المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني

بالدول القومية الامبراطورية‏

أن المغزى العام للتاريخ هو تكوين الدولة- الامبراطورية. والأكاديون، الذين هم فرع من الاقوام السامية هاجروا من الجزيرة العربية، باعتبارها مهدَّا ومنطلقاً للاقوام السامية، التي انتشرت من الجزيرة العربية، على اساس هجرات أو موجات متعاقبة في أزمان مختلفة باتجاه مناطق مابين النهرين، أي العراق، وبلاد الشام، حيث استوطن الساميون في العراق وتعايشوا مع السومريين منذ أقدم العصور التاريخية، وطغوا على حياة العراق ومعظم الشرق الأدنى، منذ العهد الأكادي بعد ان تغلب زعيم منهم وهو سرجون الأكادي على دول المدن السومرية في أواخر عصر فجر السلالات"(1). اذا هؤلاء الأكاديون كانوا آنذاك مهيأين، بسبب نضج الظروف والشروط الموضوعية والذاتية لتأسيس دولة امبراطورية عظمى عرفت بالدولة الاكادية، باسم السلالة الاكادية، نسبة إلى سرجون الاكادي، الذي كان ينتمي إلى الشعب الفقير، الذي انبثق منه. وكانت تتألب عليه طبقات مستغلة تنعم بالامتيازات، وتتألف من الامراء الاقطاعيين والكهنة، وقضاة الهياكل وكبار الموظفين ورجال الحاشية الملكية، كما ان هذه الظروف والشروط مهدت ايضاً لولادة المجتمع لمديني، ذلك ان هذا الأخير لايظهر للوجود إلا بالدولة، ومع الدولة، وضد الدولة في آن معاً.‏

ويجمع المؤرخون على ان الدولة الاكدية تعتبر أول نظام للامبراطورية في تاريخ البشر السياسي، كان لها تأثير مباشر على تطور المجتمع المديني في حضارة العراق القديم، والشرق الادنى عامة. وكان المشروع السياسي القومي لسرجون الاكادي يتمثل في الاجمال في تأسيس جيش قومي جديد ومؤمن بقضية الحرية والعدالة الاجتماعية، ومتكون من عشرات الألاف من الفلاحين، والعمال والصناع، مكنه من الزحف على القصر الملكي، وخلع أول ملك، وتنصيب نفسه ملكاً جديداً يسمى نفسه حالاً" شاوكين" أو" الملك الشرعي"‏

" والملك صاحب السلطان العالمي"، ويسميه المؤرخون سرجون الأعظم أو" شرلمان آسيا الغربية. فالدولة الاكادية التي أسسها سرجون قامت بفتوحات سورية الطبيعة كلها ومن ضمنها قبرص، بعد أن تغلبت على دول المدن السومرية في آواخر عصر فجر السلالات، في اطار دولة مركزية واحدة، تضم مناطق العالم الاربع سورجا تو( الشمال) أمورو( الغرب المتوسطي)، عيلام (الشرق) سومر وأكاد( الوسط والجنوب). وليس من شك أن هذه الدولة الاكادية- الامبراطورية تعتبر الدولة النموذجية في التاريخ، التي احتذى بها حمورابي الملك البابلي الصالح، مثلما ليس هناك مايضاهيها من حيث بنائها لنظام سياسي قومي مركزي سوى الدولة العربية في عهد الخلفاء الراشدين، وفي العصر الأموي، والعصر العباسي، حين بلغ المجتمع المدني أوج ازدهاره على الصعيد العربي.‏

ان النقلة النوعية، التي حققها سرجون في عهد الدولة القومية الاكادية، تتمثل في اقامته نظاماً سياسياً استطاع أن يتخطى جدلياً وتاريخياً نظام المدينة والامارة، الذي رافقته الفوضى والحروب الداخلية في عهد دول المدن السومرية، هذا النظام السياسي هو نظام الدولة القومية الفعلي، الذي أصبح مثالاً يحتذى به على صعيد التاريخ السياسي العالمي.‏

ويقول المؤرخ الايطالي موسكاتي في مؤلفه " تاريخ الشعوب السامية وحضاراتها" حول هذا الموضوع" وسع سرجون امبراطوريته فشمل بابل وآشور وسورية( يعني سورية التقليدية أي الغربية) ودخل آسيا الصغرى.‏

وامتدت تجارته إلى قبرص. وان لدولة أكاد في عهده إدارة منظمة ومركزية، أصبحت فيما بعد مثالاً للانظمة اللاحقة. ومنذ ذلك العصر ظهرت بوضوح نزعة إلى الدولة العالمية طبعت كل تاريخ آسيا الغربية بطابعها حتى عصر الاسلام.‏

أن الدولة الاكادية، التي اتخذ سرجون أكاده عاصمة لملكه، والتي استمرت باسم السلالة الأكادية زهاء القرنين (2350-2210 قبل الميلاد) تأسست على فكرة الوطن الذي كان سرجون- يريد توحيده من المناطق الممتدة من" البحر الادنى" إلى البحر الأعلى" وعلى عملية الاندماج، والانصهار الكامل بين السومريين والاكاديين مع جميع الاقوام السورية، مجسداً بذلك عملية الاندماج الاجتماعي بين عنصري وادي الرافدين الرئيسيين، ومبرهنا ايضاً على أن الاكاديين والسومريين وجميع الاقوام السورية قادرة ومؤهلة لبناء مجتمع مديني تسود فيه روح الابداع والتطور. ومن خصائص هذا المجتمع المديني الذي ظهر مع الدولة القومية الاكادية، السمات التالية:‏

أولاً: عرفت الكتابة، والتدوين في عصر سرجون تطوراً كبيراً اذ أصبحت الكتابات الملكية، والوثائق التجارية تكتب باللغة السامية الأكدية، التي استعارت بدورها العلامات المسمارية السومرية. ولما كان المشروع السياسي القومي لسرجون مرتبطاً ببناء دولة قومية امبراطورية، وبالتالي بناء حضارة عريقة، فانه جعل اللغة السامية الأكدية اللغة الرسمية السائدة في الدولة، نظراً لمرونتها وثرائها من حيث الاشتقاق والتصريف. ولعبت اللغة السامية الأكدية دوراً مهما في عملية الاندماج والانصهار الشعبي والحضاري بين السومريين والساميين الأكديين.‏

ثانياً: سيادة الاسلوب الموحد لتقويم السنين، والاوزان، والمقاييس، والمكاييل، والنظام العددي، واساليب المعاملات التجارية، على نقيض ماكان سائدا في عصر السلالات السابقة أي عصر دول المدن، حيث كان لكل مدينة تقويمها الخاص،وأشهرها، وأعيادها الخ.‏

ثالثاً: تحرير الفلاحين من الاستعباد الاقطاعي، والقضاء على النظام الاميري الاقطاعي عليها واحلال الملكية الخاصة الصغيرة، وانشاء ديوان لتسجيل الاملاك تسجيلاً قانونياً، حيث أصبح الفلاحون ملتزمين فقط أمام المراجع الملكية المركزية مباشرة.‏

رابعاً : تجريد الكهنة من املاك الهياكل التي كانوا يشتغلونها بالوارثة، وتحرير العمال والصناع العاملين في مشاغل الهياكل الصناعية، وانشاء ادرات خاصة للأراضي، والمشاغل الاكليريكية تشرف عليها الدولة مباشرة.‏

خامساً: الغاء جميع محاكم الهياكل، وإنشاء محاكم مدنية، وأصبحت الحكومة المركزية هي التي تعين القضاة الملكيون الخاضعون مباشرة لمراقبيها. واتسعت صلاحيات القضاة في عهد الدولة الأكادية" الذين كانوا قبل سرجون أشبه مايكونون بالمحكمين، ولكن صار حكمهم منذ العهد الأكادي الزاميا باسم الملك. وبموجب هذا العرف الجديد يكون سرجون قد أوجد بوجه عملي محكمة للاستئناف للبلاد حيث كان هو رأسها، وهي مستقلة عن المدن المختلفة، وهذه الخطوة مهمة في تطور العراق القديم، وتطور شرائعه، وكان حمورابي مثل ذلك ايضاً ".‏

أن الغاء استغلال الانسان للانسان، واعلان الحريات الفردية الكاملة في عهد سرجون، حيث أصبح المواطنون يعيشون ضمن قوانين الدولة المركزية الجديدة، يؤكد على ان العلاقة بين المجتمع المديني والدولة، كانت قائمة على أساس العدالة والمساواة واحترام القانون، لأن دولة سرجون المركزية، لم تكن نزوعا توسعيا عسكريا، بقدر ما هي دولة كانت تريد تحقيق الاصلاح وتحرير الانسان، وتوحيد بلاد دول المدن. وبالفعل كانت الامبراطورية السرجونية انتصاراً للحضارة السومرية، ولم يقدم سرجون إلا فكره السياسي والقومي ولغته العربية الجميلة التعبير. وقد نوه المؤرخ موسكاتي بهذه الظاهرة الاندماجية في العرف والحضارة بقوله:" ان العناصر الاثنية التي ابدعت تلك الصروح الفنية والادبية في تاريخ وادى الرافدين ، وحضارته هي في الاساس سومرية، واكادية، لقد عاش هذان الشعبان ضمن شراكة تفاعلية خيرة وليس كما كنا نتوهم منذ سنوات أن المحن التي المت بتلك المنطقة هي ناتجة عن مقارنة أو تناقض بينهما، فقد حدث بالأحرى أنصهار بين هذه العناصر الاثنية، فالعرب الذين كانت لهم الغلبة، قد امتصوا القسم الأكبر من الحضارة السومرية"(2).‏

من الناحية السياسية والقومية، يشكل بناء الدولة الاكادية بقيادة سرجون حدثا تاريخياً مهما، افسح في المجال لولادة مجتمع مديني جديد سادت فيه مفاهيم جديدة، واطلق العنان لظهور تيارات فكرية وفلسفية واجتماعية، ولتفاعل ثقافي ولغوي واجتماعي قل نظيره. فالتفاعل بين الاكاديين العرب والسومريين انشأ حضارة عريقة في هذه الدولة الامبراطورية، وحتى عندما بنى سرجون عاصمته أغادة، التي أضحت مركزاً للدوائر والاجهزة الملكية المشرفة على جميع شؤون الدولة الامبراطورية الشاسعة، فإنه بالمقابل حافظ على تجديد وتعظيم المدينة الدينية المقدسة نيبور، وبذلك " أخذت تترسخ التقاليد الدينية الموحدة والنظرية السومرية الاكادية في نشوء الحياة والكون، وهي كانت الأولى أو المعاصرة للنظرية المصرية. وقد كانت هاتان النظريتان أساس النظريات الدينية المناقبيه والفلسفية في العالم....‏

وسرجون عندما يقوم بحركته الثورية الكبرى، فيلغي نظام المدينة الدولة والامارة- الدولة، وجميع ما ينتج عنهما من امتيازات ومظالم، فإنه يبقي على منابع القيم الدينية، والمناقبية والتشريعية محدثاً فيها الاصلاحات الضرورية، وذلك لتتخذ حركته صفة التطور والتحدي والاصلاح والاستمرار في آن واحد، وليعمق بذور الحضارة السومرية- البابلية فتصبح تراثاً ثابتاً لاتقوى عليه الغزوات الخارجية، والفتوحات الطفيلية الداخلية"(3).‏

لقد لعبت نظرية السومريين الاكاديين في نشوء الحياة والكون والحضارة أدوارا مهمة خلقية تتضمن توقهم الشديد المولع بالحق والخير والجمال، ونزوعهم إلى العالمية الانسانية، وتبلور فكرة الوطن عندهم الذي يشمل المناطق الممتدة من" البحر الادنى" إلى " البحر الاعلى". ويقول جاك بيران في" نظرية نشوء الكون والحياة في نيبور مايلي: أن" تطور القانون الدولي الذي جعل العلاقات الاقتصادية والسياسية ممكنة بين المدن، هو مرتبط ارتباطاً وثيقاً مع وضع نظرية لنشوء الكون والحياة في نيبور توحد جميع العبادات المحلية في نظام ديني واحد. وكما في مصر كذلك في سومر، يسير الانصهار الديني المركزي متوازيا مع المركزية الدينية. في البداية لم يكن أقل اتصال فيما بين الالهه المحليين، ولكن تأثير الظروف السياسية، الخاضعة ، هي بدورها، للضرورات الاقتصادية، وفق علاقات قرابة، فقد جعلت سيطرة أور وقتاً من الأوقات، من" سن" اله القمر، وألد شمس الاله- الشمس، سيد لارساه، ومن عشتار الالهه- الامام القديمة، الالهة حارسة لأوروك.‏

كل هذه التكتلات المنبثقة في نيبور، آلت إلى قيام نظرية في نشوء الحياة والكون. هذه النظرية تعي العالم منبثقاً من عدم بدئي سائل، مكون من عنصرين: الأول ذكر خالق هو"ابسو" مبدأ الخير، والثاني انثى هي" نيامه" مادة كونت منها المخلوقات، أصل الأشياء المخلوقة، وبالنتيجة المحدودة إذن مصدر الشر.‏

ان اتحاد هذين العنصرين بخلق العالم الذي رمزه الاله- السماء " انشار " والالهة- الأرض " كيشار". ويرتكز هذا العالم المولود من الخير والشر على الاوقيانوس" ابسو" مبدأ خالق لاينفك يجدده.‏

منذ ذلك الحين كانت الخليقة. وهذا العالم المخلوق، وهو مادة متشعبة بمبدأ الحياة ينمو بتطور ذاتي، مولدا سلسلة من المخلوقات، تتدرج من الالهة إلى المخلوق المادي البسيط، وقد أنشئ هذا الخلق كما في مصر، بصورة ذريات وأجيال. من انشار وكيشار ولد آلهته ذكور ثلاثة: آنو، ملك السماء، أنليل ملك الأرض، وأيا، ملك الاقيانوس البدئي. ثم ظهرت الكواكب، وارواح طاهرة، والشمس، شمس، والقمر، سن" و السيارات، بينهما عشتار، والزهرة، تحتلان مركزاً مهيمناً. كل الخليقة تخضع لكبار الالهة الثلاثة: السماء والأرض والبحر. انو الأله الأكبر- ايا هو خالق البشر. انليل، أله نيبور هو سيد البشريين وموزع السلطان. هو الذي سبب الطوفان ليعاقب العالم على كفره.‏

هذه النظرية، التي تقدم العناصر على الالهة، ترتكز على فكرة تطورية سابقة العصر العلمي، بعد ان خلق انو السماء، والسماء والأرض، والارض الانهار، والانهار الحفر، والحفر الوحول، والوحول الدودة" آنذاك ظهرت الحياة على الأرض.‏

وهكذا بينما كانت مصر ثكنة العالم كتسجيد للضمير الالهي، جاء له من الأفكار المطلقة الحقائق الأولى، كانت سومر تقدمه كحاصل تطور ملتحم بالمادة، متشبع بمبدأ الحياة. وهكذا من ضمن نظريتي نشوء الحياة والكون الناشئتين هي هليوبوليس ونيبور، انبثق منذ الألف الثالث، النظامان اللذان مافتئا يتقاسمان الفكر الانساني: النظرية المثالية والنظرية المادية.‏

قررت المثالية المصرية أن الغاية الكبرى من الوجود هي طلب الله ورجوع النفس إلى الالوهه التي انبثقت منها، ذلك قد حملها على اعتبار المناقبيه بصفتها وحيا الاهيا، المبدأ الموجه للحياة الشخصية والاجتماعية. أما المادية السومرية فقد اعتبرت الموت كنهاية للوجدان الانساني ورجوع إلى العدم المادي. وبما أنها جعلت من الاكتفاء الحسي غاية الوجود في هذه الحياة، فقد بقيت غريبة عن الانشغال بالقضايا المناقبية، متجهة بكليتها نحو الغايات العلمية، والمصالح المادية، التي وضعت في سبيلها. منذ الألف الثالث نشأت كل مبادئ القانون التجاري الذي ورثه الغرب فيما بعد "(4).‏

ان الجانب المناقبي في المفاهيم الدينية والأدبية والفلسفية والسياسية والاجتماعية تشكل خاصة رئيسية في التراث الحضاري السومري الاكادي، أثارها المؤرخ جاك بيران في اطار المقارنة بين المثالية المصرية والمادية السومرية.‏

وقد" درج المؤرخون المتأثرون بالعقائد الالهية الملهمة، والفلاسفة المثاليون، على احتكار المثالية، واعتبار الفلسفة المادية بعيدة عن المناقبيه الصحيحة لقولها بالتطور، ولعدم تسليمها بأن الاقطار المجردة هي حقائق أولى مطلقة. والحقيقة ان المناقبيه السومرية البابلية قد برهنت في حركة اووكاجينا التحررية وفي ثورة سرجون التي توخت كل الخير والحق والعدالة والمساواة للشعب، وفي عهد حمورابي الذي كان بحق فيلسوف الفضائل الاجتماعية، وفي نظرية نشوء الكون والحياة، لقد برهنت تلك المناقبية على أنها قمة من القمم الخلقية في تاريخ المجتمعات الانسانية "(5).‏

الواقع، ان الدولة القومية الطابع التي أسسها سرجون الأكادي، والتي اكتسبت شرعية سياسية تاريخية حضارية ودينية، لا لأنها فقط، كانت انقاذاً وتجاوزاً جدلياً لوضعية الحروب الأهلية المدمرة بين دويلات المدن الصغيرة السومرية، وانما لأن سرجون استطاع بفضل حنكته كقائد حربي وكرجل سياسي، ان يبني دولة قومية، هي بالفعل دولة سياسية، أصبحت نموذجاً سائداً حتى مجيء الدولة العربية الاسلامية. غير أن التحول العظيم الذي حصل بين العهد السومري الذي ساد فيه دويلات المدن، والعهد الاكادي الذي سيطرت فيه الدولة القومية الامبراطورية، يكمن في أن الدولة السياسية التي أسسها سرجون أصبحت لها مجالاً سياسياً كما يسمونه علماء الاجتماع والسياسة اليوم، من خلال ظهور مجتمع مديني مترافق مع بناء هذه الدولة السياسية، ومن خلال ممارسة السياسية كسياسة، تظهره ذلك الاصلاحات، والانجازات التقدمية والتحررية، كالتي قام بها سرجون لمصلحة الشعب، وتطور وتقدم المجتمع. ولاشك أن هذه الانجازات الحضارية نابعة من العقل السياسي للاقوام السامية الصاعدة من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام والعراق عامة، وسرجون بخاصة، والذي كان قوامه تفتح أفق هذا العقل السياسي، واستعداده للتكيف والتطور والاقتباس طبقاً للواقع الجديد، مع المحافظة على التفاعل والاقتباس على تراث من عاصره أو سبقه.......‏

المجتمع المديني في عصر دولة حمورابي.‏

فيما انهارت الدولة الامبراطورية الاكادية، حتى حصل الغزو المزدوج الذي قام به " الأموريون"( وهم قبائل سامية- العرب السوريون القادمون من الفرات الأوسط) و" العيلاميون القادمون من شرق العراق، الذي نجم عنه تشكل سلالتين حاكمتين في جنوب العراق وهما سلالة " ايسن " وسلالة " لارسا" نسبة إلى مدينة لارسية، التي تقع إلى الشمال الغربي من الناصرية بنحو /70/ كيلو متر. واستولت سلالة ثالثة على مدينة بابل، التي لم تكن سوى قرية صغيرة لا شأن لها على صعيد النفوذ والسلطة السياسية في عهد الدولة الاكادية.‏

وفي ظل غياب السلطة المركزية القوية والموحدة، عادت إلى البروز من جديد دويلات المدن، سلالة " ايسن" في أيدي الماريين (أهل ماري)، وسلالة لارسا في أيدي العيلاميين، فضلاً عن اشتداد التنازع على السلطة والسيطرة بين هاتين السلالتين، اللتين حكمتا القسم الجنوبي من العراق. في ذلك الوقت، تكونت سلالة جديدة ثالثة اشتهرت بسلالة بابل الأولى، وكان أشهر ملوكها الملك السادس حمورابي، حيث كانت كل الظروف الموضوعية مناسبة لقيام هذه السلالة. وما ان تسلم الملك حمورابي عرش السلطة بعد أبيه (1728-1685ق.م)، حتى أخذ على عاتقه انجاز مشروع سياسي قومي وانساني هدف إلى توحيد البلاد، بعد القضاء على دويلات المدن، وبناء دولة امبراطورية جديدة. غير ان استلام حمورابي السلطة في بابل، تطلب منه الانتقال إلى خوض حروب التوحيد القومي لكل بلاد ما بين النهرين، التي تحكمها عدة دويلات منها القوية كالعيلامية، ومملكة " ماري" ومنها الضعيفة مثل" اشنونا". ولما كانت هذه الدول متنافرة فيما بينها، فان حرب التوحيد القومي من أجل بناء الدولة القومية الواحدة على مستوى المملكة، اصبح امراً محتوما. وككل الحروب، فإن دراسة موازين القوى العسكرية لهذه الدويلات، واستغلال تناقضاتها فيما بين بعضها البعض، ودراسة أمور السياسة الدولية، التي كانت محيطة بمملكة حمورابي، تعتبر من العناصر الاساسية في أية استراتيجية عسكرية وسياسية ناجحة. وهذا ما قام به حمورابي، من أجل هزيمة أعدائه، الواحد تلو الآخر، خصوصا حين أقام تحالفات مع الملك العيلامي ريم سن، مكنه من خوض المعركة ضد العدو الرئيسي الأول له الملك الأشوري/ شمس حدد/، والانتصار عليه. وكذلك الأمر، حين خاض المعركة ضد عدوه العيلامي " ريم سن"، الذي كان رابضا بقواته العسكرية على أطراف مملكته بابل، فأنه تحالف مع مملكة أوغاريت السورية". لقد تغير الوضع تماما بعد ان قضى حمورابي على دويلات المدن، واعاد النظام إلى مملكته الامبراطورية الموحدة، التي توسعت بجمعها وادي الرافدين كله، من الخليج حتى نهر الخابور، أحد روافد الفرات في شمال ماري، وبانتشار نفوذها السياسي في بلاد الشام.‏

وهكذا فان التحول الجذري الذي عرفته دولة حمورابي القومية لم يحصل دفعة واحدة بل كان نتيجة لجملة من التحولات، أوجز أهمها، على النحو التالي:‏

1- الانتصار على البربرية بطردها إلى الخارج، خصوصاً وان هؤلاء البرابرة الجبليين كانوا يأتون دائماً من آسيا الصغرى ليقوموا بغزواتهم.‏

2- القضاء على أنظمة دول المدن، والامارة العاجزة عن اقامة دولة قومية متحررة يسود فيها العدل الاجتماعي، وقادرة على حماية نفسها من الغزوات البربرية.‏

3- ترسيخ القوانين الجديدة في المجتمع القومي الجديد، بما يفسح في المجال أمام المواطنين جميعهم لمزيد من التفاعل والاندماج القومي في مختلف المجالات الفكرية، واللغوية، والاقتصادية،.‏

4- اقامة الدولة القومية الكبرى التي تمتلك القدرة على تحرير طرق المواصلات وحمايتها، وتفسح في المجال لتطور القوى المنتجة، وللنشاط الاقتصادي، واستغلال الموارد الطبيعية.‏

5- سن حمورابي شرائع جديدة ألفها في كتاب ضخم سمي دستورا أو مجموعة قوانين. وكانت هذه الشرائع مكتوبة بلغة الاكاديين والاموريين السامية ،ثم أمر بحفرها على عمود جميل من الحجر كان منقوشاً على اعلاه مشهد يمثل الملك وهو يتناول الشريعة من الاله الشمس، ثم نصب عمود الدستور الجديد في هيكل الاله العظيم مردوخ في بابل وبقي في زماننا الحاضر. وهو اقدم مجموعة من الشرائع القديمة حفظت إلى ايامنا. واشهر تلك الشرائع، المبدأ القائل بوجوب مقاصة المجرم بمثل ماجنت يداه وهو " مبدأ العين بالعين، والسن بالسن"(6).‏

مايهمنا بالدرجة الأولى في هذا العرض، ابراز خصائص المجتمع المديني في العصر البابلي، وكيف كان هذا المجتمع يتطور ويتقدم بواسطة هذه الدولة القومية ومن أجلها، وكيف أنه يضمر ويتراجع بضمورها، وتراجعها.‏

أولاً- ان أهم خاصية تميز بها المجتمع المديني في العصر البابلي، هو أنه أصبح مجتمعاً منتجاً، وحقق أشواطاً كبيرة من التقدم والنجاح في هذا المضار يشهد على ذلك، كما يذكر المؤرخون، تطور محاصيل الزراعة من الحنطة، والتمور، وارتفاع عدد رؤوس الماشية من البقر والماعز والأغنام، وشيوع حياكة الصوف لارتداء الثياب الصوفية، التي اصبحت رائجة في كل آسيا الغربية.‏

ثانيا: أنه مع تطور المجتمع الانتاجي، تطورت بدورها التجارة والعلاقات التجارية، بين المجتمع البابلي، والاقوام الأخرى البعيدة. ولما كانت دولة حمورابي تمتلك جيشاً قوياً فأن طرق التجارة الدولية، وكذلك الأمن الداخلي داخل المملكة كانت محمية من قبله، حتى كانت قوافل الحمير تسير على رسلها حاملة سلع التجار إلى مختلف المدن والاقوام الذين رغب تجار بابل في الاتجار معهم. وكانت بالات البضاعة في افنية المنازل ركاما مركوماً بعضها فوق بعض وعلى كل منهم ختم صاحبها لاله على اسمه، وحين فتح البالات، كانوا يكسرون ختومها ويطرحونها على الأرض. وبحكم الاتجار مع باقي المدن السورية والبلاد التي تقع وراء مضائق الجبال الشمالية، انتشرت الكتابة المسمارية تدريجياً في آسيا الغربية، حتى صار التجار السوريون بعد أمر يسير يكتبون رسائلهم وقوائمهم التجارية على الاجر كتجار بابل انفسهم، وطارت شهرة حمورابي التجارية في جميع الارجاء الغربية، المعروفة في ذلك العهد وخلد ذكره بين يهود سورية وفلسطين حتى بعد وفاته(7).‏

ثالثاً : لقد تحولت تجارة الهياكل التي بحوزتها املاكا شاسعة إلى مراكز تجارية مزدهرة، تعطي للتجار القروض، وتتعاطى هي بدورها التجارة، وتشرف على أراضي واسعة. ومما يدل على ازدهار التجارة في هذا المجتمع المديني البابلي، تثمين الاشياء بقطع من الفضة ذات أوزان معلومة، المتداولة شيوعا في ذلك العصر، وانتشار عقد القروض وشيوعه مع معدل فائدة مرتفع. ان تطور التجارة واحتلالها المركز الأول في نشاط البابليين، يدل على سيادة العلاقات النقدية والسلعية في عملية التبادل بين الناس، وعلى وجود قدر عال من الحريات، التي تتيح لمواطني الدولة القومية قدرا كبيراً من المبادرة.‏

رابعاً: ان تطور التجارة مرتبط أيضاً بتطور التعليم في المدارس، وقد رأى البابليون ان المدارس ضرورية لتربية الشعب واعداد النشئ لكي يتولى أمور التجارة، والصناعة، وهندسة البناء، وبناء القناطر التي اصبحت شائعة، ووصل استعمالها لاحقاً إلى أوروبا. وتميز المجتمع المديني البابلي بازدهار العلوم والمعارف البشرية، وبروز مجموعات كبيرة من الاداب والمعاجم اللغوية، وتطور حركة تدوين اسماء الحيوانات والنباتات، وغيرها من المواد والمفردات اللغوية القديمة. واصبحت الاكادية اللغة الرسمية في كامل البلاد.‏

خامساً: ولعل أهم سمة من سمات المجتمع المديني البابلي، هو دفع الضرائب بلا تأخر، واصرار حمورابي على المقصرين بوجوب تسديد ضرائبهم بلا تأخر، وعلى معاقبة كل من يأخذ رشوة مهما كان مركزه في المملكة. والحال هذه يدل على ان التنظيم كان جيدا، فضلاً عن سيادة المحاكم المدنية التي حلت محل محاكم القضاة الكهنة، واستخدام اموال الضرائب في تدعيم سلطان القانون والنظام.‏

لقد بلغ المجتمع المديني البابلي أوج ازدهاره، حين سن الملك حمورابي في أواخر حكمه شريعته الشهيرة، التي كانت تتويجاً لقراءته وتأمله في كل الشرائع المكتوبة القديمة، التي جمعها، والتي بلور فيها حمورابي فلسفته لبناء المجتمع والدولة، وتسيير شؤونهما، من خلال تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، والعلاقات التجارية، والعلاقات بين الحاكم والمحكومين، بقوانين مدونة، تطبق على جميع الناس في مملكته، ويلتزمون بها.‏

ومن ناحية النظر إلى المجتمع المديني البابلي، وإلى الدولة التي بناها حمورابي، يعتبر حمورابي مجدداً، بل ومؤسساً لأول دولة قانون في التاريخ. لأن شرائع حمورابي، كانت بالاساس مدافعة عن حقوق المواطن وحريته، وتمتاز بصبغة مدنية راقية.‏

وما ان توطد حمورابي في الحكم، حتى مثل أمام اله العدالة" شمس" الذي سلمه كتاب الشريعة الكاملة ليحكم بموجب قوانينها ونصوصها. فقام حمورابي بإعلان تلك الشريعة المقدسة على الشعب، وجاء في مقدمة شريعة حمورابي مايلي:" ولما أن عهد أنو الاعلى ملك الانوناكي، وبل رب السماء والأرض الذي يقرر مصير العالم، لما ان عهدا بحكم بين الانسان كلهم إلى مردوك.. ولما ان نطقا باسم بابل الاعلى، واذا عاشرتها في جميع انحاء العالم، واقاما في وسطها مملكة خالدة أبد الدهر، قواعدها ثابتة ثبات السماء والأرض. وفي ذلك الوقت ناداني أنووبل، أنا حمورابي الامير الاعلى، عابد الالهه، لكي انشر العدالة في العالم واقضي على الاشرار والآثمين، وامنع الاقوياء من ان يظلموا الضعفاء، وانشر النور في الأرض، وأرعى مصالح الخلق. ان حمورابي الذي اختاره بل حاكماً، والذي جاء بالخير والخصب والذي اتم كل شيء لينيبور ودور يلو. والذي وهب الحياة لمدينة ايك، والذي أمد سكانها بالماء الغزير، والذي جعل مدينة باديسا.. والذي خزن الحرب لاوراش العظيم... والذي أعان شعبه في وقت المحنة، وأمن الناس على املاكهم، في بابل، حاكم الشعب والخادم الذي تسر اعماله انونيت".‏

و بعلق المؤرخ الانكليزي " دول ديورانت" على مقدمة شريعة حمورابي قائلاً:‏

" ان الالفاظ التي انتقاها في هذه العبارة لذات نفحة حديثة، وان المرء يتردد قبل ان يصدق ان قائلها حاكم شرقي" مستبد". حاكم عاش في القرن الثامن عشر قبل المسيح، يجعلنا نعتقد ان القوانين التي يمهد لها استمدت أصولها من قوانين سومرية مضى عليها الآن أكثر من ستة ألاف عام. وهذا الأصل القديم، مضافا إلى الظروف التي كانت تسود بابل وقتئذ، هو الذي جعل قانون حمورابي شريعة مركبة غير متجانسة فهي تفتتح بتحية الالهة، ولكنها لاتحفل بها بعدئذ في كل ذ لك التشريع الدستوري البعيد كل البعد عن الصبغة الدينية، وهي تمزج أرقى القوانين واعظمها استنارة، بأقسى العقوبات وأشدها .‏

وتضع قانون النفس بالنفس والتحكم الالهي إلى جانب الاجراءات القضائية في المحكمة، والعمل الحصيف على الحد من استبداد الازواج بزوجاتهم. على أن هذه القوانين البالغة عدتها 285/ قانوناً، والتي رتبت ترتيباً يكاد يكون هو الترتيب العملي الحديث، فقسمت إلى قوانين خاصة بالاملاك المنقولة، والاملاك العقارية، وبالتجارة والصناعة، وبالاسرة، وبالاضرار الجسيمة، وبالعمل، تقول ان هذه القوانين تكون في مجموعها أكثر رقياً وأكثر تمدينا من شريعة أشور التي وضعت بعد أكثر من ألف عام. وهي من وجوه عدة لاتقل رقيا عن شريعة اية دولة أوروبية حديثة". وقليلاً ما يجد الانسان في تاريخ الشرائع كله الفاظاً أرقى وأجمل من الالفاظ التي يختتم بها البابلي العظيم شريعته".‏

" ان الشرائع العادلة التي رفع منارها الملك حمورابي، والتي أقام بها في الأرض دعائم ثابتة وحكومة طاهرة صالحة:"‏

أنا الحاكم الحفيظ الأمين عليها، في قلبي حملت أهل أرض سومر وأكاد... وبحكمتي قيدتهم، حتى لايظلم الأقوياء الضعفاء، وحتى ينال العدالة اليتيم والأرملة... فليأت اليّ كل انسان مظلوم له قضية أمام صورتي أنا ملك العدالة، وليقرأ النقش الذي على أثرى، وليلق باله إلى كلماتي الخطيرة. ولعل أثرى هذا يكون هادياً له في قضيته يفهم منه حالته، ولعله يريح قلبه فينادي:‏

" حقاً أن حمورابي حاكم كالوالد الحق لشعبه... لقد جاء بالرخاء إلى شعبه مدى الدهر كله، واقام في الأرض حكومة طاهرة صالحة.‏

" ولعل الملك الذي يكون في الأرض فيما بعد وفي المستقبل يرعى الفاظ العدالة التي نقشتها على أثري".‏

ويقول بيران أيضاً في عهد حمورابي:‏

" لقد اتسعت في عهده فكرة المسؤولية حتى شملت مبدأ حق التعويض عن كل عاطل وضرر فهي تلزم السلطات العامة نفسها بالتعويض عن أي عمل جنائي لم تقدر ان تمنعه وتقمعه.‏

هذا التشريع الذي حرك المعاملات العقارية وسهلها، وشجع على التجارة، رافقته تدابير اجتماعية أخرى، منها أن القانون فصل في التعاقد بين الموظف والموظف، وجعل المسؤولية متبادلة وقد لوحظ حد أدنى للمرتبات في جميع الحرف. وفرض على جميع المقاولين، والصناعيين، والزراعيين، ان يعطوا موظفيهم، شهريا عطلة ثلاثة ايام مدفوعة الأجور. التدريب على العمل واستئجار السفن واتعاب الاطباء والمهندسين، كلها شؤون نظمت قانونياً بموجب قانون جزائي، وهي مدهشة بقدمها بالنسبة إلى ما فيها من كمال المبادئ القانونية التي كان القانون يستهدف حمايتها.‏

" واخيراً لقد ارغمت المعابد، التي كانت تستغل اموال خزينتها وتقوم مقام المصارف، على ان تقدم قروضاً مجانية للمدنيين العاجزين عن الدفع، لتمكنهم من تجنب العبودية بسبب ديونهم، وللمرضى الذين تعفى عيالهم من الدفع في حالة الوفاة.‏

"ان عمل حمورابي الشرعي هذا، هو مساهمة بابل العظيمة في الحضارة الانسانية. وقد استمر هذا العمل بعد خرابها، وبقي اساساً لتطور القانون التجاري حتى الامبراطورية الرومانية".‏

" كان حمورابي واحداً من أكبر عظماء رجال الدولة في التاريخ القديم، وكملك مطلق نظم السلطة المركزية، وأنشأ ادارة المالية وأملاك التاج والاشغال العامة في المركز الحكومي الرئيسي وكان ديوان الملك، بواسطة مكتب المراسلات، يقوم بالاتصالات في جميع الولايات، ويسير أعمال ادارتها الفرعية. الأكادية أصبحت لغة الدولة الر سمية الوحيدة. ولكن أهمية الوثائق السومرية، سواء في التشريع، أو في الدين، كان تفرض معرفتها على الكتبة، لذلك وضع المعاجم السومرية- الأكادية، وعُلِّمَت اللغة السومرية في المدارس.‏

"في جميع انحاء الامبراطورية نظمت الادارة على اسس جديدة، في بلدي سومر وأكاد، حيث كان الامراء قد ظهروا من جديد ازالتهم الادارة وعين حكام محلهم.‏

"ولكي يمحو نهائياً استقلال المدن الداخلية القديم، قسم الدلتا إلى مناطق، عين على رأس كل منها حاكماً موظفاً. الملك يوليه منصبه مثبتاً ذلك بقرار رسمي أمام شهود".‏

" وهكذا كان يرافق مركزية الدولة، كما في مصر نزعة مزدوجة إلى اقامة المساواة بين جميع المواطنين، وجعل العدالة وسيلة لا لتأمين النظام، وإنما قبل كل شيء لتأمين الحق والانصاف.‏

بعد فتح سومر تحقق مشروع حمورابي نهائياً. خسرت المحاكم الكهنوتية، ومجالس الاعيان القديمة في مدن الجنوب كل استقلال قضائي.‏

وبعد ان تنظمت العدالة الملكية، بطريقة موحدة واتبعت قواعد واحدة أصبحت هي وحدها ذات الصلاحية. أما محافظ المدينة فكان حارس النظام والأمن، عليه تقع مسؤولية قمع الشقاوة وتوقيف المجرمين على أرض المدينة لاحالتهم إلى المحكمة. وإذا تمكن المجرمون من الافلات من يد العدالة، يحق لضحاياهم ان يرتدوا ضد المحافظ، وضد المدينة، وأن يطالبوا بعطل وضرر. هذا الجهاز القضائي، كانت تسيطر عليه سلطة الملك العليا.‏

فهو قادر كقاضي أعلى أن يأمر بتحويل القضايا اليه شخصياً. والجهات المتقاضية تقدر ايضاً ان تطلب من الملك مباشرة اذ رأت أنه يستحيل عليها الحصول على حقها في المحاكم العادية".‏

" قبل حمورابي كانت قوانين المدن الراقية تتسرب إلى الارياف تدريجياً وبصورة بطيئة. وكان الاقطاعيون والكهنة والامراء يقاومون انتشارها ليطول أمد استغلالهم وطغيانهم، ولكن عهد حمورابي وضع حدا لهذه الحالة المتأخرة: كسر جميع الدوائر المغلقة على الشعب، ودفعهم إلى الخروج من سجونهم المتنوعة. عبودية الاملاك الاميرية، والاقطاعية، والكهنوتية الغيت، والفلاح حرر نهائياً، وأصبح قادراً على ان يترك الأرض التي التصق بها مرغماً مئات السنين وحراً في أن يمتلك مايريد. وبما أن حالته المادية والنفسية كانت تمنعه من ممارسة حقه بالمساواة مع الاحرار، كانت له في القوانين الجديدة امتيازات تشجعه على الوصول مادياً ونفسياً إلى مستوى الاحرار، فهي تخوله أن يتزوج بدون أن يدفع مهراً وان يدفع نصف أتعاب الاطباء والمهندسين والاطباء البيطرين، وغيرهم من أصحاب المهن الحرة.‏

" هذا الوضع الاجتماعي الجديد يؤدي حتماً إلى انتقال الملكيات الخاصة وتحرك الثروة الحرة إلى نشوء رأسمالية، كانت في ذلك الزمن مرحلة تقدمية جديدة" فالرأسمالية تستهدف الانتاج، وهي تتضمن رغبة في استثمار مكثف للأراضي، تختلف كلياً عن النظام الاقطاعي الذي لم يكن يطمع إلى الاكتفاء"(8).‏

في سياق اعجابه بعظمة الملك حمورابي كتب الكاتب السوري أسد الاشقر يقول:‏

هذا الاسلوب الجديد في تثمير جميع المشاريع الزراعة والصناعية والتجارية، حرك نشاط الشعب وطاقته الانتاجية، كما حرك الثروة التي يملك، فكان نمو اقتصادي ورفاهية لم يسبق لهما مثيل في حياة الشعب. أن الثروة الشخصية التي نمت في يد الافرادشجعتهم على استكمال حاضرهم مادياً ونفسيا، وعلى ممارسة حقوقهم الكاملة التي يعطيهم اياها القانون وعلى الشعور بواجباتهم نحو الدولة التي أوصلتهم إلى هذا المستوى من الحرية، والمساواة والعدالة. ولم تكن الدولة نفسها غريبة عن هذه الحركة الاقتصادية الجديدة، بل كانت تستغل لحسابها مشاريع جارية كبرى. فالأمن المخيم في جميع أنحاء البلاد حرك التجارة العالمية من جديد، وكان في ذلك موارد للثروة لاتحد.‏

أن مشاريع الدولة التجارية كانت ذات غايتين الواحدة سياسية والأخرى اقتصادية. لقد رأى حمورابي بنظره البعيد أن كل ثروة ضخمة ستصبح في يد التجار والرأسماليين، اذ ماترك هذا المجال العالمي لهم وحدهم، قد تؤدي إلى نشوء خطر على الدولة فأراد أن يجنب الشعب بعد أن أنقذه من يد الاقطاعيين والامرار والكهنة، والوقوع في يد الاوليغارشيين الذين كانوا يحكمون بنفوذهم المدن السومرية.‏

لذلك" سعى الملك للحد من قوة التجار الرأسماليين الاقتصادية بممارسة نوع من اشتراكية الدولة. لم تلغ التجارة الخاصة ولكنها خضعت لمرخص خاصة تسمح بالملاحة في مياه دجلة والفرات ولضريبة ملكية".‏

أن تعرضنا في اطار التصنيف والتحقيب للدول القومية الامبراطورية القديمة، التي عرفتها المنطقة العربية، وبخاصة منها بلاد الرافدين والشام، ليس القصد منه التأريخ بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، لأن هذا الموضوع قد غطته الكتب التاريخية بما فيه الكفاية، بل الهدف الرئيسي منه هو الحفر في سيرورة التحضر والتمدن في التاريخ العربي، لتبيان المؤشرات الحقيقية التي تشير إلى وجود المجتمع المديني في اطار علاقته مع الدولة القومية الامبراطورية. من هنا كان تركيزها على أهم القضايا الجذرية لتاريخ سيرورة المجتمع المديني في بلاد ما بين النهرين، وبخاصة حول المجتمع المديني البابلي، في عهد الملك حمورابي- الذي كان أقوى ملك بين ملوك الساميين الغربيين- على نقيض المجتمع المديني البدائي، الذي اسسه السومريون الفلاحون في العصور القديم، القائم على نظام اشتراكية الدولة التيوقراطية (الدينية)، حيث كان القصر والمعبد يشكلان عماد الحياة الاقتصادية والدينية على نحو متكامل. ومن خلال هذا الترابط بين المصالح المادية والروحية، وبالتالي عماد اقتصاد الدولة عينها. فالفرد في نظام اشتراكية الدولة التيوقراطية القديمة لايملك شيئاً، لأن كل الحياة الاقتصادية الاجتماعية كانت تدار من قبل الملكية والكهنوت، باعتبارهما وريثي نائب الاله، ويعملان لحساب الاله، الذي يملك الدولة. بيد أنه مع تطور التقسيم الاجتماعي للعمل، وظهور الملكية الخاصة مع مر الزمن، شهدت سلطتي رجال الدين (الكهنوتية) والقيادة العسكرية، أي القصر والمعبد، تطوراً تفارقياً باتجاه انفصال بعضهما عن بعض، وأصبح نظام حكم الآله الاشتراكي في دويلات المدن السومرية الأولى، نظاماً سياسياً متخلفاً، لأن القوة الاقتصادية فيه كانت ملكاً لطبقة الكهنوت، التي تمثل السلطة الدينية في معابدها المركزية، في اطار التكامل والتقاسم الوظيفي مع القصر، والحال هذه، اصبح يتطلب تخطيه جدلياً وتاريخياً. من هنا كان قانون حمورابي ذى أهمية تاريخية عظيمة، نظراً لأنه بات يشكل عماد هذه الدولة الامبراطورية المركزية القوية، التي تتألف من مواطنين كاملي الحقوق، ومن اناس احرار يعتبرون متساوين من الناحية القانونية. وتكمن خصائص المدنية في المجتمع البابلي، من خلال حرص المدن على المحافظة على استقلاليتها الذاتية في ادارة شؤونها، وحماية امتيازات المواطنين، وتعزيز، وصون، حرياتهم الفردية، والعامة، خارج دائرة نفوذ واختصاص المجتمع السياسي، أي الدولة ممثله بالملك.‏

وخلافا للمدن في عصر اشتراكية الدولة التيوقراطية (الدينية)، فان المدن في المجتمع المديني البابلي، كان يوجد فيها مجالس شيوخ، وجمعيات حرفية، يرأسها " ثابر" يقوم بدور عميل الملك". وكانت الطبقة البرجوازية الرأسمالية المكونة من هؤلاء الحرفيين الاحرار تعيش في المدن، في حين أن أكثرية الفلاحين كانوا يستأجرون الأراضي من الاقطاعيين، الذين حافظوا على امتيازاتهم الموروثة من العهد السابق. وفي ظل سيادة دولة القانون، العلامة المميزة للمجتمع المديني البابلي، كان المواطنون الاحرار يتمتعون بحق الاشتراك في المجلس الشعبي، الذي كان يتمتع بسلطة قضائية تخوله البت في مختلف قضايا الادارة المحلية، رفض دعاوي الممتلكات بين المواطنين، والشؤون العائلية الخ.‏

" وقد برهن المجلس الشعبي في بلاد الرافدين على جدارته وحيوته وقدرته على التلاؤم والتكيف، فقد عاصر الامبراطوريتين البابلية والآشورية، وملوك الفرس والاسكندر المقدوني.‏

وان زوال المجلس الشعبي كان يعني الانتقال من العصور القديمة الوسطى في آسيا الامامية، وفقدان سكان المدن في المنطقة المذكورة لحقوقهم المدنية ولحرية الفكر والسياسية.‏

وبتعبير آخر فإن الخط الفاصل بين العصور القديمة والقرون الوسطى يمر بتلك المرحلة التي أدى فيها زوال المجلس الشعبي إلى تحول فئة المشاعين القوية المتماسكة إلى طبقة مضطهدة"(9).‏

ولما كان مقياس تطور المجتمع المديني مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمدى تحرر المرأة ونيلها الحقوق، فإن قانون حمورابي حول الأسرة والزواج والطلاق، يشكل ثورة حقيقية، مقابل القوانين القديمة، التي كانت تأيد اضطهاد الرجل للمرأة. ففي ظل قانون حمورابي تستطيع المرأة أن تطلق زوجها في بعض الحالات الخاصة. وكان يحق للزوج في السابق أن يطلق زوجته في أي وقت يشاء، على ان يدفع لمطلقته نصف منية، أما الآن فنجده قد فقد شيئاً من هذا الامتياز. إذ ليس عليه أن يدفع لزوجته المطلقة بدون ذنب جهازها وحسب، والذي هو دوماً أكبر من ثمنها بل زيادة على ذلك عليه ان يؤدي لها نفقة معينة"(10).‏

أخيراً، ان المجتمع المديني البابلي، الذي تحكمت فيه النظم القانونية لحمورابي، التي كانت حامية للضعفاء، والفلاحين الصغار، والحرفيين والعمال اليوميين، والتي حددت الفوائد وضرائبها إلى جانب تأمين القروض الصغيرة، تشكل نقلة تاريخية نوعية في سيرورة التمدن والتحضر على الصعيد العربي لاحقاً، وكان له تأثير واضح على معظم الامبراطوريات التي تشكلت عقب انهيار الدولة البابلية، في بلادالرافدين، والشام ومصر، وبخاصة على الدولة الكلدانية، أو الدولة البابلية الجديدة.‏

على ان هناك سمات مشتركة بين المجتمع المديني البابلي في عهد حمورابي، ونظيره في عهد الدولة الكلدانية، التي أسسها نبوخذ نصرابن" نابوبولاصره" مؤسس السلالة الجديدة الحاكمة في بابل العام 626 قبل الميلاد، والتي عرفت بالسلالة البابلية الاخيرة. والفروقات الملحوظة هنا، هي فروقات كمية في مستوى التطور المادي المحقق، سواء على مستوى نمو قوى الانتاج، أو على مستوى تبلور ونظم الطبقات والدولة والفكر القائمة في جوهرها على نمط الانتاج الخراجي في مرحلته الأولى. وظل هذا المجتمع المديني في عهد الدولة البابلية الجدية، يعيش في بحر من البربرية والهمجية المحيطة به، على الرغم من ان نبوخذ نصر استطاع أن يخضع المدن الفينيقية المطلة على الساحل السوري، لكي يفسح في المجال للبيوت التجارية والمالية الكلدانية الدخول إلى مسرح التجارة العالمية، باعتبارها مراكز تجارية مهمة على البحر المتوسط بعد هزيمته للجيس المصري، حين كانت مصر الفرعونية العدو الأكبر للدولة البابلية. وفي هذه المرحلة التاريخية" تمردت الدولة اليهودية، وامتنعت عن دفع الجزية، رغم تحذيرات النبي ارميا للسطات اليهودية بعدم مقارعة الكلدانيين، جرد نبوخذ نصر حملة على مملكة يهوذا فدخل أورشليم عام 596 ق.م/ وسبى قسماً من سكانها( من رؤساء وجبابرة بأس وجميع الصناع والاقيان) إلى بابل وهذا هو السبى الأول. وعزل ملكها يهوما فين/ وعين مكانه عما صدقيا، ولكن صدقيا بتحريض من فراعنة مصر وتحت ضغط الامراء اليهود المؤيدين لهم، تمرد أيضاً على سيطرة الكلدانيين رغم تكرار تحذيرات النبي ارميا، فعاد نبوخذ نصر إلى الهجوم على أورشليم وفتحها سنة 586 قبل الميلاد، والقى القبض على صدقيا، وسبى سكان المدينة إلى بابل وكيش نبيور، وهذا هو السبي الثاني. أما سكان الارياف اليهود، فقد فر معظمهم إلى مصر فخلت فلسطين من اليهود تقريباً. وزالت مملكة يهوذا. واقتصرت فلسطين على سكانها الاصليين من العرب الكنعانيين"(11).‏

كما ان الحضارة المصرية القديمة، تشترك في سمات المجتمع المديني عينه، منذ تأسيس الدولة المصرية خلال العهود الثلاثة التي عرفتها. عهد الامبراطورية القديمة، التي نشأت حوالي عام 3000 قبل الميلاد، والتي حكمها فراعنة الاسرات العشر الأولى (بناة الاهرام) وعهد الامبراطورية الوسطى الممتدة من 2050- 1700 ق.م) التي حكمتها الاسرات الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة، والرابعة عشرة، حيث عاشت مصر عهوداً مظلمة في ظل حكم الاسرتين الاخيرتين، قادت إلى ضعف الدولة المصرية، وتدهور الزراعة، وإلى نجاح الهيكسوس( وهم ملوك الرعاة أو البدو والأجانب الذين قدموا من سورية وفلسطين وتشكلوا من قبائل سامية وحثية وكاشية) في احتلال مصر، واستقرارهم في القسم الشرقي من الدلتا بعد أن" اتخذوا مدينة أفاريس عاصمة لهم. وبسطوا نفوذهم على مصر وسورية وبلاد الرافدين. واستمر احتلال الهيكسوس لمصر حوالي /150/ سنة، وحكمت منهم اسرتان: الخامسة عشرة، والسادسة عشرة. أحكم الغزاة سيطرتهم على معظم البلاد، وفرضوا على السكان جزية باهظة، واستعبدوا الفلاحين، ونهبوا المعابد وخربوا بعضها، في حين أظهروا التسامح مع الارستقراطية المحلية"( 12).‏

ثم في عهد الدولة الحديثة (1584-1071ق.م) التي انشأت في مصر بعد طرد الهيكسوس، وحكمت البلاد خلالها الأسرات الثامنة عشر، والتاسعة عشر، والعشرون، وفي عهد الاسرة الثامنة عشر، وخلفاء تحوتمس الأول" ارسلت حملات إلى فلسطين وسورية بقصد اخضاع الدويلات الفينيقية وغيرها، وفي سبيل الحصول على الذهب والفضة والاخشاب والخمور والمواشي والرقيق، ليس ابداً بواسطة التبادل التجاري، وإنما تحت اسم جزية ثابتة وبكميات كبيرة، وقد أفادت هذه الحملات بشكل خاص، قمة المجتمع العبودي : الفرعون أسرته، كبار موظفيه، الكهنة، قادة الجيش، وحتى الجنود استفادوا من هذه الحروب فكان لكل منهم حصته من الغنيمة... ان فتح سورية وفلسطين جعل من مصر واحدة من اقوى دول الشرق الأدنى، فقد أرسل ملك بابل الكاش وملك الحثيين هدايا ثمينة إلى فرعون مصر، وانصبت الثروات المنهوبة من سورية وفلسطين في مصر الفرعونية"(13).‏

واستمرت الدولة المصرية الحديثة في الوجود إلى ان سقطت مصر تحت الاحتلال الفارسي العام 525 قبل الميلاد، حين أخضع كورش زعيم الدولة الفارسية بابل عام 538/ قبل الميلاد، وشرع في" تهيئة الظروف ووضع الخطط لفتح مصر، فأطلق اليهود المأسورين في بابل منذ عهد نبوخذ نصر،، وأمر بعودتهم إلى فلسطين، ومنحهم استقلالا ذاتياً، وسمح لهم باعادة بناء القدس، بعد ان تفاهم معهم على خطة تحويل فلسطين إلى قاعدة استراتيجية فارسية يهودية للعدوان على مصر والاستيلاء عليها ... وزحف بالفعل بجيشه إلى هناك، ولكن قبائل الشاش والمساجيث وقفت في وجهه وقاومته مقاومة بطولية، وفي احدى المعارك قتل كورش عام 529 قبل الميلاد، تاركاً تنفيذ خطة فتح مصر التي وضعها وهيأ ظروفها إلى ابنه قمبيز. وفي عام 529/ قاد قمبيز الجيش الفارسي فاستولى على مصر بمساعدة اليهود والقاعدة اليهودية، وأنهى حكم الاسرة السادسة والعشرين"( 14).‏

وهكذا، تمثل العصور التاريخية لظهور الدولة الامبراطورية ذات الميل العالمي الخاصة بمنطقتنا العربية، وأقصد دولة سرجون الأكادي، ودولة حمورابي في بلاد الرافدين والشام، ودولة سلالات الفراعنة في مصر، مروراً بامبراطورية نبوخذ نصر الشهيرة التي شملت بلاد الرافدين والشام وفلسطين واجزاء من ايران، واعادت واكملت بناء بابل منذ قبل 2500 عام، مرحلة تاريخية تحضرية وتمدينية على الصعيد العربي. وكان هذا التحضر والتمدن التاريخيين ضروريين في توحيد عملية الاندماج لأهم العناصر الجوهرية للمجتمع المديني في شرق حوض البحر التموسط، الذي يمثل قلب هذا المجتمع المديني في المنطقة العربية، ثم في مناطق الجزيرة العربية واليمن، باعتبار التحضر والتمدن يمثلان تجسيداً لفكرة التقدم سواء على مستوى تقدم القوى المنتجة، أو على مستوى الاشكال الاجتماعية التي ترافق هذا التقدم. علما بأن سيرورة نمو التمدن والتحضر للمجتمع المديني في العصور القديمة، يقاس بمستوى نمو القوى المنتجة، وتبلور نظم الدولة، واستخدام الكتابة.‏

هوامش الفصل الثاني:‏

(1)- طه باقر مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة- القسم الأول - تاريخ العراق القديم من مطبوعات دار المعلمين العالية (ص124).‏

(2)- أسد الاشقر- تاريخ سورية - الجزء الأول - الطبعة الأولى 1978 مكتبة الغساني (ص 122-123).‏

(3)- المصدر السابق (132-133).‏

(4)- المصدر السابق(ص140-143-144).‏

(5)- المصدر السابق(144-145).‏

(6)- الدكتور جايمس هنري براستد العصور القديمة نقله إلى العربية داود قربان مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر 1983 بيروت - لبنان -ص142).‏

(7)- المصدر السابق (144).‏

(8)- أسد الأشقر - تاريخ سورية - مصدر سابق (ص 186،188،189،190).‏

(9)- بونفارد ليفين - الجديد حول الشرق القديم - ترجمة جابر أبي جابر - دار التقدم (ص202).‏

(10)- الدكتور أنطون مورتكات- تاريخ الشرق الأدنى القديم- تعريب توفيق سليمان علي أبو عساف، قاسم طوير (ص146).‏

(11)- برهان الدين دلو- حضارة مصر والعراق- دار الفارابي الطبعة الأولى تموز 1989 (ص247-248).‏

(12)- المصدر السابق (ص64).‏

(13)- المصدر السابق( ص65-66) الملاحظ ان الاستاذ برهان الدين دلو يستشهد في هذه المقاطع من كتب أخرى ومنها خاصة برشتد جيمس هنري - تاريخ مصر- ترجمة الدكتور حسين كمال- وكتاب جماعة من المؤرخين السوفيات- تاريخ العصور القديمة باللغة الفرنسية.‏

(14) - المصدر السابق (ص73- 74).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244