|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الأول كانت أول محاولة للتماسك ووعي الذات في الوطن العربي، محاولة الانبعاث العربي( النهضة)، التي قادها محمد علي، عقب حملة نابليون، وادراك العرب حقيقة الخطر الكولونيالي الأوروبي. وقد حصلت محاولة الانبعاث هذه في ظل اندحار الطبقة التجارية العربية، التي ازدهرت بفضل التجارة البعيدة، والتي اسهمت في صنع الحضارة العربية، وانتقال مركز التجارة العالمية من الوطن العربي والبحر المتوسط إلى المدن الايطالية والمحيط الأطلسي، ومجيء الرأسمالية المركنتيلية الأوروبية التي قادت إلى تدمير الوطن العربي، خصوصاً في ظل سيطرة العثمانيين." ولقد كان في التطور التجاري لأوروبا المركنتيلية خراب لعالم العرب التجاري. فقد هزلت المدن وأخذت الأرياف تحتل بكل تنافراتها مقدمة المسرح وتوقفت مراكز التفكير الممكن حول انحطاط عالم المشرق عن الوجود. وجاءت اليقظة عنيفة موجعة في مطلع القرن التاسع عشر مع قدوم حملة نابليون في مصر"(3). ان احتدام الصراع الفرنسي- البريطاني كانت له اسقاطاته الكبرى على مسار تطور الامبراطورية العثمانية، من حيث استيقاظ الشعوب البلقانية ونزوعها إلى التحرر من النير العثماني، والاستقلال بفضل الدعم القوي من جانب روسيا القيصرية، وظهور محمد علي في مصر، الذي وصل إلى قمة السلطة من خلال انتصاره في الصراع المثلث الزوايا بينه وبين المماليك والعثمانيين الاقطاعيين... ان تسلم محمد علي الحكم بعد انتصاره على الانكليز في العام 1807، جاء في ظروف سياسية وتاريخية محددة، من حيث تجذر صراع الشعب المصري ضد القوات الاجنبية، وكفاح معظم فئاته الاجتماعية ضد الاقطاعيين المماليك، ورفضها مذلة الانكشارية، وطموحات الفئات الأكثر تقدماً في الاستقلال السياسي وفي دخول مرحلة حضارية، هي عصر النهضة القائمة على تنمية العلاقات الرأسمالية وبناء المجتمع الحديث. وفي الواقع، فان تجربة محمد علي في عملية التحديث خارج العالم الأوروبي، بالاضافة إلى محاولة اليابان، كانت تقودها الطبقة الحاكمة المصرية- ذات الأصول الاجنبية، اتراك - البان- وشركس، المكتونة من البيروقراطية العسكرية التابعة للباشا،لاعلى طبقة براجوازية مصرية منتجة تحمل في صيرورتها نظام انتاج رأسمالي قائم بذاته، وتجسد عملية الانتقال نحو تطور رأسمالية صناعية بطريقة تدريجية، وبانشاء مشاريع رأسمالية صناعية جديدة، وتحقيق عملية التراكم الرأسمالية، الذي يمكن القيام بالاستثمار الفعلي الانتاج الصناعي. والحال هذه، لم يكن محمد علي قادراً" على خلق طبقة برجوازية مصرية سائدة بالمعنى الاقتصادي للكلمة وبالمعنى السياسي، متناقضة تناقضا مطلقاً مع اقطاع ذلك الزمان". وكما يقول أحمد صادق سعد" فالتغيرات التي اجريت بواسطة جهاز الدولة من أعلة كانت متلازمة مع خلفية جماهيرية متحركة من الفلاحين، غير أنه يصعب أن تعتبر خلفية برجوازية. فالاقرب ان التيار الهادف إلى التغيير الرأسمالي ركب موجة التمرد الشعبي دون أن يكون قيادته بالمفهوم العصري للقيادة"(4). لقد تجسدت محاولة الانبعاث لمحمد علي في سلسلة الاصلاحات التي قام بها بهدف تحديث الدولة، وتصنيع البلد. فقام بتطبيق الاصلاح الزارعي، من خلال مصادرة املاك الملتزمين، الذين رفضوا دفع الضرائب، ومصادرة جميع أراضي المماليك، وقضائه على تبعية الفلاحين الشخصية ازاء الملتزمين، وتحويله قسم كبير من الاراضي الاميرية إلى أراضي خاصة، ثم توزيعها على اقاربه ومقربيه من كبار الضباط والموظفين والاعيان من الالبان، والشركس، والاتراك، والاكراد، واستملاك الدولة لأراضي الاوقاف، وتعيينه من يقوم بادارة الأراضي ومن يقوم بجباية ضرائبها، وتوزيعه بعض الأراضي على الفلاحين ليستغلوها، وادخاله زراعة القطن والليمون، واقامة السدود، وتحسين وسائل الري، حيث كانت ابرز مشاريعه القناطر الخيرية على الدلتا. وعلى الرغم من هذه الاصلاحات، الا ان محمد علي لم يقض على علاقات الانتاج الاقطاعية، ولا على نمط الانتاج الاقطاعي لان مرحلة الانتقال إلى الرأسمالية لاتكمن في تغيير اشكال المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، بل في التغيير المستمر لشكل الوجود الاجتماعي لقوة العمل، حيث ان اشكال وجود قوة العمل، وبالتالي أشكال أعادة انتاجها اجتماعياً، لم تتخذ شكل سلعة، كما هو الحال في ظل الرأسمالية، حيث تصبح قوة العمل نفسها سلعة. ولهذا يمكن القول، بانه " بعد ما حرم محمد علي على الاشراف الاقطاعيين القدماء من ممتلكاتهم ونفوذهم، وبعد ان صفى طبقة الملتزمين انشأ على انقاضهم طبقة جديدة من النبلاء الملاكين الاقطاعيين، الذين أصبحوا سند الأسرة الحاكمة الجديدة(5). وفي مجال الاصلاحات العسكرية، قام محمد علي بتأهيل الكوادر العلمية والتقنية، وبناء المصانع الحربية التي تلبي حاجات الجيش بالدرجة الرئيسة، واعادة تنظيم الجيش طبقاً للأسس الحديثة. فقام محمد علي بإنشاء المدارس الحربية لاعداد الكوادر القيادية من المصريين، وانشاء الاكاديمية العامة للاركان، وارسال البعثات العلمية إلى أوروبا الغربية، واستقدامه الخبراء الاجانب للعمل في مختلف فروع المؤسسة العسكرية، واستلهامه في بناء هذا الجيش العصري بتنظيمات الجيش على شاكلة جيش نابليون تماماً. بديهي ان هذا النسق من الاصلاحات العسكرية، واعادة تنظيم الجيش على اأسس حديثة، قد ارتبط بتشييد العديد من المصانع والمعامل اليدوية( المانيفاكتورات). وكانت مصانع الاسلحة التي تسد حاجات الجيش والاسطول المصري، ومصنع الحديد والصلب، ومصانع القطن، والكتان، والحرير، والاجواخ، وانشاء الاحواض لبناء السفن، تشكل هيكل الصناعة في عهد محمد علي، ويشكل الانتاج الصناعي الأكثر انتشاراً. ومن الجدير بالملاحظة ان قيام الصناعة في مصر، انما تم تحت سيطرة ورعاية الدولة المركزية نصف الاقطاعية ونصف الرأسمالية، على عكس ما جرى في الثورات البرجوازية الكلاسيكية في أوروبا الغربية، حيث كانت هناك طبقة رأسمالية صاعدة تمثل القوى المنتجة الأكثر ثورية في المجتمع، وبالتالي كانت رائدة في عملية التصنيع. وعلى الضد من ذلك نجد أن غياب مثل هذه الطبقة الرأسمالية ذات الطابع الثوري في مصر، جعل نظام محمد علي يحتكر التجارة الخارجية، ويبني المصانع، ويجمع في الوقت عينه بين الاقطاعية والرأسمالية، وهو أمر شبيه إلى حد كبير مع طريق التطور الديمقراطي اليونكرزي، الذي جرى تماما في بروسيا، واليابان حيث أن الطبقة البرجوازية في كلا هذين البلدين اشترت تحررها الاقتصادي، من خلال ترك السلطة للارستقراطية العسكرية الاقطاعية. وقد كتب فويدل فارنبرج في المجلة الماركسية العالمية( الوقت، عدد 7 السنة الثالثة)" المشاريع التي تملكها الدولة كانت قائمة لمدة طويلة في عدد من الاقطار الرأسمالية في أوروبا وفي بعضها منذ أيام الاقطاع، فمن أجل زيادة مصادر دخلهم أقام الاقطاعيون مشاريع عمل حتى أصبحت احتكارات بموجب القانون.... ومصانع الاسلحة والذخيرة، ومكاتب البريد، وبعض مشاريع بناء السفن والمناجم والسكك الحديدية هي أمثلة أخرى على قيام ملكية الدولة قبل أن تتخذ الرأسمالية الاحتكارية شكلها الحالي". وطالما أرضية الاصلاحات، والرأسمالية، والتحديث، التي دشنها محمد علي أقيمت على الالتحام مع الاقطاع، وكنتيجة للظروف الخارجية، حيث لم تكن الظروف الاقتصادية- الاجتماعية مهيأة لانتاج ضرورة الثورة البراجوازية كنتاج طبيعي للتطور الداخلي في مصر، وفي باقي البلاد العربية، لاقامة ديمقراطية حديثة، فان طريق التطور والتحديث الاقتصادي والاجتماعي خضع لآلية ودور الدولة في عملية تحقيقه. اذ ان الدولة أصبحت عاملاً أساسياً في تكوين رأس المال الصناعي، وفي تطوير القوى المنتجة، باعتبارها المحفز الرئيس لازدياد الانتاجية في المرحلة المبكرة للرأسمالية، في ظل غياب طبقة راسمالية، وعلاقات انتاج رأسمالية في ذلك العصر. وفضلاً عن ذلك، فان طموحات محمد علي نحو توسيع رقعة بلاده باتجاه سوريا من خلال الحملة التي قام بها ابنه ابراهيم باشا في العام 1831 لأسباب اقتصادية استراتيجية اكتسبت بعض الملامح القومية، وفي سبيل الانفراد بالسطة مستقلاً عن السلطة العثمانية، قد دفعه إلى ان يجعل من الدولة العامل الجوهري في عملية التراكم الرأسمالي، وفي استغلال الفائض الاقتصادي الناجم عنه من أجل تمويل مشاريع تحديثها، أعمال الر ي، وخلق جيش وطني، وصناعة. واذا كانت سوريا تشكل قطباً ثانياً في نهضة القرن التاسع عشر، فان التكامل الاقتصادي، ورغبة محمد علي في تحقيق الاستقلال الاقتصادي لمصر والكف عن الاعتماد على الدول الأوروبية التي بدأت ترفض تزويده ببعض المواد الأولية في نطاق حربها الاقتصادية ضده، ومناوئة السلطنة العثمانية، شكلت الاستراتيجية السياسية والاقتصادية والعسكرية في حملة ابراهيم باشا على سوريا، باعتبار ان هذه الاخيرة تشكل حليفة استراتيجية للدفاع عن مصر."ويبدو أن حملة ابراهيم باشا في سوريا عمقت مشاعر ابراهيم باشا القومية، كانت تنمو نتيجة عوامل عديدة. فرأى الحرب مع السلطنة العثمانية حرباً قومية لاقامة دولة عربية موحدة تتألف من الأقاليم العربية". ويتضح هذا الهدف في رسائله إلى وافده( حيث كان ابراهيم باشا واضحاً وصريحاً في التحدث عن الاستقلال عن السلطنة العثمانية واقامة الدولة العربية الموحدة). ففي أحداها وصف الحرب مع السلطنة العثمانية" كفاحا قومياً وجنسياً على الفرد ان يضحي فيه من أجل شعبه"، وفي رسالة أخرى تحدث عن رغبته في ارتفاع بشعبه موقعاً وقوة". وهناك ما يوحي بأن محمد علي اتجه هذا الاتجاه في هذه الفترة حين بدأت الدول الأوروبية والسلطنة تناوئه، آنذاك كتب وزير خارجيته بو عوض نوبار إلى قنصل النمسا يعلمه أن محد علي اتصل بقناصل الدول وابلغها أنه يرى نفسه مضطراً لاعلان استقلاله لأن الباب العالي( مقر السلطة) لايرضيه إلا هدمه سياسياً وأنه يطلب الاستقلال في البداية، ولكن التفرقة التامة بين الوطنيين،: الوطني العربي والوطني التركي هي الضمانة الوحيدة التي تحول دون النتائج المهلكة المتولدة من حروب أهلية أو من غزوة أجنبية"(6). كما حدد رئيس وزراء بريطانيا بالمرستون موقف حكومته في رسالة بعث بها الى السفير البريطاني في نابولي بتاريخ 21 اذار 1833 وجاء فيها" ان هدف محمد علي الحقيقي هو اقامة مملكة عربية تضم البلاد التي تتكلم العربية وقد لايحوي هذا المشروع ضرراً ما في حد ذاته ولكنه سيؤدي إلى تقطيع أو صال تركيا وهذا مالا نرضي عنه. وفضلاً عن ذلك فلا نرى سببا يبرر احلال ملك عربي مكان تركيا في السيطرة على طريق الهند"(7). كما ان المبعوث النمساوي في مصر بروكس اوستين كتب إلى وزيره الأول مترنيخ" ان اسباباً عديدة تثبت ان فكرة اقامة الامبراطورية العربية لاتزال حية ولا تزال موجودة. اضف إلى كل هذا يقظة الروح العربية بعد سباتها، فمحمد علي يتمتع بحسن السمعة والصيت في جميع البلاد العربية"(8). .ويعذرنا القارئ الكريم عن الإطالة في هذه الاستشهادات المتنوعة، التي تؤكد كلها على أن فكرة القومية العربية، وتحرير العرب من الاستعمار العثماني، وبناء الدولة العربية الموحدة، قد بدأت تشق طريقها في باقي البلاد العربية. غير أن طريق محمد علي في الانتقال من الاقطاعية إلى الرأسمالية، وبالتالي في بناء نهضة حديثة، لم يكن يحكمها برنامج منسجم وفعال لأحداث تغييرات ثورية راديكالية في بنية المجتمع الاقطاعي تطيح بالدولة الاقطاعية، وتبني المجمتع المدني الحديث، وتفسح في المجال لسيرورة تراكم الرأسمال الداخلي. فطريقة محمد علي طريقة إصلاحية، عجزت عن تحرير الفلاحين من القيود الاقطاعية، وإقامة اقتصاد فلاحي حر قائم على الانتاج البضاعي البسيط باعتباره الشرط الرئيسي لولادة رأسمالية زراعية، فضلاً عن خلق بنية صناعية ديناميه متحررة من قيود الطوائف الحرفية، حيث يتحول المنتج إلى تاجر على حد قول ماركس في رأس مال المجلد الثالث، في سبيل إحراز مرتبة الرأسمال الصناعي، الذي يشكل أساس تطور الانتاج الرأسمالي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن طريقة محمد علي في التحديث والتسريع بالتصنيع، لم تكن ناجمة عن ضرورة داخلية في البنية الاقتصادية والاجتماعية المصرية والسورية، لكي تنبثق رأسمالية قائمة بذاتها من داخلها، بقدر ما أن الدولة المركنتيلية التي بناها، هي التي اضطلعت بالدور الأساس في البناء الاقتصادي والاجتماعي، تدعيماً لظهور طبقة برجوازية محلية، نظراً لغياب القوى الاجتماعية الثورية المنخرطة والداعمة لهذا المشروع التحديثي. من هنا تتجلى سيرورة النهضة في تجربة محمد علي كمحاولة أملتها اسقاطات العوامل الخارجية الناجمة بدورها عن عملية الانخراط في النظام المركنتيلي الرأسمالي العالمي ما قبل الاحتكاري، باعتبارها محاولة سلكت طريق " الثورة من فوق "، وقادتها الدولة، التي اضطلعت بدور التصنيع، ولكن مع امتصاص ريع عقاري مرتفع لمصلحة الطبقة الحاكمة، التي أصبحت مصدرة للمنتجات الزراعية، وورطت البلاد في نظام تبعية وتبادل غير متكافئ على حساب التراكم الداخلي، على نقيض محاولة اليابان في التحديث التي قادها ميجي، والتي اتبع فيها الطريقة البروسية، أي طريق التطور الرأسمالي اليونكرزي، حيث أن بعد اليابان الجغرافي عن المركز الرأسمالي الأوروبي، جعلها بعيدة عن المطامع الأوروبية المبكرة ،" في الوقت الذي كانت فيه تشكيلتها الاجتماعية تمكنها أيضاً من تفريخ رأسمالية محلية من الداخل "( 9). هل كان ممكناً أن يكتب النجاح للانبعاث التي قام بها محمد علي، ولاقامة دولة حديثة في مصر في ظل ضآلة الجسم السياسي في مصر، من غير المماليك والأتراك، من دون أن تكون هذه النهضة، ونقطة انطلاقها، هي الثورة الديمقراطية البرجوازية، التي تشكل المحتوى المنطقي لـ " الانتقال من الاقطاع إلى الرأسمالية " وتأسيس المجتمع المدني الحديث، بالشكل الذي يجعل الحركة البرجوازية العربية حتمية تاريخية؟ لقد فتح محمد علي إمكانيات النهضة في مصر بقوة الدولة، ومهد لظهور ما يسمى حركة النهضة العربية ممثله بالنهضة الفكرية - السياسية، التي من أبرز قادتها رفاعة الطهطاوي - خير الدين التونسي - جمال الدين الأفغاني - محمد عبده. وكانت السمة العامة لإصلاحات محمد علي من القوة والعظمة ما جعلت لوتسكي يشبهها بإصلاحات بطرس الأول، باعتبارها إصلاحات " تحمل طابعاً تقدمياً بالرغم من أنها كانت عبئاً ثقيلاً على عاتق جماهير الشغلية المصرية، المستغلة بلا رحمة من قبل الدولة الإقطاعية، وكبطرس الأول، لم يقض محمد علي على نمط الانتاج الاقطاعي، إلا أنه قضى على مخلفات القرون الوسطى الأكثر رجعية، وعمل في الوقت ذاته، على تعزيز دولة الملاكين والتجار، وأنشأ جيشاً وأسطولاً قوياً وجهاز دولة قوياً، وقام بعدد من الاصلاحات التي جعلت من مصر دولة مكينة ذات قوة حيوية "(10). إن أوروبا كانت ماثلة في ذهن محمد علي حيث أن نمط تفكيره كان منشداً نحو أوروبا يسألها سبل تقدمها - وفي ذهن النخبة المصرية كتحدي خارجي. لكن هذا التحدي لم يكن مباشراً بعد، ولم يكن الوعي محكوماً بهذا العامل تماماً. لذا يمكن القول أن سؤال النهضة انطلق من شعور الحاجة إلى التقدم. وهنا تقبع أهمية هذا المنطلق. علماً بأن مفهوم التقدم عند مفكري النهضة العربية " لم ينتقل إليهم ابتداء من فلاسفة عصر التنوير الأوروبيين من أمثال : فولتير وكوندورسيه ومونتسكيو وغيرهم، وإنما جاءهم من مصدرين أساسيين لم تكن أفكار التنويريين إلا رافداً ثالثاً لهما. أما المصدر الأول فهو وعيهم للهوة التي باتت تفصل عالم العرب والشرق والاسلام عن عالم الغرب الذي لاحظوا أنه يحث الخطى بثبات واطراد في طريق الرقي والتقدم والتمدن. وأما المصدر الثاني، فهو قراءتهم لابن خلدون التي تحتل فيها مشكلة أفول العمران أي التقهقر الحضاري، المرتبة الأولى. وبين قراءتهم لابن خلدون ووعيهم لحالة التدني والتقهقر لم يكن بد من أن تجد آراء فلاسفة التنوير بعض الرجع والصدى "(11). ولذلك بدأت محاولات جدية للاصلاح الإداري والسياسي، وأبرز محاولتين لدراسة مفهوم التقدم وبخاصة في شقة العمران، هما رفاعه الطهطاوي وخير الدين التونسي.... إن سؤال النهضة سؤال محلي ارتبط بمشروع سياسي يصل مصر بالمشرق العربي، في سيرورة بناء دولة مركزية شرقية قوية ومتأوربة تطمح إلى الاستقلال الكامل عن السلطنة العثمانية المتزعزعة والمحتضرة، وهذا ما أرهب السلطان العثماني والغرب الأوروبي في آن معاً، حول خطورة هذا المشروع السياسي، الذي يعمل لتحقيقه نظام محمد علي المركزي. ويلاحظ هنا وقوف أوروبا الغربية الحديثة بقيمها العقلانية والديمقراطية، والحاملة لرسالتها الكونية، رسالة الديمقراطية المسماة بالليبرالية وذات النزعة الفردية ضد مشروع نهضوي تحديثي عقلاني في مصر وسورية بزعامة الحاكم المستنير، وتحالفها مع قوة تقليدية متخلفة ممثلة بالسلطان العثماني، مجافية لكل مبادئ الديمقراطية الليبرالية. وهذا يعني أوروبا لم تكن أمينة لقيم ومثل الثورة الديمقراطية البرجوازية المتناقضة جذرياً مع الدولة الاقطاعية وكل مخلفات القرون الوسطى، بل هي أمينة لمصالحها الاقصادية والاستراتجية الجيو - سياسية. وهذه المداورة الانتقائية للديمقراطية الليبرالية، ولمفهوم حقوق الإنسان، أصبحت سياسة متأصلة عند الغرب، الذي يحرك آلة حرب " حقوق الإنسان" ضد الأنظمة في الوطن العربي التي يصنفها معادية له من وجهة نظره، سواء كانت قومية علمانية أو جذرية، ويضرب جدار من الصمت على الأنظمة الموالية له، حتى لو كانت ديكتاتورية ومعادية للحرية والديمقراطية، وتطبق الشريعة الإسلامية على الطريقة المتشددة. رغم ثقل العوامل الخارجية، وأهميتها، ولاسيما التحالف بين السلطان العثماني والغرب الأوروبي، إلا أن العوامل الخارجية لاتكفي لتفسير إجهاض محاولة محمد علي في بناء دولة مصرية عربية جديدة وحديثة. فالعوامل الداخلية، وعلى رأسها طبيعة الدولة التي بناها محمد على، دولة مركزية استبدادية محدثة، وضعف اندماج الأفكار الإصلاحية والتنويرية في المجتمع. لقد " تضمنت تجربة محمد علي الكثير مما يسمى " القومية التنموية " بكل ما تنطوي عليه من مركزية وتعبئة في سبيل البناء العسكري والتنمية الاقتصادية من منطلق قومي. ولو كان محمد علي مصرياً لسارات الأمور بطريقة أسرع. وقد بلغ نظامه حداً من المركزية دفع باقتصادي مصري في الأربعينات إلى تسمية " الاشتراكية الحكومية" وقد آمن محمد علي بأنه لابد من إدارة مصر عن طريق سلطة مركزية عليا، لأن التعدد والتفسخ كادا أن يؤديا إلى انهيار فكرة الحكومة نفسها في البلاد " (12). فالدولة المركزية التي بناها محمد علي لم ترتكز على فكرة المجتمع السياسي المستند إلى العقد الاجتماعي، أو الميثاق الوطني، مثلما لم تكن ملتزمة باحترام الحريات التقليدية السائدة في الغرب، كالحرية السياسية، وحرية القول، وحرية الفكر، وحرية العقيدة، وحرية الفرد في اختيار دينه ونمط حياته ومن يمثله سياسياً، وحرية العمل وغيرها. وفضلاً عن ذلك، فإن كتلة المجتمع ظلت غارقة في الجهل والأمية، ويسودها التفكير الخرافي والأسطورة اللاعقلانية، في حين كانت النخبة قد أحرزت تقدماً ملحوظاً. ويعود السبب في هذه الهوة بين النخبة وكتلة الشعب، إلى ضعف الجسم السياسي وهزاله. كما أن عملية التصنيع التي تمت هي بالأحرى عملية تحديث تكنولوجي، فلم يندمج العلم القادم من الغرب مع تكنولوجيا على ضعفها وبساطتها بالعمل، ولابالايديولوجية العربية الإسلامية ليعمل على تحديثها. وظلت هذه الازدواجية قائمة في المجتمع العربي إلى يومنا، تأخر ايديولوجي سياسي، وايديولوجية تقليدية مهيمنة من جهة، وتطور تكنولوجي ترافقه نزعة علموية من جهة أخرى. ولعبت الايديولوجية العربية الإسلامية دوراً وازناً في لجم عملية الانتقال من نمط الانتاج شبه الاقطاعي القديم إلى علاقات انتاج رأسمالية حديثة. وعلى نحو خاص، ذلك أن حرية الفرد، وحقوق الإنسان التي كانت أساس النهضة الغربية غير معروفة وغير معترف بها في هذه الايديولوجيا. ويمكن القول أن محاولة النهضة العربية لم تسجل قطيعة معرفية ومنهجية وثقافية مع النظام المعرفي والثقافي العربي، الذي كان سائداً منذ عصر انحطاط الدولة العباسية وحتى " العصر الحديث "، مثلما فعلت النهضة الأوروبية. وكانت محاولة النهضة هذه تستند إلى نزوع أو إلى تطلع نحو التقدم ومحاكاة الغرب دون أن يكون الإنسان العربي مركز هذه العملية التاريخية. وربما كان هذا الغياب والتغييب لمفهوم الإنسان، وحرياته السياسية، وحقوقه المدنية، دور أساسي في انتاج وإعادة انتاج الدولة ذات النظام الأبوي القائمة على جهاز الأمن الداخلي، المخابرات، التي تقوم " بضبط مجريات الأمور المدنية والسياسية "، وفي ضعف عدم تكون المجتمع المدني الحديث المتحرر من طغيان وهيمنة الدولة المحدثة عن السلطنة الأبوية التقليدية. هوامش الفصل الأول: 1UU لوتسكي - تاريخ الأقطار العربية الحديث - دار الفارابي الطبعة الثامنة 1985، (ص44). 2UU المقطع مأخوذ من المرجع السابق (ص 46-47). 3UU د.سمير أمين. التطورللامتكافئ - ترجمة برهان غليون - دار الطليعة - الطبعة الرابعة، (ص 232). 4UU انظر صادق سعد أحمد، مصر في ظل محمد علي " دراسات عربية " العدد 2 السابعة 7- كانون الأول 1980 . 5UU لوتسكي - مصدر سابق - (ص65). 6UU داميل توما - تاريخ مسيرة الشعوب العربية الحديث - الجزء الأول - دار الفارابي - 1979 (ص 40-41) -3- نقلا عن كتاب أمين سعيد الدولة العربية المتحدة الجزء الأول (ص 65-66). 7UU جورج انطونيوس - يقظة العرب - الطبعة العربية (ص 22)، نقلاً عن كتاب هنري بولوار حياة بالمرستون الجزء الثاني. 8UU أمين سعيد الدولة العربية المتحدة الجزء الأول (ص 97). 9UU سمير أمين - مصدر سابق (ص 234). 10UU لوتسكي - مصدر سابق (ص74). 11UU مجلة الفكر العربي - العدد 39-40 مقال د. شكري النجار - مفهوم التقدم عند المفكرين العرب في عصر النهضة (ص17)... نزيه نصيف الايوبي - الدولة المركزية في مصر - مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى - أيلول 1989 (ص 48). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |