المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القسم الخامس

- من عصر النهضة إلى بداية الاستقلال السياسي-‏

مع هذه الوضعية بسقوط المعتزلة، بدأت سيرورة انهيار الامبراطوريات العربية الاسلامية والانحطاط، التي طالت مختلف نواحي الحياة، واستمرت نحو ألف عام أو ينوف، فانفجر بذلك المجتمع المدني من داخله، وتحول إلى بنى اجتماعية منغلقة على ذاتها، ومتحاجزة مع سواها. ومع بداية تفكك الامبراطورية العثمانية متعددة القوميات، وظهور المسألة الشرقية على مسرح الصراع والمواجهات المتعددة الاقطاب بين الدول الأوروبية العظمى من جهة، والأمة التركية والأمم التي كانت تحت حكمها من جهة أخرى، أيقظت مدافع نابليون المجتمع العربي الاسلامي على قوة غازية، وحضارية جديدة مجتمع حديث.‏

ولا شك أن حملة نابليون على مصر (1798-1801) باعتبارها أكثر الأقطار العربية تقدماً، حيث كانت مهيأة أكثر من سواها لخوض الصراع ضد الاقطاعية، كانت تدخل في نطاق المنافسات والصراع الدولي المحتدم، على مراكز القوة في الشرق فيما بين الدول الأوروبية الحديثة، وبخاصة منها البريطانية والفرنسية، الساعية، دوماً وراء التوازن وإعادة التوازن، ومن أجل السيادة العالمية."وكانت الامبراطورية العثمانية في هذا الصراع من أجل السيادة العالمية الورقة الرابحة الرئيسية التي يعزم نابليون على انتزاعها من أيدي الانكليز. ببعد النظر الذي كان يتصف به قرر نابليون فتح مصر بالدرجة الأولى، إذ كانت إحدى ممتلكات السلطان الأكثر تطوراً وغنى"(1). ولقد واجه المجتمع العربي المتخلف الصدمة الكولونيالية التي قادها نابليون وهو في حالة تخثر، وهو الأمر الذي جعل نابليون يقدم خطاباً ديماغوجياً ومخادعاً، متذرعاً باحتلال مصر من أنه للاقتصاص من المماليك، ومقدماً نفسه على أنه صديق للسلطان التركي. ولقد استهل نابليون ندائه بالآيات القرآنية التقليدية بسم الله الرحمن الرحيم: لا الله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه، ثم يستطرد قائلاً، من طرف الفرنساوية المبني على الحرية والتسوية.‏

السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمن مديد، الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية، ويظلمون تجارها بأنواع الايذاء والتصدي فحضر الآن ساعة عقوبتهم. واحسرتاه، من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الابازة والجراكسة يفسدون في الأقليم الحسن الأحسن الذي لايوجد في كرة الأرض كلها، فأما رب العالمين القادر على كل شيء، فإنه قد حكم على انقضاء دولتهم. ياأيها المصريون قد قيل لكم أنني مانزلت بهذا الطرف إلابقصد ازالة دينكم، فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين أنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضاً لهم أن جميع الناس متساوون عند الله وان الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط. وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب. فماذا يميزهم من غيرهم حتي يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بكل شيء أحسن فيها من الجداري الحسان، والخيل العتاق، والمساكن المفرحة. فان كانت الأرض المصرية التزاماً للمماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم.‏

ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم. ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعداً لاييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية. فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقاً كان في الأراضي المصرية العظيمة، والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وماأزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك.‏

أيها المشايخ والقضاة، والأئمة والجربجية، واعيان البلد، قولوا لامتكم ان الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون واثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحث النصاري على محاربة الاسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكوالليرية الذين كانوا يزعمون ان الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين. ومع ذلك الفرنساوية في كل الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني واعداء اعدائه، ادام الله ملكه. ومع ذلك أن المماليك امتنعوا عن اطاعة السلطان غير ممتثلين لأمره. فما اطاعوا أصلاً إلا لطمع أنفسهم. طوبى ثم طوبى لأهل مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيصلح حالهم، وتعلى مراتبهم ! طوبى أيضاً للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين المتحاربين فاذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب. لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بكل ذلك طريقاًإلى الخلاص ولا يبقى منهم اثر"(2).‏

لقد اظهر غزو نابليون لمصر واحتلالها الهوة التاريخية السحيقة وسعة الشقة، التي تفصل المجتمعات الأوروبية الحديثة عن المجتمع العربي الاسلامي، الذي يهيمن فيه النظام البطركي التقليدي القديم، والتبعية. فالمجتمعات الأوروبية تتسم بالحداثة الصناعية الغربية القائمة على فكرة التقدم، والمبنية على عقلنة التاريخ، وعقلنة الفكر الفلسفي، والفكر السياسي، والمعقولية في مجال العلم والدين، وإعادة صياغة العقل من خلال ارتباطه الصميمي بالثورات التكنولوجية المتلاحقة وبمجالات التفكير العلمي. حيث أن هذه الحداثة الغربية مرتبطة أيضاً بالتطور الكبير، الذي عرفته الثورة الصناعية مع انتقال أوروبا على الصعيد الاقتصادي من نمط إنتاج اقطاعي إلى نمط انتاج رأسمالي، اصبح فيه الانتاج الصناعي للسلع يتطلب فتح اسواق جديدة، خصوصاً بعد انتقال الرأسمالية من مرحلة تراكم راس المال الأولى( المركنتيلية) المتصلة بالتجارة البعيدة والنهب للمستعمرات القديمة إلى مرحلة الراسمالية التنافسية ما قبل الاحتكار، التي تتطلب التجارة، مع الابقاء على النهب. وبالمقابل، نجد المجتمع العربي الاسلامي يعاني من التصدع في بُنْيَانِهِ، ومن أزمة بنيوية شاملة، بسبب الانفلاقات الصُلْبِيَة، والانقسامات المجتمعية التقليدية، العمودية، والفئوية، والمحلية، والاقليمية، الحادة، التي كانت تفتت وتذرر الأمة، ومن وضع مجتمعي ايديولوجي وسياسي ما قبل القومية، سمته الرئيسية التأخر التاريخي، وسيطرة البني التقليدية، حيث أن هذا النظام الاجتماعي- السياسي التقليدي يجسد الانحطاط التاريخي بامتياز، فضلاً عن أنه لايمتلك المقومات اللازمة لكي يكون قادراً على الاداء، كنظام اجتماعي- سياسي في المجال السياسي الموحد، والاقتصاد المتكامل، والجهاز العسكري الفعال، انه نظام اجتماعي تتحكم فيه آلية تنتج وتعيد انتاج البني التقليدية الهجينة، والبني غير العقلانية في مختلف مجالات الحياة.‏

وفي حالة التخثر هذه للمجتمع العربي واجه الصدمة الكولونيالية القائمة على الحضارة الصناعية الغربية، وعلى الحداثة المرتبطة جدلياً بالعقلانية الغربية، اللتين اصبحتا العماد الأساس للمركزية الأوروبية، التي تصبو إلى الهيمنة على الحضارات الأخرى، وحشد واقحام الشعوب المتمايزة في انماط عيشها، وثقافتها،وحضارتها المختلفة في بوتقة الاستعمار الغربي، باسم ايديولوجية حداثة المركزية الأوروبية هذه، ومستتبعاتها من فكرة التقدم والتنمية، باعتبارها السمة الجوهرية للعقلانية الغربية،"فتبدو كأنها كونية عالمية، أو قل" علمية" بما أنها تقنية، صالحة لكل زمان ومكان". وعلى قاعدة الهيمنة هذه في اتجاه سيطرة الحضارة الصناعية الرأسمالية على الصعيد الكوني، احتدم الصراع التنافسي بين الدول الأوروبية الكبرى، وتحديداً بين فرنسا وبريطانيا، لتقطيع أوصال الامبراطورية العثمانية عبر الفتوحات الاستعمارية للوطن العربي، وما استتبعها من مقتضيات التوازن الأوروبي، وما استدعاها من تقلبات في التحالفات، حيث ان الصراع مقاصده تتمثل في المزاحمات الاقتصادية لتوسيع الممتلكات الكولونيالية بين الدول الأوروبية باسم الايديولوجيات الحديثة الكبرى المؤسسة على الليبريالية، والقومية، وعلى تسارع الإنجازات المادية والتقدم التقني،و" تأورب" العالم. وبالمقابل، كان فساد النظام الاقطاعي المستبد داخل السلطنة العثمانية، وانحطاطه، قد قاد إلى تدهور الزراعة، وإلى سيادة الفوضى الشاملة خلال العهود الأخيرة من حكم المماليك والامراء في مصر، وفي غيرها من الولايات المتحدة العثمانية، نتاج جشع الولاة وعبثهم. وهو الوضع الذي أدى إلى ضعف السلطنة العثمانية حيال تنمية الرأسمالية الأوروبية حيث كانت الدول الاستعمارية تطمح للسيطرة على قطاعات استخراج الخامات التي تمد الالة الصناعية الراسمالية بحاجاتها ،وذلك باقتطاع هذه الولايات من السلطنة العثمانية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244