المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث

لبنية المجتمع العربي الاسلامي‏

ان الصراعات الاجتماعية في العصر الأموي انسحبت في المجتمع المدني، وشكل ذلك نوعا من تباعد بين الدولة والمجتمع. فالخلافات القبلية دبت في أوصال الخلافة الأموية، ونخرت عظامها، ويكفي على سبيل ذلك حالة العداوة المستحكمة بين المضرية واليمانية التي انتقلت إلى خراسان منطلق مركز الدعوة العباسية. وليس خافياً على أحد من ان السلاح القبلي الذي استخدمه الأمويون لمصلحتهم من أجل البقاء والمحافظة على السلطة في دمشق، قد كان ذو حدين، اذ ان أبو مسلم الخراساني الذي تولى شؤون الدعوة العباسية في خراسان ودفعها حثيثاً إلى الامام قد اشتهر بمهارته في استثمار هذه الخلافات القبلية، وقام بدوره في التفريق بين اليمانية والنزارية بخراسان. فالتباعد بين الدولة والمجتمع المدني، هو الذي قاد إلى تجليات هذه القبلية الفاحشة التي " يسخرها الأمويون لصالحهم، ثم غدت طعنة نحلا في نحر ملكهم"، وهو مايفسر لنا أيضاً الطابع الامبراطوري للدولة الأموية. ومع ذلك، فان الصراعات الاجتماعية مالبثت ان انتقلت إلى مستوى الدولة الأموية مع حركات التمرد على الأمويين التي قادتها حركات الخوارج والشيعة والموالي. وقد أدت هذه التمردات إلى اندلاع انتفاضات ضد السلطة الأموية، " اصطبغت بطابع المعارضة المبدئية أو السياسية، فانهكت الأمويين وحفرت في خاصرتهم جرحاً فاغراً لايلتئم"(1).‏

لحظة الاعداد للانقلاب العباسي أتسمت المعارضة بتحالف قوي بين العباسيين والعلويين (الشيعة). وكلاهما من بني هاشم، الذين جمعتهم المعارضة للامويين- والفرس. ولقد شكلت هذه القوى الاساسية الثلاث، العباسيون والشيعة، والفرس، أقوى معارضة للأمويين بهدف استرداد منصب الخلافة، وانتزاع السلطة. وكانت لكل من هذه القوى مواقعها، واستطاع العباسيون الاستفراد بالسلطة دون استبعاد فرق المعارضة من المجتمع. والثورة العباسية قامت على أساس هذا التحالف السياسي العريض بين مختلف فرق المعارضة، وهذا ما جعل الجابري يقول " امن الزوج: فرس/ عرب أو عرب/ عجم لايستوعب ولايستطيع أن يستوعب كلية الثورة العباسية. ان مفهوم " الكتلة التاريخية " هو في نظرنا، وحده القادر على التعبير عن القوى التي قامت بذلك الانقلاب التاريخي الذي أدى إلى سقوط دولة الأمويين وقيام دولة البعاسيين.و" الكتلة التاريخية" لاتعني مجرد تكتل أو تجمع قوى اجتماعية مختلفة. ولا مجرد تحالفها بل تعني كذلك التحام القوى الفكرية المختلفة (الايديولوجيات...) مع هذه القوى الاجتماعية وتحالفها من أجل قضية واحدة. ان الفكر يصبح هنا جزءاً من بنية كلية وليس مجرد انعكاس أو تعبير عن بنية ما. ذلك ما حصل بالفعل : لقد شاركت الثورة العباسية جميع القوى الاجتماعية التي كانت لها مصلحة في التغيير: عرب/ موال، زعماء قبائل عربية، دهاقين الفرس، فلاحون، حرفيون/ تجار ضعفاء الناس، اغنيائهم.. الخ والتحمت مع هذه القوى كل الايديولوجيات المعارضة: ميثولوجيا الامامة( الفكرية والعباسية) حركة التنوير، فقهاء... الخ (2).‏

ان الدعوة العباسية استقطبت الموالي، الذين يحتلون من الناحية الطبقية، مرتبة تتوسط بين الاحرار والعبيد، وعلى الرغم من دخولهم الاسلام، والتحاقهم بالقبائل العربية عن طريق الموالاة، الا أنهم لم يأخذوا حصتهم من العطاء وغنائم البلدان المتفتحة. علماً بأنه في زمن الخليفة عمر بن الخطاب الذي أحدث الديوان السنة 20 لتوزيع العطاء فرض المال على حد سواء للعرب والموالي، فهم أسوة في العطاء ولافرق بين حر وعبد، ولابين عربي وأعجمي. وقد اجزل عمر العطاء للدهاقين وذلك أنهم كانوا عوناً للعرب وعيوناً لهم في فتوحهم. وعندما بلغ عمر ان أحد عماله أعطى العرب وترك الموالي، كتب اليه يقول ."" أما بعد، فبحسب المرء من الشر ان يحقر أخاه المسلم، والسلام"(3).‏

لقد استطاعت الدعوة العباسية استقطاب جميع القوى المعارضة للامويين من العرب، والموالي والدهاقين الفرس، من اقطاعيين الأرض وكبار الملك، الذين أسلموا اسلاماً سياسياً المحافظة على امتيازاتهم الطبقية، والذين تحولوا إلى جباة للخراج، وأصبحوا أدوات السلطة الأموية في نطاق سيطرتها على الفلاحين المزارعين،- والعلويين. وهكذا كان استقطاب جماهير الموالي والشيعة، عندما اكدت الدعوة العباسية ونادت بالخلافة إلى الرضا من آل محمد، من غير تسمية أحد (وكان أبو مسلم يقول: أني رجل ادعو إلى الرضا من آل محمد، فهو داعية إلى رجل عباسي من بني هاشم) كما أكدت على المساواة بين المسلمين عرب/ عجم، والسير على الكتاب والسنة في الحكم، الأمر الذي مكنها من استقطاب رجال الدين من مختلف الفرق.. وهذا ما جعل الدعوة العباسية تبني" كتلة تاريخية" حقيقية من المعارضة للأمويين، خصوصاً عندما أصبحت فلسفة هذه الدعوة فيما يتعلق بـ" الغنيمة" " لم تعد تعني مجرد التوزيع " العادل" للفيء والعطاء باشراك الجند من الموالي فيها، بل باتت تعني ايضاً اسقاط الجزية على كل من اسلم من العجم والعمل بما كان جارياً من قبل بالنسبة للعرب الذين امتلكوا " أراضي الخراج" أي اعفاؤهم من ضريبة الخراج واعتبار أراضيهم هذه أراضي العشر. وهكذا أصبحت " الغنيمة تعني المصلحة الاقتصادية لكل فئة من الفئات التي تضررت من السياسة المالية الأموية وتقلباتها"(4).‏

ان تأكيد الدعوة العباسية على العمل بالكتاب والسنة، واقامة حكم اسلامي، يؤكد على حاجة العباسيين الى انتزاع المشروعية العليا. كما ان هذه الدعوة العباسية حاولت أن تجتذب لتأييدها اتجاهات وجماعات متباينة الأهداف، في سبيل الثورة ضد الأمويين. فقد حاولت كسب القبائل اليمنية وربيعة خاصة دون أن تستثني مضر في خراسان، وحاولت كسب الجماعات الدينية الاسلامية، كما حاولت الـأثير على عواطف الشيعة العلوية، وافادت من الغلاة في الدعوة السرية، وأثارت النزعات الايرانية، ولم تمتنع عن قبول اتباع فئات ايرانية يشك في اسلامها، لتزيد في اعداد مؤيديها، فكان لذلك اثاره بعد وصولهم إلى الحكم(5).‏

ولكن بعد انتصار العباسيين وتداعي الحكم الأموي، كيف نفسر استئثار هؤلاء العباسيين بالحكم والدولة التي تم بها هذا الاستئثار : اسْتُبْعِدَ الشيعة من السلطة ونُكِبَ البرامكة، واستبعدت العناصر الفارسية سياسياً في حين لم يستبعد العناصر الاجنبية من مؤسسات السلطة، ولاسيما في الجانب الاداري والثقافي. وعلى الرغم من الحلف الذي كان قائماً بين العباسيين والعلويين والاتفاق الذي تم بينهما على مبايعة محمد نفس الزكية بحضور السفاح والمنصور وغيرهما من آل العباس وموافقتهم - وكان محمد هذا، ابن عبد الله المحض، علوياً من سادات بني هاشم نبلاً وديناً وشجاعة وفصاحة.‏

وكان الناس شديدي الميل إليه، وقد قدمهّ أشراف بني هاشم على أنفسهم، ورشحوه وعاضدوه (6)- الا ان تقسيم أو تقاسم السلطة بين العباسيين والعلويين الذي يعكس ميزان القوى الاجتماعي والسياسي، قد حسم لمصلحة الاوائل. واستأثر العباسيون بالحكم دون العلويين في تناقض كلي مع الاتفاق الذي كان من المفترض بهما ان يكون أمر الخلافة شورى بينهما" مادامت الخلافة كانت في نظر بني هاشم الذين ينتمي إليهما البيتان (العباسي، والعلوي)، مغتصبة".. وهكذا ما ان انتصرت الثورة العباسية، حتى تغلب منطق الدولة على منطق الثورة، ,أصبح العلويون عقبة سياسية يجب التخلص منهم نهائياً، كما يتطلبه ذلك شروط وأشكال انتقال السلطة " فالثورة تعني التغيير النوعي العميق، والطبقي الناجز، والاجتماعي الجذري، في حين ان السلطة العباسية كانت تاريخياً، استمراراً صاعداً ومتطوراً كماً وكيفاً ضمن ظروف موضوعية أرقى وارحب واينع، لمؤسسة الخلافة الاسلامية التي لم ينص عليهما صراحة، القرآن ولا السنة وانما استحدثتها القائمون على الأمر من المسلمين عقب وفاة النبي ومشوا بها وطوروها، كنتاج اجتماعي، مع توالي عهود الخلافة ".( 7)‏

* من أهم سمات المجتمع المدني في العصر العباسي‏

أنه مجتمع يجسد مفهوم الأمة، وتظهر فيه تعبيرات سياسية عن قومية القوم الأكثر، والقوميات المتعايشة معها. في العصر العباسي أنضج حركة وتبلور القوميتين العربية والفارسية، وقد اكتسبت كل منهما مضموناً جديداً من الاسلام، أي أصبح الاسلام دين الأكثرية الساحقة من العرب ومن الفرس أيضاً.‏

أن تبلور الحركات القومية بوصفه من سمات المجتمع المدني، ومن الظواهر المرافقة لنموه، كان يجري في العصر العباسي في اتجاهين/ تبلور الشعور القومي العربي في جانب، وتبلور الحركة القومية الفارسية، التي يئست من الاستيلاء على السلطة المركزية الامبراطورية في الجانب المقابل. وقد كانت الحركة الشعوبية، ومظهر التهاجي في الادب والثقافة بين العرب والفرس تعبيراً عن ذلك التبلور الذي مالبث أن تحول إلى واقع سياسي، هو انفصال الفرس وإعادة بناء دولتهم في أرضهم التاريخية، ولكن بقومية فارسية مسلمة. فالحركة الشعوبية كما يقول الدكتور/ عبد العزيز الدوري/ حركة ثقافية اجتماعية قام بها غير العرب وخاصة الفرس. وقد حاول هؤلاء نقل التراث الايراني إلى المجتمع العربي ساعين إلى طبع المجتمع بطابعهم الحضاري القديم. وعملوا على التقليل من شأن العرب والزراية بثقافتهم التي ازدهرت بالاسلام والدعوة إلى نبذها واطراحها. وقد ساهم في الحركة أدباء وشعراء، وكان لكتاب الدواوين من الفرس دور يذكر في هذه الحركة. وقد ظهرت بوادر الحركة الشعوبية في أواخر العصر الأموي، ولكن دعاتها لم يكونوا يجرؤون على التصريح فتستروا وراء الدعوة إلى المساواة الاسلامية، وتظاهروا بالتسوية، فلما جاء العباسيون ودعوا للمساواة وعملوا لها كشفوا القناع وراحوا يهاجمون العرب ويركزون على تسوية تاريخهم وأدبهم، ويتهمونهم بالبربرية قبل الاسلام وبالبداوة بعده، ويفضلون الشعوب الأخرى عليهم ويمجدون ثقافتهم على حساب الثقافة العربية الاسلامية .."(8).‏

وعلى نقيض من ذلك، نجد الهوية العربية منفتحة على العناصر الثقافية واللغوية التعددية، ومتحولة هي ذاتها إلى هوية تعددية. وثمة مستويات من التعددية في المجتمع المدني في العصر العباسي : المستوى الأول، التعدد في عناصر الهوية العربية والاسلامية ذاتها، والتي تجمع الولاء العشائري والسياسي والديني والاجتماعي الطبقي والثقافي واللغوي العربي الاسلامي ويمكن الحديث عن ظهور الاقليات.‏

فالتعددية تعدديتان: تعددية خاصة بالهوية العربية الاسلامية، وتعددية مجتمعية هي تعددية الشعب، نسوق على سبيل المثال ماأورده الجابري فيما يتعلق بالمنازل الثلاث الواضحة والمتميزة مع انتصار الثورة العباسية" منزلة الخليفة، منزلة الأمراء من أهل بيته والوزراء وكبار أهل دولته من العلماء والفقهاء ورؤساء القبائل وكبار التجار، وهؤلاء يشكلون " الخاصة" يأتي بعد ذلك بقية الناس وهم" العامة"، أما الصنف الرابع من الناس وهم" الجند" فرؤسائهم منزلتهم منزلة الخاصة وعامة العسكر منزلتهم منزلة العامة. كانت هناك اذن منازل ثلاث هي عبارة عن مراتب اجتماعية/ سياسية متدرجة على النحو التالي: الخليفة في القمة، والخاصة في الوسط (منزلة بين المنزلتين) ثم العامة في قاعدة الهرم، وتقوم بين هذه المنازل الثلاث شبكة من العلاقات، الثابتة، في اطار بعض التحولات، مما يجعل منها بنية هي" البنية السطحية" للهرم الاجتماعي، ونحن نصنفها بأنها" سطحية" لابالمعنى الوضيع للكلمة بل بمعنى أنها المعطي المباشر الذي يخفي وراءه معطى أخر غير مباشر ما ندعوه" البنية العميقة " للمجتمع التي اليها ينتمي " اللاشعور السياسي،" في مثل هذه الحال، والتي تتحدد العلاقات فيها بالمحددات الثلاثة:" القبيلة" " الغنيمة" العقيدة" (9).‏

ومن الواضح أنه ليس هناك من سور صيني بين هذين المستويين، اذ أنهما يتبادلان التأثر والتأثير. ومن هنا أصبح العنصر الايديولوجي والثقافي الفارسي متضمن في الهوية العربية الاسلامية. والحق ان الايديولوجيا السلطانية في الثقافة العربية منقولة في معظمها من الادبيات السلطانية الفارسية. وهنا نجد انفسنا أمام مسألة على جانب كبير من الأهمية: مسألة نقل ايديولوجيا معنية نبعت في واقع معين إلى مجتمع أخر بهدف التعبير بواسطتها عن معطياته،ومستجداته.. وما حدث في العصر العباسي الأول هو ما حدث ويحدث في الوطن العربي المعاصر: في العصر العباسي الأول تم نقل الايديولوجيا السلطانية من الفرس لتعبير عن واقع المجتمع العربي الاسلامي واتجاه تطوره آنذاك. وفي العصر الحاضر ننقل نحن العرب ايديولوجيا الطبقات الاجتماعية في أوروبا الحديثة والمعاصرة( الليبرالية، الاشتراكية، الماركسية) لنجعلها تعبر عن مطامع الطبقات عندنا( 10).‏

في الواقع التاريخي، ان الفكرة القومية حتى في العصر العباسي لم تكن محددة بالجانب العرقي، بل على العكس من ذلك، ان هوية العرب القومية هي بالأحرى تعددية وغير عرقية، خصوصاً مع تمازج الثقافات، وتعايش العناصر القومية المختلفة في نطاق المجتمع المدني، الذي اتسمت حيوته انذاك بتعدد الفرق والتيارات الفكرية، وبالتالي السياسية، بصرف النظر عن كل ما الم بحياة هذا المجتمع من تعارضات وتوترات.‏

واذا كانت الدولة العباسية فيها ظلم، فانها في الوقت عينه دولة، وكانت عامل انصهار من عوامل المجتمع المدني، لأن الاعتراض على الظلم والعسف، لايعني الاعتراض على هذه الدولة، التي اتسعت رقعتها واستمرت في الزمان، وشيدت عمراناً حضارياً عظيماً. وكل ذلك راجع إلى طبيعتها كمركز سياسي واحد، ومركز حضاري واحد، من حيث استيعابها وتجسيدها للوحدات الحضارية الكبرى، بدءاً بالاسلام باعتباره العقيدة العامة السائدة، مع وجود تعددية مذهبية كبيرة فقهية عديدة( السنة، الشيعة، الخوارج، المعتزلة، ولكل منها مدارس فقهية مختلفة)، وباستئثار العرب باللغة العربية، التي تتضمن بداخلها تعددية على صعيد اللهجات المحلية، وبالاضافة إلى التعددية الأثنية والقومية التي تختلف عن القومية الأكثرية إن على صعيد الدين( دور المسيحيين في الترجمة واليهود في الصيرفة)، وأما على مستوى القوميات (الفرس وعملية انصهارهم في المجتمع المدني).‏

والمجتمع المدني لايظهر للوجود الا بالدولة، ومع الدولة، وضد الدولة في آن معاً، والعصر العباسي مثل أوج أزدهار هذا المجتمع المدني، على الصعيد العربي، ونحن نستخدم مفهوم المجتمع المدني مجاز وبتحفظ، لأن الدولة والمجتمع ما لبثا ان تعسكرا. ففي العصر العباسي بدأت فكرة الاستبداد بالضمور، ولايجوز أن نرى التاريخ استبداد فقط، وانما صارفيه حضور للمجتمع المدني، تجسد على النحو التالي:‏

أولاً- حضور أصحاب الحرف والمهن‏

ان ظهور الحرف مرتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو وتطور المدن الاسلامية. فمع توسع المدن، ازداد نشاط الحرف والمهن، وتميزت بالتقسيم الاجتماعي للعمل في داخلها، وكذلك بالتخصص حيث أصبح لكل حرفة سوق خاص بها. ولما كان لأصحاب الحرف والمهن ثقل نسبي في المجتمع المدني، فانه اصبحت لديهم تمثيليات تنظيمية تعبر عن مصالحهم وعن تعاونهم، وأصبحوا يلقبون في المجتمع بـ" الاصناف"، و" أصحاب المهن"، وأهل الصنايع". وقد اكتسبت الحرف مع تطورها وانتشارها أصولاً وأعرافاً، ,أصبح القاضي والمحتسب يقومان بفض المشاكل المهنية للحرفيين، وكذلك مراقبة معاملات البيع والشراء، ومنع الغش في الصناعة الخ. ويعطي الدكتور عبد العزيز الدوري صورة واضحة عن هذه الحرف، التي كانت مفتوحة للناس من الديانات المختلفة، وتعتبر المهنة رابطة أساسية بين اصحابها، فهم يتساندون ويتعاونون وللحرفة شيخ أو رئيس، تعترف به الحكومة أوتختاره أحيانا، وتنظر إليه ممثلاً للحرفة. وقد شمل تعاون أصحاب الحرف، ضمان سوية مقبولة للمهنة، واقرار مستوى اسعارها الصيانة، وحماية أصحابها من التعدي. وقد يقوم الصنف بدوره في أوقات الازمات لحماية أعضائه، ولدينا أشارات إلى وقوف الاصناف ضد السلطة لحماية أصحابها من التعسف(11).‏

ان هذا النشاط الحرفي المديني انتظم في " الاصناف" أي في التنظيمات الاجتماعية التراثية المتماسكة، حيث أن كل تنظيم يعبر عن مصالح المنتظمين في هذه الحرفة أو تلك. ونجد أن داخل هذه التنظيمات تراتبية معينة ومحددة، تبتدي من المبتدئ( المريد) إلى الصانع، إلى المعلم، إلى شيخ الحرفة، الى شيخ السوق. وعادة ينتخب شيخ السوق باجماع التجار والحرفيين، ويفترض ان تتوافر فيه صفات الاخلاق الحسنة، والتعقل والحكمة. وكانت مهمة هذا الشيخ تشمل" الاشراف على كل الطوائف الحرف ومشايخها، ويقوم بصلة الوصل ما بين الوالي والقاضي من جهة، والطوائف الحرفية من جهة أخرى، ولايتم أي تغيير فيها الا بعلمه ورأيه، وكان مشايخ الحرف كلهم ينتخبون بحضوره ويزكون بتزكيته"(12).‏

ومن المعروف تاريخياً أن طوائف الحرف شكلت حركة اجتماعية داخل المجتمع المدني، اتخذت في بعض الاحيان دور المساند للسلطة الحاكمة، وفي احيان أخرى لعبت دوراً معارضاً باندماجها مع حركة المعارضة السياسية للشعب، أو انتظامها جزئياً معها. ومع ذلك، فان الطوائف الحرفية كان لها حضورها السياسي المستقل عن السلطة الحاكمة داخل المجتمع المدني. فالطوائف الحرفية كانت الملاذ للعامة، ولكل المواطنين الأقل شأناً في المجتمع، لكي يعبروا بحرية عن تطلعاتهم الاجتماعية من دون ان يتعرضوا إلىأي أذى، فضلاً عن أنها تفسح لهم في المجال لكي يحتلوا صبوة اجتماعية في النظام الاجتماعي القائم. وكانت وظائفية الطائفة الحرفية على الصعيد السياسي حسب قول المستشرقان غب وبرون تتمثل في أنها خلقت المجال السياسي لهؤلاء المواطنين الأقل شأناً." لكي يمارسوا فيه حق المواطنة، فهو وان لم يكن يستدعي الا نادراً لكي يلعب أي دور في الحياة السياسية الخارجية، الا أنه من الناحية المقابلة كان في مأمن من ان يتدخل حكامه السياسيون في شؤونه الا بشكل طفيف، اذا كانوا بوجه عام يحترمون الطوائف وطرائقها التقليدية. ومما كان ينمي للوظيفة الاجتماعية للطوائف ليس كلها بل معظمها طوائف الحرف، وما لها من ارتباطات مع احدى الطرق الدينية الكبرى "(13).‏

ثانياً - حضور التجار‏

لقد ترافق مع تطور الحرف، والانتاج الحرفي، واتساع لالاسواق، تطور التجارة الداخلية والخارجية، وتوسع فعاليتها.‏

ففي هذه الدولة الامبراطورية المهيمنة بلا منازع على الطرق التجارية البحرية والبرية، الممتدة من الشرق الاقصى مروراً بالهند، إلى المغرب الاقصى، وشرق أفرقيا، والاندلس وأوروبا الشرقية، وصولاً إلى روسيا وحوض البلطيق، شهدت التجارة ازدهارا قل نظيره في التاريخ العربي الاسلامي. وامام ازدهار هذه الحركة التجارية من الاستيراد والتصدير مع العالم الخارجي، أصبح للتجار وكلاء ومراكزا تجارية في مختلف البلدان، الذين يتاجرون معها، كما تأسست مؤسسات مالية وصيرفية لتسهيل العمليات التجارية، وبالتالي القيام بدور مهم في تسليف التجار" وقد لعبت معاملات الائتمان دورها الكبير في التجارة وظهرت مؤسسات صيرفية تقوم بدور البنوك في العصر الحاضر، ومن هذه بيوت الجهاذبة( جمع جهبذا) الذين خدموا التجارة كما دعموا اقتصاد الدولة في بعض الفترات. واذا كان الاسلام يحرم الربا واخذ الفائدة في النقد على المسلمين، فان أهل الذمة تولوا ذلك، اضافة إلى اللجوء إلى بعض المخارج والحيل الفقهية لتسيير بعض أنواع التعامل الائتماني (مثل بيع العينة) (14) .‏

وقد استمرت هذه في بعض البلاد إلى أواخر القرن التاسع عشر(15).‏

ولما كانت التجارة الحرة تتطور مع تقدم المجتمع المدني، والدولة على حد سواء، حتى ابن خلدون يسمى الدولة" السوق الاعظم للتجارة "، فأنها والحال هذه افسحت في المجال لبروز طبقة تجارية في هذا المجتمع المدني، راكمت أموالاً طائلة ولعبت دوراً رئيساً في النشاط التجاري.‏

ثالثاً - حضور العلماء والمثقفون في بلاطات الحكام‏

مع انتصار الثورة العباسية، تمكن العرب مرة أخرى من اقامة دولة امبراطورية واحدة مستقرة الحدود في البلدان المفتوحة، واستحق بني العباس الخلافة بعد استبعاد المعارضة السياسية والعسكرية الشيعية العلوية من السلطة، وتصفية قواها.؟ ولما كانت المعارضة الشيعية تعتبر من أكثر الحركات تشعباً وتنوعاً في فرقها، في التاريخ العربي الاسلا مي، حيث كانت تضم مختلف وأشكال المعارضات للسلطة العباسية، من المعارضة المطالبة بالثورة العباسية الهادفة إلى الاستقلال عن السلطة المركزية، أو المطالبة بالثورة الاجتماعية الهادفة إلى تحرير الطبقات المستغلة من جور الحكام وطغيان وعسف الولاة والجباة"، فأنها بالمقابل افسحت في المجال " لتسلل نزعات شعوبية مكبوتة، واديان متلاشية أو مضطهدة، وتيارات فكرية وفلسفية....‏

وفي هذا العصر العباسي نشطت الحركة الشعوبية، على غرار حركة الزندقة باعتبارها حركة مانوية من أخطر سماتها تظاهرها بالاسلام- وهي حركة ثقافية اجتماعية اتخذت من الصراع الفكري - الثقافي المحور الجوهري في نشاطها على أساس تمجيد التفوق في الشعر والأدب لغير العرب والدعوة إلى التسوية بين شعوب الامبراطورية الاسلامية، و التمسك بالتاريخ الفارسي القديم الذي بلغ أوجه عظمته في امبراطورية الأكاسرة. وفي سياق هذا الصراع الثقافي الذي تمارسه الحركات الشعوبية ضد الماضي العربي والطعن فيه كفكر وثقافة وحضارة، مخفية بذلك مضمونها السياسي القومي الفارسي،" كان رد الفعل العربي هو الدفاع عن الهوية القومية، لابل الدفاع عن الوجود وأسباب الوجود.... لقد ادرك الخلفاء العباسيون هذه الحقيقة وعملوا على ضوئها وبوحي منها: أنه البناء الثقافي الشامل الذي أصبح يطرح نفسه كضرورة تاريخية. لم تكن عملية أعادة بناء الماضي العربي- الجاهلي منه والاسلامي- من صنع الافراد وحدهم، بل كانت أساساً من المهام التي قامت بها الدولة"(16).‏

وهكذا شهدت الحركة الفكرية والثقافية في العصر العباسي ازدهارا كبيراً، وشملت مجالات العلوم الفقهية، واللغوية، والعلوم العقلية كالفلسفة والفلك والرياضيات، والعلوم الطبيعية، وأصبحت مجالس المناظرات الفكرية والثقافية في بلاطات الخلفاء والأمراء، وفي الدور الخاصة والمساجد، تقليدا سائداً في المجتمع المدني.‏

ان الصراع الذي خاضه المثقفون والعلماء في العصر العباسي في سبيل بناء النظام الثقافي والمعرفي العربي بدءاً من عصر التدوين، الذي شكل بحق الاطار المرجعي للعقل العربي، هو الذي قرر موقعهم في هذا المجتمع المدني من جهة، وحضورهم الدائم داخل بلاطات الخلفاء العباسيين من جهة أخرى. وكانت مسألة الخليفة باعتباره " سلطان الله في أرضه " هي المنطلق لتنظير الخلافة وتشريع الحكم، من جانب الايديولوجيين، الذين أسسوا وبنوا الايديولوجيا السلطانية في الثقافة العربية، على الرغم من أنها منقولة عن الفرس. وهذه الايديولوجيا السلطانية هي بالدرجة الأولى لمصلحة " الأمير " والأمراء"، ولفائدة فئة" الخاصة"، التي تحتل منزلة بين منزلة الخليفة أو الأمير ومنزلة عامة الشعب. فالمثقفون عامة، والايديولوجيون بخاصة، الذين عاصروا مرحلة الدعوة العباسية وقيام دولتها قاموا بالتنظير والبناء للايديولوجيا والاداب السلطانية، وأصبحوا بذلك مقربين من" الأمير"و" رجال الدولة " باعتبارهم ينتمون إلى " طبقة " الخاصة كشريحة اجتماعية جديدة من فئة الكتاب والمثقفين الخ. وقد كان ابن المقفع أول من قام بعملية التنظير هذه للايديولوجيا السلطانية، حيث يقول الجابري معلقاً على هذا الموضوع:" الاداب السلطانية"، اذن، قوامها ثلاثة أنماط من السلوك يؤسسها جميعاً مبدأ " انزال الناس منازلهم ": الترفع على" العامة" والنفور منها، الانبساط مع" الخاصة" وبناء المعاملة معها على المجاملة والتودد، الانصياع التام لـ " السلطان" والسير على طاعته وتقدير الأمور على هواه الخ.. وهذه الانماط الثلاثة من الاداب تعكس ليس فقط الطابع الطفيلي الارستقراطي لفئات " الخاصة" بل تعبر أيضاً عن الوظيفة التي تعطيها هذه الشريحة الاجتماعية لنفسها والتي بها تبرر ان تطيع مهمة" الخاصة " اذن الأمير الذي يجب ان يطاع ومنزلة " العامة" التي يجب أن تطيع مهمة" الخاصة " اذن هي حمل" العامة" على طاعة الأمير، أنها تقوم بالسلاح الذي تمتلكه، سلاح الكلمة و" العلم" - الايديولوجيا- بنفس المهمة التي يقوم بها الجند باسلحتهم المادية: الجند يقهر الاجسام " والخاصة" تطوع النفوس بالكلمة"(17).‏

لقد نظر المثقفون للدولة السلطانية العادلة الشرعية، المرهونة بالمشيئة الربانية وحدها، القائمة على فلسفة " التوحيد والعدل،" باعتبارها الركيزة التي بنيت عليها النظرة التماثلية بين ارادة الله وارادة الخليفة. وقد كانت فلسفة " التوحيد والعدل"، التي شكلت المحتوى النظري لاطروحة حركة المعتزلة، باعتبارها حركة تنويرية في العصر الأموي ،و دافعت عن قدرة الانسان على الفعل، وعن حرية اختياره، وعن قدرته على تحمل مسؤولية أعماله واثبات الثواب والعقاب له، في تناقض جذري مع ايديولوجيا الجبر ألأموي، قد تحولت إلى مذهب للدولة السلطانية في عهد ابو جعفر المنصور، الذي نزع المضمون السياسي المتمثل في شجب اطروحات حركة التنوير في العصر الأموي، فان اسقاط هاتين الصفتين على الخليفة من أجل أن يبلغ كماله، كما يبلغ الله كماله بهما، يقضي بان لايكون له- أي الخليفة- شريك في الحكم والا يتصف بالصفات التي يتصف بها مطلق الناس بل يجب أن يكون " فوق التصور" في هذا المجال"(18).‏

ما ان تحول المذهب الاعتزالي إلى ايديولوجية السلطة ابتداءا من المأمون، وبالتالي أصبح ايديولوجية الطبقة الحاكمة، التي تتكون من التجار ومالكي الأراضي الكبيرة، ومتخلياً تدريجياً عن طابعه التقدمي، حين كان مذهباً للمعارضة السياسية العقلانية والتنويرية، وبالتلازم معاً تغلغل بنية النزعة التماثلية بين الله والخليفة في" اللاشعور السياسي عند المتكلمين"، ضمرت العناصر العقلانية، في ظل هيمنة الايديولوجيا السلطانية، وميثولوجيا الامامة في فقه السياسة، وفي الخطاب الادبي، الذي هيمنت فيه ايديويلوجية مدح الأمير على أرضيته تأكيد نزعة المماثلة بين الاله والخليفة. في هذه الحال، اكتسبت ايديولوجية المعتزلة طابعا استبدادياً، أو مناصراً للاستبداد، ورافضاً للتعدد والاختلاف. ثم ان سلوك المعتزلة أصبح متناقضاً كلياً مع دورهم التقدمي والريادي، الذين قاموا به في الحركة التنويرية سابقاً، حين تحول مذهبهم الايديولوجي المدافع في حرية الانسان الفكرية، والتمسك بالجدل بحثاً عن الحقيقة، إلى ايديولوجيا طبقية تبرر وتنظر للنموذج المثالي للحكم، الذي حكم منطق العقل السياسي العربي منذ القديم إلى اليوم من نموذج " المستبد العادل". وهذا ما أدى بهم إلى سقوطهم العنيف في عهد الخليفة المتوكل(233-247-847-(86م)، الذي افسح في المجال لنمو وسيطرة الايديولوجيا المحافظة التقليدية، التي ترافقت مع بداية عهد التراجع والانحطاط للامبراطورية العربية الاسلامية.‏

والحال هذه، هل نستنتج مما هو ثابت في ميدان الفقه السياسي في التاريخ العربي الاسلامي، الذي يجد نموذج" المستبد العادل" سواء من جانب ميثولوجيا الامامة عند الشيعة، أو الايديولوجيا السلطانية عند السنة، وبين التيارات الفلسفية المختلفة، سواء كانت معتزلة أم أشعرية، وايضاً مما هو ثابت في درس الماركسية المعاصر، ان التيار العقلاني في إيديولوجية السلطة، يكتسب مضموناً سلطوياً، أو استبدادياً دون أن يكسب السلطة عينها مضموناً فكرياً عقلانياً؟.‏

ان النظرة التاريخية لحضور المثقفين في بلاطات الأمراء، وفي قلب المجتمع المدني في العصر العباسي، تجعلنا نرى الوظيفة المزدوجة، التي يقوم بها هؤلاء المثقفين داخل المجتمع الذي كانت تشقه تناقضات ايديولوجية حادة- حيث كانت مصدر قوة الدولة العربية الاسلامية آنذاك تكمن في المجال الايديولوجي بالدرجة الأولى (وهو هنا الدين الاسلامي)- وصراعات اجتماعية وسياسية متعددة.‏

فمن جهة ازدهرت الثقافة العربية في عصر التدوين، وهذه دلالة كبيرة على حيوية المجتمع المدني آنذاك، وقد جند هؤلاء المثقفون أنفسهم في خدمة وبلورة النظام الثقافي المعرفي، واعطوا الاولوية للغة العربية، من خلال جمعها ووضع قواعد لها، باعتبار ان اللغة العربية تعكس خصائص الأمة العربية التي تتكلمها، وهي القالب الذي يتشكل فيه الفكر على حد قول الجابري، وكما يقول المفكر الالماني هردر" ان ربات المعرفة البشرية: الحقيقية والجمال والفضيلة قد اصبحت آلهة قومية بمقدار ما هي اللغة القومية كذلك".‏

وكان من رواد المضطلعين بجمع اللغة العربية، ووضع قواعدها النحوية، ووضع علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه. ومن جهة أخرى، كان هناك التوظيف للفلسفة العربية الاسلامية، ولايديولوجية المعتزلة التنويرية، في الصراع الايديولوجي، الذي كان محتدماً مع الايديولوجية الشعوبية الفارسية، حيث كان للمنهج العقلي الذي من مبادئه قياس الغائب على الشاهد من جانب المعتزلة أثره الكبير في مقارعة الايديولوجية الفارسية الغنوصية القائمة على " العرفان" أو الالهام الالهي " الذي لاينقطع بانقطاع الرسل أنه " الوحي المسترسل الذي لايترك أي مجال لاللعقل ولا للنقل". فإلى جانب الانتاج العلمي والثقافي الذي أعطى دفعاً قوياً بالتطور إلى الأمام للمجتمع المدني في عهد المأمون، كان المثقفون منخرطين بشكل مباشر في الصراع الايديولوجي، الذي كان محتدماً مابين المعتزلة (إيديولوجيي الدولة العباسية )، وبين ايديولوجيا الغنوصية الفارسية، حيث شنت الارستقراطية الفارسية المؤثرة هجوماً إيديولوجياً واسع النطاق مستعملة تراثها الثقافي الديني الزرادشتي - المانوي- المزدكي، والهدف هو التشكيك في الدين العربي وهدمه وصولاً إلى الاطاحة بسلطة العرب ودولتهم. وقد تصدت الدولة العباسية من جهة وعملت على استقدام كتب العلم والفلسفة من خصوم الفرس التقليديين (الروم- اليونان) وترجمتها ونشر محتوياتها من جهة أخرى. ان" حلم " المأمون- سواء كان حقيقياً أو مصطنعاً- لم يكن حلماً برئياً.. لم يكن من أجل أرسطو ذاته بل من أجل مواجهة زرادشت وماني"( 19).‏

وليس من شك ان المأمون الذي أعاد انتاج ايديولجية المعتزلة، وعمل على تسييسها، كان قد حولها إلى حقيقة ايديولوجية تعكس حدة الصراع الايديولوجي، بين القومية العربية، التي انتجت ردود فعل قومية عند الأخرين، منذ العصر الأموي، وبين القومية الفارسية، التي ركبت موجة التشيع لـ " آل البيت" في الثورة العباسية على الدولة الأموية وتتجسد في ثلاث مستويات:‏

1- مستوى سياسي يدخل في الصراع على السلطة.‏

2- مستوى ثقافي وايديولوجي له علاقة بالشعوبية في الأدب، ولاسيما العرب والفرس.‏

3- مستوى قومي : تبلور ايديولوجية الدولة القومية العربية بالتضاد مع ايديولوجية القومية الفارسية الغنوصية، وبالعكس في داخل المجتمع المدني.‏

ومع سيادة الايديولوجية الاشعرية، أي بعد الانقلاب السني على المعتزلة، الذي وجه ضربة قوية للفكر العقلاني المستنير، حيث يتفق الكتاب الاحرار على ان هزيمة المعتزلة افقدت الحرية الفكرية أقوى معين (20)، وحيث كتب أحمد أمين،" وفي رأيي أنه لوسادت تعاليم المعتزلة في هذين الأمرين- أعني سلطان العقل وحرية الارادة -بين المسلمين من عهد المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي وقد اعجزهم التسليم وشلهم الجبر وقعد بهم التواكل(21)، مضيفا ان ضعف شأن المعتزلة أدخل المسلمين في مرحلة وقعوا فيها تحت تأثير حرب المحافظين نحوا من ألف سنة حتى جاءت النهضة الحديثة(22)، فانه والحال هذه، شهد التعدد في المجتمع المدني في العصر العباسي نكوصاً واضحاً، ولم تتوافر له الفرص للاحياء من جديد عندما تشظت الدولة العربية إلى دويلات متنافسة ومتناحرة، وانقسمت على أساس اقوامي، واستمرت الصراعات الايديولوجية، واشتدت المنابذات مع كثرة المذاهب والملل.‏

لقد شكل انتصار الايديولوجية الاشعرية بداية الردة الفكرية في الدولة العربية. وكان أبي الحسن علي بن اسماعيل الاشعري(260-325هـ، 873-936م) هو الذي أرسى أسس ومبادئ المذهب السني في الخلافة. واذا كان الشافعي هو الذي حدد أصول الفقه أو التشريع - أو بالأحرى " قواعد المنهج " للفكر السني- والمتمثلة في الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس،فان ابي الحسن الاشعري، سيلتجأ إلى السلطة المرجعية للشافعي، في نطاق بلورة مشروعه القاضي بالرد على ايديولوجية المعتزلة في مسائل العقيدة من ناحية، وعلى ايديولوجية الامامة عند الشيعة من ناحية أخرى، ومن أجل التنظير لأهل السنة في الخلافة، أو على الأصح التنظير لمواقفهم السياسية السابقة، ونظام الحكم، بالارتكاز على" اصول" الشافعي، جاعلاً من الكلام في السياسة تشريعاً للماضي مثلماً جعل الشافعي من الاجتهاد في الشريعة تقنيناً للرأي، مكملاً بذلك صاحب" الابانة" ماقصر فيه صاحب" الرسالة"(23). ويجسد موقف الاشاعرة هذا، دعماً للسلطة العباسية في بغداد، التي تعرضت لتحدي من جانب الشيعة الفاطمية، التي نجحت في اقامة الخلافة الفاطمية في القاهرة، وأصبحت بذلك تنافس الدولة العباسية المنهارة، في بغداد.‏

ومن المعلوم تاريخياً ان مذهب المعتزلة كان قائماً على معارضة الفكر والايديولوجية السلفيين أولاً، وعلى استخدام المنهج العقلاني، الذي كانت أهم سمة رئيسة له هي " عقلنة" قضايا الدين الاسلامي كلها، واعطاء العقل البشري الاولوية الرئيسة في قضية المعرفة، ثانياً.‏

ولهذا أعطى المعتزلة الأولوية للعقل على النقل، أي" العقل قبل ورود السمع" فضلاً عن ان علم الكلام المعتزلي كان يسيطر عليه المنهج العقلاني، وتعرض لجذور أهم الأسس والقضايا التي تقوم عليها ايديولوجية الخلافة أساساً، ونظراً لتناقضه مع الايديولوجية السلفية في عصره، فقد كان يحظى بجاذبية خاصة وتجاوب من جانب الوضع الاجتماعي، الذي كان معارضاً ايديولوجية النظام القائم في العصر الأموي، ثم في بداية العصر العباسي قبل مجيء المأمون إلى السلطة العليا للدولة، الذي حول مذهب المعتزلة إلى مذهب رسمي لدولة الخلافة، استمر ثلاثة عهود من الخلفاء العباسيين- كما حرص المأمون على ان لاتنكس راية الفكر الحر المتمثل بعلم الكلام المعتزلي بعده، لذلك كتب في وصيته إلى المعتصم قوله:" وخذ بسيرة أخيك في القرآن " يقصد مسألة " خلق القرآن المعتزلية". غير أنه حين ندرس موضوع علم الكلام الاشعري، نجد ان الاشاعرة تسلحوا بالمنهج العقلاني للمعتزلة في نطاق حربهم ضدهم، ولكن بعد أن أفرغوا من مضمونه، ومن عقلانيته الجوهرية. فاذا كانت العقلانية تنطلق من المنطلقات العقلية في سياق الاستدلال المنطقي، فإن هذه المنطلقات كلها عند الاشاعرة تنحصر في مضامين النصوص الدينية، ولاشيء غيرها ". ولهذا، فان الاشاعرة لم يكونوا يؤمنون بضرورة العقل كمصدر حقيقي للمعرفة، بل ان مبدأهم يرفض أولوية العقل على النقل، ولذلك اختار الاشاعرة" الملائمة لجعلها مقدمات للنتائج التي يؤمنون بها سلفاً"، وقادهم هذا إلى الوقوع في التناقض التالي: استخدام الجدل المنطقي للمعتزلة، والاخذ بمنهجهم في محاولة للتوفيق بين الفكر العقلاني والسنة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى انكار مبادئ العقل والعودة إلى التمسك بالقرآن، والسنة، والحديث الخ.. والحال هذه " رفض الاشاعرة ان يكون القرآن مخلوقاً كما أكد المعتزلة، وأصروا على أن يكون أزلياً، إلا أنهم بعد هذا التقديس الظاهري وفي سبيل خدمة مقاصد الحكم وتمشياً مع حاجاته دعوا إلى الأخذ بالسنة في حالة الخلاف بينها وبين القرآن واعلنوا" السنة قاضية على القران وليس القرآن بقاضي على السنة"(24). واعتمدوا في ذلك على الآيتين" ياأيها النبي بلغ ما انزلنا اليك من ربك".. و" مااتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا وتفسيرهما" ان الرسول وسيلة توصل الوحي إلى الناس ولا يجوز عقلاً ان ينقل الينا الوحي وبنقصه، وانما أهل الرأي على ان النبي قد فوضت اليه العناية الربانية بيان النصوص القرآنية وتفصيل ما أجمل الكتاب"(25).... وعند هذا الحد يصح تحديد فكرة الاشعرية السياسية كما جسمها الغزالي(محمد الغزالي المكنى بابي حامد والملقب بحجة الاسلام(450)-505هـ 1058-1111م) حين كتب " ولو انتهى لهذا الأمر من فيه الشروط كلها سوى شروط القضاء ولكنه مع ذلك يراجع العلماء ويعمل بقولهم فماذا ترون فيه؟ ايجب خلعه ومخالفته أم يجب طاعته؟ قلنا الذي نراه ونقطع أنه يجب خلعه ان قدر على ان يستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير اثارة فرقه وتهيج قتال، وان لم يكن ذلك الا بتحريك قتال وجبت طاعته وحكم بامامته"(26). ومعنى هذا القول مناصرة الحكومة السيئة أفضل من الثورات الشعبية لتغيير النظام.." واعمق"(27). معاصر الغزالي اعرب عن مناصرته جور الملوك وتفضيله له على ما ما تحدثه الثورة من فوضى (28).‏

مع انتصار الايديولوجية الاشعرية في عهد الخليفة العباسي، التي شكلت ردة فكرية لجهة سيطرة علم الكلام الاشعري، المتناقض مع علم الكلام المعتزلي، الذي كان" متوافقاً مع الفكر الفلسفي من حيث فسحه للعقل مجالات التفكير وتحصيل المعرفة حتى في ماوراء الطبيعة، كان من الطبيعي- وفقاً لقوانين التطور العامة- ان يتخلى علم الكلام للفلسفة عن مكانه في حركة تطور الفكر العربي- الاسلامي بناء على كونه- أي علم الكلام- قد استوفى حاجة وجوده واستنفذ مهماته التاريخية وحان الوقت لأن يتحول إلى كيفية فلسفية خالصة"(29). وكانت خطورة ردة الفعل هذه المحافظة في نطاق مواجهة الفكر المعتزلي، تمثلت في احتلال علم الكلام الاشعري مكان علم الكلام المعتزلي، والحركة الفلسفية المنفصلة عن علم الكلام في آن معاً.‏

والسؤال الذي يطرح نفسه، مالعلاقة بين سقوط الفكر المعتزلي الذي ظل على هامش المجتمع وبين اضطهاد الفلسفة طوال قرون عديدة في المجتمع العربي الاسلامي؟ وهل يمكن القول ان عودة " الأمة" إلى التقليد الديني والفقهي والفكري والثقافي للموروث القديم، هو ضرب من الدفاع عن الذات أم سيرورة انحطاط وانغلاق على الذات؟‏

ليس من شك، ان علم الكلام، والفلسفة، شكلا كل واحد منهما مرحلة معينة في طريق تطور الفكر العربي الاسلامي. فاذا كان علم الكلام يقوم بالبحث الديني في مسائل العقيدة المثارة في المجتمع العربي بعد انتصار الاسلام، فان الفلسفة كانت تبحث في قضايا الوجود والطبيعة والمجتمع، والتفكير. وتميزت الفلسفة عن علم الكلام كما يقول الدكتور حسين مروه بأمرين أساسيين: أولاً، بأنها انطلقت من المفاهيم، لامن من القضايا المثارة في المجتمع بصورة مباشرة. ثانياً بأنها لم تتخذ من عقائد الاسلام قاعدة للبحث، وان حاولت تخفي التناقض بين النتائج التي يصل إليها البحث الفلسفي وبين العقائد الايمانية الاسلامية. والحال هذه كان علم الكلام المعتزلي متوافقاً مع الفكر، غير أنه مع انتصار علم الكلام الاشعري، أصبح التناقض بين علم الكلام" الما بعد المعتزلة " والفلسفة بمختلف مكوناتها ومذاهبها من" حركة أخوان الصفاء" وحتى فلسفة ابن رشد، تناقضا عدائياً.‏

" فالتناقض العدائي بينهما اذن قائم على اساس ايديولوجي من حيث أسباب نشوئه ذاتها اذ- كما رأينا- بدأ علم الكلام الاشعري يشكل عودة إلى السلفية السنية بهدف هدم البنيان العقلاني الذي شيده الفكر المعتزلي.... ومنذ ذلك الوقت صار واضحاً أن الصراع بين علم الكلام والفلسفة هو- في الواقع- صراع ايديولوجي بالدرجة الأولى: صار علم الكلام معبرا عن الايديولوجية" الرسمية" وصارت الفلسفة- بالاضافة إلى التصوف - معبرة عن ايديولوجية مختلف الفئات المعرضة للسلطة الحاكمة المركزية"(30).‏

ان تحول العلاقة بين علم الكلام والحركة الفلسفية إلى علاقة إقصائية قائمة على نفي الاخر، زمن انتصار الايديولوجية الاشعرية، حيث ان الاشاعرة عملوا على إخراج الخطاب الفلسفي العقلاني من ميدان المعركة الفكرية والمعرفية الايديولوجية، مريدين بذلك إخراج العقلانيين من معادلات الصراع السياسي، والسياسة كلها. لكن الاشاعرة الذين قللوا وحطوا من شأن الفلسفة العقلانية، التي عانت اضطهادا كبيرا طوال قرون كاملة في المجتمع العربي- الاسلامي، انما هم انطلقوا من حقيقة ان الفلسفة لاتصنع التاريخ، في حين ان المنطق والعقل يؤكدان انه ليس ثمة من تاريخ ممكن بدون الفلسفة والفكر. فالسياسة العقلانية والفلسفة، والفكر مقولات مترابطة مع بعضها البعض تتقدم معاً، وتتراجع معاً.‏

السؤال الذي يطرح نفسه ايضاً، ما العلاقة بين سقوط المعتزلة وانهيار الدولة المركزية العربية وتشظيها؟‏

لقد تحول المذهب الاعتزالي إلى ايديولوجية رسمية لسلطة الدولة العباسية في عهد المأمون، الذي جاء إلى سدة الخلافة بعد صراع دموي عنيف ضِدَ القوى الاقطاعية التي كانت تؤيد أخاه الأمين. وقد خرج المأمون من هذا الصراع منتصراً بفضل وقوف القوى الأخرى الممثلة لاقتصاد المدينة، ومجتمعها التجاري الربوي، الحرفي، بالاضافة إلى حركة المثقفين حملة الافكار الحرة المستنيرة، إلى جانبه. ثم ان الدولة العباسية التي تبنت ايديولوجية المعتزلة في مرحلة نهوضها، وحددت الطابع العقلي لثقافة المعتزلة، هي دولة ذات طابع امبراطوري- انتصرت فيها قوى المدينة التي ساندت المأمون في سبيل اعتلائه عرش السلطة المطلقة- وبسطت نفوذها على مفاصل المجتمع الرئيسية، وكانت مجسده بذلك مرحلة لنهوض الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي. وكانت هذه الدولة معنية ببناء الهياكل التحتية، وتنظيم الحرفة، ودعم النشاط التجاري على الصعيد الخارجي، حيث أصبح العراق باعتباره مركزاً للخلافة ملتقى الطرق التجارية العالمية". هذا الوضع انعش بالطبع في المدن، وفي العاصمة بالأخص، تلك الفئات الاجتماعية التي تنمو وتتطور ويبدأ دورها يبرز للتأثير في الاحداث السياسية، في المجتمعات الاقطاعية، على حساب دور كبار الاقطاعيين و اغنياء الريف كلما توفر المناخ الملائم لازدهار الفاعلية التجارية، بالارتباط مع توفر انتظام وسائل الموصلات والنقل ونشاط السوق الخارجية، وهذا هو المناخ نفسه الذي كان قائماً بالفعل حينذاك "(31). وكانت الدولة العباسية هذه تقوم بين الحين والحين بمصادرة أموال التجار، ورفع يد الحائزين على الاقطاعات الممنوحة لهم في سبيل توفير مصادر الانفاق المتزايدة للدولة.‏

وهكذا فان انتصار إيديولوجية المعتزلة كانت مرتبطة بتبلور مرحلة النهوض للدولة العباسية، وحيوية المجتمع المدني بالتلازم معها، مثلها في ذلك مثل انتصار الديمقراطية البرجوازية على النظام الاقطاعي القديم في مرحلة الصعود الرأسمالي كنظام اقتصادي اجتماعي سياسي جديد. ومثل ان فلسفة الانوار العقلانية البرجوازية، والفكر البرجوازي برمته استنفذ طابعه التقدمي والديمقراطي في النظام الراسمالي، وعلاقة الانتاج الرأسمالي- خصوصاً بعد تحول الثورة البرجوازية التي انتجت النظام الراسمالي العالمي، الى استعمار، وامبريالية معادية للتحرر والتقدم التاريخي- وحل محله فكر رجعي متحجر، وكذلك الأمر، حين أزيلت القوة الاجتماعية التي ساندت المأمون عن مراكزه القوية وحلت محلها قوة اجتماعية أخرى ذات طابع اقطاعي - عسكري ساندت الفكر المحافظ في عهد المتوكل، حلت الايديولوجية الاشعرية محل ايديولوجية المعتزلة خصوصاً عندما اصبحت." دولة الاستبداد الشرقي" غير قادرة على منح هامش كافٍ لتطور المجتمع المدني، لاسيما مع نمو سيرورة العسكرة في عهد الانحطاط للدولة العربية الاسلامية، حيث ان هذه المؤسسة العسكرية كانت تحد من مدنية المجتمع المدني، وتعادى الفلسفة العقلانية، فضلا عن ان الدولة والمجتمع المدني مالبثا ان تعسكرا لاحقا في عصر الاقطاع العسكري.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244