|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني بدأ في العصر الأموي بالظهور ما يمكن تسميته بالمجتمع المدني، وذلك لتبلور دولة " الملك السياسي" بوجه خاص، التي أعاد معاوية تأسيسها تأسيساً جديداً بعد حروب الردة أولاً، ثم حروب الفتوحات الكبرى ثانياً، وتبلور ظاهرة التنوع والتعدد في المجتمع للعربي الاسلامي مع مارافقتها من بدء الخلافات الفقهية، وبدأ" التأويل " ثالثاً، ولتبلور الحقل السياسي، أو المجال السياسي بوجه عام. ويقول الدكتور الجابري بهذا الصدد : اذا نحن نظرنا إلى الدولة بوصفها ظاهرة سياسية أولاً وقبل كل شيء، فأننا سنجد أن" ملك " معاوية كان فعلاً " دولة السياسة" في الاسلام، الدولة التي ستكون النموذج الذي بقي سائداً إلى اليوم. ونحن عندما نصف" ملك" معاوية بأنه " دولة السياسة" فأننا لانقصد بذلك تلك المظاهر التي عرف بها سلوك معاوية، من الدهاء والحلم والقدرة على المفاوضة، ومايعرف ب" شعرة معاوية " فان هذه المظاهر، على أهميتها وإيجابيتها من الناحية السياسية، تبقى مما ينتمي إلى السلوك الشخصي، وليس إلى بنية الدولة. أننا نقصد بذلك أن معاوية قد أوجد بالفعل من خلال سلوكه الشخصي كسياسي محنك، وبفعل التطورات الاجتماعية التي حصلت في عهده مايعبر عنه علماء الاجتماع والسياسة اليوم بـِ" المجال السياسي"(1). والحقل السياسي، أو المجال السياسي، يشمل الدولة باعتبارها تعبيراً سياسياً وحقوقياً عن علاقات الانتاج، ويشمل السلطة والمعارضة في آن معاً، ويشمل كذلك سائر التيارات السياسية والاتجاهات الفكرية التي تغذيها. هذاالتبلور مؤشر على تبلور حقول أو مجالات المجتمع المدني الأخرى القاعدية إذا أصح التعبير، المجال الاقتصادي، والمجال الاجتماعي، أو لنقل المجال الاقتصادي -الاجتماعي، والمجال الثقافي، والمجال الايديولوجي، وان كنا نسقط هذا المفهوم على الحياة الفكرية في ذلك الزمان، وأخيراً المجال السياسي. أن طابع العلاقة بين هذه المجالات أو الحقول، هو الذي يحدد سمات المجتمع المدني. ويمكن القول أن المجال السياسي"( ونحن هنا نستعير هذ المفهوم من الفكر السياسي الغربي، حيث أن المجال السياسي ظهر مع نشوء النظام الراسمالي، وانجاز الثورة الديمقراطية البراجوازية، وانقسام المجتمع إلى بنيتين، بنية فوقية قوامها أجهزة الدولة،، ومؤسساتها والايديولوجيات المرتبطة بها، وبنية تحتية تمثل القاعدة الاقتصادية التي تشكل الصناعة عمودها الفقري)، باعتباره النتاج الأعلى للحقول الأخرى، هو الذي يحدد طابع المجتمع، وهو الذي تتركز فيه سائر المجالات الأخرى، وهو يبدو للوهلة الأولى مجرداً من ملامحه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بمعنى آخر أن السياسي هو الاقتصادي وقد ضمر فيه طابعه الطبقي المباشر، وأصبح أكثر تجريداً وغموضاً. ولما كان للحقل السياسي أو المجال السياسي هذه الأهمية، بات من الضروري أن نفرز هذا في هذا الحقل، مجال الدولة، ومجال السلطة، ومجال المعارضة. فالمجتمع المدني لايحقق توازنه واتساقه الا بتوازن هذه المجالات واتساقها، كذلك من المهم أن نتساءل عن طبيعة الدولة الأموية بدلالة العلاقة بين السلطة والمعارضة. أن طابع الدولة وطابع نظام الحكم يتحددان بالعلاقة بين السلطة والمعارضة، تلك العلاقة التي يمكن ان تجعل من الدولة أما دولة استبدادية حصرية تقوم على اقصاء المعارضة ونفيها، أو دولة تعددية يجري في مؤسساتها صراع اجتماعي - سياسي مفتوح يسمح بتداول السلطة سلمياً. وهذا الشكل الثاني لم يكن معروفاً بالتاريخ السياسي العربي، لاسيما منذ تولي معاوية السلطة، وتحويله الخلافة إلى ملك عضوض". وهكذا انقلبت الخلافة ملكاً لما انغمس العرب في النعيم بكثرة الغنائم والفتوح، اصبحت طبيعة الظروف الجديدة تفرض" الانفراد بالمجد واستئثار الواحدية" وكان ذلك على عهد معاوية. ولذلك فان ماحدث في عهد معاوية من مظاهر الملك لم يكن باختياره أو تدبيره، فلم يكن في امكانه" أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه، فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها. ولو حملهم معاوية على غير تلك الطريقة وخالفهم في الانفراد بالأمر لوقع في افتراق الكلمة التي كان جمعها وتاليفها أهم عليه من أمر ليس وراءه كبير مخالفه" (544 ج2) (2). لاشك ان معاوية قد حول الخلافة إلى ملك، والملك كما يقول أبن خلدون هو الحكم الطبيعي حيث الحاكم بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم"، واقام الدولة السياسية العقلانية ولكن ينبغي التحرر من اطلاق هذا الحكم، ذلك ان السياسة كانت ماتزال مثقلة بأشكال سياسية ماقبل دولتية، وبعلاقات سياسية ما قبل دولتية. صحيح ان دولة معاوية تمثل نقلة نوعية لجهة انبثاق فيها مجال خاص تمارس فيه السياسة كسياسة، ومشروعه السياسي كانا يدفعان بالمجتمع نحو التقدم، الا أن بنى المجتمع وطابع الصراعات الاجتماعية والسياسية كانت تفرض عليه التوسل بالعلاقات القبلية، والنزاعات مابين القبائل لتحقيق ضرب من التوازن السياسي يضمن توطيد حكمه. فقد استقوى مثلاً بقبائل الجنوب ليعوض أو يتلافى انفضاض بعض قبائل الشمال عن حكمه، واصطفافها خلف المعارضة السياسية. لقد تغير الوضع تماماً مع الدولة الأموية. وكان انتصار معاوية على علي يمثل، حسب تعبيره هو، انتصارا ل" أهل الجزاء.. والغناء" في الأعمال والوظائف " على أهل الاجتهاد، والجهل بها". وباصطلاحنا الخاص لقد انتصرت " القبيلة" على" العقيدة": في القمة انتصر مروان بن الحكم على عمار بن ياسر(بوصفهما رمزين) وفي القاعدة انتصرت " قريش" على" السبئية". وهكذا حكم معاوية باسم " القبيلة " وليس باسم" العقيدة" فانفصل في شخصه " الأمير عن" العالم"، وامتد ذلك إلى اجهزة الدولة فصار " الامراء" فريقاً و" العلماء " فريقاً أخر. هذا في القمة، اما القاعدة التي كانت تؤطرها القبيلة " فقد انقسمت زمن الفتنة إلى معسكرين: معسكر قريش، ومعسكر " العرب"( من اليمن وربيعة) وعلى رأسه علي، وبينهما أفراد وجماعات قررت اعتزال الفتنة. وبانتصار معاوية صارت القبائل التي قاتلت معه وانضمت اليه هي وحدها" الجند " وقد بلغ تعدادها ستين الفا، أما المجموعات التي قاتلت ضده، فقد أصبحت هي والتي كانت متمردته أو معتزلة، أصبحت " رعية" وهكذا انقسمت القاعدة " بدورها إلى جند ورعيته"(3). ان المضمون الواقعي والتاريخي لدولة معاوية باعتبارها دولة كلية، يتمثل في اتخاذها عصبية قبلية بني أمية بخاصة، واتخاذ القبيلة بوجه عام اطاراً لتوليد وتبلور الطبقة الارستقراطية الجديدة واعادة انتاج البنية القبلية، كبنية اجتماعية وسياسية، حيث دخلت العلاقات القبلية في السياسة، على أنه لا يمكن الزعم بان معاوية باعتباره رمزاً للسلطة الأموية قد استبعد المعارضة كلياً من مجال العمل السياسي، ومجال السلطة، بل أنه وضع نفسه في مركز السلطة، وفي موقع السيطرة على التراتبات الاجتماعية من جهة، وعلى التعارضات القبلية والاقوامية والطبقية في تجلياتها السياسية من جهة أخرى. وهو معروف ب" العقد السياسي " الذي اقترحه على خصومه السياسيين بعد ان انتصر عليهم بالقوة، فضلاً عن عدم قطعه قنوات التواصل مع الآخرين (شعرة معاوية)، وعدم استبعاده المعارضة السياسية الا تلك التي كانت لاتقبل باقل من اقصائه عن الحكم. فَـ" المرويات عن معاوية من أقوال وأفعال تشير إلى الطابع السياسي" لحكمه هي من الكثيرة والتواتر بحيث لايستطيع الباحث الا أن يقبلها في جملتها ويعتبرها تعكس واقعاً كان قائماً بالفعل. يؤكد ذلك ماعرفه العصر الأموي عموماً من حرية التفكير والتعبير طالت شرعية الحكم الأموي نفسه، هذه الشرعية التي جعلها المعارضون للأمويين، من محدثين وفقهاء وغيرهم موضوع " كلام" ونقاش مما اضطر معه الخلفاء الأمويون وولائهم وانصارهم إلى الدفاع عنها ب" كلام " مضاد، فربطوا القوة والغلبة اللتين انتزعوا بهما السلطة بارادة الله وصادق علمه أي بقضاءه وقدره، ناشرين بذلك أيديولوجيا جبرية" عقيدة " اتخذوا منها غطاء لسلوكهم، مما أفسح المجال في، في أطار " الليبرالية الموروثة" من" سياسة معاوية"، لقيام أيديولوجيا مضادة نشرتها حركة تنويرية حقيقية، تستحق هذا الاسم فعلاً... على أنه اذا كان " العقد السياسي " الذي اقترحه معاوية وطبقه بصورة واسعة، على الأقل في مجال " المواكلة"، والاشراك في " الغنيمة" (العطاء السياسي) والتعامل مع الخصوم السالكين مسلك المعارضة السلمية بهذا النوع من" الليبرالية" قد فتح الباب أمام قيام " مجال سياسي " تمارس فيه الحرب ضد الامير بواسطة" الكلام " أي السجال الايديولوجي، فانه لامعاوية ولا حلفاؤه من بعده استغنوا عن" القبيلة". نعم لقد مارسوا فيها" السياسة " كما سنرى ولكنهم لم يعملوا على تجاوزها. والمجال السياسي لايستحق هذا الأسم الا اذا كان هناك اختراق " القبيلة". وقد حصل ذلك فعلاً، ومنذ عهد معاوية، ولكن لا من طرفه هو، بل من طرف خصومه. ومن هنا العامل الثاني في انبثاق المجال السياسي في الدولة الأموية(4). لقد شكل الخطاب السياسي الجديد في ذلك الحين ممثلاً بمجموعة الخطب والآراء التي صدرت عن معاوية، مثل شعرة معاوية المشهورة، حين قال ذات يوم" لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. قيل وكيف ذلك؟ قال: كنت اذا مدوها خليتها واذا خلوها مددتها "، نقلة نوعية في تطور العقل السياسي العربي، ففي تلك الخطب والأفكار، تبدو جملة المقولات السياسية، وجملة القواعد والمبادئ العقلانية التي اعاد ميكافيلي بنائها بعد مايقرب من تسعة قرون. فمعاوية على سبيل المثال كان يحرص ان يكون مَهِيباً، أكثر من حرصه على ان يكون محبوباً. أذا كانت علاقة السلطة بالمعارضة تحدد طابع الدولة، فهل كان وضعية الاقصاء المتبادل والصراع التعادمي أو التنافي بين السلطة والمعارضة في عهد معاوية، تقع مسؤوليتها على الدولة أم على المعارضة؟ فمع الانشقاق الاسلامي الأول في صفين، تبلورت ثلاثة تيارات أساسية ملئت الحقل أو المجال السياسي: تيار معاوية أو الحزب الأموي، وتيار علي أو حزب الشيعة، وتيار الخوارج. وقد كان الصراع بين هذه التيارات في لحظته الأولى واضحاً وعارياً، باعتباره صراعاً على السلطة، يحمل في ثناياه سائر التعارضات الاجتماعية، ومن أبرزها في ذلك التعارضات القبلية. وتجدر الاشارة في هذا الصدد، بروز ظاهرة انفصال الامراء عن العلماء، حيث أظهرت فئة جديدة من الفقهاء والمحدثين والمفسرين، اعتزلت الصراع حين كان محتدماً بين علي ومعاوية، وبالتالي اعتزلت القبيلة. وقد أصبحت هذه الفئة الجدية تمثل قوة مؤثرة في الراي العام، وازداد دورها بالاتساع في الوقت الذي أصبحت فيه تناقش القضايا السياسية والدينية خارج أطار " القبيلة ". "إنه شكل من أشكال اختراقها" وكان لها دورها في قيام مجال سياسي/ ديني مستقل. وهذه الفئة، أخذت تبرز منذ عهد معاوية" كقوة اجتماعية تحظى باحترام الناس ويخصها الخليفة بالعطاء وكان اعضاؤها يرتبطون فيما بينهم بروابط المهنة( قراءة القرآن، التعليم، الوعظ، القصص..... الخ) التي تعززها روابط المصلحة (عطاء الخليفة خاصة")، وهي روابط مستقلة عن إطار القبيلة وقد استقطبت هذه الفئة عدداً من العلماء والاشراف والتحق بها عدد من الموالي، أما رغبة في التعليم وأما بدافع المصلحة. وقد كان لفئة القراء" دور سياسي بارز في كثير من الاحداث، تناصر تارة هذا الفريق وتارة الفريق الآخر، صادرة في ذلك، لا عن مفعول القبيلة بل عن حوافز دينية أو اعتبارات مصلحية، لنضف في هذا الا طار ما كان يتمتع به القضاء من استقلال زمن معاوية وخلال العصر الأموي عموماً " (5). ومع استتباب الأمور لمصلحة معاوية، قامت هذه التيارات الانفة الذكر بنقل الصراع السياسي إلى الحقل الايديولوجي، فتمذهبت التيارات السياسية، وفتحت احتمالات وامكانية التعدد المذهبي في الاسلام. وقد قدم التأويل والقياس وغيرهما من مبادئ العقل البياني حسب الدكتور الجابري العدة الايديولوجية تعبيراً عن انتصار معاوية، ورضوخ خصومه، واذعانهم. واتخذت المعارضة في أهم جوانبها اذا استثنينا الخوارج معارضة في الحقل الايديولوجي، والدين . فكان تكفير الخصم وإخراجه من ملكوت الملة الناجية هو التعبير عن الرغبة في اخراجه من السلطة. لذلك لم يكن الصراع الايديولوجي بأشكاله المذهبية والقبلية سوى شكل ايديولوجي للصراع السياسي، أخرج الصراع من أطره الواقعية العقلانية إلى أطر غير عقلانية، وسمت الفكر والسلوك سواء في صفوف المعارضة أو في صفوف السلطة. ان السياسة باعتبارها المستوى الأعلى والارقى في بنى المجتمع، أو هي البيئة العليا بامتياز تتسق مع منطق التاريخ وايقاعه الداخلي بما هو توقيع الممكنات، أي تحويل الممكن إلى واقعي، ونقل الصراع الاجتماعي بكل اشكاله وتلاوينه من المستوى السياسي إلى المستوى الايديولوجي، هو نكوص من العقلانية إلى اللاعقلانية، تستوي في ذلك أطراف الصراع على اختلاف في النسب والدرجات... فالصراع على السطة عل سيبل المثال بين علي ومعاوية حسمته في الحقل السياسي نسبة القوى وليست الخديعة وأسطورة التحكيم، الا اذا اعتبرنا ان عملية التحكيم هي القشة التي قصمت ظهر البعير، والتي تعطينا تعليلاً بسيطاً ومريحاً لانتصار طرف على طرف آخر... ومن هذا المنظار فان معاوية قد انتصر بحكم التاريخ، وليس بحكم الخديعة والاحتيال( والقلا- قلا). فهل يمكن لخديعة أن تصنع التاريخ؟ الا ان سائر أطراف الصراع في صفين كانت مضطرة بعد ذلك إلى تسويغ وضعيتها أيديولوجيا، من خلال اعادة انتاج الصراع في مستوى أدنى من مستوى السياسة العقلانية، مستوى تغلب عليه الرغبات والمشاعر واحكام القيمة، والتعليلات الغير منطقية، والتي تدخل فيها في كثير من الاحيان قوى وعناصر غيبية. إنه من العسف بمكان أن نوسم معارضة ما أو سلطة ما باللاعقلانية على الاطلاق، فسلوك السلطة يتحدد بقوة المعارضة، وسلوك المعارضة يتحدد بقوة السلطة. والدولة تكتسب ملمحها وخصائصها وتبني مؤسساتها في ضوء هذه العلاقة، التي هي غالباً علاقة غير مباشرة، أو ضمنية. ولكن حين تسقط اللسطة في عسفها، وتعمد إلى تصفية المعارضة جسدياً تنزع الدولة إلى الاستقلال أكثر فأكثر ليس على المجتمع فحسب، بل عن الفئة الاجتماعية التي أنتجتها، ويعاد انتاج الحقل السياسي الدولتي بمعزل عن مستويات المجتمع الأخرى، وتلك هي سمة الدولة الاستبدادية. وبالمقابل تتخذ المعارضة شكلين متكاملين، شكل العنف المطلق وتكفير السلطة والنزوع إلى تدميرها والغائها كلياً، أو شكل القعود والانكفاء على الذات وانتاج ايديولوجيا معارضة أبرز سماتها اللاعقلانية والباطنية، والتقية. وعلى هذا الأساس يمكن القول أن تقدم المجتمع وازدهاره يقاسان بوضعية المعارضة فيه لأن المعارضة مكون أساس من مكونات المجتمع المدني، والمجتمع الذي يلغي المعارضة السياسة أو يقبل بالغائها إنما يلغي ذاته أو يقبل بالغاء ذاته، ويبسلم نفسه لغول السلطة. * أهم قسمات المعارضة في العهد الأموي وخصائص الدولة الأموية أن الدولة الأموية قامت على أساس سياسة عقلانية، أي على اساس دولة السياسة في الاسلام، حيث أن القبيلة لا العقيدة هي التي قامت بدور محدد للممارسة السياسية في العصر الأموي- وكانت بنية هذه الدولة بنية قبلية، ف" القبيلة " في العصر الأموي لم تكن تؤطر سوى الفاتحين العرب، وهم وحدهم كانوا" أهل الدولة" وممارسة السياسة في" القبيلة " كانت تتم في صفوف هؤلاء وليس خارجهم. واذا نحن اردنا أن نجسم المسألة تجسيماً قلنا: لقد كان هناك " جند" وهم الفاتحون العرب، أصبحت له دولة، فالدولة كانت دولة الجند ولم يكن الجند الدولة. هذا بينما كان الوضع في عهد الخلفاء الراشدين يختلف تماما كانت هناك دولة، هي دولة الدعوة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وخلفها عليها الاربعة الراشدون، وكان لهذه الدولة جيش يتألف في بداية الأمر من المتطوعين من المهاجرين والانصار ثم منهم ومن قريش وغيرها ممن اسلم بعد فتح مكة إلى نهاية حروب الردة. وعندما جنّد عمر بن الخطاب القبائل للفتح كانت هذه القبائل جنداً لدولة المدينة. غير ان الثورة التي قامت ضد عثمان وانتهت بالحرب بين علي ومعاوية قد غيرت الوضع تماماً. ان مقتل عثمان كان بمثابة عقد وفاة لدولة المدينة التي كان لها " جيش" والحرب بين علي ومعاوية كانت حرباًَ أهلية داخل جيش دولة المدينة، فانتصر فريق على فريق واقام الفريق المنتصر من هذا الجيش دولته. لم يكن من الممكن أن تبرز هذه الدولة" دولة عسكرية" من نوع دولة بختنصر أو الاسكندر، لأن الجيش الذي اقام دولته زمن الامويين لم يكن جيشاً محترفاً وانما كان مجموعة من القبائل المجندة"(6). وعلى الرغم من ان دولة الدعوة المحمدية قامت على أساس العقيدة، حيث ان الاسلام جاء ليحقق العدل الاجتماعي وينصف الفقراء والمعدمين من استغلال الطبقة التجارية الاحتكارية السائدة في مكة، الان ان المغزى العام للتاريخ في العصر الأموي هو تكوين الدولة الامبراطورية، التي استلم التجار المكيون أنفسهم قيادة هذه الدولة، بسبب نضج الظروف والشروط لولادة هذه الدولة المركزية، حيث أعاد معاوية توحيد الفئات الغنية التي تركزت ثروات هائلة في ايديها، مع تضافر عنصر الغنيمة في مرحلة حركة الفتح المتنامية. و" لقد تمثلت النقلة النوعية في التطور بتركيز سلطة مركزية آخذة في التحول إلى طبقة ارستقراطية شبه اقطاعية. تلك السلطة وتلك الطبقة هي ما يطلق عليه اسم الاقطاع المركزي أو ما يمكن أن نطلق عليه اسم اقطاع الدولة المركزي .... ان تطور تقسيم العمل، تطور الحرف كما ونوعاً، وتطور التجارة وكافة وجوه الاقتصاد النقدي، وكذلك تطور الزراعة بتحسين وسائل الري، وتطور السلطة المركزية مؤسسات واجهزة وجيشاً وادارات، ان كل ذلك قد شكل دفعاً هاماً للانقسام الطبقي والاجتماعي على حساب المشاعية القبلية. وقد أدى ذلك إلى حدوث اختلال هام في الاساس المادي للقبيلة المشاعية ألا وهو الملكية المشاعية الجماعية الا أنه، أي التطور، لم يستطع أن يحسم المعركة معها ولا أعدمها أساساً مادياً تستند إليه، لأنه غالباً ما ترافق التطور مع استمرار لون من الملكية الجماعية للأرض أو نوع من الكيان الاقتصادي الاجتماعي المميز والذي يشكل الأساس المادي لظهور نوع جديد من الانقسام القبلي (ديار بكر ديار ربيعة).(7). لقد أعاد معاوية انتاج البنية القبلية، وعمل على تطوير اقطاع الدولة المركزي، الذي كان يزاوج بين الاقتصاد النقدي، وبين الاقطاع الزراعي، وحول الأراضي التي كانت ملكاً للدولة الاسلامية إلى ملكية خاصة استفاد منها أخص أقربائه وبطانته الذين تحولوا إلى كبار ملاكين عقاريين، التي تشكلت منهم الارستقراطية الاقطاعية الجديدة. كما اتسمت مرحلة معاوية بالتنابذ القبلي، وانعكس ذلك في تفاقم التناقضات الاجتماعية الطبقية " التي تراوحت أشكالها بين الصراعات القبلية أو صراعات القبائل المستضعفة مع السلطة، وبين الصراعات الاجتماعية الأكثر قرباً من الطبقة حين اتخذت شكل مقاومة لفساد السلطة المتمثل باستغلال الخلافة لتحويل الأموال والأراضي العامة إلى ملك فردي وامتياز طبقي". ومع تبلور وتطور اقطاع الدولة المركزي، حين فرض الامويين الخراج على الذين يسلمون من غير العرب متجاوزين بذلك المبدأ القائل:" ان الجزية والخراج حقان أوصل الله سبحانه وتعالى المسلمين إليهما من المشركين " وحين أعادوا الكثير من الضرائب التي كان يرهن بها اقطاع البلاد المفتوحة كاهل الفلاحين قبل الفتح الاسلامي مما دفع هؤلاء لاستقبال المسلمين استقبال المحررين، وحين اضافوا إلى هذه الضرائب ضرائب جديدة"(8). هذه التناقضات الناشئة في ظل البنية المركبة للدولة العربية انتجت آليات مركبة للصراع، استمرار الصراع القبلي أو المنابذات القبلية، وظهر الصراع القومي، وظهرت التيارات والاحزاب الاسلامية الخالصة، التي شكلت جميعها قوة معارضة للحكم الأموي. ولما كان الطابع القومي للدولة الأموية محكوماً بعاملين أساسيين أولهما مستوى الوعي الاجتماعي العام والثاني درجة التدامج القومي والاجتماعي، واذا أضفنا إلى ذلك العقلانية السياسية المنقوصة للدولة الأموية، بحكم موقف السلطة من المعارضة، فان النزعة القومية يمكن أن تتحول إلى نزاع أقوامي، اذا افتقرت إلى وعي مناسب بذاتها، واذا افتقر مجتمعها إلى الاندماج القومي، واذا كانت من أشكال المعارضة التي عملت خارج حقل السلطة، واتخذت مظهراً ايديولوجيا تحولت فيما بعد إلى مظهر سياسي مباشر، أي تحولت إلى قوة معارضة للدولة الأموية، هي التالية: أولاً، حزب الخوارج لقد قامت هذه المعارضة بأسم المبادئ الاسلامية وتحركت باسم" العقيدة". وعلى الرغم من أن الخوارج كانوا اقرب إلى تمثيل النزعة القبلية، ذلك أن علي بن أبي طالب كان يلقبهم بأنهم " اعاريب بكر وتميم"، الا أنهم كانوا ينادون بمبدأ الانتخاب الواسع، من خلال رفعهم شعارهم الشهير " لاحكم الا لله". فعلى نقيض ما كانت تقوم به القبيلة من حيث تأثير فعلها على صعيد الاشراف ورجال الدولة الأموية، أي على صعيد المجتمع السياسي، كان مفعولها على صعيد المجتمع أقل تأثير، بحكم تبلور المجال السياسي باعتباره تعبيراً عن تبلور المجتمع المدني، حيث ان عناصر هذا المجال السياسي هي ثلاث: الدولة، السلطة، والمعارضة. وبالفعل فقد تحركت هذه المعارضة السياسية للدولة الأموية في اطار هذا المجال السياسي، وتلونت بألوان المجتمع المدني الناشئ، والمتنوع، بدلاً من ان تتحرك في اطار " القبيلة"، والحال هذه ظهر الخوارج كتحالف (لاقبلي) ضد قريش القبيلة، وكان لابد لهم لتبرير هذا " الخروج" عن قريش من اقرار مبدأ يتجاوز مبدأ الايمة من قريش" فقالوا في البداية: الخلافة حتى لكل عربي حر، وعندما أخذت تلتحق بصفوفهم جموع من الموالي طوروا مبدأ هم هذا فجعلوا منصب الخلافة من حق كل مسلم عادل، حرا. كان أو عبدا... وهكذا أثار الخوارج بمواقفهم مسائل لم تكن قد اثيرت من قبل. ان شعار " لاحكم الا لله" قد صار يحمل مضمونا أخر عندما ترجم إلى الشعار " الأمر شورى والبيعة لله عزوجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ثم إلى مبدأ الخلافة لكل مسلم عادل" وهو المضمون الذي انتقل بمسألة الحكم من اطار " القبيلة إلى مستوى" العقيدة"، وبذلك حدث نوع من التعالي بالسياسة لم يحدث حتى في مناقشات الصحابة خلال مؤتمر سقيفة بني ساعدة، حيث طغت حجج القبيلة على الحجج الأخرى.. وهذا النوع من التعالي بالسياسة سيؤدي بدوره إلى تسييس المتعالي، إلى طرح قضايا العقيدة، قضايا الكفر والايمان والجنة والنار طرحاً جديداً تؤطره خلفيات سياسية...(9). لقد استمر الخوارج في" ثورة دائمة" حتى سقوط الدولة الأموية". وعلى الرغم من ان ثبات طابع مؤسسات الدولة الأموية كان يسمح لضرب من الصراع الاجتماعي -السياسي في مؤسسات الدولة ذاتها، الا ان معارضة الخوارج بحكم تطرفهم وايغالهم في ايديولوجيتهم التي تربط موقفهم السياسي بالدين، والتي تعالت بالسياسة لتحكم عليها بالدين، عزلت نفسها ذاتيا، مستجيبة لفعل السلطة الأموية الاقصائي، واضفت على ذاتها صفات الحق والمشروعية، من خلال تكريسها ايديولوجيا " التكفير " لكل من سواها. وبذلك قبلت لنفسها بوضعية هامشية ألغت إلى حد بعيد دورها السياسي، وتعلقت بمشروعها السياسي في النطاق الايديولوجي، واقامت حاجزاً بينها وبين غيرها لايمكن اجتيازه. ثانياً : فئة الموالي أما الفئة الثانية من المعارضة التي عملت في حقل السلطة، فهي فئة الموالي، التي اعتبرت أن مجال الصراع السياسي هو مجال الدولة، لذا تشبثت بهذا المجال، وضمنت لنفسها حضورا سياسياً دائماً. فمع انتشار الاسلام بواسطة الفتوحات، تشكلت " طبقة " الموالي، الذين كانوا مسلمين أحراراً، أرادوا أن يحتلوا موقعاً مهماً في الخارطة الاجتماعية. ولما كان المجتمع العربي في العصر الأموي تسيطر عليه الارستقراطية القبلية، وأنواع من السلوك الارستقراطي، فقد كان الموالي يعتبرون، ويعاملون في مرتبة دنيا على مستوى العلاقات الاجتماعية. ففي عهد الدولة الأموية كانت الارستقراطية القبلية تعيش من غنائم انفتاح الاسواق والافاق أمام ثرواتهم وتجارتهم، في بذخ ورغد العيش، بينما كان الموالي محرومين من أي نصيب من الغنيمة، ولذلك انصرف موالي المدن للعمل في التجارة والصيرفة أو بالعلم، في سبيل الحصول على صبوة اجتماعية محترمة، وبالتالي مركزاً محددا في السلطة، وقد انبثق منهم العديد من الكتاب والفقهاء الذين يتمتعون بمنزلة محترمة . ومع ان الموالي شاركوا في القتال، الا ان السلطة الأموية لم تدخلهم في ديوان الجند، لكي يحصلوا على العطاء، لأن القبائل ما كانت لتقبل المساواة بينها وبين الموالي في العطاء، في حين أن الموالي يرون أنهم وحدهم قاموا بالفتوح. وفي نطاق هذا الاقصاء من جانب المجتمع السياسي، تغلغل الموالي في تشكيلات المجتمع المدني الناشئ، من ذلك، أنهم أصبحوا الفئة المسيطرة على الحرف اليدوية والصنايع في المدن، فضلاً عن ان الكتاب في الدواوين كانوا في معظمهم من الموالي. " ومن دون شك فأن بروز الموالي كقوة اجتماعية يحسب لها الأمويون حساباً ويخشون أنضمامها إلى صفوف الخوارج الذين حملوا السلاح ضدهم في" ثورة دائمة" وإلى الشيعة الذين لم يستسلموا ولم يستكينوا بل بقوا يقاومون الحكم الأموي تارة جهرا، وتارة سرا، إلى أن تمكن العباسيون بالتحالف معهم من اسقاطه. لاشك أن بروز الموالي بهذه القوة قد دفع الأمويين إلى سلوك سياسة" ليبرالية" نسبيا مع من كان يكتفي في معارضتهم بالقول دون الفعل متبعين في ذلك سياسة مؤسس دولتهم معاوية. وهكذا ستشهد الحياة الاجتماعية والفكرية تطورات سريعة بالغة الأهمية: فمن جهة سيزداد دور الموالي في الحياة العامة وسيواصلون اختراق " القبيلة" أما بالحلف والموالاة طلباً للمكانة الاجتماعية وأما بواسطة دورهم كـ" خبراء " في التجارة والصيرفة والأعمال الحرة. ومن جهة أخرى ستبرز فيهم نخبة في مجال الفكر والدين والسياسة، وسيلتحق كثير من أعضائها ببلاط الخليفة وحاشية الأمراء وسلك الموظفين، وسيحاولون التأثير في سياسة الدولة. وهكذا سنرى مجموعة منهم يبرزون كـ" انتلجنسيا" للعصر كله، العصر الأموي، هؤلاء الذين جعلوا من" الكلام" في القضايا الدينية وسبيله لممارسة السياسة بواسطة " العقيدة" ضدا على " القبيلة" وايديولوجيتها، فقادوا بذلك حركة تنويرية عكست بوضوح ذلك الصراع الذي خاضته القوى الاجتماعية الصاعدة المضطهدة، ولكن الطموحة، والتي كانت تتألف أساساً من الموالي، حركة تنويرية استطاعت بالفعل أن تخترق سياج القبيلة، وتؤثر في جانب من ارستقراطيتها وتستقطب بعض زعماء القبائل من داخل التحالف القبلي الأموي ذاته، بل أنها استطاعت أكثر من ذلك، أن تفسح المجال لقيام تنظيمات ثورية بعضها فشل وبعضها حقق نجاحاً ما بينما استطاع فصيل منها ان يقوده باسم" العقيدة" ثورة عارمة على " القبيلة" ونظام حكمها " الثورة العباسية" (10). ثالثاً : المعارضة الشيعية درج في التداول السياسي والايديولوجي على الصعيدين العربي والاسلامي ان حزب الشيعة هو حزب اليسار في صدر الاسلام، باعتباره حزبا يمثل العدل الاجتماعي، وباعتباره أيضاً الحزب الأكثر ايغالاً وتشددداً في التمسك بالايديولوجية الاسلامية، ولكنه الاكثر تأويلاً فيها. والمعارضة الشيعية التي شيدت على اساس ميثولوجيا الأمامة، التي تبلورت فكرتها، وجعلت " الخلافة.. لا في أهل البيت بشكل عام فعندئذ تصح خلافة العباسيين، بل في علي وذريته"... أن المرتكز الايديولوجي للمعارضة الشيعية هو ميثولوجيا الامامة أي أن الامام علي هو الامام بعد الرسول محمد.. ويليه الائمة من ذريته بترتيب من الله. من هنا ألهت المعارضة الشيعية الامام علي، وأضفت عليه صفة القدسية والالوهية. ولهذا، فان الامام عند المعارضة الشيعية يتحلى بشيئ من الالوهية ومن طبيعة ألأمور أن يكون طاهرا معصوماً عن الخطا لا أنانياً يستطيع أن يزيل الفساد والظلم في المجتمع الانساني فمن غير الممكن التصور أن الله لايريد اماما كهذا لأن مثل هذا التصور يدل على ان الله لايهتم بازالة الفساد"(11). ومن هنا تبلورت نظرية الغلاء في النبوة والالوهية، وفكرة المهدي، باعتبارها ايديولوجيا المساكين والمحرومين، والضعفاء الذين لايملكون القدرة على رفع الظلم المسلط عليهم، فيحولون عزاءهم وخلاصهم من اليأس والفشل والسقوط إلى عملية انتظاريه تأملية لفكرة المهدي المنتظر الذي يبعثه الله" ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً " ويقول الدكتور الجابري في هذا الصدد. ان فكرة " المهدي" ليست فكرة دينية وانما هي وسيلة لرفض الهزيمة والانهيار، وسيلة للتمسك بالأمل. ان الضعفاء وبسطاء الناس يربطون مطامحهم وآمالهم بأشخاص،" رموز " التمسك بالأمل والرجاء في التخلص من الظلم يقتضيان التمسك بالرمز بعناد.. ان الغلو وميثولوجيا الامامة منظورا اليهما من هذه الناحية يقدمان نموذجاً ناطقاً عن عناء الضعفاء على صعيد مخيالهم الاجتماعي الديني واصرارهم على رفض السقوط النهائي. أنها" اللاعقلانية" التي يواجه بها الضعفاء المنهزمون عقلانية الأقوياء المنتصرين.. في كل زمان"(12). ولالشك أن المعارضة الشيعية التي استقطبت المستضعفين، وخاصة منهم عمار بن ياسر وابي ذى الغفاري والمقداد) ومن المحرومين، ومن اللامنتمين( خارج القبيلة) قد عبئت المخيال الاجتماعي الديني لهؤلاء الضعفاء على أساس" العقيدة"، وايديولوجية " العلم بالغيب"، باعتبارها ايديولوجية المحرومين. وفي الواقع كانت ممارسة المعارضة على أساس العقيدة اختراقاً كبيراً لـ" القبيلة" التي شكلت عماد الدولة الأموية. ولكن المعارضة الشيعية مارست سياسة المعارضة خارج نطاق السلطة والدولة في آن معاً، وبالتالي مارست سياسة الاقصاء، والضدية النافية والتعادمية للسلطة الأموية. وبذلك مارست المعارضة الشيعية السياسية بواسطة ايديولوجية" ميثولوجيا الامامة" ضد الدولة الأموية وايديولوجييتها الجبرية، أي ايديولوجية القبيلة". والمعارضة الشيعية التي رفضت اعتبار مجال الصراع السياسي هو مجال الدولة، كانت معنية بانتاج خطاب سياسي متوغلاً في الايديولوجية، الأمر الذي جعلها تغلب مشروعها السياسي في النطاق الايديولوجي، من خلال ممارسة اللاسياسة في السياسة، وهذا لم يفسح لها في المجال لامكانات نجاح مشروعها السياسي. والحال هذه، فان المعارضة الشيعية التي رفضت الانظمة القائمة في الامبراطوريتين الاموية والعباسية في مراحلها المختلفة، انقسمت بدورها إلى شيع وفرق كثيرة. ولهذا كان من البديهي أن يجري تمايز داخل تيار الشيعة الواسع بسبب التغيرات المستمرة في توازن القوى الطبقية في المجتمع العربي الاسلامي... والعلاقات العينية بين ابناء الشعب العربي و الشعوب الأخرى.. وطبيعة القوى الاجتماعية التي التقت حول الائمة.. كما كان من الطبيعي ان تتلون الدعوة الشيعية بالظروف القائمة في الاقليم المعين." وهذا التمايز ظهر في الفرق الشيعية واجنحة الفرق والفروع الثانوية الكثيرة التي كانت تختفي باختفاء داعيتها.. وهكذا يفسر عنف الاضطهاد والتضييق الشديد على الشيعة لاظهور " المهدية " فحسب بل نمو التقية أو الباطنية".. (13). رابعاً: فرق المعارضة العقلانية التنويرية تتمحور القضايا التي اثارتها فرق المعارضة العقلانية التنويرية حول حرية الانسان في الاختيار بين الخير والشر، وتمثل فرقة القدرية رافداً من روافد هذه المعارضة العقلانية، اذ أنها " كانت تذهب إلى ان الانسان حر مخير في كل ما يصنع له قدرة على ايجاد الفعل، مستقلة عن الله"(14). وكان العلامة الحسن البصري هو أول من بدأ في تشييد ايديولوجي مضاد لايديولوجيا الجبر وقوامه القول" بالقدر"، فضلاً عن انه كان يمثل الأب الروحي لمختلف المعارضة العقلانية المستنيرة، التي تستظل بظله..." وكان الحسن البصري يمثل المعارضة السياسية التي كانت تبحث عن منزلة بين المنزلتين: منزلة الدولة الأموية الظالمة المكرسة لايديولوجية الجبر والاستسلام للأمر الواقع، ومنزلة الخوارج الحاملين لايديولوجية التكفير، والرافضة المستلبين في ميثولوجيا الامامة، المنزلة التي تبحث عنها عادة القوى الوسطى داخل الاغلبية صانعة التاريخ"(15). ان قادة القدرية أو حرية الاختيار، وعلى رأسهم الحسن البصري، وضعوا خطابا جديداً في المعارضة، ووعياً جديداً متناقضاً جذريا مع ايديولوجية الجبر الأموي، حيث أن قوامه يتمثل في قدرة الانسان على ممارسة الحرية ازاء فكرة قضاء الله المسبق، وانه يمتلك القدرة على ان يفعل بارادته واختياره، وان الله لايرضى الظلم فكيف يجبره على فعله". والأهمية التي تكتسبها هذه المسألة ليست في مضمونها السياسي وحسب، بل أيضاً في طريقة وضعها وتقديرها: كيف يأمر الله الناس بعبادته ثم يجبرهم على فعل المعاصي؟ سؤال يدعو إلى تحكيم العقل، إلى جعل احكام الدين معقولة. وهذا تدشين لخطاب تنويري جديد تماما في عصر كان حقل التفكير فيه محاصراً بايديولوجيات ثلاث لاعقلية، بل تعرض عن العقل اعراضاً وتلغيه الغاء: ايديولوجيا الجبر الأموي، وايديولوجيا" التكفير " الخارجي، وميثولوجيا الامامة الشيعية"(16). لقد شكلت هذه العقلانية التنويرية اساسا قوياً لتبلور معارضة سياسية ضمنت لنفسها حضوراً سياسياً في المجال السياسي- الفكري للمجتمع المدني، من خلال انتاج خطاب أقل ايغالاً في الايديولوجية، أي أكثر واقعية وعقلانية، خطاب يعتمد الصراع الفكري والسياسي بأدوات فكرية وسياسية فقط، أي يعتمد على مقارعة الحجة بالحجة بدل الخروج، والقبول بوضعية معارضة مسلحة، أو معارضة اقصائية، تعزل نفسها هامشياً، وتلغي إلى حد ما دورها السياسي. على نقيض هذه الايديولوجية التنويرية " القدرية " نشأت الايديولوجية" الجبرية" التي ر فضت الاختيار، وهي الأخرى وجدت آيات قرآنية تثبت رأيها من مثل:" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم".. و"لاينفعكم نصحى ان اردت ان انصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم، هو ربكم وإليه ترجعون"..و" لقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى ومنهم من حقت عليه الظلالة". وبالمقابل خاض أحد زعماء القدرية غيلان الدمشقي تلميذ معبد الجهني الصراع السياسي والايديولوجي ضد الايديولوجية الجبرية، وأسس المدرسة الفقهية المرتكزة على نشر الدراسات التنويرية، النقدية التي كان لها تأثيرها الواسع في المجتمع المدني، وقام بالتحريض للثورة في أرمينيا، والتي كانت من أحدى الاسباب التي أتخذها الخليفة هشام بن عبد الملك بقتل غيلان الدمشقي" بقطع يديه ورجليه وقتله وصلبه". ويدل ما نقل عنه من آراء ونشاط أنه كان يقود معارضة سياسية وايديولوجية ضد الأمويين في أهم القضايا التي كانت تمارس فيها السياسة في ذلك الوقت: قضايا " القبيلة" (الشرعية القرشية للخلافة) وسائل " الغنيمة"(= السياسة المالية الأموية) وأمور " العقيدة "(= القدر، الايمان) فبخصوص آرائه في الخلافة نقل عنه أنه كان يقول :" أنها تصلح في غير قريش وكل من كان قائماً بالكتاب والسنة كان مستحقا لها، ,انها لاتثبت باجماع الأمة"(17). وهذا موقف متميز جداً: فهو يعارض الأمويين الذين يحصرون الخلافة في قريش وحدها، ويخالف الشيعة الذين يجعلونها في علي وذريته فقط، ويختلف مع الخوارج لاشتراطه " الاجماع". ومعلوم ان الخوارج لايعترفون بـ" الاجماع" بل يضعون جميع مخالفيهم من المسلمين في" دار الكفر". أنه موقف متقدم جداً لأنه يجعل مسألة الحكم من اختصاص الأمة وليس من احتكار " القبيلة" ولا من حق " الورثة"و" الاحياء" وحدهم(18). اذا كان زعيمي القدرية أو" المرجئه الخالصة" معبد الجهني وتلميذه غيلان الدمشقي قد تم قتلهما من جانب الأمويين، لأن الايديولوجية الجبرية التي كانت عماد وأساس الدولة الأموية، قد أفسحت في المجال لظهور تمردات اعتمدت عليها، انطلاقاً من ان هذه التمردات في نظرهم هي ايضاً قضاء وقدراً من الله.. ولاطاقة لبشر على دفعه... و" هكذا ظهرت " المرجئة الجبرية"، التي كان مؤسسها الجهم بن صفوان، أي مؤسس الجناح الجبري في جناحها" الجهمي" التي كانت معادية للأمويين. وعلى الرغم من ان عهد هشام بن عبد الملك يعتبر العصر الذهبي أو قمة الصعود في عظمة الدولة الأموية، الا أن هذا العهد عينه شهد معارضة بارزة ضد الأمويين، كان تمرد الحارث سريج وجهم بن صفوان أحدها. وقد نادت هذه المعارضة بالشورى، والمساواة بين العرب والموالي، واسقاط الجزية عن المسلمين الجدد من العجم الذين لايعرفون العربية ولايؤدون الشعائر الدينية، خصوصاً في تلك المناطق التي كان يتحرك فيها صفوان الجهمي، والتي كانت مسرحاً لثورات الشعوب المغلوبة ضد السلطة المركزية، حيث كانت تطالب هذه الشعوب انطلاقاً من فهمها " للايمان " بالمواطنة الكاملة في أمة الاسلام، ودار الاسلام بما انهم قبلوا الاسلام، وخضعوا له، حتى وان كان خضوعاً سياسياً. ويمكن تصنيف اراء الجهم بن صفوان حول ثلاث مسائل: الارجاء،" الجبر" نفي الصفات. ففي نطاق معارضة جهم لايديولوجيا الجبر الأموي، فتح باب التأويل على مصراعيه، كقوله بعدم خلود الجنة والنار، باعتبار ان الله وحده خالد.." وفي هذا الاطار ايضاً يجب ان نفهم قوله وقول استاذه الجعد بن درهم بـ " خلق القرآن " القرآن كلام الله والكلام هو افصاح عن العلم وتعبير عنه. وإذن فاذا كان العلم محدثاً وجب ان يكون الكلام محدثا ايضاً، وبالتالي فالقرآن مخلوق (باعتبار ان القول بأزلية القرآن يعني أنه وجد منذ القديم ومعاذ الله ان يكون لله شريك في القديم). أما اذا كان القرآن قديماً، وهو كلام الله، فان ذلك سيؤدي بناء إلى قدم علم الله وبالتالي إلى" الجبر" وبالتالي إلى اسقاط المسؤولية. والقول بـ" خلق القرآن "و" حدوث علم الله" معناه أن جميع مايقوله القرآن عن الافعال انما ينصرف معناه إلى زمن الفعل إلى" اسباب النزول " وهذا يفسر النسخ، بما يفسر ما يحكيه عن الاقوام الماضية أو الحاضرة التي تعصي أوامره، ثم يأتي بأوامر أخرى. وبكيفية عامة فالحوار والجدال في القرآن يجري مع مخلوقات تتغير أفعالها ويتنوع سلوكها، فكيف يمكن فهم ذلك اذا قلنا أنه قديم أزلي. هناك جانب أخر وهو ان في القرآن آيات تفيد " الجبر : وأخرى تفيد الاختيار. وحسب نظرية جهم يمكن القول: ان التي تفيد " الجبر" في تجليات الضرورة التي خلقها الله في الكون، وان التي تفيد الاختيار تعبر عن مظاهر حرية الارادة والقدرة التي خص الله بها الانسان"(19). خامساً : ظهور فرقة المعتزلة لقد تأسست فرقة المعتزلة في ظل الصراعات الفكرية والسياسية والدينية التي شهدها العصر الأموي، من ايديولوجيا التكفير التي حمل الخوارج لواءها، إلى ميثولوجيا الامامة عند الشيعة، إلى ايديولوجية فرق" "القدريين". ويعتبر واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد من مؤسسي فرقة المعتزلة بعد ان كانا من منتابي مجلس الحسن البصري في زمان فتنة الازارقة(=أقوى فرق الخوارج وأكثرها تطرفاً) حسب مايصفه كتاب الشهرستاني، الملك والنحل. وكانت نقطة الخلاف بينهما، وبين الحسن البصري تتمثل في الموقف من مسألة " مرتكب الكبيرة". لقد اتخذ الحسن البصري الذي قاوم ايديولوجية الجبري الأموية، موقفاً قريباً من جمهور أهل السنة، أي أن مرتكب الكبير ة" مؤمن عاصي ان شاء الله غفر له"، أي أنه منافق حسب وجهة نظره، وفي هذا الموقف نجد ان الاستاذ حسن البصري يتخذ موقفاً مرناً في ادانته للأمويين، وبالتالي موقفاً متساهلاً ازاء مسألة الوعد والوعيد. فالتساهل في الوعد والوعيد كما يقول الجابري ،" يؤدي حتما إلى تزكية ادعاء الخلفاء الأمويين بأنهم لايجري عليهم حساب ولا عقاب..الخ وهكذا نعود إلى وضعية أما.... واما: اما ايديولوجية التكفير، وأما ايديولوجية الجبر ومايرتبط بها من القول باستثناء الخلفاء الأمويين من العقاب "، بينما تتلخص أراء المعتزلة في مخالفتهم رأي الحسن البصري في مرتكب الكبيرة، بعدم تكفير مرتكب الكبائر. فخالف بذلك وأصل الثنائية التي كانت قائمة آنذاك بين موقف المرجئية، التي تقول أنه مؤمن، وبين موقف أزارقة الخوارج التي كانت تقول أنه كافر، واتخذ موقفاً ثالثاً لامؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، أي بين المؤمن والكافر. ان المعتزلة القدريين مارسوا ضغوطات سياسية- دينية على الحكم الأموي، انطلاقاً من ايمانهم بان مرتكب الكبيرة مادام" في الدنيا حيا يرزق دون ان يتوب فحكمه حكم الكافر"، لذا كانوا يهدفون إلى اشتراط التوبة للأمويين، في سبيل اضفاء شرعية على حكمهم. ويقول الجابري في موقف المعتزلة من الصراع بين علي ومعاوية، لقد كان على واصل بن عطاء ان يجد صيغة للحكم على ذلك الصراع تنسجم وتتكامل مع قوله بـ" المنزلة بين المنزلتين" وذلك ما فعل، فبدلاً من تخطئة معاوية وأصحابه بالذات أو علي وأصحابه بالذات، وبدلاً من القول بـ" الارجاء" الذي يقضي بتعليق الحكم وتفويض المسألة إلى الله، الشيء الذي ينطوي على تأييد ضمني للأمويين، بدلاً من ذلك كله قال واصل" في الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين ان أحدهما مخطئ لابعينه، وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه. قال: ان أحد الفريقين فاسق لامحالة. كما ان أحد المتلاعنين فاسق لامحالة لكنه لابعينه". وكما ان المعتزلة لم يحددوا موقفاً صارماً من طرفي الصراع، بين علي وطلحة والزبير أولاً، ثم بين علي ومعاوية ثانياً، نظراً للملابسات المعقدة، التي يصعب تحديد الخطأ من الصواب فيها، فانهم (أي المعتزلة) في الوقت عينه لم يصطدموا بالحكم الأموي كما اسلفنا سابقاً، بل انهم ايضاً اعتزلوا الصراع الذي كان قائماً آنذاك بين الدولة الأموية والمعارضة الشيعية، وبين الأمويين والخوارج. " واعتقد الكتاب ان انتقاد المعتزلة علياً ومعاوية قربهم من الأمويين، الذين رأوا في المساواة بين الاثنين كسباً لهم ولهذا اعتنق بعض الخلفاء الامويين المتاخرين كيزيد بن الوليد (744م-127) ومروان بن محمد (مروان الثاني 744-750م 127-133هـ) مذهب الاعتزال"(20). ويقوم مذهب الاعتزال على أسس خمسة : القول بالتوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمعتزلة نادوا بسلطان العقل، وهم يقولون باسبقية" العقل"" على" النقل"، ولذا كانت فلسفتهم التنويرية تقوم على الجمع بين التفكير الديني والتحليل الفلسفي. فالمعتزلة قالوا بالتوحيد و هو الاساس الجوهري، الذي نادى به الاسلام. فمن خلال قولهم بالتوحيد(= التنزيه) نفى المعتزلة ان يكون لله صفات أزلية، فقد اعتقدوا" ان الله واحد ليس كمثله أحد وليس بجسم ولاشبح، ولاجثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولاجوهر.. ولا طول ولا عرض ولا عمق.. معتمدين في ذلك على الآيه، التي تقول" ليس كمثله شيء". ان نفي وجود الصفات لله عند المعتزلة، منسجم مع التحليل الذي ينفي وجود الموصوف. ذلك ان وجود صفات لله يفترض وجود موصوف وهذا يتناقض مع فلسفة المعتزلة التي تقول ان الله قادر وسميع وبصير، وقائم بذاته. كما ان المعتزلة نفوا قدرة الله على الظلم، في تأكيدهم على مسألة العدل( الله لايظلم، ولايجبر أحد بفعل شيء ثم يعاقبه عليه)." ولذلك جاء تصورهم العدل وهو الاصل الثاني أو مبدأ المعتزلة الثاني من حيث الأهمية تصوراً انسانياً يقوم على ثلاث دعائم: ان الله يسير بالخلق إلى غاية وهو يريد خير مايكون لخلقه ولايريد الشر أو يأمر به.... ولذلك فهو لم يخلق أفعال العباد لاخيراً ولا شراً فارادة الانسان حرة وهو خالق أفعاله.. وأهمية هذا الموقف أنهم لم يروا الشرور في العالم قضاء وقدراً كما اراد خصومهم أن يبرهنوا.. بل رأوا أنها من صنع المجتمع وفي وسع المجتمع أن يصلحها.. وبعض المعتزلة حين ربطوا بين الله والمجتمع لم يكتفوا بالقول : الله يقصد في أفعاله إلى اصلاح العباد بل قالوا يجب على الله ان يعمل مافيه صلاح عباده" (21). أما فيما يتعلق بالمبدأ الخامس للمعتزلة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فهو يحدد موقفهم من النظام الأموي، ولكن مبدأهم هذا مستمد من الآية القرآنية و" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون". ان المعتزلة قاموا بنشاط تنويري في سياق رؤيتهم لممارسة الضغط السياسي- الديني على الحكم الأموي، الذين كانوا يؤيدونه، ولكن ممارسة هذا النشاط السياسي المعارض في المجتمع المدني، كان يقوم على التشديد على سيادة العقل وتنصيبه سلطاناً، اذ رأوا ان" لاحدود له الا براهينه... ولازلل ولا خطأ متى صح البرهان". كما افرزت حركة المعتزلة التنويرية الفيلسوف ابراهيم بن سيار بن هاني النظام البصري، الذي سبق فلاسفة القرن الثامن عشر في أوروبا حين قال" الشك أقرب اليك من الجاحد، ولم يكن يقين حتى صار فيه شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى غيره يكون بينهما حال شك". ان حركة المعتزلة حركة معارضة سياسية تنويرية وعقلانية احتكمت إلى العقل في معالجتها للقضايا السياسية في العصر الأموي، وابتعدت عن المغامرة واللجوء إلى العنف أو الدعوة إليه، وطورت فكراً سياسياً دينياً تنويرياً متناقضاً مع ايديولوجيا الجبر الأموي، وايديولوجيا التكفير للخوارج، وميثولوجيا الامامة للشيعة، والتيارات المانوية والغنوصية. يقول الجابري في هذا الصدد" واذا كان لكل ثورة كبيرة انتليجنسيا خاصة بها، أي مفكرون متنورون يحملون مشروعها ويبشرون به، فانه يمكن القول بدون تردد ان رجال حركة التنوير هذه هم الممهدون الحققيون للثورة العباسية. لقد عملوا على اختراق " القبيلة" باستقطاب الناس في فرق واحزاب وراء اطروحات تناهض اطروحات الجبر والتكفير وتبشر بالشورى والمساواة الخ. فنشروا بذلك ايديولوجيا تنويرية عقلانية تؤكد الحرية والاختيار والمسؤولية والجزاء"(22). لقد ضمنت حركة المعتزلة، باعتبارها معارضة سياسية حضوراً سياسياً دائماً، في عهد الدولة الأموية، منطلقة من مبدأ ان حق المعارضة هو مكمل لحق الحاكم في السلطة، وهذا ما جعل بعض الخلفاء الأمويين ينتسبون إلى حركة المعتزلة، فضلاً عن ان هذا الحضور السياسي في مجال الدولة، وانتهاج المعتزلة سياسة عقلانية وواقعية فتح لهم امكانات النجاح لمشروعهم، يكفي ان القيادة الفكرية للثورة العباسية كانت لهم، أو على الأقل اسهموا فيها إلى حد بعيد. كما ان المعتزلة تحولت في العصر العباسي، وتحديدا ابتداء من المأمون إلى ايديولوجية الدولة العربية الاسلامية في أوج قمتها الذهبية، وعظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. r هوامش الفصل الثاني: (1)- د- محمد عابد الجابري العقل السياسي العربي -مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى شباط 1990 (ص233-234). (2)- المقطع المذكورة استشهد به الدكتور الجابري في كتابه عن العصبية والدولة - مصدر سابق (ص315). (3)- د- محمد عابد الجابر - العقل السياسي العربي- مصدر سابق (235).و 234 (4)- المصدر السابق (ص238). (5)- المصدر السابق (ص243). (6)- المصدر السابق (ص249). (7)- حسن بزون- القرمطية بين الدين والثورة- دار الحقيقة الطبعة الأولى 1988(ص24- 25). (8)- المصدر السابق (ص26) الماوردي الاحكام السلطانية (القاهرة 1978، دار التوفيقية للطباعة(ص161). يذكر حسين قاسم العزيز الضرائب الباقية على أبناء الشعوب المغلوبة ويذكر ضرائب اضيفت إلى ضريبتي الجزية والخراج وهي" ضرائب النكاح وأجور الضرابين وأجور البيوت ورسوم العرائض وهدايا الأعياد، مثل عيد النوروز والمهرجان (بلغت هدايا النوروز والمهرجان في عهده معاوية عشرة ملايين درهم من منطقة السواد وحدها). انظر العزيز، حسين قاسم: البابكية( رسالة لنيل الدكتوراه من جامعة موسكو 1966، بغداد مكتبة النهضة وبيروت: دار الفارابي (ص80-81). (9)-د- محمد عابد الجابري- العقل السياسي العربي- مصدر سابق (ص239-240). (10)- المصدر السابق (ص247). (11)-د- أميل توما: الحركات الاجتماعية في الاسلام، دار الفارابي- 1980(ص72). (12)-د- محمد عابد الجابري- العقل السياسي العربي - مصدر سابق (ص288). (13)-د0 أميل توما- مصدر سابق (ص77). (14) - عبده الشمالي- دراسات في " تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية (ص133). (15)-د- محمد عابد الجابري - العقل السياسي العربي مصدر سابق (ص308). (16)- المصدر السابق (ص310). (17)- المصدر السابق (ص313) هذا المقطع استشهد به الجابري من كتاب الشهرستاني الملل والنحل (ج1، ص 143). (18)- المصدر السابق (ص313). (19)- المصدر السابق (ص321-322). (20)-أحمد أمين فجر الاسلام (ص295) (21)- أحمد أمين - ضحى الاسلام- الجزء3 (45). (22)-د- الجابري - العقل السياسي العربي- (ص328). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |