المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني

كانت عوامل النهضة الفكرية والسياسية والاجتماعية تشكو من عدم الانسجام " فمن ناحية أولى لم تتمكن تلك اليقظة من إحداث بلورة جذرية للبنى الفكرية والاجتماعية المتوازنة (بما في ذلك البنى الاقتصادية والسياسية). ومن ناحية ثانية، عجزت تلك اليقظة عن استيعاب الطبيعة الحقيقية لمفهوم الحداثة " (1). فعلى الصعيد الفكري والثقافي كان هناك تياران : تيار الإصلاح الديني، وتيار ليبرالي. أما على الصعيد الاجتماعي السياسي، كانت ثمة حركتان متعاكستان حركة مجتمع متأخر بدأ يتلمس تأخره نتاج الصدمة مع الغرب، ويريد إعادة بناء ذاته وصياغة هويته، وتحديث بنيته بأدوات بعضها محلي ذو أبعاد تاريخية، وبعضها مضادة، مصدرها الضغط الخارجي، الذي كان يدفع إلى إعادة انتاج المجتمع المدني وفق معطيات العصر الحديث وشروطه، ولاسيما تحكم المراكز الاستعمارية، وإلى إعادة تشكيل بنى المجتمع وفق المصالح الرأسمالية الغربية، ومنطق التطور الرأسمالي اللامتكافئ لمصلحة ظهور رأسمالية تبعية و " هامشية " في الوطن العربي، حيث أصبح هذا الأخير منطقة هامشية وآمنة للسوق الرأسمالية العالمية، الأمر الذي قاد إلى ترسيخ علاقات التبعية البنيوية في المجالات الاقتصادية والثقافية إزاء الغرب، والحذو حذوه في نماذج الفكر والثقافة وأساليب المعيشة والحياة والاستهلاك .... إلخ. لقد تشكلت فئة رواد النهضة العربية الحديثة، في عهد دولة محمد علي ثم لاحقا في عهد إسماعيل الذي دفع بالنهضة الفكرية إلى الأمام، وفي ظل حركة الإصلاح التي بدأ بها أحمد باشا (1837- 1855) في تونس، وعهدي خليفة محمد باي (1855-1859) ومحمد صادق باي (1859 -1873). وكانت بعثات الطلاب ترسل إلى الدراسة في فرنسا بانتظام منذ العام 1826، حيث كانت مقتصرة في البداية على المسيحيين الاتراك والمشرقيين، ثم مالبث أن ازداد العنصر العربي المصري فيما بعد، وكان هوا لعنصر الذي تألفت منه الطبقة المثقفة الأولى لمصر الحديثة، هذه الطبقة التي أخذت، منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، تلعب دوراً في شؤون البلاد. فكان أعضاؤها يترجمون وينشرون إلى جانب الكتب التقنية الصرف، كتباً أخرى. وكانوا يتعاونون تعاوناً وثيقاً مع اتباع سان سيمون في إعادة تنظيم المدارس. وقد تخرج من بين صفوفهم أول المفكرين السياسيين العظام في مصر الحديثة، أعني به رفاعة الطهطاوي " (2).‏

إن رواد النهضة العربية الذين تعاملوا مع واقع المجتمع العربي المتخثر، والذي كان يعيش بدوره حالة من التفكك في ظل النظام الاقطاعي العثماني القديم، الذي سيمهد تفككه لنشوء علاقات رأسمالية في عالم المدينة العربية، ولتغلغل الرأسمال الأوروبي في مصر وسوريا وتونس وباقي البلاد العربية الأخرى، مدمراً بذلك الصناعات الحرفية وإعاقة تطورها الطبيعي، وكذلك الكيان الصناعي التقليدي، على أثر دخول السلع الأوروبية، ولتحويل الوطن العربي كله إلى الرأسمالية التابعة، هؤلاء الرواد احتلوا موقعاً ودوراً توفيقيين وإصلاحيين في سيرورة التحديث التي بدأت تشق طريقها في دولة محمد علي باشا بمصر، وسلطة باي تونس، حيث أن سيرورة التحديث هذه لم تكن خارجة عن سياق خيارات الدولة العثمانية في التحديث أصلاً. " وخصوصية الطهطاوي والتونسي تبدو هنا لافته ومثيرة.. فهما تربيا " تربية تقليدية " (على حد وصف البرت حوراني) قبل اتصالهما الفعلي بـ : المدنية الفرنسية "، فالطهطاوي، ابن البيئة الفلاحية الفقيرة، والأزهري، والواعظ والأمام، هو مثال حي لإحدى التجارب المتفرعة عن خيارات التحديث الناشئة داخل الدولة وأجهزتها أثر عملية التحدي الذي فرضته القوة الأوروبية الصاعدة. والاثنان معاً، نشأ وشكلا في سياق التجربة الجديدة التي نهضت من داخل الدولة العثمانية تجربة الإصلاح والتحديث. ولقد فتحت سياسة باشا مصر وباي تونس أمامهما آفاقاً صاغت توجههما اللاحق وشكلت تعبيراً دقيقاً عن واقع المثقف الملحق بمنطق الدولة الناشئة والمشارك في تنفيذ سياستها : (3).‏

ثم أن المشروع النهضوي التحديثي الذي ارتبط بالطهطاوي وخير الدين اللذين ينتميان إلى بلدين عربيين، تعرضا منذ وقت مبكر إلى تهديد قوة الغرب، وتوسعه الرأسمالي الاستعماري، لم يكن مشروعاً قومياً تاريخياً للنهضة العربية الشاملة، بقدر ما كان مشروعهما يريد تحقيق الربط الشامل بين أقطار العرب الحديثة والمدنية الغربية في سبيل السير في طريق الترقي العمراني، وبواسطة مسائلة التقدم الحديث بالنسبة للمجتمع العربي الإسلامي، الذي أصبحت تفصله هوة سحيقة بينه وبين الغرب، في مختلف مجالات الحياة، ومن دون تحقيق القطيعة مع الماضي أي مع المدنية الإسلامية بالذات التي أصبحت مهددة في وجودها من قبل العامل الخارجي، أي الغزو الاستعماري الغربي.‏

والواقع أن هذا المشروع النهضوي التحديثي على الصعيد العربي، الذي تحكمت فيه رؤية إزدواجية قائمة في جوهرها على النزعة التوفيقية بين القيم الإسلامية والقيم الغربية الحديثة، والمصالحة بينهما، لم يكن تعبيراً عن صراع داخلي عميق بين قوى اجتماعية راديكالية جديدة تمثل القوى المنتجة الثورية، التي بلغت درجة معينة في تطورها الاقتصادي والاجتماعي، وبين قوى تقليدية رجعية ممثلة للعلاقات الانتاجية، التي أصبحت معيقة ومتناقضة مع سياق التطور التاريخي للمجتمع برمته، يتطلب والحال هذه تصفية الحساب معها عن طريق تجاوزها ديالكتيكيا تاريخياً وسياسياً ،باتجاه الانشداد نحو المستقبل. ولهذا، من الصعب جداً أن نحلل ونفسر المشروع النهضوي التحديثي في الوطن العربي انطلاقاً من العوامل الداخلية وفي مقدمتها العوامل الاقتصادية والاجتماعية، وصراع قوى التقدم مع قوى التأخر التاريخي، مثلما هو الأمر الذي حكم حركة النهضة الأوروبية، التي كان الصراع الداخلي العنيف هو محركها الأساسي، الأمر الذي مكنها من تجسيد قطيعة معرفية ومنهجية مع الماضي القديم، وتجازوه جدلياً هو والحاضر، وتوجهها نحو المستقبل لبناء مشروع مجتمعي جديد، وثقافة جديدة، وتراث جديد، في ظل غياب كامل لعنصر التهديد الخارجي.‏

وعلى النقيض من هذا، نجد أن النهضة العربية الحديثة للمجتمع العربي المتأخر، الذي واجه الصدمة الغربية، كانت نتاج هذه الصدمة الغربية، التي اعادت الحياة المجمعية العربية وفق منطق التطور الرأسمالي اللامتكافئ، أي أن المحرك الرئيسي لهذه النهضة هوالعامل الخارجي الممثل بالتهديد الغربي، العوامل الداخلية التي كانت تحتل مرتبة ثانوية.‏

ولما كان العامل الخارجي، أي الغرب هو المحرك الأساسي في المشروع النهضوي التحديثي، على الرغم من بروز مظهريه المتناقضين في عقل رواد النهضة العربية، مظهر يمثل العدوان والغزو الاستعماري والهيمنة ... إلخ، ومظهر يمثل الحداثة والتقدم بكل قيمها العصرية المادية والمعنوية كالتقنية والعلم والديمقراطية والحرية، فإنه أصبح يمثل العدو والنموذج في آن معاً، بالنسبة للنهضة العربية، حسب قول الدكتور محمد عابد الجابري. " هذه المزدوجة - للعامل الخارجي، العدو والنموذج في الوقت نفسه، قد جعل موقف النهضة العربية من الماضي والمستقبل معاً مزدوجاً كذلك، فالتبس وتداخل فيها ميكانيزم النهضة الذي قوامه الرجوع إلى " الأصول " للانطلاق منها إلى المستقبل، مع ميكانيزم الدفاع الذي قوامه الاحتماء بالماضي والتثبت في مواقع خلفية ... إلخ هذا على صعيد الوعي والفكر، أما على صعيد الواقع التاريخي والصراع الاجتماعي فإن الحضور المستمر للعامل الخارجي وطابعه المزدوج والمتناقض قد جعل العلاقة بين قوى " التقليد " وقوى " التجديد " في المجتمع العربي علاقة متموجة متداخلة لاتنمو في اتجاه التجاوز والانفصال بل على العكس تتحرك في تشابك، ذهاباً وإياباً مما جعلها أقرب إلى الاستقرار والركود منها إلى الدينامية والتقدم " (4).‏

ثم أن الوطن العربي الذي بدأت تتغلغل فيه العلاقات الرأسمالية بفعل العامل الخارجي، أي هيمنة الرأسمالية الغربية، كان الصراع فيه ومازال يتخذ مظهراً مزدوجاً ومعقداً، هوالصراع من أجل انتصار أفكار النهضة الأوروبية، التي انجزت ثورات أوروبا البرجوازية وتقدمها، وبناء الدولة القومية، حيث أن الأفكار التنويرية الغربية كان لها تأثير مباشر على الفكر العربي النهضوي المغترب، وهوالصراع ضد الغرب في آن واحد. وفي ظل السلطنة العثمانية، التي أخذت تتقلص أمام الهجمات الاستعمارية الغازية الغربية، وتقدم التنازلات السياسية والاقتصادية للدول الأوروبية، تشتت الصراع أمام تفاقم التناقضات داخل الوطن العربي. فهناك تيار من النهضة يصارع السلطنة العثمانية في سبيل التحرر من هيمنتها، ولكنه شغوف بشعارات الثورة الأوروبية، وبالاقتداء بالغرب، والتحالف معه قصد التحرر من الحكم العثماني، وبناء النهضة العربية.‏

وهناك تيار الإصلاح الديني الذي استقطب رجال بارزين أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، والذي كان يؤكد على ضرورة الملائمة بين الإسلام والتطور الحديث، وتبني أهمية العلم الحديث، وضرورة الآخذ منه، من أجل تجديد شباب الإسلام، وتوحيد الشعوب الإسلامية والشرقية ضد الاستعمار الامبريالي الأوروبي. وهكذا نجد أن التمزق على صعيد الاختيار الأيديولوجي، أصبح السمة المميزة لرواد حركة النهضة، " فاصبح " " الاختيار" الصعب، مع الغرب أو ضده، يشمل الصعيدين معاً السياسي والايديولوجي، ولكن دون أن يعني تطابقهما بالضرورة. لقد كان هناك من كان مع الغرب ايديولوجياً وضده سياسياً، وكان هناك من كان معه سياسياً وضده ايديولوجياً، من جهة، كما كان هناك في الساحة العربية فريق ثالث مع " الأصولية " الإسلامية ايديولوجياً وضد الخلافة العثمانية سياسياً، وآخر رابع كان مع الخلافة العثمانية سياسياً وضد " الأصولية " التراثية ايديولوجيا، من جهة ثانية. وهكذا أوجدت قوى النهضة العربية نفسها في وضعية معقدة، وضعية الصراع من أجل الخيارات على الصعيدين الايديولوجي والسياسي، وضعية كان من سماتها البارزة تحالف، بعض فصائل قوى التجديد والنهضة مع خصمها التاريخي المتمثل في قوى التقليد والمحافظة، وتحالف فصائل أخرى من القوى ذاتها مع خصمها الوطني والقومي، الخارجي : الغرب" (5).‏

أولاً: الطهطاوي والربط بين الدسترة والمشروع التحديثي‏

إن الاختيار السياسي والايديولوجي الذي سار فيه كل من رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، سمته الرئيسة هي المزج بين محاكاة الغرب لجهة التأثر بأفكار عصر التنوير الفرنسي، والأخذ بأساليب تقدم، وتحديث، وقوة، وحيوية الغرب مقارنة مع تأخر المنطقة العربية وتخثرها، وبين التعامل مع التراث الليبرالي العقلاني للفكر السياسي الإسلامي.‏

وعلى الرغم من أن رفاعة الطهطاوي ولد في بيئة ريفية، وانتقل إلى القاهرة في العام /1817/ ليتلقى تعليمه من علوم الدين، واللغة، والأدب في الأزهر، حيث تتلمذ على يد الشيخ حسن العطار الذي كان يعتبر من أولئك العلماء، الذين كانوا منفتحين على العلوم والفنون الحديثة ابان حملة نابليون على مصر، إلا أن الطهطاوي استطاع أن يرسئ أسس الفكر المصري الحديث. فالطهطاوي عينه محمد علي أماماً لأول بعثة أرسلها إلى باريس لتلقي العلوم الطبيعية والتكنولوجية، والعسكرية الحديثة، وأقام وعاش في مناخ باريس لمدة خمس سنوات كاملة، حيث قرأ فيها التاريخ، والجغرافيا، والأدب، في عصر الثورات الفرنسية، بين 1789، 1830. ولاشك أن الطهطاوي عايش عن كثب الثورة التحررية التي اجتاحت فرنسا لعام 1830، والتي قادت إلى سقوط الملكية المطلقة، وشارل العاشر، آخر ملوك البوربون، وبمجيء لويس فيليب، ونظامه الملكي المقيد بالدستور. وفضلاً عن ذلك، فإن المكونات الفكرية والفلسفية، والتاريخية، التي أسهمت في التكوين العقلي للطهطاوي، هي أعمال فولتير وروسو ومونتسكيو، وكوندياك حيث كان يغرف من مناهل هذه الفلسفات العميقة والثورية، التي شكلت الأرضية الفكرية والثقافية والايديولوجية لمبادئ الثورة الفرنسية، التي كانت تقوم على الدعوة للحرية، والمساواة، والإخاء، بين البشر، في نطاق تناقضها المطلق مع الملكية المستبدة القائمة على الحق الالهي، والنظام الاقطاعي الارستقراطي. وليس عجباً أن يكون رفاعة الطهطاوي الذي عاش محاولة الانبعاث التي قادها محمد علي، وابراهيم باشا، وعباس الأول، وسعيد باشا، والخديوي اسماعيل، وبدايات حكم الخديوي توفيق "، أبو الفكر الثوري الحديث في كل مجال من مجالات الثقافة والفكر السياسي والاجتماعي، وفي التربية والتعليم، وفي علوم الدين والدنيا، فلاعجب أن خرج من عباءة هذا الشيخ العظيم اعلام الفكر التقدمي في مصر الحديثة، من محمد عبده وقاسم أمين وعثمان جلال إلى لطفي السيد وطه حسين وعلي عبد الرازق إلى محمود عزمي ومحمد مندور، ولاعجب أن كانت ثورة 1882 وثورة 1919 وثورة 1952 مدينة له بالشيء الكثير. فهو الذي بذر بذور الفكرة الديمقراطية في أول كتاب أصدره في صدر حياته، وهو" تخليص الابريز في تخليص باريز " (1834). وهو الذي بذر بذور الفكرة الراديكالية، بل والفكرة الاشتراكية المعتدلة في آخر كتاب عظيم أصدره في آخريات حياته وهو " مناهج الألباب المصرية في مباهج الادب العصرية " (1869 )" (6).‏

لاشك أن صورة أوروبا للتقدم، وسيادة المفاهيم السياسية الليبرالية، والتحديثية في إطار النظام القائم، هي التي سيطرت على الفكر الإصلاحي لرفاعة الطهطاوي، الذي على الرغم من استلهامه بمبادئ ومقومات الايديولوجية الليبرالية الغربية، إلا أنه لم يستطع أن يبلور نظرية نقدية وتاريخية حول المجتمع المدني، وهذه مسألة لاتتعلق بالعجز أو القصور الذاتي لرواد فكر النهضة، وإنما المسألة " في عمقها الفكري والتاريخي مسألة موضوعيه ". ولهذا، فإننا لا نجد تأصيلا نظريا لمفهوم المجتمع المدني عند الطهطاوي، بقدر ما كان يرى أنه يكفي إدخال إصلاحات على المجتمع الأهلي (التسمية الإسلامية للمجتمع المدني) تتعلق بالإصلاح الإداري، والإصلاح الأخلاقي، وإصلاح التربية، فضلاً عن الإصلاح الديني وموائمة الإسلام مع العصر، ومواجهة التفكير الخرافي وكل ما يندرج تحت عنوان البدعة في الإسلام، ولذلك، علاقة وطيدة بتحديث الوعي وعقلنته.‏

لقد سيطرت على الطهطاوي فكرة الوطنية المصرية، ولهذا فإن مشروعه للنهضة هو مشروع وطني للنهضة في مصر، وغيرها من الأقطار العربية الأخرى، باعتبار أن مصر شكلت تاريخياً قاعدة رئيسية للنهضة العربية. لكن من الصعب جداً أن نعتبر مشروع الطهطاوي مشروعاً قومياً للنهضة العربية. فالفكرة القومية في وعي الطهطاوي يماهيها " بالجنس "، فهو يعرف بالجنس البشري، على أنه " جماعة الناس الساكنة في بلدة واحدة، تتكلم بلسان واحد، وأخلاقها واحدة وعوائدها متحدة، ومنقادة غالباً لأحكام واحدة ودولة واحدة، وتسمى (هذه الجماعة) بالأهالي، والرعية والجنس، وأبناء الوطن " (7). ففي كتابه " تخليص الايبريز "، الذي يعد كتاباً عن عصر التنوير الفرنسي والحضارة الفرنسية، والذي كتبه كاتب، تربى على تراث الفكر السياسي الإسلامي، ولكنه كان مقتنعاً بأن طريق تحديث مصر وتقدمها لاسبيل له إلا بإتباع نهج الحضارة الأوروبية الحديثة. بَشّرَ الطهطاوي بأفكار عن العدالة، والديمقراطية، والشورى، والعلم، والإصلاح الديني، وقيام الدولة الواحدة، وهي أفكار مستعارة في معظمها من أفكار التنوير الغربي، التي وجدت تربة خصبة لنموها وازدهارها في مجتمعاتها، بحكم أن هناك طبقة بورجوازية صاعدة استطاعت أن تنجز الثورة الديمقراطية البرجوازية، وتهزم الاقطاع اقتصادياً وسياسياً وإيديولوجيا، وترسي دولة الحق والقانون المستندة إلى فكرة العقد الاجتماعي، وتبني المجتمع المدني الحديث .‏

وعلى نقيض أفكار النهضة العربية، وفي مقدمتها أفكار الطهطاوي التي بلورها في كتابه " تلخيص الابريز " أولاً، والتي كانت موجهة بالدرجة الرئيسية إلى مصارعة الاقطاع السياسي، وتحديه الايديولوجية التقليدية القائمة على الجامعة العثمانية باسم الجامعة الإسلامية، حيث كان العثمانيون يحكمون العرب باسمها، فإن هذه الأفكار لم تجد التربة المناسبة لنموها. وهذا عائد إلى غياب الطبقة البرجوازية العربية الصاعدة (الحاملة في سيرورتها الطبقية نظام إنتاج رأسمالي قائم بذاته متناقض عدائياً مع الإقطاع )، والتي تصارع جديا وفعلياً الإقطاع السياسي لانتزاع السلطة منه. ومن هنا كان تأثير هذه الأفكار محدوداً، ومقتصراً على النخب الثقافية والسياسية التي كانت تنزع نحو تحقيق التحرر والتقدم لمجتمعاتها، ولم تغص في أعماق الجماهير الشعبية، وبالتالي عامة المجتمع، وهذا لا يعني التقليل من شأن تلك الأفكار ومن أثرها البالغ في بدايات عصر النهضة العربية، منظوراً إليها في إطارها الزماني والمكاني.‏

غير أن الطهطاوي في كتابه " مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية " الذي بلور فيه بنضج أكثر تقدماً وعمقاً من كتابه الأول، أفكاره السياسية والاقتصادية عن المجتمع والدولة، والذي يعتبر كتاباً موجهاً بالدرجة الرئيسة لتصفية الاقطاع اقتصاديا، قد ثبت مجموعة من المقولات الأساسية، منها فكرة الوطنية المصرية، وفكرة الدولة الزمنية، والخطوط الأساسية للنهضة الوطنية المصرية، (أي المقومات للمجتمع البرجوازي) التي عبدّت الطريق لمعالم النهضة العربية. ويعلق ألبرت حوارني على أفكار الطهطاوي في المجتمع وفي الدولة قائلاً، بأنها ليست " مجرد عرض جديد للنظرة التقليدية، ولا مجرد انعكاس للأفكار التي تلقنها في باريس ومع أنه يتبع أجمالاً في إخراج هذه الأفكار، الطريقة التقليدية، مستشهداً في إثبات كل مسألة بالنبي والصحابة، وينظر إلى السلطة السياسية التفكير الإسلامي التقليدي إليها، فقد توسع في بعض النواحي توسعاً جديداً وهاماً (8).‏

تتجلى فكرة الوطنية المصرية عند الطهطاوي في تمجيده حضارة وعراقة مصر القديمة، ففي كتابه في "مناهج الألباب"، كتب يقول " فقد اجمع المؤرخون على أن مصر دون غيرها من الممالك عظم تمدنها وبلغ أهلها درجة عليا من الفنون والمنافع العمومية فكيف لا وان أثار التمدن وإماراته وعلاماته مكثت بمصر نحو ثلاثة وأربعين قرنا الوارد والمتردد ويعجب من حسنها الوافد والمتفرج مع تنوعها كل التنوع. فجميع المباني التي تدل على عظم ملوكها وسلاطينها هي من أقوى دلائل العظمة الملوكية وبراهينها. فانظر إلى آثار منف وأبنيتها وعجائبها وأصنامها ودفائنها مما يحكيه المؤرخون عنها وأنها كانت ثلاثين ميلا بيوتا متصلة ومنها بيت فرعون وهو قطعة واحدة من الحجر وسقفه وفرشه وحيطانه من الحجر الأخضر وكان لها سبعون بابا وهي والمدينة المملكة المصرية وكانت تنزل الملوك من القبط الأولى والعماليق ومسكن الفراعنة ومازال الملك بها إلى أن ملك الروم واليونان ديار مصر فانتقل كرسي المملكة منها إلى الإسكندرية ومع ذلك لم تزل عامرة إلى أن جاء الإسلام ثم خرجت وفيها كانت الأنهار تجري من تحت سرير الملك وكانت أربعة أنهار.‏

ويقال أن ملوك الدنيا لو اجتمعوا واتفقوا على أن يصنعوا مثلها لما أمكنهم ذلك ".‏

إن الطهطاوي ينظر إلى مصر باعتبارها بلداً متميزاً في مدنيته، ووريثاً شرعياً للفراعنة، وهو يمجد عظمة مصر في التاريخ الغابر القديم، ولكنه في الوقت عينه مهتم بمستقبلها، انطلاقاً من وطنيته الجياشة والمتقدة، التي لا علاقة لها بالايديولوجية السياسية. " وهو يرى أن مصر القديمة ما بلغت في كل هذا المجد وهذه المدنية إلا بواسطتين : " (إحداهما) تهذيب الأخلاق بالآداب الدينية والفضائل الإنسانية.... (والواسطة الثانية) هي المنافع العمومية التي تعود بالثروة والغنى وتحسين الحال وتنعيم البال على عموم الجمعية (يقصد المجتمع) وتبعدها عن الحالة الأولية الطبيعية (يقصد البدائية وحياة الفطرة)‏

("مناهج " 7-8): وهو يعلمنا أن الوطنية هي قمة الفضائل وأن حب الوطن ركن من أركان الدين، وأن دليل الوطنية هو الرغبة في تمدين الوطن والعمل على تجديد شبابه بالعمران. والطهطاوي الذي يصف نفسه بأنه " عاشق لجمال العمران " يقول أن غايته وغاية كل وطني هو بعث مجد مصر القديم بالأخذ بأسباب الحضارة الحديثة، وإن دوره كمفكر ودور كل المثقفين هو خدمة المجتمع بفكرهم وعلمهم"(9).‏

إن مقولة الوطنية المصرية في الفلسفة السياسية للطهطاوي تشكل ركيزة أساسيه للتقدم وللتمدن في مصر، حيث كان يدعو من خلال تركيزه على تلك المقولة، المصريين إلى التخلص من نير الحكم العثماني، وإقامة جمهورية مستقلة عن تركيا برئاسة محمد علي، الذي كان شديد الإعجاب بهذا الرجل الذي حرر مصر من قبضة المماليك وقادها في طريق التقدم فلقبه بالمقدوني الثاني، إذ كان محمد علي يشعر بالشبه بينه وبين الاسكندر، كما كان يقرأ حياته بلذة (10).‏

والحال هذه، يحيلنا إلى دراسة الفكر السياسي الاجتماعي والاقتصادي للطهطاوي خلال القرن التاسع عشر، حيث أنه يعرف السياسة المتعلقة بالدولة، أصولها، وأحكامها، وروابطها، على النحو التالي، " وقد جرت العادة في البلاد المتقدمة بتعليم الصبيان القرآن الشريف في البلاد الإسلامية، وكتب الأديان وغيرها قبل تعليم الصنائع وهذا لابأس به في حد ذاته، ومع ذلك فمبادئ العلوم الملكية (يقصد المدينة) السياسية هي قوة حاكمة عمومية وفروعها في الممالك والقرى بالنسبة لأبناء الأهالي، مع أن تعليمهم أيضاً لهم مما يناسب المصلحة العمومية. فما المانع من أن يكون في كل دائرة بلدية معلم يقرأ للصبيان بعد تمام تعليم القرآن الشريف والقواعد ومبادئ العربية مبادئ الأمور السياسية والإدارية ويوقفهم على نتائجها، وهو فهم أسرار المنافع العمومية التي تعود على الجمعية (يقصد المجتمع) وعلى سائر الرعية من حسن الإدارة والسياسية والرعاية في مقابلة ما تعطيه الرعية من الأموال والرجال للحكومة، ويفيدهم أسباب إيجاب الحكومة على الأهالي (يقصد إلزام الحكومة للأهالي) أن تخدم وطنها بنفسها خدمة شخصية في العسكرية وأسباب إلزام الأهالي بدفع حصة مخصصة من أموالهم بوصف خراج اوويركو أو عوائد أو نحو ذلك من واجبات الحكومة القائمة في الدول الإسلامية مكان الزكاة المفصلة، وكذلك ليعرف الأهالي أسباب إيجاب الحكومة عليهم أن يتنازلوا عن شيء من أملاكهم وعقاراتهم عند اقتضاء واحتياج الحكومة لذلك للمصلحة العمومية كتوسيع الطرق وما أشبه ذلك من العمليات التنظيمية " (11).‏

نستخلص من هذا المقطع الطويل، أن قوام مشروع النهضة السياسية عند الطهطاوي يتمثل في تعليم الشعب خدمة المنافع العمومية، أي ما نطلق عليها بلغتنا اليوم المصالح العامة للمجتمع، والتضحية بالمصالح الشخصية في سبيل تحقيق المصالح العمومية المرتبطة والمتطابقة مع مصلحة الحكومة، وبالتالي مع مصلحة الوطن، وهو يرى أن المصالح الخصوصية ليست مضمونة الحصول إلا ضمن فوائد المصالح العمومية. غير أن الطهطاوي يربط تحقيق ذلك، بالقضاء على العزوف السياسي عند الشعب المصري، الذي كان مكتفياً بالتربية الدينية فقط، حيث أن العزوف عن السياسة قد أقصى الشعب عن المشاركة في الحكم، وجعل السياسة حكراً على دائرة مغلقة من الحكام والطبقة. إذن ما يطالب به الطهطاوي هو تسييس الشعب، وتعميم التربية السياسية على كل أفراد الشعب في المدارس، لكي يصبح واعياً لحقوقه وواجباته السياسية والمدنية. ذلك أن تعميم الثقافة السياسية الحديثة على الشعب أصبحت وسيلة في غاية من الأهمية من أجل تغيير المجتمع، وتقدمه، وتمدنه. ثم أن طبيعة المجتمع المدني الحديث، ووظيفة الدولة الحديثة يتطلبان فلسفة سياسية حديثة، على نقيض وظيفة الحكومة في الماضي، التي تستمد قوانينها من الشرائع السماوية.‏

فالضرائب العامة قد حلت محل الزكاة المعطلة والخدمة العسكرية الإجبارية وحروب الدولة الحديثة قد تجاوزا أغراض الجهاد الديني بالمعنى المحدد، " وبالتالي فإن حق كل مواطن ومن واجبه أن يعرف في أي وجه تتصرف الدولة في ماله وفي شخصه سواء بإلزامه بالمشاركة في الضرائب العامة بالمشاركة في الخدمة العسكرية، وإخفاء هذه الحقوق والواجبات من المواطنين يتضمن قيام حالة من الاغتصاب تمارسها السلطة مع الشعب وتتنافى مع فكرة قيام المجتمع المدني، وبالتالي فهو يغض من شرعية السلطة " (12).‏

إن الطهطاوي يقيم تمييزا واضحا بين الدولة التقليدية التي تنبع قوانينها، وأحكامها، وعلائقها، من الشريعة الإسلامية، والتي تحرص على تطبيقها، وبين الدولة الغربية الحديثة التي تستمد مشروعيتها من القوانين الوضعية، التي ولدها العقل البشري، ومن مشاركة الشعب في الحياة السياسية، وفكرة العقد الاجتماعي، وتقسيم السلطة إلى ثلاث : تنفيذية، وتشريعيه، وقضائية. وفي نطاق هذا التمييز بين الدولة القائمة على مبادئ الشرع الإسلامي، والدولة القائمة على قوانين أوروبا الحديثة، كان الطهطاوي معجباً جداً بالنظام السياسي في فرنسا، وما طرأ عليه من تعديلات ثورية على ضوء ثورة الشعب الفرنسي العام 1830، وخصوصاً نص دستور 1818 " الشرطة " La Charte الميثاق الدستوري، ونصوص المواد المعدله فيه التي أدخلت عليه الثورة لإصلاحه. فالطهطاوي يرى في تاريخ الفكر السياسي الليبرالي الغربي أن فلسفة الملكية المقيدة أو فلسفة الجمهورية في الدولة الغربية الحديثة، تقوم على أساس أن الأمة هي مصدر السلطات، وذلك من خلال سيادة الشعب على نفسه عبر انتخاب ممثليه السياسيين سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، ومن خلال أيضاً الإلتزام بالميثاق الدستوري الذي يؤكد سيادة الشعب، ويحدد في الوقت عينه الإطار القانوني لممارسة السلطات، وهو لذلك طالب بتكييف الشريعة الإسلامية وفق لحاجات العصر، من أجل التعرف إلى العالم الحديث، وفي سبيل إقامة حكم يقوم على الميثاق الدستوري " الذي ينظم العلاقات بين سلطات الدولة والمواطنين ". وعلى الرغم من أن فكرة الدستور بمفهومها العقلاني الغربي ليست معروفة في الفكر السياسي العربي الإسلامي، في ظل سيادة الدولة الاستبدادية أو الاوتوقراطية (الفردية - الدينية) منذ عهد الانحطاط وحتى بداية عصر النهضة مع محمد علي، إلا أن الطهطاوي يستنتج " من واجب العلماء في تفسير الشريعة على ضوء الحاجات الحديثة أن عليهم أن يتعوفوا إلى العالم الحديث، وبالتالي أن يدرسوا العلوم التي ولدها العقل البشري. وهو يستشهد بسيرة أحد المشاريع الفكرية ليثبت أن دراسة الفلسفة والعلوم العقلية بقيت حيه في العالم الإسلامي حتى فترة قصيرة خلت ". (13) .‏

إن الطهطاوي الذي يحث المصريين على التحرر من نير الحكم العثماني، يريد أن يقول لهم بأن الميثاق الدستوري ليس مستنبطاً من الكتب السماوية ومصادر الشريعة الإسلامية، وإنما هو مستنبط من أملاءات العقل السياسي الحديث الذي يصوغ القوانين الوضعية، ومن احتياجات المجتمع المدني الحديث، ومن الفكر السياسي العقلاني الديمقراطي والعلماني القائم على ما يسمى حقوق الإنسان، وباعتبار أيضاً أن هذا الميثاق الدستوري هو الذي يقود إلى تحقيق العدالة، وإلى نشر العقلانية والمدنية داخل مكونات المجتمع. والطهطاوي يقول في " تخليص الابريز " عن الميثاق، " الكتاب المذكور الذي فيه هذا القانون يسمى الشرطة، ومعناه في اللغة اللاطينية ورقة تسامح فيها، فأطلت على سجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة، فلنذكره لك، وأن كان غالب ما فيه ليس من كتاب الله تعالى، ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم (وإنما من إملاء العقل )، لنعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير المماليك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك، حتى عمرت بلادهم وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلماً أبداً، والعدل أساس العمران ".‏

ثم أن الميثاق الدستوري الذي يدافع عنه الطهطاوي ليس تعبيراً عن مطامع طبقة برجوازية مصرية صاعدة تصارع الإقطاع، والايديولوجية التقليدية، وإنما هو تعبير عن طموحه هو في تمثل التمدن الأوروباوي، وفي بناء مجتمع برجوازي مصري على نموذج المجتمع الفرنساوي بكل مؤسساته وعلاقاته، وأبعاده السياسية، والاقتصادية، والثقافية، حتى وإن كان هذا البناء لا يستند إلى طبقة برجوازية مصرية " متحولة إلى ذات التاريخ " .‏

والطهطاوي يريد في الوقت عينه أن يلبس أفكاره البرجوازية التي منبعها الغرب، والفكر الأوروبي، ثوباً دينياً إسلامياً، حين ينادي بأن الميثاق له سند في الشريعة الإسلامية، فضلاً عن أنه لايرى أي تناقض بين الأصول العامة التي صدر عنها الميثاق وبين الأصول العامة للشرع الإسلامي، وبالتالي فهو لا يرى أي تناقض بين ما يدعو إليه هذا الميثاق، وما يدعو إليه الإسلام، " مؤكداً أن لافرق كبير بين مبادئ الشرع الإسلامي ومبادئ " القانون الطبيعي" التي ترتكز إليها قوانين أوروبا الحديثة ".‏

وفي تعريفه للسياسة، قدم لنا الطهطاوي فهماً حديثاً للسياسة وأقسامها السياسية البنيوية، والسياسة الملوكية، والسياسة العامة والسياسة الخاصة، والمنزلية، والسياسة الذاتية أو الشخصية. وكان الطهطاوي يركز كثيراً على السياسة العامة، باعتبارها سياسة ميدانها تدبير وإدارة المنافع العامة. وفضلاً عن ذلك فهو يأله الدولة باعتبارها الشأن العام، وكان شديد الإعجاب بصورة محمد علي بوصفه مجداً لهذه الدولة. ويقول رفاعة الطهطاوي عن الدولة في كتاب مناهج الألباب (ص 349) " فقد استبان من هذا احتياج الانتظام العمراني إلى قوتين عظيمتين، إحداهما القوة الحاكمة الجالبة للمصالح الدارئة للمفاسد، وثانيهما القوة المحكومة، وهي القوة الأهلية المحرزة لكمال الحرية الممتعة بالمنافع العمومية فيما يحتاج إليه الإنسان في معاشه ووجوده كسبه وتحصيل سعادته دنيا وآخرة. فالقوة الحاكمة العمومية وما يتفرع عنها، تسمى أيضاً بالحكومة وبالملكية، هي أمر مركزي تنبعث منذ ثلاثة أشعة قوية تسمى أركان الحكومة، وقواها (يقصد سلطانها) فالقوة الأولى (يقصد السلطة الأولى )، قوة تقنين القوانين وتنظيمها وترجيح ما يجري عليه العمل من أحكام الشريعة أوالسياسة الشرعية (يقصد السلطة التشريعية). الثانية قوة التنفيذ للأحكام، بعد حكم القضاة بها (يقصد السلطة التنفيذية). فهذه القوى الثلاث ترجع إلى قوة واحدة، وهي القوة الملوكية المشروطة بالقوانين".‏

إن الطهطاوي يعرف الدولة مؤسسياً ووظيفياً على النحو التالي :‏

القوة الحاكمة أي (الحكومة أو الملكية) وتكمن وظيفتها في جلب المصالح ودرء المفاسد، تنبعث منها ثلاثة أشعة قوية تسمى أركان الحكومة وقواها، أي السلطات الثلاث: السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية. وهذه السلطات الثلاث من وجهة نظر الفقه الدستوري تمثل سيادة الدولة، التي تجسد مركز السلطة في المجتمع بواسطة شبكة من المؤسسات المخصصة للحكم. وهذه الدولة الممثلة لهذه السلطات الثلاث يسميها الطهطاوي بالقوة الملوكية (بمعنى السيادة Souveraineté لا بمعنى السلطانية Monarchie) المقيدة بالقوانين وبالحكم الدستوري الديمقراطي كما هي الحال في الغرب الرأسمالي.‏

وعلى الرغم من أن الطهطاوي مؤمن بالليبرالية المطلقة التي سادت في أوروبا القرن التاسع عشر، ونظرية الفصل بين السلطات التي تشكل أساس الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية " التمثيلية " غير المباشرة، وبالإرادة الشعبية، إلا أنه من الواضح في كتابه " مناهج الألباب " أنه قام بعملية ترحال من الإيمان بجمهورية جان جاك روسو الديمقراطية الثورية إلى الاكتفاء بالدولة الملكية المقيدة بالقوانين، وبالشكل الدستوري أي الخاضعة بالضرورة لسيادة القانون، كما نادى بها صراحة مونتسكيو صاحب " روح الشرائع ". " وهذا بالضبط موقف مونتسكيو سلطة الدولة، أو " القوة الملوكية " إذن لها مقياسان لشرعيتهما: إنها واحدة أي مجسدة لإرادة واحدة، فهي غير قابلة للتجزئة ولا للتعدد، كالتعدد النابع من تعدد الإرادات كما في دول المماليك أو أمراء الإقطاع، وإنها خاضعة لسيادة القانون، وإلا كانت هذه الإرداة الواحدة خاضعة لنزوات الحاكم المستبد. وانبثاق السلطات الثلاث : التشريعية والقضائية والتنفيذية من هذا الكيان الواحد ليس معناه تجزئة هذا الكيان إلى ثلاثة كيانات مستقلة معبرة عن ثلاث إرادات مستقلة ". (14).‏

أما القوة الاجتماعية السياسية الثانية التي تشكل ركنا أساساً للدولة هي القوة المحكومة أي الشعب والرعية، أي مجموع المواطنين الذين يتشكل منهم المجتمع، والرأي العام، الذي أصبح يلعب دوراً مهماً في الحياة السياسية المعاصرة للدولة الحديثة.‏

ويقول الطهطاوي في " مناهج الألباب " (ص 355) بصدد قوى الرأي العام الذي يمكن أن يقلب العروش ويغير نظم الحكم، ما يلي : " فإن الملوك يستحون من اللوم العمومي، فالرأي العمومي سلطان قاهر على قلوب الملوك والأكابر، لايتساهل في حكمه ولا يهزل في قضائه. فويل لمن نفرت منه القلوب واشتهر بين العموم بما يفضحه من العيوب ".‏

في الفلسفة السياسية للطهطاوي تجسد الدولة السلطة في المجتمع المدني، وذلك من خلال قدرتها على اختراقه والتدخل في تنسيق مؤسساته، ولكن على أساس فصل السلطات، ورقابة هذا المجتمع المدني على الدولة، وخضوع الدولة نفسها للقوانين، بحيث تصبح ممارستها للسلطة هيمنية. ثم إن سلطة الدولة التي عبر عنها الطهطاوي سابقاً بالقوة الحاكمة تقتضي حاكماً، وقوة محكومة هي الرعية أوالشعب، ولهذا وجب تحديد العلاقة بين القوتين، فالقوة الحاكمة هي صاحبة النفوذ الأول في الدولة، وتتصرف بالأصول المرعية، أي من خلال خضوع السلطة للقوانين والتقيد بها لمبدأ سيادة القانون، أما القوة المحكومة فلايمكن أن تنتظم بدون وجود سلطة، وإلا سادت الفوضى في المجتمع.‏

غير أن العلاقة بين هاتين القوتين في الدولة الحديثة، بين السلطة والشعب، يجب أن يحكمها الدستور أبو القوانين، الذي يركز على مبدأ أن الأمة هي مصدر السلطات، وأن السيادة هي للشعب ولرئيس الدولة، وإن الديمقراطية هي حكم الإدارة الشعبية العامة، وإن سيادة القانون يجب أن يسري على السلطة الحاكمة، إذ أن هذه الأخيرة لا يمكن أن تستمد شرعية سيادتها في الدولة إلا من خلال تقيدها والتزامها بموجب القوانين، حتى لا تهدر شرعيتها، طالما أن هذا القانون هو الذي يحدد حقوق هذه السلطة الحاكمة وواجباتها. ولعل هذه الرواية المتكاملة للطهطاوي التي تعالج موضوع العلاقة والسلوك السياسي بين القوتين الحاكمة والمحكومة، وبين الدولة والمجتمع المدني، هي مستمدة من الفكر السياسي الثوري الفرنسي لجان جاك روسو وليعاقبة الثورة الفرنسية. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل ظل الطهطاوي وفياً لهذه الأفكار، التي نادى بها في كتابه "تخليص الابريز" أم إنه طرأ على فكره تحولات حقيقيه نتلمسها بوضوح في كتابة " مناهج الالباب " خصوصاً فيما يتعلق بالدولة؟‏

في الواقع، أن الطهطاوي تراجع عن الدولة الثورية الفرنسية الراديكالية والشعبوية والقومية المؤدلجة التي نادى بها جان جاك روسو، وأرساها اليعاقبة الفرنسيون، إلى الدولة الملكية المقيدة التي نادى بها موتنسكيو، حيث أن السيادة في هذه الدولة هي لرئيس الدولة الذي يختص " بمعالي الأحكام وكلياتها "، أي أنه مصدر السلطات، وبالتالي مصدر القوانين، علما بأن رئيس الدولة هذه، هو مقيد بالقوانين التي سنها، وبالتالي بالقوانين المتوارثة، أو كما يسميها الطهطاوي " الأصول المرعية في مملكته".‏

" معنى كل هذا أن رفاعة الطهطاوي تراجع من ديمقراطية روسو واليعاقبة إلى قانونية مونتسكيو، بل لقد نقل سلطة السيادة من الشعب ومن رئيس الدولة إلى طرف ثالث معنوي هو " القانون " وجعل من القانون سيدا على الشعب والملك جميعاً. وهذا هو الموقف الارسطاطاليسي الذي لايفهم للديمقراطية معنى إلا في ظل سيادة القانون، ويعتبر كل إرادة عامة لا يعبر عنها بالقانون نوعاً من البليبوقراطية أو حكم الرعاع لانوعا من الديمقراطية أو حكم الشعب. ولكن من المهم أن نذكر أن رفاعة الطهطاوي، رغم اتجاهه إلى الديمقراطية المعتدلة الممثلة فلان زمانه في مبدأ الملكية المقيدة، لا يفرغ الوجود الاجتماعي من مضمونه الديمقراطي الثوري، فهو يعلن الغاية من كل وجود اجتماعي وسياسي في قوله : " وقد تأسست المماليك لحفظ حقوق الرعايا لتسوية في الأحكام والحرية وصيانة النفس والمال والعرض على موجب أحكام شرعية وأصول مضبوطة مرعية" (15).‏

وهكذا، يتمثل الطهطاوي نظرية مونتسكيو فيما يتعلق بالملكية الدستورية المقيدة، القائمة على مبدأ فصل السلطات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، التي أصبحت سائدة في عموم الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية، سواء منها الملكية الدستورية أو الجمهورية، حيث أن الحكومة الانجليزية الملكية كانت في نظر مونتسكيو الحكومة التي تجسد الحرية السياسية، والحكومة المثلى لنظام " الملكية المقيدة " في العالم. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أن الطهطاوي عمل على تكييف نظرية مونتسكيو طبقاً للواقع السياسي السائد في عصره، تماشياً مع رغبات الخديوي إسماعيل بهدف إرضائه. ولهذا اعتبر السلطة التشريعية مجرد مجلس استشاري، حين يقول عن مجلس النواب" وأما وظائف المجالس الخصوصية، ومجالس النواب، فليس من خصائصها إلا المذكرات والمداولات، وعمل القرارات على ما تستقر عليه الآراء الأغلبية، وتقديم ذلك لولي الأمر". وبعد أن كان الطهطاوي يعطي أهمية كبيرة للسلطة التشريعية الحقيقية كما عاشها في باريس، من خلال إعجابه بالسلطة التشريعية التي كان يتمتع بها البرلمان الفرنسي، نراه يتراجع عن روسو، لكي يعود إلى مونتسكيو، ليتبنى نظريته بشأن رئيس الدولة (الملك )، باعتباره رئيساً للسلطة التنفيذية، وهو الوضع الذي يجعل (الملك) أو رئيس الدولة يحكم من خلال الحكومة، ونظراً لاعتباره "شخصاً مقدساً " أو " رمزاً " حسب تعبير مونتسكيو، فإنه يكون فوق القانون، ولا مسؤولية فيه على الملك أو رئيس الدولة، وهو بالتالي لا يخضع للمحاسبة إلا معنوياً. ففي كتاب " روح الشرائع " (الكتاب 11 المطلب 6) يقول مونتسكيو في هذا العدد مايلي : " إن السلطة التنفيذية يجب أن تكون في يد الملك، لأن هذا الفرع من فروع الحكومة يحتاج إلى سرعة في الإنجاز، وبالتالي فأداؤه بمعرفة شخص واحد أفضل من إدائه بمعرفة أشخاص متعددين. وعلى العكس من ذلك، كل ما يتوقف على السلطة التشريعية غالباً ماتؤديه أكثر خيراً مما يؤديه فرد واحد".‏

أما الطهطاوي فإننا نجده يجعل من الملك، الحاكم المطلق المقيد بالقوانين الدستورية، فهو يقول " فالنفوذ الملوكي هو الترتيب والأمر بالنفوذ الإجرائي لمن يجريه، فهو حق محترم، لامسؤولية فيه على الملك، ولا يكون لغيره، لأنه هو رئيس المملكة، وأمير الجيوش البرية والجوية وقائدهم (وقائدها) الأول وعليه الأمور الملكية والعسكرية، الداخلية والخارجية.. ويأمر بتنفيذ الأحكام الصادرة من ديوانه ومحاكمه ومجالسه، وله الرياسة على أمناء دين مملكته ... " (16).‏

وهكذا، حدّد الطهطاوي بوضوح في مجال السلطات الثلاث أهمية السلطة التنفيذية، التي يرأسها رئيس الدولة أو الملك، حيث أصبح يرى في هذا الأخير صاحب السيادة ومصدر السلطات، ويختص بإصدار القوانين الأساسية، ويفوّض بعض من سلطاته إلى السلطة التشريعية، والسلطة القضائية المعاونة له " للنظر في الجزئيات لتطبيق القانون ".‏

وهذا الأمر يحيلنا إلى دراسة علاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية. ففي نظرية مونتسكيو " أن السلطة التشريعية في دولة حرة لاحق لها في إبطال أعمال السلطة التنفيذية ". ومن هذا المنطق، فإن رئيس الدولة، أو الملك الذي يرأس السلطة التنفيذية يجيرّ لنفسه محاسبة الحكومة، والاعتراض على أعمالها، وعدم إفساح في المجال للسلطة التشريعية كي تتحول إلى قوة أساسية موازية، لأنه حسب مونتسكيو " من الضروري لخير الدولة أن تمنع السلطة التشريعية من التحول إلى قوة تحكيمية، فإن اتهام رئيس الدولة أو محاكمته معناه إنتهاء الحرية على الفور ". والحال هذه، فإن الطهطاوي مثله في ذلك مثل مونتسكيو، جعل من رئيس الدولة أو الملك مناطا بجميع السلطات، وبالتالي أصبح يعتبر أن سيادة السلطة التشريعية عليه، يعني انتهاء الحرية في الدولة، " ومظهر من مظاهر قيام الجمهورية، ومنه تفهم أن قيام الجمهورية رغم استناده إلى سيادة الشعب أو مايسمى عادة الديمقراطية، يتضمن اختفاء الحرية. وهو رأي يبدو غريباً في ظاهره، ولا سبيل إلى فهمه إلا بالرجوع إلى كتاب " السياسة " لارسطو حيث يقول أرسطو أن الخطر الحقيقي على الحرية في الدولة ليس في طغيان الحاكم أو ولي الأمر وإنما هو في طغيان الرعاع وزعماء الممثلين للجماهير في السلطة التشريعية، فسيادة زعماء الرعاع على ولي الأمر هي في نظر أرسطو سيادة الرعاع على " القانون " وعلى حكم القانون المجسد في الملك أو رئيس الدولة، وحيث يختفي القانون تختفي الحرية " (17).‏

إذا كان الطهطاوي يأله الدولة على الطريقة الهيجلية، حين تبنى نظرية " حق الدولة الإلهي " لكي تحل محل نظرية " حق الملوك الإلهي " فإنه في الوقت عينه يأله القانون، والديمقراطية القانونية المعتدلة، التي كان نظام " الملكية المقيدة " مجسدها الواقعي في أوروبا القرن التاسع عشر. ولعل هذا مايدعونا إلى تلمس تطور الفكر السياسي عند رفاعة الطهطاوي بشأن بناء المجتمع المدني في فضاءاته المتعددة، وخاصة فضاء الحقوق المدنية للمواطنين المتمثلة في الحرية، والمساواة، وكفالة الحقوق الشخصية. لقد سجل الطهطاوي سابقة في الفكر السياسي العربي الحديث، حين تناول موضوع الحقوق المدنية التي هي " حقوق تضامنية بين المواطنين وهي ثمرة التعاهد بينهم "‏

موضحاً مفهوم الحقوق المدنية على النحو التالي : " هي حقوق العباد والأهالي الموجودين في مدينة (أو مجتمع) بعضهم على بعض، فكأن الهيئة الاجتماعية المؤلفة من أهالي المملكة (يعني الدولة) تضامنت وتواطأت على إداء حقوق بعضهم لبعض. وأن كل فرد من أفرادهم ضمن للباقين أن يساعدهم على فعلهم كل شيء، لايخالف، شريعة البلاد وأن لا يعارضوه وأن ينكروا جميعاً من يعارضه في إجراء حريته بشرط أن لا يتعدى حدود الأحكام " (18).‏

يؤكد الطهطاوي إن بناء المجتمع المدني، التي الغاية منه هي حماية حقوق الإنسان، يتطلب سياقاً من العلاقة المباشرة بين الدولة والمواطنين، حيث يتطلب من هذه الدولة أن تضمن، وتحمي الحرية للمواطنين اجتماعياً وسياسياً.‏

فالحرية بالنسبة للطهطاوي تصبح أساساً للعمل السياسي للمواطنين، وحقاً في اختيار طريقة عيشهم وحرية تنقلاتهم، وحقاً في التكافل الاجتماعي على نطاق العائلة والمجتمع، سواء لأغراض سياسية أوايديولوجية أو نفعية، وممارسة جماعية للسيادة في الدولة الحديثة. و الحرية في نظر الطهطاوي هي الاعتراف الحقيقي والفعلي بالحقوق المدنية للمواطنين كما ورد في الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن، وهي تقديس المساواة أمام القانون وفرص الحياة. والحرية هي ضرورة إعادة بناء المجتمع المدني على أساس تعديل العقد الاجتماعي بين المواطنين، بحيث يتحولون من الحالة القائمة على الخضوع الأعمى والإذعان للسلطة الاستبدادية، إلى الحالة الجديدة القائمة على العقد الاجتماعي في الدولة الحديثة، حيث تسود الحرية والمساواة والإخاء بين المواطنين، وحيث تشكل هذه العناصر مجتمعة أساس الديمقراطية الليبرالية، وحكم الشعب. والحرية بالنسبة للطهطاوي هي معرفة المواطنين حقوقهم وواجباتهم، لأن إخفاء هذه الحقوق والواجبات من المواطنين، وطمس الحرية والمساواة، يعني قيام الدولة التسلطية التي تحتكر وتغتصب مصادر القوة والسلطة في المجتمع، وتُشَرْ عن نظام الحكم القائم على القهر، من خلال ممارسة الدولة نفسها للإرهاب المنظم ضد الشعب، وهذا يتنافى مع فكرة بناء المجتمع المدني الحديث. لقد أكد الطهطاوي أن " الحرية هي الوسيلة العظمى في إسعاد أهالي الممالك، فإذا كانت الحرية مبنية على قوانين حسنة عدلية كانت واسطة عظمى في راحة الأهالي وإسعادهم في بلادهم، وكانت سبباً في حبهم لأوطانهم " (19).‏

ثم أن الطهطاوي يرى في التلازم الضروري بين الحقوق المدنية للمواطنين، والحرية الشخصية والعامة المحمية بالقانون، وممارسة المواطنين لهذه الحرية ضمن إطار القانون، الأساس الحقيقي للمجتمع المدني الحديث، الذي هو مجتمع المواطنين المتمدنين، الذين يحترمون مجموعة القواعد والقوانين، التي تضمن سيادة الحرية والمساواة القانونية، الشرط الأساس لأية مشروعية ممكنه للدولة الحديثة، التي لا يمكن لها أن تكون كذلك، إلا إذا كانت مستندة إلى عقد اجتماعي مع المجتمع المدني. وأفسحت له في المجال لكي يبني شرعية سلطته من خلال انضواء تكويناته المختلفة تحت مجموعة القوانين، وإذا استطاعت هي أن تبني المؤسات الحديثة لكي تكون بالفعل دولة الحق والقانون، ملتزمة بمبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون في التعيين، والوظائف العامة، وفي المعاملة الضريبية، وفي الحقوق والواجبات، باعتبارها دولة المواطنين لا دولة الفئات الارستقراطية والعائلات، والطوائف. وإذا ضمنت ممارسة الحرية السياسية في المعارضة ضمن القانون والشريعة، وحرية الدين، وحرية التعبير، وحرية الرأي، وحرية التملك، وضرورة مشاركة الشعب الفعلية في أمور الحكومة والإدارة.‏

وهذه جميعها تشكل ضمانات راسخة لعلاقة متكافئة بين المجتمع المدني والدولة الحديثة، وأساساً معقولاً للاستقرار الداخلي، وشرطاً رئيساً لتمدن المجتمع وتقدمه على طريق التحديث، وتحقيق القطيعة المنهجية مع التقليد والتأخر التاريخي. لقد كانت أغلبية الأمم محرومة من الحرية في الماضي " وكان في الأزمان التي كانت فيها أوامر (قرارات) ولاة الأمور جارية على هو أنفسهم، يفعلون ماشاؤوه، وقد كانت الأهالي إذ ذاك لا مدخل لها في معارضة حكامهم، لامحاماة لهم عن أحكام الشريعة، فكان لايمكنهم أن يخبروا ملوكهم بما يرونه غير موافق، أو يكتبوا شيئاً فيما يختطي السياسات والتدابير ولايبدو أراءهم في شيء، فكانوا كالأجانب في أمور الحكومة، وكانوا لا يتقلدون من الوظائف والمناصب إلا ما هو دون استحقاقهم، والآن تغيرت الأفكار، وزالت عن أبناء هذا الوطن الأخطار ... (20).‏

إذا كان الطهطاوي، يؤكد أن الحرية يجب أن تكون على رأس حقوق المواطنين، باعتبار أن الحرية وحدها يمكن أن تخلق مجتمعاً مدنياً حقيقياً، وحباً للوطن قوياً، فإنه بالمقابل يرى أن التمدن والتقدم في الأخلاق والعوائد والأدات، وفي المنافع العمومية كالزارعة والتجارة والصناعة، يتوقفان على تحقيق النهضة التربوية، باعتبارها تشكل ركناً أساساً في الحياة العامة للأمة، من الناحيتين الاجتماعية والسياسية. ذلك أن هناك علاقة جدلية، بل عضوية بين تقدم المجتمع المدني، وتقدم التربية، في فلسفة الطهطاوي السياسية، حين يؤكد على أن " حسن تربية الاحاد ذكوراً وإناثاً، وانتشار ذلك فيهم، يترتب عليه حسن تربية الهيئة المجتمعية (الاجتماعية) يعني الأمة بتمامها، فالأمة التي حسنت تربية أبنائها، واستعدوا لنفع أوطانهم هي التي تعد أمة سعيدة وملة حميدة " (21).‏

كما كان الطهطاوي يقيم تلازماً حقيقياً بين مدنية الأمة، وتقدمها الحضاري الحقيقي، أي التقدم العلمي والمادي، وبين التقدم على الجبهة التربوية فيها، حين يقول : " فالأمة التي تتقدم فيها التربية، بحسب مقتضيات أحوالها، يتقدم فيها أيضاً التقدم والتمدن على وجه تكون به أهلاً للحصول على حريتها " (22).‏

ويرجع الفضل في عملية تعريب التعليم والإدارة في مصر، وفي مجانية التعليم، ونزع الصفة الطبقية عنه، وفي تأسيس أول جامعة عربية إسلامية حديثة تعنى بالعلوم المدنية (مدرسة الألسن) إلى رفاعة الطهطاوي، الذي بلور خطا تقدمياً وحضارياً كبيراً لحل مشكلة التربية الحديثة، والتعليم الحديث. وحسب قول الدكتور لويس عوض، فإن رفاعة الطهطاوي كان نموذجاً راقياً للمفكر البرجوازي الذي وقف في عناد بوجه أعداء التقدم العلمي والمادي دون أن يستسلم للأسطورة البرجوازية التي شاعت في أيامه بأن العلم والمادة هما كل مقومات الحياة. فهو القائل لابناء جيله " وأعلم أن كل العلوم شريعة ولكل علم منها فضيلة والإحاطة بجميعها أمر محال".‏

فالطهطاوي على نقيض مفكري معسكر الرجعية الارستقراطية المتشبثين بالماضي، والتقليد في مختلف مجالات التربية، والفنون، والآداب، والخائفين من الثورة الصناعية الجديدة، والعلوم الحديثة، كان يشدد على ضرورة الأخذ بمناهل العلوم الحديثة، العلوم الوضعية، والعلوم الزمنية الدقيقة، من الفيزياء، أو الكيمياء، والرياضيات، باعتبارها تشكل المعرفة الحديثة، التي لا يمكن للتقدم والتمدن أن يتحققا بدونها في المجتمع، فضلاً عن رفضه تفتيت وحدة المعرفة إلى مادية وروحية وإلى معرفة إنسانية وأخرى طبيعية. فعنده كما يقول د. لويس عوض " أن المعرفة لاقيمة لها إلا إذا كانت في سبيل الحياة وفي سبيل المجتمع، وهذا هو الجديد في الطهطاوي منذ " تخليص الابريز" فهو قد تطور من الليبرالية المطلقة إلى مذهب المنفعة الذي استوعبه عن فلاسفة " المنفعة " إلى جون ستيورات ميل يبني راية على أن الوجود المدني خاصة ملازمة للإنسان "(23).‏

لقد كان الطهطاوي صريحاً وواضحاً في دعوته التربوية المبنية على أسس عقلانية حديثة، إلى ضرورة تمثل العلوم الدقيقة الحديثة من الحضارة والثقافة الأوروبية، من دون أن يكون انحيازه هذا إلى معسكر التقدمية البرجوازية احتقاراً للماضي والتراث الفكري والديني العربي الإسلامي. فالطهطاوي رفض مقولة " العلم للعلم " أوان العلم العملي هو الدين الجديد الذي لا سكان فيه للتراث والغيبيات، فضلاً عن أنه أيضاً لم ير أي تناقض بين العلوم الجديدة التي ضرورية لخير وتقدم المجتمع وبين مبادئ الإسلام والشريعة التي من واجبها أن تتصالح مع هذه العلوم الحديثة، ذلك أن الرفاهية والسعادة للمجتمع المدني لايمكن أن يتحققا إلا بإنشاء المدينة الحديثة، التي هي الغاية الزمنية للدولة الحديثة. ويعطينا الطهطاوي مثال أوروباً الحديثة، وبخاصة فرنسا، التي هي مثال للتمدن و " بان سر تقدم أوروبا وعظمتها يكمن في تعاطي العلوم العقلية " وبان المسلمين أنفسهم الذين تعاطوا العلوم العقلية في الماضي قد أهملوها فتخلفوا عن ركب التقدم بسبب الأتراك والمماليك، وبأن المسلمين قادرون، بل ملتزمون بدخول تيار المدينة الحديثة، وذلك بتبني العلوم الأوروبية وثمارها " (24).‏

وهكذا يمكن القول إن رفاعة الطهطاوي صاحب المشروع النهضوي، والمفكر البرجوازي المستنير في القرن التاسع عشر، والذي يدعو إلى ضرورة تمثل نهج المدنية الأوروبية، والأخذ بالعلوم الأوروبية الحديثة، لم يكن يدعو إلى تجسيد القطيعة مع الشريعة الإسلامية، أو التراث والأصالة.‏

ثانياً: خير الدين التونسي المحدث‏

والمطالب باللحاق بالتمدن الغربي الحديث‏

في نطاق التحقيب لسيرورة بناء المجتمع المدني في عصر النهضة، نجد أن المصلح خير الدين التونسي الذي كان يعتبر من أعظم المنظرين العرب لجهة مطالبته بضرورة اقتداء أقطار العرب الحديثة بفلسفة ونهج الحداثة الأوروبية الغربية، ومعرفة أساس قوة أوروبا وازدهارها، وبكيفية خاصة دور الدولة الحديثة ومؤسساتها السياسية القائمة على الحرية في المجتمع المدني، قد سار على خطى رفاعة الطهطاوي، " فالجو الروحي الذي تحرك فيه كلا الرجلين متجانسين إلى حد بعيد، واللقاء بالمدنية الغربية لدى كل منها موصول أوثق الصلة بمعطيات المدينة الإسلامية بالذات والخشية على هذه المدينة من خطر تلك " (25).‏

وفي السياق الموضوعي، علينا أن نرى مجيئ المصلح خير الدين في إطار حركة الإصلاح العمراني التي بدأها أحمد باشا باي (1837-1855 )، ومنها تأسيس المدرسة العسكرية بباردو، التي كانت تعتبر أول مدرسة حديثة في تونس مخصصة لتكوين الكوادر العسكرية، وكذلك الكوادر المدنية والإدارية، التي تحتاجهم الدولة التونسية. وكان التعليم السائد في هذه المدرسة هو التعليم الحديث الذي يتضمن دراسة اللغات الأوروبية، والعلوم الحديثة غير الدينية، وأسهمت تلك المدرسة إسهاماً كبيراً في نشر الأفكار الأوروبية بين صفوف الضباط والمماليك، الذين سيتم الاستقطاب منهم لاحقا، العناصر الرئيسة والوفية والمتحمسه لنهج الإصلاح والتحديث، الذي سيقوده الجنرال خير الدين التونسي، القائم على ضرورة انفتاح المجتمعات الإسلامية إلى روح العصر.‏

ومن المعلوم تاريخياً أن خير الدين ولد في عائلة شركسية بالقوقاز العام 1810، ثم جيئ به وهو فتى إلى اسطنبول، أسوة بالكثير من أبناء منطقته طلباً لمهنة عسكرية أو سياسية، كخادم أو مملوك عند أحد الزعماء (26).‏

ومن اسطنبول جيئ بخير الدين إلى تونس، وترعرع في قصر باردو، ثم دخل الكلية العسكرية حيث تلقى تعليمه وتكوينه العسكري فيها من قبل بعثة الضباط الفرنسيين، الذين جاؤوا خصيصاً لتكوين قوات الباي أحمد. وكانت مسيرته العسكرية حافلة بالنجاحات إذ سرعان ما ترقى في سلم تراتبية الهرم العسكري حتى وصل إلى رتبة لواء في 21 تشرين الثاني 1855.‏

أما على صعيد مساره السياسي، فقد بدأه حين أسند إليه الباي أحمد مهمة في باريس العام 1853، للدفاع عن مصالح الحكومة التونسية ضد اللواء محمود بن عياد الذي كان وزيراً سابقاً، وهرب إلى فرنسا بعد أن أقام دعوة على الحكومة التونسية. وقد ظل أربع سنوات في فرنسا، حيث تعرف عن كثب على المبادئ السياسية والاقتصادية العامة للثورة الفرنسية، ونظام الحكم القائم في فرنسا، والديمقراطية الليبرالية، والدستور الذي يحدد الإطار القانوني لممارسة الدولة الحديثة سلطاتها، وتقدم العلوم الحربية، وأخيراً على تقدم وتمدن حياة المجتمع السياسي والمجمتع المدني الكبيرين. ولاشك أن هذه الإقامة في فرنسا قد تركت آثاراً عميقة على ذهنية تفكير خير الدين، وعلى إدراكه أن مسألة التقدم والتمدن في أوروبا الحديثة تكمن في وجود التنظيمات الدنيوية المؤسسة على العدل والحرية، وعلى تطور العلوم الحربية، وهو ما أدى إلى تعميق الهوة بين الغرب الحديث وبلاد الإسلام. وعلى أثر عودته إلى تونس، عين وزيرا للحربية في العام 1857، وأدخل عدة إصلاحات مهمة على ميناء حلق الواد، وخلق الجواز التونسي، وشارك في اللجنة المكلفة بوضع الدستور التونسي، الذي سيعلن عنه رسمياً من قبل محمد الصادق باي في 29 كانون الثاني لعام 1861، حيث كان خير الدين رئيساً لمجلس الشورى، نظراً للثقة القوية التي كان يتمتع بها عند الباي. وكان الميثاق الأساسي، أو دستور عهد الأمان يعتبر أول دستور عربي يقر في بلاد الإسلام، وهو متكون من ثلاثة عشر فصلاً، ومئة وأربعة عشر مادة مرقمة حسب الطريقة الفرنسية. هذا الدستور الذي هو بمنزلة القانون العضوي للدولة التونسية قد حدد السيادة للمملكة التونسية في إطار علاقتها مع السلطنة العثمانية، وأقام تقسيماً للسلطة بين الباي باعتباره ملكاً وراثياً يصعد إلى قمة العرش حسب التقاليد المتعارف عليها في العائلة الحسينية المتوارثة للحكم، (مادة - 1) وبين وزرائه، ومجلس الشورى المتكون من 60 نائباً، والذي بالإضافة إلى مهامه التشريعية والمالية، فإنه يملك إمكانية تجريد الباي من صلاحياته إذا أصبحت ممارساته مخالفة للدستور (حسب مواد 9-63.20) .‏

إن دستور عهد الأمان للعام 1861، قد قوض سلطة الباي، وأصبحت تونس عبارة عن دولة ملكية دستورية، إذ أن مجلس الشورى الأعلى هو الذي يصدق على إجراءات الحكومة قبل تنفيذها، فضلاً عن أن السلطة الفعلية قد أصبحت في أيدي رئيس الحكومة، أو الوزير الأول حسب المصطلح الفرنسي. ويضمن الدستور الأمن الكامل للأشخاص، والممتلكات، وشرف كل سكان المملكة، بصرف النظر عن ديانتهم، وجنسيتهم، وعرقهم.‏

- إن كل السكان خاضعون للضريبة التناسبية لثرواتهم.‏

- إن المسلمين وسكان البلاد الآخرين متساوون أمام القانون.‏

- إن المحكمة التجارية متكونة من أعضاء مختارين من المسلمين وأعضاء من الدول العظمى الصديقة.‏

- إن حرية التجارة مكفولة للجميع بدون استثناء، ولاتحرم الحكومة أي نوع من التجارة، ولا يمنع أي إنسان من ممارستها.‏

- إن الأجانب بإمكانهم ممارسة كل الصناعات والمهن، شريطة أن يمتثلوا للقانون المشترك.‏

لقد أدت الإصلاحات في القوانين التي كانت ترتكز على الإصلاحات في مؤسسات الدولة، إلى جعل المسألة الجوهرية في صرح بناء الجسم السياسي للدولة التونسية يكمن في مجلس الشورى، المتكون ثلث أعضائه من الوزراء والموظفين الكبار في الحكومة، أما الثلثين الآخرين فهما من وجهاء البلاد. فمجلس الشورى يجمع بين صلاحيات مجلس الشيوخ، ومجلس الدولة، ومحكمة التعقيب، وديوان المحاسبة، وهو في الوقت عينه الحارس على الدستور، والقوانين، والمدافع عن حقوق المواطنين. وفضلاً عن ذلك، فهو يعارض إصدار قوانين متناقضة سواء مع مبادئ وأسس الدستور، أو مع مبدأ مساواة المواطنين في الحقوق المدنية والسياسية (27).‏

إن تدشين تونس طريقاً جديداً في الحكم النيابي مرتكز على دستور ليبرالي في جوهره، قد جعل محمد الصادق باي معترفاً به كملك مستقل من جانب ملوك وحكومات الدول الغربية. علماً أن مسألة استقلالية تونس عن السلطنة العثمانية كانت موضوع خلاف بين الوزير خير الدين وحاشيته الذين يريدون الإبقاء على شرعية التبعية للدولة العثمانية مع ضرورة اقناع هذه الأخيرة بالاعتراف بالحكم الذاتي لتونس، درءاً لمطامع الدول الاستعمارية الداهمة في تونس، وبين حاشية الباي التي تريد تحقيق الاستقلالية الكاملة لتونس عن السلطنة العثمانية. فالوزير خير الدين كان يعتقد بتوطيد العلاقة بين تونس والسلطنة العثمانية، لانقاذ تونس من الاحتلال الأوروبي القادم، لكن يبدو أن مهمته قد فشلت، كما أخفقت أيضاً تجربة الحياة الدستورية " لكن سياسة خير الدين بقيت طوال العشرين سنة اللاحقة ذات شقين : محاولة صّد النفوذ الأوروبي بالنفوذ التركي، وإقامة بعض الرقابة الدستورية على سلطة الباي. فاستقال من منصبه الوزاري، في 1862، على إثر خلاف مسألة المرجع الذي يجب أن يكون الوزراء مسؤولين أمامه، أهو الباي أم هو مجلس الشورى " (28).‏

وخلال الفترة، من العام 1862 إلى العام 1869 " انسحب الوزير خير الدين عن الحياة السياسية مؤقتاً، فتخلى عن وظائفه كوزير للبحرية، وكرئيس لمجلس الشورى، وذلك بسبب التناقضات التي برزت بين خطوات الإصلاح التي كانت تهدف إلى إحياء الصناعات المحلية ورفع الضريبة على الاستيراد، وبين مقاومة المصالح الأوروبية، فضلاً عن معارضة خير الدين حصول تونس على قرض من أوروبا قادها في النهاية إلى الهاوية، وترافق كل ذلك مع اندلاع ثورة علي بن غذاهم في العام 1864، الذي كان سببها الرئيس إثقال الباي كاهل الشعب بالضرائب، لتمويل مشروعاته الإصلاحية، وهو ما أدى بالباي محمد الصادق باشا إلى أبطال العمل بالدستور، وإحباط مشاريع خير الدين الإصلاحية. ومع ذلك لم يتخل عنه الباي، إذ أرسله من جديد في مهمة ثانية إلى اسطنبول في العام 1864، أخفق فيها. غير أنه خلال فترة اعتكافه عن العمل السياسي وضع كتابه الوحيد باللغة العربية بعنوان " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك "، نشر لأول مرة في تونس العام 1867، حيث لاقت ترجمة مقدمته بعنوان " الإصلاحات الضرورية للدول الإسلامية " صدى كبيرا في فرنسا، نظرا لما تنطوي عليه من صياغة لمشروع نهضوي حديث.‏

ويعلق المفكر العربي البرت حوراني على ذلك بقوله :" يبدو أن خير الدين وضع هذا الكتاب وهو على شيء من الاعتقاد أنه يفعل للعصر الحديث ما فعله ابن خلدون لعصر أسبق. فالمؤلفان تونسيان وضعا كتابيهما في فترة عزلة عن الحياة السياسية، وعالجا فيهما، كل على طريقته قضية نشوء الدول وسقوطها. وقد قسم كل منهما كتابه إلى مقدمة لعرض المبادئ العامة وإلى أجزاء عدة. إلا أن التشابه يقف عند هذا الحد. ففيما يعني كتاب ابن خلدون، في معظمه، بتاريخ الدول الإسلامية، يعني كتاب خير الدين، في معظمه أيضاً، بتاريخ الدول الأوروبية وتركيبها السياسي وقوتها العسكرية "(29).‏

وأمام مطالبة الدول الأوروبية بتسديد ديونها، وعجز حكومة الباي عن دفع تلك الديون المترتبة عليها والمقدّرة بنحو 160 مليون فرنك فرنسي، أصدر الباي مرسوماً بتأليف لجنة مالية دولية (من فرنسيين وانجليز وإيطاليين) برئاسة خير الدين في 5 تموز 1866، وينوب في رئاستها مفتش المالية الفرنسي فرانسوافيلان. لكن عمل اللجنة اصطدم بالعراقيل التي وضعها آنذاك مصطفى خزندار رئيس الحكومة. فعين الباي اللواء خير الدين وزيراً قيادياً يضع تحت سلطته كل الإدارة العمومية، وفي ظل تفاقم الأزمة بين الوزير ورئيس الحكومة، التي قادت إلى سقوط خزندار في 21 تشرين أول 1873، تم تعيين خير الدين وزيراً أولاً في مملكة تونس، واحتفظ بهذا المركز حتى 22 تموز 1877، حيث قام بعدة إصلاحات مهمه تمثلت في تجديد الإدارة، وتونسة الكوادر، وإعادة تنظيم القضاء، ومراجعة مسألة الحماية الدبلوماسية للقناصل وإعادة تنظيم الأوقات، وتأسيس جمعية الحبس (آذار 1874)، و إصلاح التعليم في جامع الزيتونة الكبير، وتأسيس المدرسة الصادقية الحديثة (شباط 1875) لتعليم العلوم الحديثة، واللغات الفرنسية والإيطالية والتركية، بالإضافة إلى اللغة العربية وعلوم الشريعة الإسلامية، وإنشاء مكتبة وطنية، وتنمية التعليم العمومي.‏

ولكن إصلاحات خير الدين هذه، اصطدمت بمعارضة الدول الأوروبية التي تخوض صراعاً تنافسياً لاحتلال تونس، وكذلك بالفئات الإقطاعية والتجارية المرتبطة بفرنسا، التي عملت على وضع العراقيل المحلية في طريق الإصلاحات. ولم تجد نفعاً سياسة التوازن الدقيقة التي سلكها خير الدين في علاقاته مع كل من فرنسا وإنكلترا وإيطاليا - التي كانت لها أطماع حقيقية في احتلال تونس - إلا أن انتهاج سياسة التوازن هذه، من قبل دولة ليس لها قوة من ذاتها، هو أمر خطر ودقيق. لذلك خسر خير الدين في آخر الأمر تأييد المجتمع.‏

فقد شجع بادئ الأمر المشاريع البريطاينة ثم الفرنسية. وعندما وقعت الحرب الروسية التركية، وجد نفسه في مأزق حرج ... فخسر بذلك الداعم الأجنبي، وأصبح عاجزاً عن الوقوف في وجه الباي، الذي كان قد نقم عليه لسعيه في سبيل الحد من السلطة الملكية، والذي شعر، في 1877، بقدرة كافية للاستغناء عنه. بذلك انتهت حياة خير الدين السياسية في تونس، فبدأ حياة سياسية جديدة في القسطنطينية، إذ دعاه إليها السلطان الشاب عبد الحميد، الذي كان قد اطلع على كتابه " (30).‏

إن خير الدين عاش على خطوط التماس مباشرة مع الغرب، وعاد إلى تونس محملاً بهذه الثقافة الغربية، قد صاغ مشروعه السياسي النهضوي على قاعدة ضرورة إعادة إنتاج التجربة الأوروبية على مستوى تجربة التحديث ككل في تونس، من حيث حضور الفكر السياسي الليبرالي الفرنسي في مجالات الاستعمال والمفاهيم للخطاب السياسي، ومن حيث تفاعل التجربة هذه مع المؤسسات الثقافية وضبطها لبرامج التعليم، وبخاصة مع إنشاء المدرسة الصادقية التي لعبت دوراً مهما في إعداد الكوادر الجديدة، نظرا لالتزامها بتطبيق تعليم حديث منفتح في جوهره منهجية وممارسة. علماً أن إنشاء المدرسة الصادقية هذه كان نتاجاً لحركة إصلاحية قادها خير الدين بهدف تحديث البنية الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية لتونس حسب النموذج الغربي من دون التفريط بالهوية الإسلامية. ولقد كان تمثل نهج التقدم والتمدن الأوروباوي من جانب خير الدين، يهدف إلى القيام بالإصلاحات السياسية في الدولة منطلقاً من قناعة أن طريق أوروبا هو طريق التقدم والمدنية في العصر الحاضر بالنسبة للدول الإسلامية، الأمر الذي يقتضي ضرورة اللحاق بما انجزه الغرب، والاقتباس من أفكاره ومؤسساته، وايديولوجيته. وعلى الرغم من أن هذه الأفكار، والايديولوجيا الغربية الحديثة قد نشأت في بنية اجتماعية اقتصادية وسياسية وتاريخية مختلفة عن سائر بلاد الإسلام، إلا أنها مارست تأثيراً كبيراً على ايديولوجية وثقافية خير الدين، إلى درجة أنه اعتبر الاقتباس منها ليس متناقضاً مع الشريعة الإسلامية، بل إنه منسجم مع روحها. ومن الواضح أن الخطاب السياسي الثقافي لخير الدين المقتنع بضرورة الإصلاح للخروج من حالة التلاشي والضياع ومواجهة العصر، لم يجسد قطيعة منهجية وفكرية ومرجعية مع الايديولوجيا الإسلامية، وإنما كان يريد خلع القدسية من الإطار والرموز الإسلامية التقليدية، وتوظيفها في إطار مشروعه التحديثي. ففي مطلع مقدمة كتابه، يقول خير الدين بصدد موضوع الإصلاح المقترن بضرورة الاقتباس من التجربة الأوروبية، مايلي : " الأول حمل أصحاب الغيرة والهمم من رجال الدين والدنيا على السعي في سبيل كل ما يؤول إلى خير الأمة الإسلامية، وهو مدنيتها، من توسع لحدود المعرفة وتمهيد للسبل المؤدية إلى الإزدهار، مما لا يتم إلا بفضل حكم صالح، والثاني اقناع العدد النفير من المسلمين الذين غرس في أذهانهم النفور في كل مايصدر عن غير المسلمين من أعمال ومؤسسات بضرورة انفتاحهم إلى ما هو صالح ومنسجم مع الدين الإسلامي من عادات إتباع الديانات الأخرى (31).‏

ليس خافياً على أحد أن المشروع التحديثي في تونس، الذي جسده خير الدين في خطابه الايديولوجي والسياسي، والمرتكز على قاعدة الاقتباس من التجربة الأوروبية، في سبيل تحديث المجتمع المدني التونسي المجزأ، والمتباعد والمتنافر، والذي بحث عن مخرج جديد يوحد أجزاءه وأطرافه، قد اصطدم بمعارضة الجهاز الايديولوجي للمؤسسات التقليدية، مثل المدارس القرآنية، والأحياء الزيتونية التابعة لجامع الزيتونة، والعلماء المحافظين، الذين لهم مصالح اقتصادية مباشرة مثل ملكية الأرض، والتجارة والحرفة، مثلما لهم تحالفات مع كبار التجار والحرفيين، إضافة إلى أدوارهم الاجتماعية كمدرسين في جامع الزيتونة وقضاة في المحاكم الشرعية ومعلمين في المدارس القرآنية. وتكمن الخطورة السياسية للإصلاحات التي قام بها خير الدين، في تفجيرها الصراعات السياسية التي حصلت بين مختلف القوى الاجتماعية التي تمثل القاعدة الاجتماعية لحكم البايات، وبخاصة البرجوازية التجارية والحرفية، التي تضررت من التغلغل الرأسمالي، وإدماج تونس في السوق الرأسمالية العالمية، وفي التحولات الاجتماعية التي أفرزها التطور الداخلي للمجتمع المدني الحضري التونسي، الذي لم يكن نسيجه الاجتماعي خاضعاً للمعايير والتصنيفات الطبقية المتعارف عليها في أوروبا الغربية، فلا يوجد طبقة رأسمالية، ولا دولة إقطاعية بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما نجد تداخلاً بين وحدة القبيلة ووحدة الشعب الحضري، وتخلفاً في البنية الحضرية والعمراينة، وجموداً في البنية الاجتماعية، وانعدام تبلور أي شكل من أشكال الحراك المؤسسي لطبقة وسطى مدنية نحو السلطة. وكانت هذه الإصلاحات، والتسرب الرأسمالي، والضغط الدبلوماسي الأوروبي على المدن بوجه خاص، قد كان له أثره العميق في زيادة معارضة المؤسسة الدينية، والعلماء التقليديين الذين يركزون في خطابهم الديني على مفاهيم تقليدية مثل مسألة " السلف الصالح " ومسألة الهوية الثقافية للمجتمع، ومسألة تدريس العلوم القرآنية، والحديث والتاريخ الإسلامي، والتصوف أي العلوم المرتبطة بالمنظومة الفكرية والثقافية الإسلامية في شكلها السلفي. في الماضي كانت المؤسسات التعليمية والثفافية الدينية الشعبية (مدارس أو زوايا) التي عملت على تجميع شتات شعبي مديني وبدوي هي التي تفسح في المجال لفئات المجتمع الأهلي (التسمية الإسلامية للمجتمع المدني) لكي تصعد تدريجياً نحو المدن ومنها مؤسسات القضاء، والسلطة، والدولة، خصوصاً وأن هذه المؤسسات التعليمية كانت تمثل مركزاً سياسياً واجتماعياً كما هو الشأن مع عملية انتخاب مؤسسي الدولة الحسينية حسين بن علي التركي (حيث تحولت الزاوية إلى مجلس نيابي واستشاري يتعارض بشأن ترشيح أمير جديد) لذلك فإن التاريخ السياسي التونسي (والمغربي عامة) حافل بوقائع التحالفات والصراعات مع مشايخ الطرق والقوى الاجتماعية الشعبية التي تقف من ورائها (قبائل وزعامات قبائل). إن الجاه أو الحُظوه الاجتماعية الشعبية يتقاطعان مع كل من العلم والتقوى والموقع المادي، ومهما تكن طبيعة هذا العلم، شرعي قانوني أو صوفي، لدني ـ فإنه في كل الحالات يبدو متكاملاً وصانعاً لنظام مرجعي أساسي، يعيد ترتيب النسيج الاجتماعي، ولكن ببطئ شديد" (32).‏

ثم أن المشروع التحديثي الذي اضطلع بتطبيقه خير الدين التونسي، والمركز على فكرة التقدم المأخوذة من المرجعية الإيديولوجية والثقافية الأوروبية، هو جزء من تيار الإصلاح الإسلامي، ومرحلة الإصلاح الدستوري، والتحديث في السلطة العثمانية، التي ركزت في مشاريعها الإصلاحية السياسية والإدارية على بناء الدولة المركزية الحديثة، التي تراقب المجتمع المدني الناشئ وتحكمه بواسطة جيشها المنظم واجهزتها البيروقراطية الإدارية، باعتبارها " الأساس المحوري للتقدم والتمدن ". وكانت دعوة خير الدين إلى التمدن والتقدم - غير المتعارضة، مع أصول الإسلام، فضلاً عن أن الإسلام مقروء قراءة صحيحة من وجهة نظره هو دين التمدن والتقدم والعقل - لم تكن مرتبطة ببلورة فلسفة سياسية للإصلاح والتحديث، تستند إلى فكرة السيادة الشعبية كما هو الحال في الغرب. ويذهب الدكتور هشام شرابي إلى القول بأن الإيديولوجيا الإصلاحية " قد حظرت في الواقع، فكرة السيادة الشعبية، بإسباغها الشرعية المستمدة، من خارج إطار القانون، والمنزلة من السماء ،على السلطة السياسية وبرغم تأييدها اللفظي للحكومة الدستورية، والديمقراطية التمثيلية، تمسكت بالمبادئ التي تدعم الحكم الثيوقراطي والملكية المطلقة ". فالإصلاح الدستوري، والتحديث، على نقيض الغرب لم يكن نابعاً من الظروف الداخلية المحلية، من دون إنكار دورها، وإنما المحرك الرئيسي له، كان الوعي بالهوة الكبيرة التي تفصل بلاد الإسلام عن الغرب، مع بداية التغلغل الاستعماري الأوروبي، والارتجاجات التي أحدثها في المجتمع التونسي، الذي لم تزده إصلاحات خير الدين، أو ما يعرف بالتنظيمات التي ستدخلها تونس، إلا تعميق حدة التمايز داخل البنية الاجتماعية، حيث أن الصراع بين الريف والمدينة " سيأخذ طابعاً أكثر وضوحاً وعنفاً خاصة أمام سقوط الدولة في مسلسل المديونية الاقتصادية والتجارية مع دول أوروبا، وستكشف المراحل الموالية إلى أي حد سيأخذ الانقسام التقليدي بين الريف والمدن طابعاً نزاعياً حديثاً (جهوياً وطبقياً أو بين نخب ذات أصول اجتماعية وثقافية مختلفة )، من شأنه أن يلغي نهائياً آلية الحراك الاجتماعية السياسي"(33).‏

إن الخاصية الأولى للخطاب التحديثي الجديد الذي واجه به خير الدين معارضيه، هي اتجاهه إلى إقناع المسلمين، أن بإمكانهم الاقتباس من الغرب، والاغتراف من منتجاته المادية، وبالتالي بإمكانهم أن يصبحوا مندمجين في العالم الحديث، من دون أن يكون هذا متناقضاً مع الشريعة الإسلامية، أو تخلياً عن الدين. ولقد اجتهد خير الدين على ربط فكرة التقدم والتمدن، واستلهام النموذج الغربي بمبادئ الإسلام، باعتبار أن اقتباس كل ما هو نافع من الثقافة، والأفكار، والمؤسسات الأوروبية، ليس معادياً للإسلام، بل أنه ذهب إلى القول، إن مصادر التقدم الغربي، متمثلة في تأسيس المجالس النيابية وحرية التعبير، هما من صلب الإسلام، وحرص على إظهار عدم وجود تناقض بين مشروعه الإصلاحي والإسلام. فهو ينتقد معارضيه قائلاً على النحو التالي : " ... إذا تأملنا في حالة هؤلاء المفكرين لما يستحسن من أعمال الإفرنج، نجدهم يمتنعون عن مجاراتهم فيما ينفع من التنظيمات، ونتائجها، ولا يمتنعون منها فيما يضرهم. وذلك أن نراهم يتنافسون في الملابس وأثاث المساكن ونحوها من الضروريات، وكذا الأسلحة وسائر اللوازم الحربية، والحال أن جميع ذلك من أعمال الإفرنج. ولا يخفي ما يلحق الأمة بذلك من الشين والخلل في العمران وفي السياسة " (34). وفي سياق الدفاع عن مشروعه التحديثي بمفاهيم إسلامية تقليدية لخص خير الدين موقفه هذا في " المنهاج " حين قال : " إذا تركنا جانباً مسألة الاعتقاد، ونظرنا إلى الأمور من الوجهة المادية الخالصة فإن التاريخ يشهدنا على أن التطبيق الصريح الأمين للشريعة الإسلامية قد أدى دوماً إلى نتائج باهرة لا ترجع إلى المصادقة أو إلى تأثير ظروف خاصة، إنما الأثر الطبيعي لروح الشريعة ولاستعداداتها الفذة ولكن بما أن العلة نفسها تنتج دوماً في الظروف نفسها المعلول نفسه فإنه لا شك في أن التطبيق الحريص الأمين للشريعة الإسلامية سيعطي في أيامنا عين الثمار التي أعطاها فيما مضى من الزمان. وقد حدث أنه حين أراد البعض أن يستبدل بها نظاماً هجيناً من المؤسسات الأوروبية التي يراد لها، بقسران تماشي تقاليدنا وحالتنا الاجتماعية تصبح عارية من صورتها وغير قابلة للتطبيق فإنه لم يحصل وقد كان ذلك متوقعاً إلا على نتائج لا قيمة لها على الإطلاق. ومن ناحية أخرى، فإن من الممتع، من حيث المبدأ غرس مؤسسات بلد ما في بلد أخر تختلف أمزجة أهله وأخلاقهم وظروفهم المناخية. هل يشبه النظام الفرنسي النظام القضائي لدى الإنكليز؟ ومع ذلك هاتين الأمتين المسيحيتين تنتميان تقريباً إلى الجنس نفسه وتقيمان في البقعة نفسها، وتحتل كلا منهما من المدينة الحديثة مكان الطليعة. إن فرنسا قد عملت أربعة عشر قرناً لكي تصبح على ما هي عليه ولكي تهيئ لنفسها المؤسسات التي تتمتع بها اليوم، وهل يدور بخلد أحد أن مؤسساتها التي لا يمكن إنكار سموها على تلك التي سبقتها كان يمكن لها أن تحكم الفرنسيين قبل ثلاثة قرون أو أربعة قرون؟ إن الحكومات التي توالت منذ أربعين عاماً في الدولة العثمانية قد حاولت مرات عديدة إعادة تنظيم المؤسسات السياسية والإدارية والقانونية للبلاد فضلاً عن أخلاق أهاليها وبدلاً من المثابرة على الطريق المرسوم الذي من شأنه أن يجلب التغييرات الضرورية التي تتناسب مع ما تشعر به الحاجة في كل مره كما تفعل حكومات الأمم الأكثر تحضراً وتمدناً - فإنه قد تم تبني إنصاف إجراءات لا أسس لها، واقتباس بعض المؤسسات المسلوخة عن أوروبا، وذلك بسبب ملاحظة النتائج الطيبة التي اثمرتها (هذه المؤسسات) في البلدان التي ولدت فيها، غافلين عن أن " مجموع قوانين البلد " هو الذي يضمن المنافع لكل " استعداد خاص " (35).‏

وفي سياق هذا المنطق عينه الرامي إلى تبني الأفكار والمؤسسات الغربية، ولكن دون المساس بأصول الشريعة الإسلامية، أو المؤسسات الاجتماعية، يمكن أن نرى أن حركة الإصلاح الدستورية والسياسية، وسيادة القانون، أصبحت مطلباً حيوياً مهماً بالنسبة لخير الدين، الذي كان يبحث في المعوقات البنيوية، التي تعطل مسيرة التقدم والتمدن، وفي الوقت عينه يبحث في طرق التقدم والإرتقاء إلى مصافي الدول الأوروبية الحديثة. فعلى صعيد هذه المعوقات، فقد شخصها بسيادة التأخر التاريخي، والجهل، والاستبداد السياسي في عموم السلطنة العثمانية، والبلاد العربية بوجه خاص، وهو ما جعل خير الدين يركز في سبيل التجاوز الجدلي السياسي والتاريخي لهذا لركود المجتمعي والتأخر على ضرورة إشاعة التعليم، والقضاء على الاستبداد من خلال القيام بالإصلاحات الدستورية، وبناء مؤسسات الدولة. ولقد حدد خير الدين هذه الثنائية حيث اعتبر " ... أن سعادة الممالك وشقائها في أمورها الدنيوية إنما تكون بقدر ما تيسر لملوكها من ذلك (أي العلم والمعرفة) وبقدر ما لها من التنظيمات السياسية المؤسسة على العدل ومعرفتها واحترامها من رجالها المباشرين لها .... (36).‏

ويعتبر خير الدين أن أسباب التمدن والتقدم بالنسبة للأمم الأوروبية الحديثة، تكمن في دور المجتمع المدني، حيث أن هذه الدولة الحديثة قائمة على أساس المؤسسات الليبرالية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسيادة القانون. إذان إقامة هذه التنظيمات الدنيوية يعود بالضرورة إلى العدل والحرية وهاتان القيمتان الأخيرتان هما من صلب الإسلام، وليستا غريبتين عن المجتمع العربي الإسلامي، بل إنهما وجدتا كمركزين محورين في الإسلام، وفي نصوصه النظرية، وقد تحقق التقدم بفضلهما في المجتمع العربي الإسلامي، حين كانت أصول الشريعة الإسلامية " مطبقة في لحظات زمنية سابقة من تاريخ الإسلام، كما أن هذا التقدم قد انتفى عندما انعدام تطبيق تلك النصوص والممارسات ". وفيما كان خير الدين مرتكزاً في مشروعه التحديثي لبناء المؤسسات والتنظيمات الدينوية على أساس الاستفادة من الفلسفة الليبرالية، الغربية، نجده في الوقت عينه يستنطق التاريخ الإسلامي القديم، والأشخاص الذين لعبوا أدواراً مهمة في الدولة العربية الإسلامية، ويستحضر هذا الماضي، لكي يقنع المحافظين المسلمين، بأن استجلاب المجالس النيابية من الفلسفة الليبرالية الغربية الأوروبية، ليس أمراً مخالفاً للشريعة الإسلامية، بل إن الإسلام يبيح استجلاب تلك المؤسسات. وعلى هذا النحو يحاول خير الدين أن يحفر للبرهنة على سلامته ومشروعية منطقه في " نصوص الوعي المتأصل، نصوص الروح الثابتة، انطلاقاً من عقل مسؤول. تؤول ثوابت ذلك الوعي تأويلاً ضمنياً. وكما هو معروف، هذه ليست فلسفة جديدة بالنظر إلى أجداد المفكر العربي الحديث القدامى. لقد تم دائماً الجدل بين روح التقدم وروح الحفاظ، على هذه السكة، تحمّل النصوص بمحمولات يجب دائماً أن تكون موافقة لما يُراد قوله ولاقناع بصحته !! (37).‏

لقد تحكم في المنطق الداخلي لخطاب خير الدين - بسبب من محاكاته للغرب، والاستحسان ما عنده من منافع، والبحث لها عن مقابل في الإسلام - ذلك التنازع بين تقبل فكرة التحديث واقتباس الأفكار والموئسات عن أوروبا (أي تقبل مرجعية القياس الغربي على مستوى الحضارة الأوروبية )، وبين إقناع المسلمين المحافظين بأن فكرة التحديث، واقتباس المؤسسات ليس متناقضاً مع القيم والتراث الفكري الإسلامي (وهذا يعني رفض الغرب على المستوى السياسي). وهذا التناقض المزدوج شكل أحد السمات البارزة للخطاب الدستوري النهضوي العربي، وأحد ثوابت علاقة المثقفين العرب بالحضارة الغربية فكراً، وقيماً، وسلوكاً. وهنا تذوب كل الحدود بين الليبراليين، والتوفيقيين، والسلفيين إلخ، ذلك أن المواقف التي تحكمهم فيما يتعلق بالتناقض بين الفلسفة الليبرالية الغربية والذات العربية الإسلامية - كهوية جماعية تستند إلى أصول الشريعة الإسلامية الثابتة، والقابلة للتطبيق في كل زمان، حسب وجهة نظر الأكثرية منهم - تقوم على الرؤية التماثلية، لا على أساس جدلية الاختلاف، والتشابه، والمغايرة، والتعدد، الذي يقر بالتماثل للشعوب والأمم في انتمائها إلى الكون البشري، والماهية الإنسانية. ولكن هذا التماثل لايلغي الاختلاف في سلسلة من الانتماءات الأخرى لكل شعب، ولكل أمة، وبخاصة على مستوى مفهوم الهوية. وهذا ما جعل تيار الإصلاح الدستوري في الوطن العربي، على اختلاف من أسهموا في بلورته مرتبطاً بمرجعية الشريعة الإسلامية، من حيث أنها تشكل مصدر إلهامه، الأمر الذي جعل الدكتور هشام شرابي يقول في هذا الصدد ".. إنه من الناحية العقائدية والمنهجية، فإن الفكر الإصلاحي استوحى في الدرجة الأولى القضاة وعلماء الفقه الإسلامي في العصور الوسطى " (38).وإذا كان خير الدين مدركاً أن أساس تقدم أوروبا وازدهارها ليس سوى بناء المؤسسات السياسية القائمة على العدل والحرية، فإن حماسة دعوته إلى استجلاب المؤسسات الدستورية من الأخر (أي الغرب) لم تنج من تأثير الشريعة الإسلامية، ذلك أن اقتباس المؤسسات والتقدم من الغرب موافق للشرع الإسلامي، طالما أن هذا " الإسلام أصل له ". .....‏

إنه إذا كان صحيحاً كل الصحة إن المؤسسات في الغرب هي نتاج طبيعي لصيرورة من التحولات السياسية التاريخية الطويلة والمعقدة، وارتبطت تاريخياً بتبلور منظومة من القيم والمعتقدات، مثل الليبرالية، والرأسمالية، والعلمانية، والمجالس النيابية، والوزارات المسؤولة، وحرية الصحافة، حرية التعبير، التي أصبحت راسخة على صعيد الدولة كتعاقد اجتماعي، وعلى صعيد المجتمع المدني باعتباره " النسق السياسي المتطور الذي تتيح صيرورة تأسسه (تمفصله في مؤسسات) مراقبة المشاركة السياسية " (39)، والتي تتعارض مع القيم والمعتقدات الإسلامية السائدة في المجتمع العربي الإسلامي، إلا أننا نجد خير الدين يؤكد عن وجود مقابل لهذه المؤسسات في الإسلام. بل إنه ذهب إلى القول أن المجالس النيابية المنتخبة عن طريق الاقتراع العام المباشر، التي تفسح في المجال للمجتمع المدني المشاركة السياسية، وحرية المطابع، اللتين حققا بهما الغرب قفزته التاريخية على صعيد تجسيد القطيعة مع النظام الإقطاعي القديم، تجد مايعادلها في الإسلام. فالمجالس النيابية الأوروبية الحديثة، ليست شيئاً أخر غير مجالس الشورى للخليفة، في الدولة العربية الإسلامية الأولى، وما أعضاء البرلمان سوى العلماء وأعيان الدولة الإسلامية قديماً، أي أهل الحل والعقد التي يتشكل منهم مجلس الشورى- والذين يلعبون دور المستشارين للخليفة، حيث يستحسن هذا الأخير بآرائهم المستنيرة حول قضايا الأمة والدولة. وقد انتجت الدولة العربية الإسلامية مؤسسات للنفع العام، والخدمات الاجتماعية والتعليم، مثل المساجد التي لعبت دور المؤسسة التعليمية والايديولوجية، ومؤسسات الوزارة في العصر الأموي والعصر العباسي. ومن هذا المنطلق فإن استجلاب المؤسسات الأوروبية، ليست سوى تطبيق لأحكام ومبادئ الشورى، وسنة الرسول، وآراء المجتهدين الكبار الذين يشكلون مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. " فالمشورة، تعني تطبيق مبدأ إسلامي آخر، يشكل إحدى ركائز الروح الإسلامية النظرية وهو مبدأ " تغير المنكر " و " الأمر بالمعروف ". هذا إرشاد ديني يرتبط أساساً بتصور لاهوتي للعلاقات بين البشر.‏

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " مبدأ يعتمد مصدراً قلبياً إيمانياً في تحديد علاقة المسلم بالمسلم. وهو بالطبع يستند إلى الحديث النبوي الشهير : " من رأى منكم منكراً فليغيره ويحدد الحديث وسائل هذا التغيير حتى إذا عجزت جميعها أو استحالت، يقتصر على التغيير القلبي الذي يستقي قوته من كائن ميتافيزيقي لاهوتي حاضر باستمرار في حياة المؤمن الروحية والمادية معاً. لماذا الشورى إذن؟ إنها لمنع ألوان المالك للسلطة من السقوط في " المنكر " ولضمان سيره باستمرار عن طريق " المعروف " (40).‏

من الواضح هنا، أن خير الدين يحاول أن يوائم المفاهيم الدستورية - من المجالس النيابية، والمؤسسات التي تتميز بها أوروبا الحديثة، والتي كانت ثمرة فلسفة عصر التنوير والنهضة الأوروبية، والثورة البرجوازية الأوروبية وتقدمها لاحقاً، وإفرازاً لانتصار وهيمنة الرأسمالية الغربية، ضمن سياق معطيات الصراع الطبقي الحاد بين البرجوازية الصاعدة والطامحة والإقطاع المنهار، - مع مبدأ الشورى الإسلامي، الذي ينتمي إلى فلسفة أخرى لها خلفياتها وأبعادها، ويوجهها عقل زماني ميتافيريقي ومتعالي. ومع ذلك، لم تكن قضية خير الدين الرئيسة هي قضية الديمقراطية الحديثة، وإنما قضيته تكمن في تأكيده على مبدأ الشورى بهدف إقامة المجالس النيابية المراد منها تقييد السلطة، باعتبار أن قضية التقدم العمراني عند خير الدين هي قضية بناء التنظيمات السياسية القانونية الدنيوية المؤسسة على الحرية والعدل. لذلك يؤكد خير الدين كما يقول معن زيادة على فكرة المشورة التي توازي في نظره قضية الديمقراطية بكل أبعادها من حرية قول وعمل وتمثيل، وإن اختلفت التسميات وتباينت الوسائل المؤدية إلى كل منها " فقد نصب الأوروبايون المجلس وحرروا المطابع. فالمغيرون للمنكر في الأمة الإسلامية تتقيهم الملوك كما تتقي ملوك أوروبا المجالس وآراء العامة الناشئة عنها وعن حرية المطابع. ومقصود الفريقين واحد، وهو الاحتساب على الدولة لتكون سيرتها مستقيمة وإن اختلفت الطرق الموصلة إلى ذلك " (41).‏

إن الدولة المقترحة بناؤها من قبل خير الدين هي الدولة الدستورية المقيدة، القائمة على ثلاث ركائز، هي الملك، والوزير المباشر، وأهل الحل والعقد. علماً بأن نظرية خير الدين حول الدولة تقوم على وجود أنماط ثلاثة : "إن الدولة إما أن تكون اوتوكراتيك Autocratique أي استبدادية، وأما أن تكون اريستوكراتيك Aristocratique أي زمامها بيد الأعيان، أو ديموكراتيك Democratique أي أمرها بيد العامة الشعب ".‏

وفي الواقع، فإن خير الدين بنى دولته على أساس النمط الثاني الأرستو كراتيك، أي نمط الدولة الملكية الدستورية المقيدة، التي يلعب فيها الأعيان، أي " أهل الحل والعقد "، الذين هم بمنزلة نواب المجالس النيابية، أي الممثلين عن الشعب، من دون أن يكونوا منتخبين مباشرة على غرار نواب المجالس النيابية في الغرب، دوراً أساساً، هو الدور الموازي لأعضاء المجالس النيابية في الملكية الدستورية المقيدة .‏

إن اختيار خير الدين لنمط الدولة الدستورية المقيدة نابع أيضاً من ضرورة تقييد صاحب السلطة الذي هو الملك، حتى يكون في " خدمة المصالح العمومية " أي السياسة بوصفها الشأن العام للدولة، بدلاً من أن ينغمس في خدمة " أغراضه وشهواته الخصوصية التي تبعده عن مراعاة المصالح العمومية ". لذا، أكد خير الدين أن تيسير تقدم الدولة والعمران، مرتبط ببناء الدولة العمرانية الشورية التي تتطلب تعاوناً وثيقاً بين فريق السياسيين وفريق العلماء، الذين لا يجوز أن يظلوا عالمين بأحكام الشورى وأحوالها، وإنما وجب عليهم الانخراط في الحياة الدنيوية. وفي هذا الاختيار، تأكيد على ضرورة القيام بالإصلاحات السياسية عن طريق بناء التنظيمات الدنيوية، التي تقيد سلطة الحاكم، وتحول دون ممارسة الاستبداد، وفي الوقت عينه تمثل وسيلة للتقدم والتمدن وإقامة العمران. يقول خير الدين، فيما يتعلق بنمط الدولة الدستورية المقيدة " ... وجب علينا أن نجزم، بأن مشاركة أهل الحل والعقد للملوك في كليات السياسة، مع جعل المسؤولية في إدارة المملكة على الوزراء المباشرين لها، بمقتضى قوانين مضبوطة، مراعي فيها حال المملكة، أجلب لخيرها، وأحفظ لها " (42).‏

إن تقدم الأمة الإسلامية في نظر خير الدين منوط بالأخذ بـ " المعقول والمنقول "، فالمعقول يتمثل في أن تتبنى الدول الإسلامية مايعادل المؤسسات الإسلامية القديمة من مؤسسات حديثة، البرلمانات، والوزارات المسؤولة، وحرية الصحافة، حرية التعبير، المستمدة من الفلسفة الليبرالية الأوروبية، باعتبارها مؤسسات تقيد سلطة الدولة بالقوانين الضابطة، والأنظمة المقيدة، وتمنع التفرد بالسلطة الذي يقود إلى الاستبداد، حتى لو كان الحاكم يتصف بالعدل والعلم، لأن " العمل بالرأي الواحد مذموم ولو بلغ صاحبه ما بلغ من الكمالات والمعارف"(43).. فالمعقول عند خير الدين في الفلسفة الليبرالية الغربية، ليس بالضرورة ينطلق من أصول الشريعة الإسلامية، وإنما يتماهى مع هذا الشرع، ضمن رؤيته التأويلية على طريقة الفقهاء في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، الذي يسمى بالاجتهاد. أما المنقول، فإن مايعني به خير الدين في هذه الحال، الاستشهاد بالفقهاء المسلمين الكبار، وبمبادئ الشريعة الإسلامية، لكي يبرهن أن المؤسسات الغربية لها ما يعادلها في الشورى، حيث أن هذا الاستشهاد يدخل في إضفاء شرعيته على الشورى. ولهذا كان خير الدين يحث العلماء المسلمين على ضرورة معرفة التغييرات والتحولات في العالم لكي يكونوا على اتصال بروح العصر، وقادرين على وضع تنظيمات دنيوية تناسب مع قدرة أوطانهم على هضم، وتمثل هذه التحولات من ناحية، وأحكام الشورى من ناحية أخرى." بهذا الفهم، يتضح أن وجود " الشورى " ليس وجوداً حقيقياً، إلا على مستوى وحيد ويتمثل في مجموعة من النصوص التي لا تحمل مضموناً واحداً، بل محمولات عدة، تتناسب وظرفية إثباتها. إنها شورى نصية، لا واقعية، إنها تصورية على أنحاء وزوايا للنظر متعددة، وليست بشورى مؤسساتية، خاضعة لصيرورات أفعال اجتماعية، لذا. فإن البحث فيها، لدى خير الدين التونسي، كما لدى جميع المفكرين المسلمين الذين نحوا نفس المنحى، لم ينظر مدى مطابقة المؤسسة البرلمانية مع الشورى النصية، بل عمل على البرهنة بواسطة نصوص، على وجودها في التاريخ الإسلامي، أي التاريخ النصي المكتوب، والتاريخ بمعناه الصوري لا الوقائعي ... إذ كيف تقبل المنطق السليم على شيء شرعي من أجل جعله شرعياً؟‏

إن هذه واحدة من أهم مفارقات فلسفة الإصلاح الإسلامية في القرن التاسع عشر الميلادي، وبداية القرن العشرين " (44).‏

ونأتي إلى موضوع الحرية، وكيفية تأويل خير الدين لأفكار غير ليبرالية تأويلاً ليبرالياً في التراث العربي الإسلامي. خير الدين المتأثر بالفلسفة الليبرالية الغربية، لم يضع الحرية في إطار فلسفي عميق، ولم يبحث عن أصلها ومداها كما يقول العروي، فلم يجسد قطيعة مع الفكر الإسلامي التقليدي، طالما أنه يبرهن في إطار تأصيله للحرية في المجتمع الإسلامي إلى استخدام التاريخ، واستحضار القادة المسلمين، الذين تحدثوا عن الحرية، والذين يعتبرونها من صميم الإسلام، مثل قول خير الدين " إن الحرية والهمة الإنسانية اللتين هما منشأ كل صنع غريب غريزتان في أهل الإسلام مستمدتان مما تكتسيه شريعتهم من فنون التهذيب "، أو استحضار قول عمر بن الخطاب " من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليوقومه"، لكي يؤكد على وجود الحرية السياسية في تاريخ الدولة العربية.‏

هكذا، نجد أن الحرية السياسية التي تفسح في المجال مشاركة المجتمع المدني في سياسة الدولة، والمستعيرة أساساً من الفلسفة الليبرالية الغربية، يزكيها خير الدين بما يعادلها في الفقه السني، ويوظفها بهدف تحرير المسلمين من الأوروبيين من ناحية، ويعتبرها من صميم حاجات المجتمع للقيام بالإصلاحات الدستورية، وإقامة التنظيمات من أجل الانعتاق من الاستبداد. وبما أن الحرية السياسية تتطلب حقوقاً متساوية للجميع في ظل الدولة الامبراطورية العثمانية، فإن مسألة تحقيقها تبدو مسألة صعبة، لذلك يقول خير الدين، إن ما يحول دون منح الحرية السياسية إنما هو خصوصاً تنوع عناصر الإمبراطورية.‏

إذا كانت قضية المجتمع المدني في الغرب مرتبطة بالفلسفة الليبرالية، ومقوماتها الأساسية العلمانية، والعقلانية، والديمقوقراطية، وبناء المؤسسات الدستورية التي جاءت نتيجة صراع بين طبقات وفئات اجتماعية انتهت بانتصار الطبقة البرجوازية الصاعدة، فإن قضية بناء المجتمع المدني عند خير الدين تقوم على الاستعارة من مفاهيم الفلسفة الليبرالية الغربية من ناحية، والارتباط بمرجعية المفاهيم الإسلامية التقليدية وبخاصة مبادئ الشورى، من دون إنتاج فلسفة سياسية لحركة النهضة من ناحية أخرى. " لقد عانى المفكر العربي تناقضاً في الانتاجات الفكرية الحديثة ذات المنحى الإصلاحي، والتي عرفها القرن التاسع عشر بالخصوص، وبدايات القرن العشرين. فمعظم المؤلفات التي وضعت لغرض الإصلاح تنطق بهذا التناقض، تناقض نابع من الارتباط والعودة إلى " الأصل " ولكن هذا التوق لا يجد نجدته إلا في الاقتباس : الآخذ من " أخر " اعتبر خصماً في أحسن الحالات، وهو فعلاً خصم عنيد، وقوة نافية - وهذا طبيعي يتماشى وطبيعة التاريخ الكوني - لا سبيل إلى مواجهتها إلا بالأخذ منها " (45) .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244