اشكال الزراعة في الشرق الادنى ،" ويبدو أن المهاجرين الساميين الاوليين إلى مصر انما اتوا من سورية وادخلوا معهم القمح وزراعة الكرمة"(3). لقد احدثت الزراعة انقلاباً جذرياً في حياة الانسان، وكذلك الأمر بالنسبة لتربية المواشي، وتدجين الحيوان، وهذان العاملان هما المحددان الرئيسيان في انتقال الانسان إلى ممارسة حياة مستقرة ومنتجة، وإلى سيطرته على موارده الغذائية. ومن هنا فان هذه الحياة المستقرة التي ارتبطت بنشوء الزراعة وتدجين الحيوان، قد جعلت الانسان ينتقل من السكن في الكهوف والملاجئ الصخرية في الاماكن المرتفعة إلى السكن في السهول، وظهرت مصاحبة لذلك ملكية الأرض. ولاشك أن الاستقرار على صعيد المسكن والعمل، قد مكن الإنسان من تجميع طاقاته الابداعية واختباراته المتشابهة، لكي يجسدها في صراعه ضد الطبيعة، وفي سبيل بناء القرى والمدن، وارساء تقاليد حضارية. واوضحت التقنيات الاثرية وجود أثار قرى شهدت ازدهاراً كبيراً في هذا العصر، ومنها قرية المريبط التي تقع على الضفة اليسرى من دير الزور من نهر الفرات، والتي شهدت تقدماً في فن العمارة مثل ادخال الافران، والساحات العامة خارج البيوت، الامر الذي يشير إلى وجود تعاون السكان في تنظيم واستخدام هذه المرافق العامة المشتركة. ودلت التنقيبات الاثرية على ازدهار قرية تل بقرص التي تقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات والتي تبعد حوالي 40 كيلو متر إلى الجنوب من دير الزور، وقرية تل الرماد القريبة من دمشق، والواقعة بين قطنا وعرطوز. كما ظهرت قرى أخرى تحمل نفس الخصائص الحضارية المميزة في العراق، مثل تل صوان وأم دباغيه. ان توافر عوامل حياة الاستقرار، قد انبثق عنها التعاون بين الأفراد، خصوصاً وان مجتمعات الانتاج الزراعي والحيواني، تتطلب مثل هذا التعاون، الذي يفرضه التقسيم الاجتماعي للعمل وصنع وسائل الانتاج المتطورة والمتعددة، وبروز الحرفيون المهرة. وفضلاً عن ذلك فإن الحياة المستقرة تتطلب أيضاً العمران، الذي يحتاج أيضاً إلى مستلزمات كبيرة، ان الاستقرار ولد الحياة الجماعية، وهذه الأخيرة كونت الأفكار، وشكلت عاملاً قوياً في تطور اللغة، باعتبارها وسيلة التواصل بين هؤلاء الافراد في اطار هذه الحياة الجماعية. " والذي يذهلنا اليوم هو درجة الاتقان التي وصلتها اللغة بفعل العقل البشري في العصر الحجري الوسيط، وترينا مقارنة العربية الحديثة الدارجة مثلاً بما يمكن معرفته من اللغة السامية الأم تطوراً مستمراً نحو التبسيط بالنسبة للمستوى العالي في عصورما قبل التاريخ البعيدة، واثرا آخر للحياة العقلية عند إنسان العصر الحجري الوسيط اعتقاده الديني بآلهه أو بمجموعة من الالهة وظهور فكرة بدائية عنده أولية عن نوع من حياة ثانية للراحل بعد الموت"(4). وفي سياق هذا التطور للغة والحياة العقلية عامة، تطور الفن، باعتباره مثل اللغة صفة مميزة للبشر،" ويبدو ان " أقدم الأمثلة المعروفة للفن التشكيلي في فلسطين على كل حال" يستدل من كل ماذكرناه، ان الحياة المستقرة، وتطور الزراعة، وتربية المواشي، وظهور ملكية الأرض ونشوء القرى، وتطور اللغة، وانتشار نظام الفيض الحسابية، الذي كان يستخدم في عملية جرد المؤن الواردة والموزعة، في جميع أرجاء الهلال الخصيب، من غرب سوريا إلى أواسط ايران، في الألف السابع قبل المسيح، وحصول تقسيم للعمل بوتائر متسارعة، مع تطور الحرف، مثل صناعة الفخار، والنسيج، والتعدين، كل هذه العوامل مجتمعة، احدثت انقلاباً حضارياً مهما في حياة الناس الذين كانوا يسكنون في اقطار بلاد الشام، ووادي الرافدين، لكي يؤسسوا مجتمعا مدينياً ذى بنية اجتماعية أكثر تعقيداً، مع ازدهار انتاج المواد والسلع الغذائية، وازدهار المقايضة الداخلية والخارجية، ويروز الرقابة على الحياة الاقتصادية للمجتمع المديني الوليد من جانب السلطة. 2-من الزراعة وتربية الحيوانات إلى اكتشاف الادوات المعدنية يشكل اكتشاف المعدن مرحلة جدية في تدرج الانسان العاقل والصانع، في استعمال المعادن، وفن التعدين، في الاطوار الاخيرة من العصر الحجري النحاسي، الذي امتد من 5500 إلى 3500 قبل الميلاد. ويجمع المؤرخون على تسمية هذا العصر، بالعصر الحجري المعدني، أو بعصر ما قبل نشوء السلالات الحاكمة بهيئة امراء وملوك في كل من العراق ومصر. وليس من شك ان اكتشاف النحاس وتصنيعه بشكل جيد، وعلى اوسع نطاق، والاستفادة منه في مجالات متعددة، قد مثل تحولاً نوعيا على صعيد التغيرات الاجتماعية التي ظهرت على المجتمعات القروية الزراعية، التي قوت علاقات الاتصال والتواصل فيما بينها. فاكتشاف النحاس قد ولّد صناعات جديدة، وأوجد طلائع تقسيم العمل والتخصص، وأسهم في عملية اتساع الانتاج الزراعي، بعد ان كان الانتاج في العصر الحجري الحديث مقتصراً على مقادير محددة تحقق الاكتفاء الذاتي. وفي هذا العصر النحاسي أصبح الفلاحون ينتجون انتاجاً زائداً بهدف مبادلته بالسلع الصناعية الجديدة فنشأت طبقة جديدة من الناس تمركزت في القرى المنسقة، تخصصت في الصناعات الابتدائية، مثل صناعة أواني الفخار المصبوغ بالالوان والاشكال الزاهية، وتنسب حضارة ذلك العصر إلى حضارة حلف 5500-4500 نسبة إلى تل حلف الذي يقع على منابع الخابور بالقرب من بلدة رأس العين، على بعد خمسة كيلومتر إلى الجنوب منها، حيث ان مايميز حضارة حلف هو صنع الاواني الفخارية وتنوع اشكالها الهندسية، المعينات، المثلثات، والمربعات، وكذلك زخارفها. وفي هذا العصر تابع هؤلاء الناس الحضر مسيرتهم في التمدن والتحضرمن خلال نشوء طبقة الصناع، الذين طوعوا النحاس بالمطرقة، بعد صهر المعادن، وصنعوا الاواني ونقشوها بألوان متعددة، وصنعوا الاختام، وتوزيع الأشكال على سطح هذه الاختام، وقد سميت حضارة هذا العصر النحاسي بحضارة العبيد نسبة إلى تل العبيد الصغير الذي يقع في جنوب العراق، إلى القرب من مدينة أور الشهيرة حوالي ستة كيلومتر." لقد توجت الاختراعات التي اهتدى اليها سكان وادي الرافدين في عصور ما قبل السلالات بانقلابات خطيرة في الاطوار الأخيرة منها، ولاسيما بعد ان حل قرب الانهار في العراق وفي مصر، ومن ذلك ما ذكرناه من اتساع الزراعة وبداية الحياة الحضرية ونشوء أولى المدن والاختصاص، وعرف بناة الحضارة الاوائل في العراق ومصر فن التعدين أي صناعة النحاس والبرونز. فعرف العراقيون القدماء صنع النحاس في العهد المسيحي بطور" العبيد"(في حدود 4000 قبل الميلاد) وعرفوا صنع البرونز في عهد" جمده نصر"(في حدود 3200 قبل الميلاد) وابتدعوا دولاب الخزاف وصنعوا الاجر والاختام الاسطوانية والعربية ذات العجلة والمحراث، الذي حل محل قطعة الحجر التي كانت تستعمل لنبش الأرض في العصور الحجرية الحديثة، واهتدى سكان العراق القدماء إلى صنع السفن الشراعية في عهد قديم جداً في عهد العبيد السالف الذكر، بدلالة ما وجد من الماذج في أور/ المقير من ذلك العهد وفي ايدو، وتوجت كل هذه الوسائل بابتداع وسيلة للتدوين أي الكتابة، وقد تم ذلك في العراق قبل غيره من اقطار الدنيا. كما عرف دولاب الخزف وفن التعدين والعجلة فيه كذلك قبل الحضارات الاخرى، وبدأت في الأطوار الأخيرة من عصور ما قبل السلالات الفنون الراقية كالنحت والتصوير والتطعيم (تطعيم اوتكفيت الاحجار باحجار أخرى ثمينة) وقد بدأ فن النحت منذ عصر الوركاء ولاسيما منذ نصفه الثاني (وفي حدود 3500 ق.م). وظهرت كذلك المباني العامة كالمعابد، منذ عصر العبيد" وكثرت المعابد وازدادت أهميتها منذ عصر العبيد، وظهرت في طور الوركاء الابنية التذكارية الدينية ومن بين ذلك أولى الابنية الشاهقة التي سماها البابليون" زقوره" وهي الصرح أو البرج المدرج"(5). ان الخصائص المميزة لهذا العصر النحاسي عن العصر الحجري الحديث الذي سبقه، تشكل نقلة حضارية في تدرج حياة الناس من حيث تطويرهم للصناعات والاختراعات، باستخدام النحاس أولاً، ثم مزيجه القاسي وهو البرونز من أجل صنع الاسلحة الحربية، قبل ان يستخدم لأدوات السلم. كما ان تطور الزراعة المعتمدة على الري والتي شملت أنواعاً متعددة من الخضار، انعكس على تنوع الغذاء للناس، وكميته في ارتفاع معدل القامة البشرية للانسان ارتفاعا ملموسا، في العصر الحجري النحاسي. ولقد ادت صناعة المعادن والخزف والفخار وتخصصها إلى ظهور الحرف المختلفة وبالتالي التخصص في التقسيم الاجتماعي للعمل، وإلى زيادة في العلاقات التجارية بين القرى وممالك القبائل، ثم ان انتقال الناس من حياة البداوة إلىالزراعة والحضارة، وازدياد عدد السكان، وميلهم إلى الاجتماع البشري والتعاون فيما بينهم، سواء في مجال التقسيم الاجتماعي للعمل، أم في مجالات العلاقات التجارية، قد ادى إلى قيام المدن المنظمة وظهور الحكومات الصغيرة المستقلة بعضها عن بعض. وكانت المتاجرة بطريقة المقايضة، أي تبادل السلع بسلع أخرى، هو التقليد السائد بين السكان، الذين سكنوا سورية وفلسطين ولبنان من جهة، ومصر والعراق من جهة أخرى، وعلى الرغم من ان التجارة، كانت بسيطة، في ذلك العصر. إلا أن الاتصالات التجارية، والثقافية، وتطوير المعتقدات الدينية التي ظهرت بظهور المعابد، وانتشار حضارة العبد انتشاراً كبيراً امتد تأثيرها حتى سواحل شبه الجزيرة العربية المطلة على الخليج العربي، وشملت أيضاً الاقليم الشمالي من بلاد الشام، وكانت لها انعكاسات مهمة على صعيد تنشيط الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في جميع مظاهرها. وكان اختراع الكتابة التي انتشرت من جنوب بلاد الرافدين إلى شمال سوريا، حيث أنه بالكتابة بدأ التاريخ الحقيقي للمجتمع المديني، الذي بزغ في المنطقة العربية، ومارافقه من سير عام باتجاه التمدن والمدنية من الشرق إلى الغرب، وماشاكل ذلك من ثمار العمران والحضارات." ومع ظهور الكتابة أصبح النشاط المعرفي- الفكري ميدانا خاصاً من ميادين الممارسة والحياة العملية، له استقلالية ملحوظة، وانفصل عن تيار حياة الجماعة القديمة، الذي كان حت ذلك الوقت، غير متفكك تقريبا. وان ظهور الدولة والكتابة يفصل العصر القديم عن العصور البدائية، ويشير إلى فجر الحضارة وبداية تاريخ البشرية الحقيقي، وتعتبر كتابة ما بين النهرين أقدم كتابة في العالم واغلب الظن أن الفضل في اختراع الكتابة يعود إلى السومريين، وهو شعب كان يعيش في جنوب العراق الحالي، خلال الالفين الرابع والثالث ق.م"(6). 3- علاقة المجتمع المديني بالدول القومية الامبراطورية : حققت الانسانية قفزة نوعية كبيرة باجتيازها العقبة التي تفصل بين العصر الحجري النحاسي، والعصر النحاسي، في جنوب ما بين النهرين الملقبة ببلاد سومر على الخليج العربي، وأضطلعت سومر بمركز الطليعة الفكرية والحضارية في بلاد الشرق الادنى منذ مطلع الألف الثالثة قبل الميلاد"و" سبقت مصر في خلق أول حضارة مزدهرة تكمن فيها بذور تاريخية. ولكننا لانعرف ما إذا كان ذلك ثمرة النضوج الفكري لشعب المنطقة أم أنه كان بتأثير شعب جديد قدم إلى هناك. أن ما حققه أولئك السكان القلائل الأولين في مجالات الفكر والاقتصاد والسياسة في ذلك الاقليم المنتزع من الطبيعة المتمركزة في مدينة المعبد وذلك كتجسيد للايمان بالقوى الخفية المنطلقة من فلسفة دينية ثابتة تشمل الفرد والجماعة على حد سواء والتي وجدت تعبيرها في العمارة الضخمة وفي الفنون الشكلية الجديدة من نوعها "(7). وكانت مدينة الوركا"( =أوروك) من اقدم المدن السومرية، وتقع في شرق الفرات بالقرب من ناحية الخضر (السماوه). ويسمى عصر ازدهار الحضارة السومرية بعصر الوركا نسبة إلى أوروك الشهيرة، المعروفة بالتوراة تحت اسم ايرخ، والتي شهدت تقدما كبيرا في فن العمارة ولا سيما المباني العامة، والمعابد المشيدة على" مصاطب صناعية مكونة من عدة طبقات هي أصل( الزقورة) أو الصرح المدرج الذي امتازت به حضارة العراق القديم". والزقورة برج شاهق (كبرج بابل المشهور وبرج أور المقير وبرج بور سبناالمسمى الآن برس نمرود وبرج عقرفوف) كان يشيد جوار معبد المدينة". وكان سكان هذه الحضارة القديمة يشيدون فوق قمة البرج معبداً للعبادة إله المدينة الخاص. كما يشهد عصر الوركاء بالإضافة إلى مستوى الفخامة والعظمة في فن العمارة، اختراع العراقيون القدماء في هذا العصر الختم الأسطواني، المنقوش بصور ورسم مختلفة بهيئة معكوسة، والذي أصبح بالإضافة إلى الزيقورات، والكتابة المسمارية من أهم خصائص حضارات العراق القديم خاصة، والشرق الأدنى عامة. لقد أسس السومريون فلسفتهم في الحياة على اساس دورة الحياة والموت، المتجسدة، في أوروك الأسطوري المعروف بالإنسان الإله دوهوزى، والمشهور في التوراة باسم "تموز". ومن خلال هذا التوازن "تفتقت قدرة السومريين الخلاقة في فجر تاريخهم والتي تجلت في إدراك أن الموت والحياة يدوران في دوامة أبدية، وفي الإيمان بأن دولة الإله وتنظيمها المجتمع البشري على أساس تيوقراطي تشرف فيه الدولة على كافة وسائل الإنتاج ليكون في خدمة الآلهة. ولقد تجلى هذا الإدراك أيضاً في العمارة الشامخة في أول المنحوتات العامة، وفي الأختام، وذلك كتعبير عن فلسفات دينية.(8). أعقب عمر الوركاء، عمر "جمدة نصر" أو الطور الثاني لفجر التاريخ، وقد أطلق عليه اسم "جمدة نصر"(3200-3000ق.م) نسبة إلى تل صغير يعرف بهذا الاسم قرب مدينة كيش القديمة. وظهرت في هذا العصر مدناً كبيرة منها "جمدة نصر" وماري (تل الحريري). وتعتبر حضارة "جمدة نصر" استمراراً فعلياً لحضارة عصر أوروك، وتركت شواهده حاضرة في كافة أرجاء الشرق الأدنى. ففي هذا العصر ظهرت الحضارة الناضجة في القسم الجنوبي من العراق، حيث يسمونه المؤرخون بطور تكوين الحضارة السومرية أو عصر فجر السلالات الذي تبلورت فيه الحضارة السومرية. فتطورت القرى الكبيرة إلى مدن وظهرت مرافقاً لها نظام المدينة، والدول-المدن، التي امتاز بها عصر فجر السلالات لاحقاً، وظهرت الأبنية التذكارية كالمعابد والزقورات، وانتشر استعمال فن التعدين واتقانه. وبالإضافة إلى هذا العصر، أي عصر "جمدة نصر"، انتقل العراق في فجر حياته السياسية إلى عصر دويلات المدن، عبر الإنقلاب الذي حصل على كامل حضارة "جمدة نصر"، من خلال انتقالها إلى عصر ميزيليم، حيث "تحول مركز ثقل الحضارة من أقصى الجنوب إلى الخليج العربي إلى المنطقة التي تعلوها قليلاً إلى الشمال، هي منطقة العاصمة بغداد حالياً. أي من مدن أوروك وأيدو وأور إلى مدينة كيش عاصمة الملك ميزيليم، التي تعتبر الأمة القديمة لمدينة بابل الشهيرة عاصمة الحقبة الكلاسيكية، والتي انطلقت منها منذ ذلك الحين موجة عم بها العنصر السامي المنطقة"(9). إن ما يتميز به عصر ميزيليم هو التطور المذهل في فن العمارة والبناء، ففي هذا العصر عمد الإنسان إلى حفر أساسيات للجدران، ونشوء المعابد العالية، التي تشكل وحدة بنائية متماسكة. كما يضم المعبد مكاناً واحداً أو اثنين أو ثلاثة أمكنة لقدس الأقداس. وفي هذا العصر تم تشييد السور المزدوج، والمستدير لمدينة أوروك، بنوع من الآجر السلحفي الشكل وكتل الطوب الكبيرة، كنوع من التحصينات الدفاعية للمدينة، حيث أن النص البابلي يشير أن جلجا ميش هو الذي بنى هذا السور باعتباره الملك الأسطوري لأوروك، في سبيل المحافظة على شهرته الخالدة. ويشكل هذا العمل الخطوة الأولى "نحو التحول من نظام دولة الإله مع المعبد كمركز لها إلى نظام اجتماعي جديد يكون فيه المعبد والقصر، كبير الكهنة والملك جنباً إلى جنب متفقين أو متعادين، لقد أصبحت أيضاً مدينة المعبد نفسها بتسوير حدودها منعزلة عن بقية أقسام المدينة. وهكذا شكلت هذه الأقسام مع قصر الملك، والسور المحيط بها عالماً قائماً بذاته، إنها الثنائية (المعبد والملك) التي كان قدر لها أن تقرر السياسة الداخلية لبلدان الشرق الأدنى طيلة آلاف من السنين"(10). أن السومريين الذين شيدوا أعرق حضارة في العراق خلال عصري أورك وجمدة نصر، هم الذين أسسوا الوحدات الاقتصدية والسياسية القائمة على نظام دول- المدن. وكانت بابل التي تمتد من بغداد إلى جنوب العراق تمثل وحدة سياسية اقتصادية قائمة على الإرواء النهري، من دجلة والفرات، وقد لعبت خصائص العراق الجغرافية والبيئية دوراً مهماً في تعرض بلاد ما بين النهرين إلى هجرة الأقوام الضعيفة وإلى غزواتها المتكررة مثل تغلغل الساميين، الذين جاءوا من بادية الشام وذلك خلال عصر ميزيليم، واختلاطهم بالسكان والحضارات الموجودة في العراق إلى درية كبيرة. إذا ألقينا نظرة عامة على أعمال التنقيب عن الآثار لبقايا مستوطنات عصر فجر التاريخ، لرأينا أهمية المخططات القديمة لبناء المدن في بلاد ما بين النهرين، وتنظيماتها المعمارية، ومنشآتها العامة. حيث اننا نجد ثلاثة عناصر رئيسية في مخطط المدينة المعابد- وشبكة الري- والتحصينات الدفاعية. ففي كل مدينة سومرية، في القسم الجنوبي من العراق، شكلت بحد ذاتها دويلة مستقلة، اطلق عليها اسم " دولة المعبد " وكان يترأسها شخص لقب بـ" باتيزى " أو نزى" ومعناها " الخادم" أو " الامير". ويكشف لنا التقدم الهائل في تنظيم المدن في فجر التاريخ عملية تحصين تلك المدن بأسوار مؤلفة من جدار أو جدارين، مثل مدينة أوروك( الوركاء)، التي كانت محاطة بجدارين سمك الجدار الداخلي منها بين اربعة وخمسة امتار، وبلغ طوله 15،9 كيلو متر واختراقهما بوابتان شمالية وجنوبية. غير ان التطور الهائل ااذي بلغه مجتمع المدن في تلك الحقبة التاريخية يتمثل في بناء المعابد، التي كانت بمنزلة المقر الرئيسي لتسيير شؤون الدولة، باعتبارها مؤسسة ذات صفة اعتبارية تمتلك " وسائل الانتاج "، وتشكل في الوقت عينه ملاجئ روحية لافراد المجتمع المديني. ونشأ عن صراع هذا المجتمع المديني الوليد مع ظروف بيئته الطبيعية، تطورا على صعيد الحركة، والابداع، والاختراع، تجسد ذلك في مد قنوات الري، وعملية الاتصال بين أحياء المدينة لتزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب، ولري الحقوق والحدائق. وفضلاً عن ذلك أهتم الناس باقامة التحصينات الدفاعية التي كانت تقام داخل وخارج أطراف المدينة، حيث أن مهمتها تتمثل في حماية هذا المجتمع المديني الجديد من الهجمات المعادية، وفي مقدمتها غزوات البدو، ومن هنا كانت كثرة البوابات والابراج الدفاعية في دول المدن السومرية القديمة. وتؤكد حضارة العراق القديم ومصر، اللذان عرفا دويلات المدن التي كان يحكمها امراء لهم صفة دينية، أو أنهم في عرف المجتمع المديني ينوبون عن الاله، في تسيير شؤون البلاد، أن المعبد العام الذي تحدثنا عنه كان هو محور الحياة الاجتماعية والسياسية في دول المدن، ومركزاً لاوائل المدن. وكان الكهنة، هم الذين يشرفون على ادارة المجتمع الخاص بالمعبد نيابة عن الاله. وكانت حكومتهم تلقب بـ" حكومة الكهنة"، التي لم تكن قادرة على مواجهة الازمات، التي تواجه المجتمع خصوصاً مع اندلاع الحروب بين دويلات المدن من ناحية، والحروب ضد غزوات البدو الذين عاشوا في اطراف الحضارات في جنوب العراق من ناحية أخرى. وتظهر لنا الاثار، والمكتوبات، الكيفية التي عاش بها المجتمع المديني، في ذلك العصر فجر التاريخ، حيث كان الاقوام" يملأون شوارع مدن بابل والآن هم وقود تحت انقاضها الصامتة. والظاهرة أنه كان في المدينة جماعة من ارباب الاملاك يستخدمون العبيد في فلاحة وزراعة أراضيهم ويتعاطون في الوقت نفسه التجارة مستخدمين لها القوافل في البر والسفن في النهر، ذهابا وايابا، وكان موظفو المملكة ورجال الدين، الذين حسبوا أعيان المدينة وأكابرها ارفع درجة من سواهم. ومنهم من الملاكين في أرياض المدينة تألفت الوحدة الساسية أو المملكة التي كانت عبارة عن مدينة، وما حولها من الضواحي. ومنها تسمت القرون الثلاثة الأولى بعد نحو 3050 ق.م/ بعض ممالك المدن السومرية أو الممالك المدينية (City Kinjdoms) السومرية. وكان من سكان المدن المذكورة اذا طرق مسامعهم أن أحدى المدن المجاورة لهم زاحفة عليهم لامتلاك شيء من أراضيهم عنوة سارعوا إلى الانضواء تحت لواء حاكمهم ليصدوا هجمات الاعداء عنهم. وبما ان حوادث كهذه كانت كثيرة الوقوع، كان تاريخ سومر مدة ثلاثة قرون من 3050- 2750 ق.م/ تاريخ انقلابات مستمرة في هذه الممالك الصغيرة، وذلك لتوافر الحروب فيها. وكما كانت ممالك السومريين الصغيرة تثير الحروب أحيانا كثيرة بعضها على بعض، كذلك كانت تنضوي أحياناً أخرى، تحت لواء واحد لمقاتلة عدو خارجي. فان قبائل الساميين الرحل كانت منذ القديم قد أخذت تحتل البلاد الواقعة إلى الشمال من سومر والمعروفة بأّكد حيث الرافدين على معظم اقترابهما. وكانت بلاد أكد واقعة على السكة الكبرى التي تصل النهرين بالجبال الشرقية. وكانت القبيلة السامية ذات الزعامة هناك تدعى بالأكاديين"(11). وتتجسد علاقة المجتمع المديني بدول المدن من خلال أولى أنظمة الحكم السياسيى التي انبثقت في فجر التاريخ، حيث كانت الملكية والقابها مرتبطة وخاضعة لسياق تطور المجتمع المديني، وملكية الدولة لوسائل الانتاج، وبروز الملكية الخاصة، ثم مقتضيات وحاجات المجتمع المديني في سبيل تطور الاقتصاد. ولما كان المعبد هو المقر الرئيس لتسيير شؤون الدولة كما اسلفنا في الحديث عنه، فان الملكية ارتبطت بشكل مباشر في المعبد) وبآلهه الأكبر، أو الآله القومي للسومريين، الذي يوجد في مدينة" نيبور". وقد عرف جنوب العراق في عهد الحضارة السومرية عدة دول مدن، أهمها دولة مدينة" كيش " التي كان ملكها ميزيلم أقدم ملك سومري 2600 ق.م/ ونافستها دول ومدن أخرى، وانتزعت منها السيادة مثل دولة مدينة" لاجاشي" و" شوروباك". واذا كان النظام التيوقراطلي هو أساس النظام السياسي الذي ساد في الحقب التاريخية الأولى من عصر دول المدن، في جنوب العراق، حيث كان للمعبد هيبته، واعتباره، وحيث كان الكهنة يتدخلون في شؤون الحكم ويمارسون التسلط على الجماهير المسحوقة. غير ان التطور الذي قطعه المجتمع المديني في علاقته مع دول المدن في الحضارة السومرية، جعله يتناقض مع الحكم التيوقراطي القديم، مثلما أضحى هذا المجتمع يتطلب وجود دولة ذات نظام ملكي جديد، يحكمه ملك قوي، ويجسد في شخصيته القيادة السياسية والعسكرية. ولما كانت دول المدن السومرية عاجزة عن تحقيق وحدة سياسية كبيرة، تمكنها من بسط نفوذها وسلطانها سياسياً وعسكرياً على بيئتها ومجالها الحيوي، بما ينسجم مع مقتضيات التطور، فقد استشرست فيها المنافسة والحروب المنظمة بين دويلات المدن هذه على السيطرة، خصوصاً بين دولة مدينة كيش وبين دولة مدينة" أوروك" المقدسة، فضلاً عن اشتداد الازمات، مع تعرض دول المدن السومرية لكوارث الاجتياح والغزو. أن دول المدن السومرية التي انبثقت في عصر فجر السلالات، والتي تتألف من المجتمعات المدنية المعبدية، أي تلك المجتمعات التي تتركز حول معبد معين _ حيث أن الله الذي يعبدفي معابد المدينة هو الحاكم الحقيقي والمالك الحقيقي للمدينة والناس، أما الحكام والكهنة، فهم وكلاء فيه حكمة فيه في حكمه على الناس)، مارست نظام المجلسين الديمقراطيين منذ بداية الألف الثالث قبل المسيح. ولكن هذه الممارسة الديمقراطية، التي كانت خاصية هذا النظام السياسي المديني في اطار علاقته الحميمية مع المجتمع المديني الجديد لم تكن جديرة بالاستمرار والبقاء، بل أنها تجمدت في نظام دولة- المدنية ذات الطبيعة المصغرة. وكانت عرضة للانكسار، لأنه كلما اسست دولة- مدنية ديمقراطياً على أساس تقدمي، كلما فاجأتها مدينة أخرى منافسة لها" بغزوة تدمر ما شيدته وتوقعها فريسة للقوة المنتصرة، كما ان هذه الدويلات تكون دائماً عاجزة عن مواجهة المخاطر الخارجية". والحال هذه فإن دول المدن السومرية اندثرت من على مسرح التاريخ بحكم ضعفها، وصغرها، وعجزها عن التوحد في اطار دولة قومية واحدة، تساوي بين جميع المواطنين، لكي تتم تخطيها جدلياً وتاريخياً من الاقتتال المتواصل بين دول المدن الصغيرة، عبر تأسيس الدولة الامبراطورية القومية الأكادية، باعتبارها حدثاً تاريخياً مهما في تاريخ الانسانية، حمل مفاهيما سياسية واجتماعية وقومية، وحضارية جديدة، حين بسط سرجون أكادي الكبير " سلطانه على بابل وآشور وسورية الغربية، ودخل آسيا الصغرى، وامتدت تجارته حتى جزيرة قبرص التي ضمها إلى أمها اليابسة. وفي عهده حققت الدولة الاكادية ادارة منظمة ومركزية صارت مثالاً للدولة القومية المركزية التي نشأت فيما بعد، ومنذ ذلك الحين بدأ يتضح النزوع إلى دولة عالمية، تلك التي مهدت بطابعها كل تاريخ آسيا الغربية حتى عصر الدولة الاسلامية... بهذا الحدث التاريخي الحضاري الكبير كانت سورية رائدة ومعلمة وموزعه مفاهيم انسان جديد رائد، تعاليمه ومفاهيمه وقواعده القومية الاجتماعية لم يقدر الغرب ان يتقنها حتى اليوم، بل لم يقدر هذا الغرب ان يرفقها، في القرن العشرين، بالروح القومية الاجتماعية الانسانية التي تجلت في دولة سرجون الأكادي (2300 ق.م) (12). هوامش الفصل الأول: (1) - بونفارد ليفين- الجديد حول الشرق القديم- ترجمة جابر أبي جابر (المقدمة والفصول 1-6) وخيري الغامش( الفصول 7-14) دار التقدم 1988 (ص64). (2)- الدكتور انطوان مورتكات، تاريخ الشرق الأدنى القديم، تعريب توفيق سليمان، علي أبو عساف، قاسم طوير،( 12-13). (3)- الدكتور فيليب حقي- ج أول تاريخ سورية ولبنان وفلسطين- ترجمة الدكتور جورج حداد، وعبد الكريم وافق- دار الثقافة بيروت 1982 (17). (4) - المصدر السابق (ص19). (5)- طه باقر- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة- القسم الأول تاريخ العراق القديم- من مطبوعات دار المعلمين العالية(ص52-53). (6) - بونفارد ليفين- مصدر سابق(ص88- 53). (7)- الدكتور انطوان مورتكات - مصدر سابق (ص31). (8) - المصدر السابق (ص43). (9)- المصدر السابق(ص44). (10)- المصدر السابق(ص47). (11)- الدكتور جايمس هنري براستد- العصور القديمة نقلة إلى العربية داود قربان مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، 1983 - بيروت لبنان (ص 131-133). (12)- أسد الاشقر - تاريخ سورية- الجزء الأول- الطبعة الأولى 1978 مكتبة الغساني ص98-104). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |