|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القسم الرابع الفصل الأول : المجتمع المديني في العهد التأسيسي: أولاً: المجتمع المديني في مكة والمدينة قبل الهجرة: تتطلب دراسة المجتمع المديني، خصائصه ومؤسساته في العهد التأسيسي، الحديث عن بلاد الحجاز، من الناحتيين الاقتصادية والدينية، وبالتالي الحديث عن مجتمع المدينة قبل هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.... ان الحجاز هي تلك السلسلة الجبلية الممتدة من خليج العقبة حتى عسير التي تحجز هضبة نجد العالية عن ساحل تهامة الواطئ، ومن أهم مدنه مكة، والمدينة، والطائف. ثم أن الموقع الاستراتيجي المهم للحجاز بين الشام واليمن، وظروف تاريخيته من الناحيتين السياسية والاقتصادية، جعله بحكم أوضاع الجغرافيا والاقتصاد يشكل شرياناً رئيسياً من شرايين التجارة العالمية تتفرع من شرايين تتجه صوب الشرق والشمال الشرقي وفي موازته شريان رئيسي آخر كان له خطره في عالم التجارة ذلك الزمن،" ونقصد بهذا الشريان الثاني طريق البحر الموصل إلى الهند، ولذلك كان الحجاز جسرا يربط بلاد الشام وحوض البحر المتوسط باليمن والحبشة والصومال والسواحل المطلة على المحيط الهندي، وكان لذلك أعظم الأثر في قيام مدن تجارية بالحجاز تعتبر محطات تجارية واقعة على هذا الطريق البحري، وفي قيام ثغور تجارية تتزود منها سفن الروم بالبضائع ومنتجات الهند مثل ثغر الشعيبة "(1). ونظراً لهذه الأهمية التي يتمتع بها الحجاز، كان محط أطماع الرومان، الذين كانوا يريدون السيطرة على الطريق التجاري المؤدي إلى الهند عبر البحر الأحمر، وذلك في اطار صراعهم التنافسي مع الساسانيين الفرس، الذين كانوا يسيطرون على مفاتيح المواصلات في آسيا الوسطى" على الرغم من المحاولات الفاشلة التي قام بها البيزنطيون لتحطيم الستار الحديدي. ومع أن البيزنطيين أثبتوا نجاحهم في السيطرة على الطريق البحري عبر البحر الأحمر بفضل حلفائهم الأحباش الذين استولوا على اليمن، فأنهم أخفقوا عندما حاولوا بسط نفوذهم على الحجاز عن طريق الأحباش، وكذلك، فشلت حملة ابرهة فشر ذريعاً"(2). وتعتبر مكة عقدة تجمع للقوافل التجارية القادمة من اليمن والمتوجهة إلى الشام والمشرق، أو القادمة من بلاد الشام، والتي تريد العربية الجنوبية. وقد ساعد موقع مكة كملتقى تجاري بين الشام واليمن على طريق التجارة بين الشمال والجنوب، أهل وتجار مكة لكي يضطلعوا بدور ريادي في هذه التجارة العالمية، من خلال احتكارهم التجارة في العربية الغربية، والسيطرة على حركة النقل التجارية التي تربط بين اليمن وبلاد الشام والعراق. ومنذ نهاية القرن السادس الميلادي احتكرت قريش تجارة الهند بفضل جهود زعيمها هاشم بن عبد مناف الذي يعتبر أول من سن رحلتي قريش: رحلة الشتاء إلى الشام ورحلة الصيف إلى الحبشة(...). وقيل رحلة الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، ورحلة الصيف إلى الشام"(..)، وذكر البلادري ان هاشم ابن عبد مناف أخذ لقريش" عصما من ملوك الشام، فتحروا آمنين، ثم أن أخاه عبد شمس أخذ لهم عصما من صاحب ملوك الحبشة، واليه كان متجره، وأخذ لهم المطلب بن عبد مناف عصما من ملوك اليمن، وأخذ لهم نوفل بن عبد مناف عصما من ملوك العراق، فألفوا الرحلتين في الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، وفي الصيف إلى الشام". ولما كانت مكة تقع في واد غير ذي زرع بين جبلين متقابلين، فقد اعتمد أهلها في حياتهم على التجارة لكسب المال، وتأمين رزقهم، وقد علمت التجارة سادة قريش الأمور الكثيرة من التمدن والتحضر والتثقف، بسبب احتكاكهم بأقوام وحضارات أخرى. وقد" علمت الطبيعة أهل مكة أنهم لايتمكنون من كسب المال ومن تأمين رزقهم في هذا الوادي الجاف، الا اذا عاشوا هادئين مسالمين يدفعون الاساءة بالحسنة، والشر بالصبر والحلم والكلام السيء البذيء بالكلام الحسن المقنع المخجل فتتغلب حلمهم على جهل الجاهلية، وجاءت نجدتهم في نصرة الغريب و الدفاع عن المظلوم والدفاع عن حق المستجير بهم، بأحسن النتائج لهم، فصار التاجر والبائع والمشتري يقد على سوق مكة، يبيع ويشتري بكل حرية، لأنه في بلد آمن، أخذ سادته على أنفسهم عهداً بألا يعتدي أحد منهم على غريب، لأن الأضرار به، يبعد الغرباء عنهم، وإذا ابتعد الغرباء عن مكة خسروا جميعاً موردا من موارد رزقهم يعيش كل واحد منهم بلا استثناء، لذلك كان الغريب اذا ظلم نادى ياآل قريش، أوياآل مكة، أوياأل الفلان، ثم يذكر ظلامته، فيقوم سادة أو من نودى باسمه بأخذ حقه من الظلم له"(3). أنه لايمكن فصل مكة عن نشاط قريش التجاري، باعتبار أن صيرفها من أهم المراكز التجارية والمدينية، في العربية الغربية. ويجمع أهل الأخبار على أن قريش كانوا من أدهى العرب، وكانوا يعتمدون على سياسة اللين والمفاوضة والمسالمة، من أجل خدمة وتمشية مصالحهم التجارية، وفي سبيل أرضاء الاعراب واسكاتهم" وقريش جماعة استقرت وتحضرت واشتغلت بالتجارة وحصلت منها على غنائم طيبة. ومن طبع التاجر الابتعاد عن الخصومات والمعارك والحروب. لأن التجارة لايمكن أن تزدهر وتثمر إلا في محيط هادئ ومستقر. لذلك صار من سياستها استرضاء الاعراب وعقد( حبال) مع ساداتهم لتأمين جانبهم، ليسمحوا لقوافلها بالمرور بسلام. كما صار من اللازم عليها عقد احلاف مع المجاورين لهم من الأعراب، مثل (قريش الظواهر والاحابيش) وأمثالهم للاستعانة بهم في الدفاع عن مكة والاشتراك معهم في حروبهم التي قد يجبرون على خوضها مع غيرهم، بالاضافة إلى عبيدهم (الحبش) الذين اشتروهم لتنمية أمورهم وليكونوا حرساً وقوة أمن لهم"(4). أن تاريخ مكة قبل ظهور الاسلام مرتبط بتاريخ رئيس قريش إلاوهو قصي، حيث ينسب أهل الأخبار قريش كلها إلى نسل رجل أسمه (فهر ابن مالك ابن النظير ابن كنانة أبن خزيمة ابن مدركة ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان). وقريش تنتمي إلى القبائل العدنانية، إلى مجموعة العرب المستعربة، ويعتبر قصي رئيس قريش، وأول رئيس من رؤساء مكة، فهو الذي " ثبت الملك ففي عقبه، ونظم شؤون المدينة، وقسم الوظائف والواجبات على أولاده حين شعر بدنو أجله، فلما أشرق الاسلام كانت أمور مكة في يد قريش ولها وحدها الهيمنة على هذه المدينة حتى عرف سكانها بآل قصي"(5). لقد لعب الغزو والنهب دوراً تاريخياً مهما في عملية الاندماج وذلك من خلال الاحلاف التي عقدتها قريش بين القبائل، والصلح والزواج المختلط مع قريش الظواهر (الدين ينزلون خارج الشعب) وهم الساكنون خارج مكة في أطرافها وكانوا على مايبدو من وصف أهل الاخبار أعراباً أي أنهم لم يبلغوا مبلغ قريش البطاح في الاستقرار وفي اتخاذ بيوت من مدر. وكانوا يفخرن على قريش مكة بأنهم أصحاب قتال، وأنهم يقاتلون عنهم وعن البيت، وأنهم كانوا دون (قريش البطاح، في التحضر وفي الغنى والسيادة والجاه لأنهم أعراب فقراء، لم يسكن لهم عمل، يعتاشون منه غير الرعي) (6). ومع حلف الأحابيش ،" وقد وصف (اليعقوبي حلف الاحابيش) بقوله، ولما كبر عبد مناف بن قصي جاءته خزاعة وبني الحارث بن عبد مناف بن كنانة يسألونه الحلف ليصونوا به. فعقد بينهم الحلف الذي يقال له حلف الاحابيش... وقد بحث (الاماش) في موضوع الاحابيش فرأى أنهم قوة عسكرية ألفت من العبيد السود المشردين من افريقية ومن عرب مرتزقة، كونتها مكة للدفاع عنها(...) وقد يساهم الاحابيش في الدفاع عن مكة عام الفتح. وكانوا قد تجمعوا مع (بني تير) و( وبني الحارث بن عبد مناف) ومن كان من الاحابيش أسفل مكة كما أمرتهم قريش بذلك. فأمر رسول الله خالد بن الوليد أن يسير عليهم فقاتلهم حتى هزموا ولم يكن بمكة قتال غير ذلك ولم يذكر الطبري إلى سيد الاحابيش في هذا اليوم.(7). فالمجتمع المديني في مكة بدأ مع نفي الحرب إلى خارج قريش، ومع تنظيم شؤون المدينة وادارتها من جانب رئيس قريش الذي قسم الوظائف والواجبات على أولاده. وتعتبر دار الندوة البذرة للوحدة المجتمعية في مكة اذ أنها كانت تشكل " دار مشورة في امور السلم والحرب، ومجلس المدينة التي عرف رؤساؤها كيف يحصلون على الثروة، وكيف يستعيضون عن فقر أرضهم بتجارة تدر عليهم أرباحاً عظيمة، وخدمة يقدمونها إلى عابدي الاصنام، جاءت إليهم بأموال وافرة من الحجيج في هذه الدار يجتمع الرؤساء وأعيان البلاد للتشاور والبت فيها. وفي هذه الدار أيضاً تجري عقود الزواج، وتعقد المعاملات، فهي دار مشورة ودار حكومة في آن واحد يديرها (الملأ)، وهو مثل أعضاء مجلس شيوخ (اثينا) الذين كانوا يجتمعون في المجلس للنظر في الأمور " يمثلون زعماء الأسر، ورؤساء الأحياء، ,اصحاب الدين والمشورة للبت فيما يعرض عليهم من مشكلات(8) . أن مكة المدينة التجارية العريقة كانت تشكل مجتمعاً، لأن سكانها في الأساس كانوا من أصل مديني القالب ولكن مدنيتها لم تكن تامة بالمعنى المدني الحضاري الذي هو سائد في حياتنا المعاصرة والمدنية. ولأن هذا المجتمع المديني كانت تسود فيه العصبية القبلية، اذ أنه كان منقسماً إلى شعاب، والشعاب كما يجمع أهل الأخيار، تشكل واحدات اجتماعية مستقلة تحكمها العائلات الثرية المالكة، الأمر الذي كان يولد على الدوام منافسات وصراعات بين هذه العائلات على الجاه والنفوذ، حيث أن هذه المنافسات والصراعات كان لها أثرها الخطير، لا على صعيد الحياة الاجتماعية، وأنما أيضاً على مسيرة دولة الدعوة المحمدية أيام الاسلام الأولى، ولاحقاً. ثم أن هذا المجتمع المديني القائم على اساس العصبية القبلية كان يحكمه وجهاء مكة من أمثال (بنو مخزوم وبنوعبد شمس وبنو زهرة وبنو سهم وبنو المطلب، وبنو هاشم، وبنو نوفل، وبنو عدي، وبنو كنانة، وبنو أسد، وبنو تيم جحش، وبنو عبد الدار، وبنو عامر بن لؤى، وبنو محارب بن سمر، وبنو محارب بن فهر). غير ان الشرف والرياسة في قريش باعتبارها القبيلة المهيمنة في هذا المجتمع المديني كانا لبني قصي، لو أستأثرت قريش بست مآثر أساسية منها الحجابة والسقاية والرقادة، والندوة، واللواء، والرياسة. وعلى الرغم من تطور هذا المجتمع المديني، الا أنه لم يترافق معه تبلور مجتمع سياسي بالمعنى المدني، أي قيام حكومة مركزية بمعنى المفهوم المتعارف عليها،" فلم يكن فيها (أي مكة) ملك له تاج وعرش، ولا رئيس واحد يحكمها على أنه رئيس الجمهورية أو رئيس مدينة ولا مجلس رئاسي يحكم المدينة حكماً مشتركاً أو حكماً بالتناوب، ولاحاكم مدني عام وحاكم عسكري ولم يتحدث أهل الأخبار عن وجود مدير عام فيها واجبه ضبط الأمن، أو مدير له سجن يزج فيه الخارجين عن الانظمة والقوانين، أو ماشابه ذلك من وظائف نجدها في الحكومات. وكل أمرها أنها قرية تتألف من شعاب. كل شعب لعشيرة، وأمر كل شعب من رؤسائه، هم وحدهم أصحاب الحل والعقد والنهي والتأديب فيه، وليس في استطاعة متمرد مخالفة أحكامهم. وألا أدبه حيه، وملؤه أي أشرافه هؤلاء الرؤساء هم الحكام الناصحون وهم عقلاء الشعب"(9). وتشكل يثرب نقطة تاريخية مهمة في حياة المجتمع المديني قبل الهجرة أي عند ظهور الاسلام. ويجمع الاخباريون أنها سميت يثرب نسبة إلى( يثرب من قائية بن هلائيل بن أرم بن عبيل بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ) وهو أول من نزلها عند تفرق ذرية نوح (10). وذكر بعض الاخباريين أن اسم يثرب مأخوذ من الثرب بمعنى الفساد أو التثريب أي المؤاخذة بالذنب، وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تسمية يثرب بيثرب، وسماها طيبة وطابة كراهية للتثريب(11). وفي كتاب (اصطيفان البيزنطي) عرفت باسم (مدينة يثرب)، ثم اختصرت فقيل لها (مدينتا) (Medinta)، وهو الأسم الارامي، وقد يكون معناها الحمى أي(المدينة). وحين هاجر الرسول، إليها ونزل بها سميت بمدينة الرسول في الاسلام، لأنه كان ينفر من اسمها القديم " سواء كان بمعنى التثريب أو الافساد أو لأنه أسم رئيس من العمالقة الذين نزلوا بها في العصور القديمة فيما يقرب من سنة 2600 ق.م على حد قول بعض الباحثين المحدثين" (12). أما على صعيد سكان يثرب، وبخاصة منهم اليهود، فاننا نجد بعض التباينات حول أهل يهود المدينة، من حيث المكان الذين هاجروا منه، والزمان الذي قدموا فيه. فهناك بعض الاخباريين من يزعم أن أول من زرع بالمدينة وأتخذ بها النخيل، وعمر بها الدور والاطام، واتخذ بها الضياع، العماليق، وهم بنو عملاق بن أرفخسد بن سام بن نوح. وكان يسكن المدينة منهم بنوهف، وسعد بن هفاف، وبن مطرويل (13)، ثم نزل اليهود بيثرب، وكان سبب نزولهم يثرب، وأعراضها وفقا لروايات الاخباريين بأن موسى بن عمران بعث بعثاً منهم إلى العماليق وقاتلوهم حتى قتلوهم، وكان هذا أول سكنى اليهود بالحجاز ويثرب(14). غير ان النظرية التي تحظى بإجماع نسبة قوية من الاخباريين تقر بأن اليهود قد نزحوا من بلاد الشام في القرنين الأول والثاني بعد الميلادبعد أن سيطر الروم على الشام ومصر، وعلى اليهود ودولة الأنباط في القرن الثاني بعد الميلاد، الأمر الذي جعل اليهود يهاجرون إلى الحجاز. ويميل الدكتور جواد علي إلى تبنى هذه النظرية، لان بني قريظة يزعمون ان" الروم ظهروا على الشام فقتلوا من بني اسرائيل خلقاً كثيراً، فخرج بنو قريظة والنفير وهدل هاربين من الشام يريدون الحجاز الذي فيه بنو اسرائيل ليسكنوا معهم، فلما فصلوا من الشام وجه ملك الروم في طلبهم من يردهم، فاعجزوا رسله وقاتلوهم"(15) .غير ان هجرة اليهود إلى الحجاز اشتدت بعد فشل الثمود اليهودي ضد الرومان والتي أخمدها الامبراطور تيتوس في عام 70م، وقد وصل بعض هؤلاء اليهود المهاجرين إلى يثرب كما وصلت مجموعة أخرى من اليهود إلى يثرب بعد فشل ثورة أخرى قاموا بها في زمن الامبراطور هادريان بين عامي 132-135م وشكل هؤلاء اليهود الجالية اليهودية من المدينة والحجاز(16). لقد سيطر اليهود على المجتمع المديني في يثرب سيطرة اقتصادية وسياسية وفكرية. فكان يهود يثرب يتاجرون مع بلاد الشام، اذ أنهم نقلوا منها فكرة بناء الاطام حيث بلغ عددها في يثرب تسعة وخمسين أطماً. كما حمل اليهود معهم خبراتهم الزراعية والصناعية مما أثر في ازدهار بساتين يثرب حيث النخيل والاعشاب والرمان وبعض الحبوب، كما ظهر الاهتمام بتربية الدواجن والماشية وبرزت صناعات النسيج الذي تحوكه النسوة إلى جانب الأراضي المنزلية وبعض الأدوات الأخرى اللازمة للمجتمع الزراعي. وكما أثر اليهود على مجتمع المدينة فقد تأثروا بالعرب من حولهم فظهرت طوابع الحياة القبلية على يهود بما فيها من عصبية وكرم واهتمام بالشعر وتدريب على السلاح. وطغيان النزعة القبلية على اليهود جعلهم لايعيشون ككتلة دينية واحدة بل قبائل متنازعة لم تتمكن من توحيد صفها حتى في عصر السيرة عندما واجهت أحداث الجلاء(17). واذا كان لليهود الغلبة على القبائل العربية التي كانت تسكن يثرب والتي يعود نسبها إلى العماليق، باعتبار أن اليهود كانوا يمتلكون السلطة الاقتصادية والمتمثلة في الأموال والاطام والنخيل، الا أن هذا الاتجاه تغير مع قدوم الاوس والخزرج إلى يثرب. وكان قدوم (الاوس) والخزرج) الذين ينتمون إلى قبيلة الازد اليمانية الكبيرة، التي هاجرت من اليمن باتجاه الحجاز في فترات مختلفة على اثر أنهيار سد مأرب، وحدوث سيل العرم. فأجمع (عمر بن عامر بن حارثة بن ثعلبية)، الخروج عن بلاده وباع ماله بمأرب، وتفرق ولده، فنزلت الاوس والخزرج(يثرب) وارتحلت (غسان) الى الشام، وذهبت (الازد) إلى عمان وخزاعة إلى تهامة. واقامت الاوس والخزرج بالمدينة ووجدوا الاموال والاطام والتخيل في أيدي اليهود ووجدوا العدد والقوة معهم، فمكثوا معهم أمداً وعقدوا معهم حلفاً وجوارا يأمن به بعضهم بعضاً ويمتنعون به من سواهم فلم يزالوا على ذلك زمناً طويلاً حتى نقضت اليهود عهد الحلف والجوار، وتسلطها عل يثرب، فاستعان الاوس والخزرج بأقربائهم على اليهود، فغلبوهم، وصارت الغلبة للعرب على المدينة منذ ذلك العهد (18). على الرغم من العلاقات الأخوية التي كانت قائمة بين الاوس والخزرج أثر تغلبهم على اليهود، وانتقال مركز السيطرة الاقتصادية والمالية لمصلحة العرب، الذين ازداد عددهم وثروتهم، الا أنه سرعان ما دبت الخلافات والحروب بين القبيلتين، وعمل اليهود على بث الفرقة والشقاق بين العرب، بهدف تفتيت وحدتهم... وقد نجح اليهود في اذكاء نار العداوة والحروب بين الاوس والخزرج، فتحالف الاوس مع يهود قبيلة بني قريظة وبني النضير، وهزمت الخزرج في "يوم بعاث"، وذلك قبل الهجرة، بخمس سنوات. وكانت نتيجة هذا الصراع لمصلحة الاوس، الا أنه بالمقابل لم يؤد إلى القضاء نهائياً على الخزرج، وفطن كل من الاوس والخزرج ما كان يسعى إليه اليهود من تفريق صفوفهم، بهدف استعادة سيطرتهم على يثرب، لذلك عمد الجانبان إلى تحقيق المصالحة وابرام اتفاق نهائي بهذا الشأن. ولا شك أن وقائع أيام العرب بين الاوس والخزرج ولدت شعوراً بالمرارة عند الطرفين، ورغبة قوية في العيش بهدوء وسلام- وهذا الشعور كان يرافق استقبال يثرب للاسلام حاملاً معه بشائر التآخي والسلام، وقد عبرت السيدة عائشة زوجة الرسول عن أثر الحروب والمنازعات في اقبال أهل المدينة على الاسلام بقولها" كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فقد رسول الله عليه وسلم، وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم وجرحوا، قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم الاسلام "(19). أننا حين نعود إلى التفكير والتحليل في التاريخ العربي قبل الاسلام، لتعميق البحث في المجتمع المديني على الصعيد العربي، الذي عرف نموذجاً موحداً، فليس هدفنا المقارنة بين المجتمع المدني الحديث الذي نشأ مع ظهور الديمقراطية الكلاسيكية الغربية، والذي يتقاطع مفهومه مع المفاهيم السياسية الأخرى التي جاءت بها الايديولوجية الليرالية، وبخاصة فيما يتعلق بالنظر إلى الدولة كتعاقد اجتماعي، واعتبار مفاهيم المجتمع المدني في حالة تناقض مع الطابع الديني والممارسات الدينية للدولة، والسياسية المدنية، والنظر إلى الفرد في المجتمع باعتباره مواطناً بكل ما تتضمن هذه الكلمة من مفهوم المواطنة: حقوقها وواجباتها، وبين المجتمع المديني القديم الذي كان قائماً على اساس انتظام المدينة كمحطة تجارية قوية- في انماط التنظيم العمراني والسكاني وانماط من تنظيم الصناعات الحرفية، وعلاقات التبادل مع المدن الأخرى في الدول المجاورة. ويمثل هذا النشاط المديني على صعيد الانتاج الحرفي والتجارة المتقاطع مع توزع ديموغرافي قبلي- عائلي، اساس المجتمع القائم على اساس وحدة اجتماعية سياسية قبلية متماسكة، حيث تمثلت فيه روح المحافظة الاجتماعية، واستقرار التقاليد والأعراف القبلية، وحيث سادت فيه المفاهيم القانونية والاخلاقية والسياسية القبلية. ثانياً :- ظهور الاسلام وقيام الدولة الاسلام ودوره في قيام المجتمع المديني في المدينة. من المعروف تاريخياً ان الاسلام جاء بثورة شاملة، كانت تمثل الاستجابة التاريخية الضرورية لحاجة المجتمعات العربية، التي يغلب على البعض منها الطابع التجاري في مدينة مكة، والتي يغلب على البعض الآخر الطابع الزراعي، في حين يغلب على البعض الثالث منها الطابع البدوي الرعوي خصوصاً وسط الجزيرة العربية- والتي كانت تعاني من أزمة حادة في القرن السادس الميلاد. وكانت تواجه أخطار محدقة بها، خصوصاً بعد انقطاع التجارة الهندية بسبب تغير الطريق التجاري الأوروبي الآسيوي، والغزوات الفارسية القادمة من الشمال والتي كانت تهدد مكة. غير ان التهديدات الكبيرة على العرب كانت تمارسها الدولتان الكبيرتان آنذاك، البيزنطية في الغرب والساسانية (الفارسية) في الشرق، فاستولى الأحباش البيزنطيون على اليمن، ورافق ذلك زوال كيان كنده، وضرب البيزنطيون كيان الغساسنة في الشام، كما قضى الساسانيون على كيان المناذرة في العراق ومدوا سيطرتهم المباشرة عليه وعلى جهات من الخليج العربي، وبقيت اليمن ساحة صراع بين الدولتين حتى مدّ الساسانيون نفوذهم إليها. وهكذا زالت الكيانات العربية وواجه العرب التهديد الاجنبي مباشرة"(20). وكانت المجتمعات العربية التي تعصف بها الازمات تعيش حالة مخاض تاريخية إذانا ببروز حدث ثوري عظيم ذى عمق كوني. فجاء الاسلام وثورته الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية بفكرة الاله الواحد، وقام بثورته على " ايديولوجية " الطبقة الاجتماعية المسيطرة المتمثلة بسادة مكة القريشيين، التي تتخذ من شكل وعيها الديني" الوثني والمحافظ علىحسية الرموز الدينية وعلى الاوثان كتعبير عن التجزؤ والتشرذم والتبعثر لقوى الجاهلية، بين دوائر قبلية منفصلة بعضها عن بعض"(21). إذا كان الاسلام مثل ثورة دينية كبيرة من خلال جعله للعرب ديناً واحداً يدعو إلى الوحدانية، فإن الثورة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي جاء بها الاسلام، تشكل الانتقال الحاسم في كل التاريخ العرب، من النظام الذي كان قائماً على العصبية القبلية حيث أن القبيلة وحدة سياسية قائمة بذاتها، لها دينها الخاص، ولها عصبيتها التي تتضمن التماسك بين أفرادها والاعتزاز بها بالانتساب إليها، والعصبية على هذا النحو هي مصدر القوة السياسية للقبيلة (22)، إلى التخطي الجدلي التاريخي لهذه المجتمعات العربية التي لم يكن لها نزعة قومية شاملة، بحكم تفتتها من الناحية السياسية إلى وحدات سياسية قائمة بذاتها، حيث كانت القبائل المختلفة ممثلة لهذه الوحدات . وفضلاً عن ذلك، فان هذه الثورة السياسية تمثلت أيضاً في يقظة الشعور القومي العربي، خصوصاً وان الاسلام والعربية لغة وثقافة لعبا دوراً مهماً في " تكوين مقومات القومية العربية بركيزة حضارية قوية جداً" هذا من جهة. ومن جهة أخرى كانت هذه الثورة السياسية تتمثل في المشروع السياسي والاجتماعي والثقافي الواضح التي كانت تحمله الدعوة المحمدية منذ بدايتها، وبخاصة فيما يتعلق، القضاء على دولتي الفرس والروم والاستيلاء على كنوزهما. "(23). والمشروع السياسي للدولة المحمدية يؤكد على ان الوعي القومي العربي لمحمد في رسالته، والثورة العربية الاسلامية التي قام بها، حاضر أنه أسس وبنى حركة قومية عربية رفعت شأن العرب، وانقذتهم من براثن التخلف، وعززت مكانتهم في اطار الصراع الدولي المحتدم آنذاك مع الامبراطوريات المجاورة، واحتلال موقع الريادة، في قيادة السياسة الدولية. ويتجلى الوعي القومي، واعتزاز محمد بانسابه إلى القومية العربية في قوله " الذين يتبعون الرسول النبي الأمين الذي يجدونه مكرماً عندهم في التوراة والأنجيل..." (24) ويضيف".. ان ما يعلمه البشر، لسان الذي يلحدون اليه اعجمي، وهذا لسان عربي مبين"(25). وكقوله" قل لئن اجتمعت الانس والجن ان يأتوا بمثل هذا القران لايأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً." ولقد ضربنا للناس في هذا القران من كل مثل فأبى أكثر الناس الا كفوراً"(26) باعتبار أن القران الذي جاء به محمد " تنزيل رب العالمين" نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين"(27).وبذلك غدا الاسلام حسب مفهوم ذلك الزمان ثورياً بالنسبة لمرحلة التشرذم القبلي، واستخدمه محمد في ثورته القومية العربية كعقيدة ايديولوجية وسياسية من أجل مواجهة ودرء أخطار ومطامح الامم الممجاورة الفارسية، والحبشية، البيزنطية، والتي كانت تهدد الجزيرة العربية ومركزها التجاري مكة، والطريق التجاري، الذي يقود إلى البحر الأسود عبر فارس، وإلى سوريا وآسيا الصغرى والطريق، الذي كان يمر بالبحر الأحمر. وككل ثورة دينية وسياسية كبرى، كان لابد ان تسبقها الدعوة، ولقد اتخذت الدعوة المحمدية في البداية طابعاً دينياً، الذي يتمثل في نشر العقيدة الاسلامية، ثم ما لبثت ان اكتسبت الطابع السياسي. وبذلك أصبحت الدعوة المحمدية في آن واحد نشر الدين الاسلامي وتأسيس الدولة والمجتمع المديني على اساس عقيدة الاسلام. ومرت الدعوة المحمدية كما هو معروف بمرحلتين رئيسيتين في مسار تطورها، مرحلة بمكة ومرحلة بالمدينة. غير أن ما يهمنا في بحثنا ليس عرض العقيدة الاسلامية الذي نجده معروفاً جداً في الكتب التاريخية العربية والاسلامية، وانما التحقيب في حفريات المعرفة لابراز الجانب المتعلق ببحثنا ألا وهو اثر الاسلام في تكوين المجتمع المديني في المدينة، أولاً ثم في علاقته الجدلية مع تأسيس الدولة العربية الاسلامية ثانياً. الدعوة المحمدية بدأت في مكة عاصمة الوثنية العربية والمركز التجاري العالمي، حيث تسيطر فيها قبيلة قريش، التي مارست معارضة قوية ضد الدعوة، لما كانت تشكله هذه الدعوة المحمدية من أخطار محدقة على المصالح الاقتصادية واصحاب الأموال لقريش، من خلال هجومها على الاصنام. و" كان الهجوم على الاصنام" يعني المس بصورة مباشرة بعائدات الحج إليها ومايقترن به من مكاسب التجارة العربية، المحلية منها والدولية. والغنيمة اذا أو بالأخرى الخوف من اقتصادها هو الذي جعل الملأ من قريش يقاومون الدعوة المحمدية يتحالفون ضدها ويضيقون الخناق عليها من كل جانب... اما الجانب الآخر من المسألة فهو أن الحصار الذي ضربه الملأ من قريش على الدعوة المحمدية في مكة بأحكامهم الطوق القبلي ضدها وممارستهم الضغط الاقتصادي على الميسورين والتعذيب الجسماني على المستضعفين منهم، قد جعل نجاحها مرهوناً بالقدرة على توجيه الضربات إلى ماكان يدافع عنه ذلك الملأ في حقيقة الأمر، إلى " الغنيمة " ذاتها. ومن هنا كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لاخوفاً ولا هرباً بل كانت من أجل مواصلة الدعوة بوسائل أخرى توجيه السرايا وقيادة الغزوات لاعتراض قوافل قريش التجارية، الشيء الذي يعني ضرب الحصار الاقتصادي على مكة وصولاً إلى استسلامها السياسي، وبالتالي الدخول في الاسلام . ولما كان ضرب" الغنيمة" يعقبه حتماً الاستيلاء عليها وتوظيفها، مادياً، ومعنويا لاعداد ضربات أخرى، فانه لامناص من ان يكون لها حضور ما في المرحلة الجديدة من الدعوة "(28). اذا العداء الذي مارسته قريش ضد الدعوة المحمدية كان مصدره خوف قريش على آلهتها وأصنامها باعتبارها مصدرا للثروة واساساً للاقتصاد والتجارة، ومركزاً دينياً مهماً يستقطب القبائل العربية، فضلاً عن ان العقيدة الاسلامية رفضت العصبية القبلية، ونادت بفكرة الأمة بدل القبيلة، وجاء الاسلام بمفهوم القانون (أو الشريعة) ونبذ العرف القبلي، وهاجم الاستغلال والجشع المادي، وأكد على العدالة الاجتماعية. وقد رأت قريش في كل هذا ضرباً لمصالحها الاقتصادية وتمزيقاً لهيبتها السياسية والمعنوية والقبلية، وحربا على مواردها الاقتصادية. وفي هذا السياق التاريخي من الاستعداد للحرب والقتال تمت البيعة الأولى، التي سميت بيعة النساء، أو العقبة الأولى في العام الثاني عشر من النبوة، حين قدم إلى موسم الحج عشر من الخزرج واثنان من الاوس، وقد عاهدهم النبي محمد على الا يشركوا بالله شيئاً، وان يتجنبوا السرقة والزنا وقتل الاولاد، والا يأتوا ببهتان يفترونه بين ايديهم وأرجلهم، والا يعصوا النبي في معروف(29). وكانت لهذه البيعة الأولى أعظم الاثر في انتشار الدعوة المحمدية في المدينة. وما ان جاء موسم الحج أي في العام الثالث عشر من البعثة النبوية حتى تمت البيعة الثانية مع الانصار، والتي عرفت ببيعة العقبة الثانية أي بيعة الحرب، حيث أن الرسول بايع انصار يثرب على حرب الاسود والاحمر" وقد حددت بيعة العقبة الثانية وضع النبي بين أهل يثرب، فقد اعتبرته واحداً منهم، دمه كدمهم وحكمه كحكمهم، وقضت أيضاً بخروج النبي من أهل مكة فانتقلت تبعية النبي لذلك من مكة إلى يثرب، ولهذا السبب حرص المسلمون على إخفاء أمر هذه البيعة والتكتم عليها حتى لاتعلم بها قريش، اذا أن حماية الاوس والخزرج للنبي لاتبدأ إلا بعد وصوله إلى يثرب"( 30). وهكذا انتقلت الدعوة المحمدية من مرحلة الدعوة إلى الله والصبر على الاذى والسفح عن الجاهل في مكة، إلى مرحلة جديدة، هي مرحلة الهجرة إلى المدينة، والتهيئة للقتال والحرب ضد قريش، فبين ذلك قول الله سبحانه وتعالى:" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا ان الله لايحب المعتدين. أو اقتلوهم حيث تثقفتموهم وأخرجوهم من حيث اخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولاتقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فان قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين"(31). لقد شكلت مرحلة الهجرة إلى المدينة تطوراً نوعياً في الدعوة المحمدية على أكثر من صعيد، ولكن يظل أهمها مسألة تأسيس الدولة بالمدينة، أو قيام دولة الرسول بالمدينة وظهور المجتمع المديني للوجود مع هذه الدولة في آن معاً، وانتقال الدعوة المحمدية من الدفاع إلى الهجوم، حين عبر الرسول محمد بقوله" الآن نغزوهم ولا يغزوننا". الهجرة إلى المدينة أحدثت نقلة نوعية شاملة في حياة المجتمع المديني، الذي كان خاضعاً للوحدة السياسية والاجتماعية التي هي القبيلة، حيث كانت تسود البدواة والقبلية وما تفرزهما من تنازعات وصراعات وتفكك. فلما جاء الرسول محمد، وأصبح رئيساً لاحزاب غير متجانسة، فان أولى مهماته كانت تتمثل في أرساء الأسس التي يجب أن تقوم عليها دولة الرسول بالمدينة. فالمهاجرون إلى المدينة، التي كانت هجرتهم دليلاً على الاخلاص في سبيل نشر العقيدة الاسلامية، كانوا في البدء من عشائر مختلفة من قريش، واستمرت هذه الهجرة وأصبحت حقاً على كل المسلمين الجدد من أرجاء الجزيرة، وكنتاج لهذه الهجرة، المستمرة دخلت المدينة في مرحلة التنوع والتعدد السكاني، حيث لم يعد سكانها يقتصرعلى الاوس والخزرج، واليهود، بل اختلط معهم المهاجرون من قريش وقبائل العرب الأخرى. وكانت المهمة الأولى التي واجهت الرسول تنظيم حياة المهاجرين بالمدينة، التي ولدت هجرتهم مشاكل اقتصادية واجتماعية معيشية، تتطلب مواجهتها بارساء قواعد جديدة للمجتمع المديني، تقوم بنيانه على أساس روابط العقيدة الاسلامية، وفكرة الأمة الواحدة المدعوة للجهاد. وكانت أولى الأسس التي قام عليها المجتمع المديني والدولة المحمدية على حد سواء، هو بناء المسجد الجامع بالمدينة، باعتبار أن المسجد أصبح يشكل " مجتمع المؤمنين في الاسلام"، ولم يكن مسجد الرسول في المدينة الذي احتذته مساجد الاسلام في العصور التالية فحسب، بل كان تخطيطه ونظام بنائه أساساً لسائر أنواع العمائر الاسلامية المتأخرة كالمدارس والخوانق والقصور والوكالات والفنادق. فمن نظامه التخطيطي اشتقت هذه الابنية نظمها التخطيطية، يضاف إلى ما سبق أن المسجد أصبح في العصر الاسلامي أساساً للتنظيم العمراني في المدينة الاسلامية، والمركز الديني الذي تلتف حوله بقية مراكزها العمرانية، والقلب الذي ينبض بالحياة، ويهبها النشاط والحركة، وهو الذي يطبع المدينة الاسلامية البناء أو المدينة المفتوحة بالطابع الاسلامي، باعتباره المركز الديني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي للمدينة (32). فقد كان مسجد الرسول في المدينة مركزاً لصلاة المسلمين، ودار ندوة لهم في نفس الوقت، ففيه كان يتشاور النبي مع الصحابة في شؤون جماعة المسلمين وعلاقتهم بقريش، وما يتصل بذلك من سلم أو حرب، وفيه كانت تستقبل وفود العرب إلى المدينة(33). فكان القادمون يعقدون رواحلهم في فناء المسجد عند خروجهم أما للاستطلاع أو للغزو، وكان المسجد بالاضافة إلى ذلك مركزاً علمياً وثقافياً، فكان الصحابة يتولون تعليم القرآن والسنة لمن اراد أن يتعلمها من وقود العرب على المدينة(34). واصبحت المساجد الاسلامية بعد ذلك مراكز علمية يحصل فيها طلاب العلم علومهم، وتقوم بوظيفة المدرسة التي استحدثت في عصر متأخر(35). وكان المسجد مركزاً اجتماعياً، يؤمه المؤمنين كلهم، باعتبارهم أخوة، يتوجب عليهم الموالاة لبعضهم والتناصر في الحق بينهم، وانتهاج سلوك المؤاخاة، الذي شرّع ونظم الحقوق والواجبات بين المؤمنين داخل هذا المجتمع المديني الوليد. نظام المؤاخاة الدعامة الثانية للمجتمع المديني في المدينة كان على النبي محمد ان يواجه المشاكل المتنوعة الاقتصادية والاجتماعية والصحية، التي تعرض لها المهاجرون في المدينة، الذين تركوا أهليهم ومعظم ثرواتهم بمكة، وتوطيد علاقات الأخاء والوئام بين الصحابة من المهاجرين، وبين الحلفاء الجدد والمستجدين من سكان المدينة وهم الانصار. فالدولة المحمدية الناشئة كان عليها أن تواجه القضية المعيشية للمهاجرين، بصرف النظر عن الكرم والتضحية والضرب بالايثار، الذي اتسم به الانصار، الذين لم يتخلوا عن تقديم العون للمهاجرين، وحتى تقسيم نخلهم معهم، باعتبار أن النخل مصدر رزق ومعيشة للغالبية العظمى منهم _ فقام الرسول بتشريع نظام المؤاخاة، باعتباره دعوة واضحة إلى التضامن والتكافل بين جميع المسلمين، بين الانصار والمهاجرين. وكان المهاجرون قد نزلوا عند أخوانهم في الدين، الانصار، في دورهم ومنازلهم. ولكي يجسم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة إلى واقع اجتماعي ملموس سن نظام" المؤاخاة " فأخي المهاجرين بعضهم مع بعض، وبينهم وبين الانصار، وكانت المؤاخاة على الحق والمساواة بما في ذلك حق التوراث (36)". وقد ترتب على تشريع نظام المؤاخاة حقوق خاصة بين المتأخين كالمساواة بين الاثنين، والمساواة ليست محدودة بأمور معينة بل مطلقة لتعني كل أوجه العون على مواجهة أعباء الحياة سواء كان عوناً مادياً أو رعاية ونصيحة وتزاورا ومحبة. كما ترتب على المؤاخاة أن يتوارث المتأخين دون ذوى أرحامهم مما يرقى بالعلاقات بين المتأخين إلى مستوى أعمق وأعلى من أخوة الدم(37). وهكذا فان نظام المؤاخاة تم على ثلاث مراحل : الأولى بين الانصار بعضهم لبعض (الاوس والخزرج الذين بايعوا النبي)، والثانية بين المهاجرين بعضهم لبعض، والثالثة بين المهاجرين والانصار، حيث أحلت هنا الأخوة في الدين لتقوية وحدة المسلمين في المدينة محل علاقات الاخوة القائمة على النسب والقرابة والدم." وبذلك حلت " الأمة"و" الملة" محل القبيلة والعشيرة، ومع ذلك فإن تجاوز " القبيلة " بصورة كاملة ونهائية لم يكن ممكناً، فالدعوة إلى" الأمة" مازلت في بدايتها. ولذلك كان لابد من ان يبقى شيء ما من " القبيلة". لقد نزل المهاجرون ابناء القبائل على ابناء القبائل من الانصار، أصدقاء أو اقارب.... إلخ. أما الفقراء من المهاجرين الذين لم تكن لهم قبائل، وهم المستضعفون الذين تحدثنا عنهم في المرحلة المكية، فقد اذن الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بان يناموا في المسجد وتكفل هو والقادرون من أصحابه بأطعامهم، وقد عرف هؤلاء باسم أهل الصفة" لأنهم كانوا يأوون إلى صفة المسجد، أي المكان المسقوف منه وكان من بينهم أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر، والمقداد وابو حذيفة بن اليمان الخ (38). ان المجتمع المديني الذي تأسس وتبلور في ظل الدولة المحمدية الناشئة في المدينة كان قائماً على أواصر العقيدة، باعتبار أن رابطة العقيدة هي القاعدة الأساس في توطيد روابط الناس، وتآلفهم عقيديا بصرف النظر عن انتمائهم القبلي والعشيري أو لونهم، أو جنسهم، شريطة ان يتجردوا كليا من صفاتهم الجاهلية وان يكتسبوا صفات الشخصية الاسلامية المدنية الجديدة. لقد أقام الاسلام المجتمع المديني على أساس الحب والتكافل، كما جاء في الحديث الشريف" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم مثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الاعضاء بالسهر والحمي"(39). اذا كانت قضية تنظيم " عيش " المهاجرين هي المهمة الأولى التي واجهت النبي محمد، فان قضية تنظيم الحياة الاجتماعية، أي مسألة، التعايش السلمي" بين مختلف الفئات الاجتماعية في المدينة، وبالتحديد بين فئات المسلمين، وبين اليهود القاطنين في المدينة أصبحت المهمة الثانية التي كانت من أجلها الهجرة إلى المدينة، أي مواصلة مسيرة ثورة " الحضارة الاسلامية". وفي هذا السياق جاءت الصحيفة/ المعاهدة، باعتبارها وثيقة مهمة، بل أنها تمثل أول دستور يصور لنا أحوال المجتمع المديني في المدينة، الذي طرأت عليه تغيرات غاية في الجذرية والعمق، واصبح قائماً على أسس وقوانين جديدة تنظم حياته الاجتماعية والسياسية وفيما يلي نص الوثيقة: 1- هذا كتاب من محمد صلى الله عليه وسلم بين المؤنين والمسلمين من قريش( وأهل) يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. 2- أنهم أمة واحدة من دون الناس. 3-المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 4- وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلتهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 5- وبنو الحارث (بن الخزرج) وعلى ربعتهم يتعاقلون معاقلتهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف 6- وبنو ساعدة وعلى ربعتهم يتعاقلون معاقلتهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف. 7- وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 8- وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 9- وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم ألأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 10- بنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 11- وبنو الاوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 12- وان المؤمنين لايتركون مفرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف- من فداء أو عقل (12 ب) وان لايحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. 13- وان المؤمنين المتقين (ايديهم) على (كل) من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو أثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، ان ايديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم. 14- ولايقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولاينصر كافراً على مؤمن. 15- وان ذمة الله واحدة يجير عليهم ادناهم، وان المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. 16- وان من تبعنا من يهود فان له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. 17- وان سلم المؤمنين واحدة، ولايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله الا على سواه وعدل بينهم. 18- وان كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً. 19- وان المؤمنين يبيء بعضهم عن بعض بما نال دمائهم في سبيل الله. 20- وان المؤنين المتقين على أحسن هدى واقومه(21ب) وانه لايجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولايحول دونه على مؤمن. 21- وأنه من اعتبط مؤمناً قتلا عن بينة فانه قود به الا أن يرضى ولي المقتول (بالعقل) وان المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم الا قيام عليه. 22- وانه لايحل لمؤمن اقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر ان ينصر محدثاً أويأويه، وان من نصره أو آواه، فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولايؤخذ منه صرف ولا عدل. 23- وأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فان مرده إلى الله وإلى محمد. 24- وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين. 25- وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم الا من ظلم نفسه وأثم فانه لايوقع الا نفسه وأهل بيته. 26- وان ليهود بني النجار مثل ماليهود بني عوف 27- وان ليهود بني الحارث مثل ماليهود بني عوف 28- وان ليهود بني ساعدة مثل ماليهود بني عوف. 29- وان ليهود بني جشم مثل ماليهود بني عوف. 30- وان ليهود بني الاوس مثل ماليهود بني عوف. 31- وان ليهود بني ثعلبة مثل ماليهود بني عوف الا من ظلم واثم، فانه لايوقع الا نفسه وأهل بيته. 32- وان جفنه بطن من ثعلبة كأنفسهم. 33- وان لبني الشطية مثل ماليهود بني عوف وان البردون الاثم. 34- وان موالي ثعلبة كأنفسهم. 35- وان بطانة يهود كأنفسهم. 36- وانه لايخرج منهم أحداً الا باذن محمد. (36ب) وانه لاينجز على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته إلا من ظلم وان الله على أبرِّ هذا. 37- وان على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وان بينهم النصر على حارب أهل هذه الصحيفة وان بينهم النصح والنصيحة والبردون الاثم. (37ب) وانه لايأثم أمرء بحليفه وان النصر للمظلوم. (38ب) وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين. (39) وان يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. (40)- وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. (41)- وأنه لاتجار حرمة إلا بإذن أهلها. (42) وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فان مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وان الله على اتقى ما في هذه الصحيفة وابره. 43- وانه لاتجار قريش ولا من نصرها. 44- وان من بينهم النصر من دهم يثرب. 45- واذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فأنهم يصالحونه ويلبسونه، وانهم اذا دعوا إلى مثل ذلك، فان لهم على المؤمنين الا من حارب في الدين. (45ب)- على كل اناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم. 46- وان يهود الاوس مواليهم وأنفسهم على مثل مالأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة وان البردون الاثم لايكسب كاسب الا على نفسه وان الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وابره. 47- وانه لايحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وان من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، الا من ظلم وأثم، وان الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. في قراءة علمية لهذه الوثيقة، التي تعتبر دستور الدولة المدينية بالمعنى الحديث لكلمة دستور، وبالتالي نظام للحياة المشتركة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، في المدينة، تبين لنا أنها تتكون من طرفين، وتتحدد هوية الطرف الأول في هذه الوثيقة بفئتين، هما : المؤمنون.. والمسلمون من قريش ويثرب ومن لحق بهم وجاهد معهم، أمة واحدة دون الناس. وبهذا التمييز بين المسلمين..والمؤمنين، يمكن القول أن" المؤمن" هو من كان اسلامه عقائدياً، أي هو مسلم عن عقيدة، وبالتالي فهو" مواطن" في" الأمة". وأما مجرد " المسلم" فإسلامه " سياسي"( الاعتراف بالدين الجديد وسلطة دولته). وكان هناك في المدينة مايبرر هذا التمييز: كان هناك المؤمنون الصادقون وهم المهاجرون والانصار، وكان هناك " المنافقون " وهم جماعة من أهل يثرب أظهروا اسلامهم ولكنهم يبطنون العداوة والحقد لمحمد وأصحابه(40). 1- ان الصحيفة الوثيقة، التي هي بمنزلة النظام الداخلي لجماعة المؤمنين والمسلمين، أكدت" أنهم أمة واحدة من دون الناس" وكما جاء في قوله تعالى:" كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"(41). ان الصحيفة تطلق على جماعة المسلمين والمؤمنين لقب الأمة ،و" الأمة " من "آلام" أي القصد والاتجاه، ومنه أيضاً" الامام" الذي يؤم بالجماعة. ان مفهوم الأمة يتخطى جدلياً وتاريخياً القبيلة من دون أن يلغيها، بيد أنه يلغي الحدود والفواصل القبلية. ان الأمة تتكون من المسلمين على اختلاف قبائلهم وعشائرهم، الذين اندمجوا في الجماعة، واصبحت العلاقات والروابط فيما بينهم قائمة على اساس العقيدة الاسلامية، وليس الدم، تعززها روح التضامن والتكافل، ونصرة المظلوم على الظالم، وولائهم لله لا للقبيلة، واحتكامهم للشرع لا للاعراف والتقاليد القبلية. لقد ميزت الصحيفة، بذلك المسلمين عن باقي الفئات التي لم تعتنق الاسلام، لأن هذه الروابط تقتصر على المسلمين ولا تشمل غيرهم، من الاوس وطائفة اليهود الذين يوالون المسلمين ويحاربون معهم، وان كانوا لاينتمون انتماء وثيقاً إلى الأمة الاسلامية، انتماء المهاجرين والانصار، اذ ان درجة الانتماء إلى الأمة الاسلامية كما حددتها الصحيفة كانت تتفاوت بين طبقات سكان المدينة، فقد فرقت بين أصحاب الحق الكامل وبين غيرهم من تابع ونزيل(42). 2- ان المجتمع المديني في عهد الدولة المحمدية، التي كانت الصحيفة دستوره، أي ان نظامه الداخلي مثلما كانت شهادة ميلاد لهذه الدولة، تجاهل وقفز على القبيلة، خصوصاً مع انتشار الاسلام، بفعل الغزوات، حيث اندمجت طوائف وعشائر المدينة في الأمة الاسلامية، وأخذ الاندماج والانتماء إلى " الأمة" يتمان عن طريق " القبيلة"، بما ان القبائل دخلت " الأمة" بتنظيماتها القبلية. وهذا ما جاءت به الصحيفة في البنود من(3) إلى (11) حين عددت الكيانات العشائرية خصوصاً لجهة الانصار، ملثما حرصت على ذكر قبائل اليهود. ولكن ذكر أسماء القبائل والعشائر، يعني ان القبيلة باعتبارها الاطار الاجتماعي الداخلي لهؤلاء المسلمين الذين مازالوا مرتبطين بها، يمكن الاستفادة منها في نطاق تحقيق التكافل الاجتماعي، وبالتالي تكيف الروابط القبلية وفق أهداف المجتمع المديني الجديد، ولأن العلاقات في هذا المجتمع المديني لاتقوم على النسب كما هو الحال في القبيلة، بل أنها تقوم على الاشتراك في القصد والاتجاه، والأهداف لهذه الدولة المحمدية، التي حرم فيها الاسلام الابقاء على العصبية القبلية والعشائرية. " ان التكافل الاجتماعي يحتم على العشيرة أن تعين أفرادها. ومن ذلك اذا قتل فرد منها أحداً خطأ فأنها تدفع دية القتيل بالتضامن بين أفرادها، وقد كان ذلك متعارفاً عليه في الجاهلية فأقرته الوثيقة لما فيه من التعاون:" على بعثهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى" أي على شأنهم وعاداتهم من أحكام الديات: وكذلك تعيين العشيرة الأسرى بين افرادها بمفاداتهم بالمال" وهم يفدون عانيهم- أي الاسير، بالمعروف". كما أكدت الوثيقة على المسؤولية الجماعية، وأعتبرت سائر المؤمنين مسؤولين عن تحقيق العدل والأمن في مجتمع المدينة. أن أهمية ذلك كبيرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم/ لم يشكل قوة منظمة كالشرطة لتعقب الجناة ومعاقبتهم(43). 3- ان المجتمع المديني في المدينة الذي قوامه الدستور / الصحيفة، شرع مبدأ القصاص والأخذ بالعقاب، بدلاً من حق الأخذ بالثأر، كما كان في القبيلة. ان انتقال حق التأديب إلى الجماعة بدلاً من الفرد يمثل نقلة نوعية في حياة هذا المجتمع المدني الوليد، الذي أصبح يسود قانون العقوبات، والتشريعات والقوانين التي تنظم عمل وحياة المجتمع والدولة. وهذا يشكل تخطيها جدلياً لحق الأخذ بالثأر على المستوى الفردي في المجتمع القبلي، مثلما ان هذا الانتقال النوعي جَنَّبَ هذا المجتمع المديني الوليد الوقوع في أتون الحرب القبلية الداخلية. 0 ونظرا لكون الحدود على الجرائم مصدرها الله تعالى، لذلك فإن السعي إلى تطبيقها واجب ديني على المؤمنين، وهذا يكسب الاحكام قدسية ويعطيها قوة كبيرة، ويمنع ماينشأ في نفوس بعض الناس من الرغبة في تحديدها والخروج عليها كما يحدث في ظل القوانين الرفيعة. ان اهتمام الوثيقة بابراز دور المؤمنين يتضح من البند رقم(13) والبند رقم (31) حيث ينص البند (13):" وان المؤمنين المتقين ايديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو أثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم". فهي تعتمد على المؤمنين في الأخذ على يد البغاة والمعتمدين والمفسدين والمرتشين، ومعنى (دسيعة ظلم) أي طلب عطية من دون حق "(44). وتخصيص المتقين بتحمل المسؤولية لأنهم أحرص من سواهم على تنفيذ الشريعة لكمال ايمانهم ولأن من اتصف بأصل الايمان قد يرتكب الحرام فيبقى ويخالف الحدود فيمنع من ذلك (45). أما البنذ رقم (21) فنصه: " ومن اعتبط مؤمناً فتلاعى بيته فانه قود به "أي أن من قتل بلا جناية كانت منه ولا جديدة توجب قتله، فإن القاتل يقاد به ويقتل إلا إذا اختار أهل القتيل أخذ الدية بدل القصاص أو وقع بينهم العفو سواء اختار أهله القتل أو الدية فان المؤمنين كافة- بضمنهم أهل القاتل- يتعاونون في تطبيق الحكم عليه وعدم حمايته مهما بلغت درجة قرابته لهم اذ" لايحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر ان ينصر محدثاً أويؤويه، وان من نصره أو آواه، فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل"(46). 4- ان المجتمع المديني الجديد هو مجتمع تعددي، حيث تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين، وحيث أصبح الناس الذين يعيشون فيه تحكمهم علاقات انتماء جديدة، أنها علاقات انتماء إلى" الوطن" الذي يحتم على كل المندمجين فيه رابطة الولاء الوطنية، ومايترتب عليها من حقوق الموالاة الوطنية، ومن تضامن المسلمين والمؤمنين على قاعدة تحقيق الوحدة الوطنية، في نطاق مواجهة التهديدات والاخطار الخارجية التي تهدد سلامة الدولة المحمدية في المدينة، التي هي في حالة حرب مع قريش. ومن ذلك ما أكدته الصحيفة:" وان المؤمنين بعضهم موالي لبعض دون الناس"، وان بينهم النصر على كل من دهم يثرب". و" ان المؤمنين يسيء بعضهم عن بعض بما نال دمائهم في سبيل الله" ويقر البند رقم (17):" ان سلم المؤمنين واحدة لايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله الا على سواء وعدل بينهم" ومسؤولية اعلان الحرب والسلم لايقرره الافراد بل النبي صلى الله عليه وسلم/ فاذا أعلن الحرب فان سائر المؤمنين يصبحون في حالة حرب مع الخصم ولايمكن لفرد منهم مهادنته لأنه مرتبط بالسياسة العامة للمؤمنين كما أن عبء الحرب لايقع على عشيرة دون أخرى بل ان الجهاد فرض على جميع المؤمنين وهم يتناوبون الخروج في السرايا والغزوات " واذا غازية غزت يعقب بعضها بعضاً" بند رقم (18). 5- أما الطرف الثاني في المعاهدة، هم اليهود فقد أوضحت الصحيفة موقف المسلمين من يهود المدينة، من خلال تأكيدها على احترام العقيدة الدينية، وعلى اعطاء اليهود حريتهم الدينية في المدينة " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم ". وفي هذا الموقف، لم يشترط دستور المدينة على اليهود الدخول في الاسلام مقابل بقائهم في المدينة، بل ان المعاهدة تنص على التعددية، وبالتالي تؤكد على قبول التعايش السلمي بين المسلمين واليهود. ولما كانت المعاهدة تنص على ان المسلمين في حالة حرب مع قريش، فقد قررت الصحيفة عدم جواز لليهود من أهل يثرب أن يساعدوا قريش" وانه لاتجار قريش ولا من نصرها" كما أكدت الصحيفة على الزام اليهود بموالاة المسلمين وعدم التآمر عليهم، مثلما أفسحت لهم في المجال الدخول في الاسلام للراغبين منهم" وانه من تبعنا من يهود فان له النصر والاسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم". فالصحيفة أشركت اليهود في الدفاع عن المدينة بدون تفرقة، وبما أن اليهود في حالة تبعية للمسلمين في سياق الحرب ضد قريش، فانه يباح لهم أن يجلسوا على نفقة اشتراكهم مع المسلمين في الحرب"وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين". " وان على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ان بينهم النصر على من حارب هذه الصحيفة، وان من بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم". غير ان يهود بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، نقضوا المعاهدة التي بينهم وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأظهروا روح عدوانية للاسلام والمسلمين خصوصاً بعد غزوة بدر، وأخلوا بالأمن داخل المدينة، وحاولوا قتل الرسول( بني النضير) الذين هددتهم قريش بالحرب" أن لم يقاتلوا الرسول، فاستجاب بنو النضير لهم وعزموا على الغدر، فاستحق اليهود الجزاء جراء خيانتهم جميعاً في معارك الدفاع المشترك عن المدينة، باعتبارها عاصمة الدولة المحمدية، ونقضهم للمعاهدة عن طريق غدرهم بالمسلمين، واخلالهم بدستور المدينة الذي ارتضوه حينئذ حكم النبي باجلاء اليهود عن المدينة. لقد أكدت الصحيفة على ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو حاكم المدينة والمرجع لنبي" ارتضاه أهل الصحيفة ليرعى الالتزام بها ويفرض أحكامها، وبالتالي يفض في الخلافات بين المؤنين والمسلمين بعضهم مع بعض، أو بينهم وبين اليهود، بقوة أهل المدينة جميعاً. وهكذا توجه الخطاب للمؤمنين-" وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فان مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد ". ثم تؤكد الخطاب لليهود" فانه ما كان بين هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فان مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم/ وان الله على ما اتقى ما في هذه الصحيفة وأبره". تمثل الصحيفة دستوراً وضعياً للمجتمع المديني الوليد، وللدولة المحمدية، سواء بسواء. وهي بمنزلة نظام داخلي لجماعة المؤمنين والمسلمين في شؤون الجنايات والحرب خاصة، من جهة، ومعاهدة بين الرسول وبين اليهود من جهة ثانية" معاهدة حربية بالأحرى"، وهي تمثل في جانب ثالث " عقدا اجتماعياً تأسست عليه دولة الدعوة المحمدية، باعتبارها عقداً حربياً على حد رأي الدكتور محمد عابد الجابري. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |