|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:05 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث أولاً : إخفاق تطلعات الحركة القومية العربية هناك مسافة زمنية فصلت الحركة السياسية القومية عن محاولة النهضة الفكرية، لكن إصداء تلك النهضة ظلت تتردد في أذهان المؤسسين. وتعرف المسألة القومية العربية بأنها فرع من المسألة الشرقية، وتدخل في نطاق النزاع، الذي كان سائداً آنذاك بين الأتراك الذين استأثروا بالسلطة في الماضي، ويريدون الاستئثار بها في المستقبل أيضاً، وبين العرب الذين يطالبون بالمساواة باسم الحق والقانون، وتحقيق مطالبهم القومية. " وقد كانت المسألة العربية من أهم أسباب الحرب ولاسيما الحرب العثمانية لأن أطماع ألمانيا في البلاد العربية بلغت حداً لم يسع إنكلترا وفرنسا وروسيا السكوت عنه ولأن الاتحاد بين الذين تآمروا على كيان العرب مع الألمان لم يروا بّداً من دخول الحرب شدا لآزرهم ورغبة في انتهاء الفرصة لضرب الأمة العربية ضربة لا تقوم لها قائمة بعدها"(1). وفي ظل سيادة الاستبداد العثماني، الذي تمارسه الحكومات المطلقة المتعاقبة، كان الظلم والاضطهاد على مستوى واحد بين رعاي الإمبراطورية العثمانية من المسلمين والمسيحيين، الترك والعرب. وإذا كانت طبيعة الاستبداد في الإمبراطورية العثمانية على عهد الحكومة المطلقة يستهدف فقدان العرب قوميتهم ولغتهم، بعدما نهبت ثرواتهم، وخربت ديارهم، واقفرت بلادهم، وضرب الجهل أطنابه في عموم البلاد العربية، حتى أن اسمهم صار محتقراً، فإنه في عهد الحكومة الدستورية (الاتحاديين) استأثر الاتحاديون بمبدأ سيادة الترك على باقي العناصر الأقوامية في السلطة العثمانية، فلم يتم التخلي عن الاستبداد، ولم تتحقق سيادة قانون، ولم تتوطد دعائم الحكومة الدستورية القائمة على العدل والحرية والإخاء، فكان من نتائج ذلك عدم الثقة بالإصلاح الدستوري، وهبوب رياح التنافر والشقاق وسوء الظن المتبادل بين العرب والترك. ولقد اتخذت الحكومة الاتحادية القوة والبطش نهجاً وقاعدة لإصلاح الشعوب العثمانية، بدلاً من استخدام طرق الإصلاح القانونية، وبناء المؤسسات الدستورية، ونواميسه المدنية. وقاد هذا النوع من الإصلاح بالقوة أي الإصلاح بالسيف " إلى جعل المملكة ميداناً لسفك الدماء فلم يعرف في تاريخ من التواريخ وإنما كان ميراثاً ورثه الاتحاديون عن أجدادهم التورانيين. فأساءت الدول المتمدنة الظن بهم من ذلك الحين ورفضت أن تقرضهم المال بغير مراقبة أجنبية على مالية الدولة. وهذه الأنماط الكبيرة في سياسة حزب الاتحاديين التي انتقدتها الاحزاب البرلمانية كلها حتى جماعة من الاتحاديين أنفسهم كالدكتور رضا توفيق المعروف بالفيلسوف وغيره ... (2). وفي عهد حكم السلطان عبد الحميد شهدت السلطنة العثمانية أشد صنوف الاستبداد ضراوة، خصوصاً مع بداية اشتداد الغزو الغربي، والحرب الروسية العثمانية (1877-1878 )، التي فقدت السلطنة فيها جل ولاياتها البلقانية، وفي فرض نظام الحماية البريطانية على مصر (1882). وعمل السلطان عبد الحميد على المحافظة على طبيعة الدولة العثمانية شديدة المركزية، وعلى بنيتها الأقوامية، وعلى تأكيد الخلافة العثمانية من خلال دعمها بفكرة الجامعة الإسلامية، مع بداية دخول السلطنة في فلك الاقتصاد الرأسمالي الأوروبي. " وإذا كان التخوف من الخطر الغربي بين العرب المسلمين جعل الأغلبية لا تفكر بتقويض الخلافة فإن ذلك لا يعني قبول الاستبداد والتردي الإداري، بل إن المطالبة بالإصلاح استمرت خاصة بعد تعليق دستور مدحت باشا. ولعل الدعوة للجامعة الإسلامية، وسياسة الضغط والإرهاب مع الحكم المركزي، أدتّا إلى شل حركة الإصلاح، وكان على الأصوات المعارضة أن تعمل سراً أو أن تذهب إلى الخارج مثل رشيد رضا والكواكبي والزهراوي " (3). والحال هذه، بدأت القوى الأوروبية العظمى : روسيا القيصرية، وفرنسا، وبريطانيا، تخوض صراعاً تنافسياً لتفكيك أوصال السلطنة العثمانية عامة، والوطن العربي خاصة. فبدأت هذه القوى تقيم الاتصالات المنظمة داخل ولايات السلطنة، بهدف إقامة قواعد ثابتة لها، وفتح أسواق جديدة لبضائعها. من هنا انصب اهتمام روسيا القيصرية بطائفة النصارى الارثوذكس، وفرنسا بطائفة الموارنة الكاثوليك، وإنكلترا بطائفة الدروز وشيوخ العشائر إلخ .... ومع اشتداد الاستبداد في الداخل، والتحديات الاستعمارية في الخارج، وعجز السلطنة عن القيام بالاصلاحات الضرورية التي تفسح لها في المجال للسير في طريق التطور والتقدم، عانى العرب من الاضطهاد والإقصاء في ظل الحكم العثماني، بسبب سياسة التمييز التي كانت تمارسها السلطات العثمانية ضدهم، ومنها : مناهضة الاتحاديين الضباط العرب الالتحاق ببعثة الضباط إلى ألمانيا، وإقصاء عدد كبير من العرب عن الوظائف التي كانوا يعملون فيها في الأستانة ولاسيما في وزارتي الخارجية والداخلية، وعدم الاكتراث بزعماء العرب، وعدم دعوتهم إلى أي اجتماع غايته التأليف بين العناصر العثمانية، ورفض أي عربي من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي الدخول في اللجان المركزية الاتحادية، وتحويل جمعية الاتحاد والترقي من جمعية عثمانية إلى جمعية تركية خالصة، واستبدال الولاة والمتصرفين والقضاة من أبناء العرب بولاة ومتصرفين وقضاة أتراك، ومعارضة الاتحاديين لكل مشروع علمي أو أدبي في البلاد العربية، ومناهضتهم أيضاً للغة العربية مناهضة قوية. وأمام هذا التحول في سياسة الاتحاديين، وتعديل برنامج جمعيتهم تعديلاً جذرياً لجهة تتريكها، انفصل عنها أحرار العرب، الذين باتوا على قناعة بأن السلطنة أصبحت عاجزة عن الدفاع عن الأستانة، فبما بالك بباقي البلاد العربية إذا تعرضت إلى هجوم الدول الإستعمارية الأوروبية. حينئذ بدأ زعماء العرب من كبار الأعيان والتجار في تأليف الأحزاب السياسية والجمعيات والتنظيمات العربية، التي بدأت تطالب بحقوق العرب، وتعبر عن البواكير الأولى لولادة الحركة القومية العربية. وأهم هذه الأحزاب، أولاً حزب اللامركزية الإدارية العثمانية، الذي يطالب بإقامة اللامركزية الواسعة في السلطنة العثمانية للشعب العثماني المؤلف من عناصر أقوامية ولغات وأديان مختلفة، علماً بأن هذا الحزب هو حزب علني أسسه عدد من العرب القاطنين بالقاهرة العام 1912، وكانوا على صلة بالليبراليين الأتراك وعلى رأسهم عزت باشا، وكاتم أسرار عبد الحميد سابقا المنفي منذ 1908 " (4). إن حزب اللامركزية حزب عثماني في برنامجه، غير أن عضويته عربية (سورية )، ويتمثل برنامجه في تحقيق المطالب التالية. على أن الدولة دستورية نيابية، وعلى وحدة ولاياتها في السلطنة على أساس اللامركزية الإدارية - 2- سيادة اللغة العربية كلغة رسمية في الولايات العربية -3- إسناد معظم الوظائف إلى المحليين العرب -4- توسيع صلاحيات مجالس الولايات. -5- إعادة تنظيم قوى الشرطة والجندرمة ودوائر العدل والمال . " وقد أوضح الحزب في بيانه معنى اللامركزية ومزاياها وضرورتها للبلاد العثمانية ابتداء أن وجود الأمة السياسي والاجتماعي يتوقف على شكل الحكومة فكلما كانت مشاركة الشعب للحكومة أكثر كان ذلك أضمن لدوام وجوده ورقيه. وجاء فيه أن التجارب أثبتت " أن أفضل شكل من أشكال الحكومات هو الدستوري، وأفضل أشكال الدستوري هو اللامركزية، خصوصاً الممالك التي تعددت فيها الفرق والمذاهب واللغات واختلفت العوائد والتقاليد والأخلاق "، إذ يتعذر أن تساس بقانون واحد دون مراعاة لتلك الأحوال. كما بين أن اللامركزية خير سبيل لتربية أفراد الأمة على الاستقلال الذاتي " الذي هو خير وسيلة لترقي الأمم ". وواضح أن الشعب غير المسؤول لايشعر بالتبعة، في حين أن اللامركزية توزع التبعة على أفراد الأمة بقدر ما تعطيهم من المسؤولية، وتدفع للاعتماد على النفس والجد في الحياة لبلوغ غايات الترقي والعمران بسرعة"(5). ثانياً : الجمعية الإصلاحية البيروتية، وقد عقدت جلستها العامة الثالثة في 31 كانون ثاني 1913. وجاء في اللائحة التي أقرتها الجمعية مايلي : " المادة الأولى: تقسم إدارة الولاية إلى قسمين : القسم الأول هو المشتمل على الأعمال المتعلقة بكيان السلطنة وشؤونها الأساسية وهي المسائل الخارجية والعسكرية والجمارك والبوستة والتلغراف وسن القوانين ووضع المكوس. والقسم الثاني هو المشتمل على الأعمال المحلية المتعلقة بشؤون الولاية الداخلية الخاصة. فكل ما يتعلق بالقسم الأول منوط تقريره وإجراؤه بالحكومة المركزية. وكل ما يتعلق بالقسم الثاني منوط تقريره بمجلس الولاية العمومي. المادة الثانية - للوالي صفتان قانونيتان : الأولى تمثيل الحكومة المركزية وبهذه الصفة يتولى أجراء جميع الأعمال المتعلقة بالقسم الأول طبقاً لقرارات الحكومة المركزية : والثانية تمثيل حكومة الولاية التي يرأسها وبهذه الصفة يتولى تنفيذ جميع الأعمال المتعلقة بالقسم الثاني طبقاً لقرارات المجلس العمومي. أما حقوق الوالي ووظائفه فهي : 1- تنفيذ قرارات المجلس العمومي. 2- الاعتراض على قرارات المجلس العمومي على الشروط الأتي بيانها في باب " الوالي والمجلس العمومي ". 3- الإطلاع على لوائح المشاريع التي تعدها " لجنة المجلس العمومي " لابداء ملحوظاته عليها قبل تقديمها إلى المجلس. 4- تعيين المتصرفين والقائمقامين والمديرين بعد عرض أسمائهم على الحكومة المركزية وفقاً لنظام يضم المجلس العمومي. (6). كما طالبت الجمعية أن تصبح اللغة العربية لغة رسمية في جميع المعاملات داخل الولاية.، وفي مجلس النواب والأعيان. ثالثاً - المنتدى الأدبي : وهي جمعية علمية بحته، ولكن لها اهتمامات سياسية. وقد كانت الجمعية تربطها صداقات قوية مع وزراء وزعماء جمعية الاتحاد والترقي. اشترك فيها أعضاء من مختلف الولايات العربية في الدولة العثمانية، وكانت تهدف إلى تعميق اليقظة القومية العربية. رابعاً : - جمعية البصرة الإصلاحية. وهي جمعية مماثلة في برنامجها وأهدافها لحزب اللامركزية والمنتدى الأدبي والجمعية العمومية البيروتية. خامساً - جمعية النهضة العربية، وقد أسسها محب الدين الخطيب وعارف الشهابي في اسطنبول العام 1906، وثم نقل مركزها إلى دمشق لاحقاً في العام 1907. ويقول الدكتور عبد العزيز الدوري عن الجمعية بأنها اتجهت وجهة عربية قومية إذ دعت لنهضة العرب، وأكدت على العربية رابطة أساسية وقاعدة للنهضة، ورأت الدور القيادي للعرب ضرورة لنهضة الدولة العثمانية، وحرصت على حفظ حقوق العرب في إطار الدولة العثمانية (7). سادساً : - الجمعية القحطانية، وهي أول جمعية عربية سرية أسست في الاستانة العام 1909 بعد منع الجمعيات القومية، شارك فيها ضباط ومدنيون عرب، وكانت جهتها السعي لإنهاض العرب وجمع كلمتهم والمطالبة بحقوقهم في المشاركة في الدولة. ويبدو أنها كانت تعبر عن تذمر العرب من موقف الاتحاديين (8). سابعاً : جمعية العهد، وهي جمعية سياسية سرية أسسها عزيز علي المصري وضمت في صفوفها نخبة من الضباط العرب معظمهم من العراقيين . ومن الواضح أن برنامج جمعية العهد يتمثل في رفع شأن القومية العربية، والوجهة الإسلامية العثمانية، والخوف من الخطر الغربي وبعد دخول الدولة العثمانية الحرب، وتنكيل جمال باشا برسالات العرب، أحد رجال الجمعية يتجهون إلى فكرة استقلال العرب (9). وكان لأعضاء هذه الجمعية تأثير بالغ في الحركة القومية التي بزغت فيما بعد في المشرق العربي، وفي مصر. فقد تأثر عبد الناصر بأفكار عزيز المصري عن القومية العربية، والأمة العربية، وعلاقتها بالإسلام. كما أن عدداً من أبرز قادتها كانوا معلمين وملهمين في المشرق العربي ولا سيما لمؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي. ثامناً : جمعية العربية الفتاة، أسسها الطلا ب العرب من أبناء العائلات التجارية والعقارية في باريس العام 1913 م، ولعبت دوراً مهماً في عقد المؤتمر العربي الأول بباريس عام 1913.إن اليقظة القومية العربية تبلورت قبل الثورة البرجوازية الديمقراطية التركية العام 1908، التي عرفت بانقلاب جمعية الاتحاد والترقي، التي أعلنت برنامجها السياسي " وفيه مساواة جميع المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات دون نظر إلى دين أو جنس، وحرية التعليم وتأليف الجمعيات، وإدارة الولايات على أصول " توسيع المأذونية " على أن لا يؤدي ذلك إلى توهين الرابطة التي تربطها بالدولة. هذا وتبقى التركية اللغة الرسمية وتكون لغة التعليم في المدارس " (10). لكن إسقاط الحكم الاستبداي للسلطان عبد الحميد لم يجعل رجال الاتحاد والترقي يلتزمون بإعطاء الحقوق السياسية للعرب، بل إنهم تبنوا أفكار القومية الطورانية، وانتهجوا نهجاً سياسياً يقوم على التتريك، ورفع شأن العنصر التركي الخالص، وكبت وقمع القوميات المختلفة في الدولة العثمانية، وبخاصة منها القومية العربية، على الرغم من أن هذه القوميات المختلفة، ومنها القومية العربية، كانت مؤيدة للإنقلاب الذي قاده الاتحاديون، وكانت تريد تطبيق سياسة الحرية القومية، ولكن مع المحافظة على الرابطة العثمانية. وأمام اشتداد سياسة التعصب القومي التركي من جانب زعماء الاتحاد والترقي الأتراك تجاه القوميات غير التركية، وازدياد اتخاذ إجراءات تقوي المركزية والهيمنة التركية، وتفاقم الأزمة الخارجية، تخلى الاتحاديون عن برنامجهم الذي أعلنوه في بداية الثورة، والقائم على اللامركزية، وتمثيل القوميات في مجلس المبعوثان، في ظل هذه الظروف نمت اليقظة القومية العربية، وظهرت الأحزاب والجمعيات العربية العلنية والسرية، وازداد تبلور الفكر القومي العربي سياسياً وتنظيمياً مع انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس بين 18و 23 حزيران العام 1913، بحضور ممثلين عن الولايات العربية، وبخاصة تلك التي كانت منشدة إليها أكثر الحركة القومية العربية، أي سوريا والعراق، واشترك كذلك عدد من الطلاب والتجار العرب المقيمين في باريس كمراقبين. وقد ألقيت الخطب الكثيرة في جلسات هذه المؤتمر، وتمخض عن اجتماعاته القرارات التالية : أولاً : - " إن الإصلاحات الحقيقية واجبة ضرورية للمملكة العثمانية فيجب أن تنفذ بوجه السرعة ". ثانياً : من المهم أن يكون مضموناً للعرب التمتع بحقوقهم السياسية وذلك بأن يشتركوا في الإدارة المركزية للمملكة اشتراكاً فعلياً. ثالثاً : يجب أن تنشأ في كل ولاية عربية إدارة لا مركزية تنظر في حاجاتها وعاداتها. رابعاً : كانت ولاية بيروت قدمت مطالبها بلائحة خاصة صودق عليها في 31 كانون الثاني سنة 1913 بإجماع الآراء وهي قائمة على مبدأين أساسيين وهما توسيع سلطة المجالس العمومية وتعيين مستشارين أجانب. فالمؤتمر يطلب تنفيذ وتطبيق هذين الطلبين. خامساً : اللغة العربية يجب أن تكون معتبرة في مجلس النواب العثماني ويجب أن يقرر هذا المجلس كون اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية. سادساً : تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات العربية إلا في الظروف والأحيان التي تدعو إلى الاستثناء الأقصى. سابعاً : - يتمنى المؤتمر من الحكومة السنية العثمانية أن تكفل لمتصرفية لبنان وسائل ماليتها. ثامناً : - يصادق المؤتمر ويظهر ميله لمطالب الأرمن العثمانيين القائمة على أساس اللامركزية. تاسعاً : - سيجري تبليغ هذه القرارات للحكومة العثمانية السنية. عاشراً : وتبلغ هذه القرارات أيضاً للحكومات المتحابة مع الدولة العثمانية ويشكر المؤتمر الحكومة الفرنسوية شكراً جزيلاً لترحابها الكريم بضيوفها ". (11). وقد شكلت قرارات هذا المؤتمر العربي برنامجا سياسياً للعرب العثمانيين، علماً بأن أعضاء المؤتمر كانوا في معظمهم من سوريا الجغرافية باستثناء اثنين من العراق، كما أن التجار والطلاب المراقبين كانوا سوريين. ومن المعلوم تاريخياً أن دعاة القومية العربية كانوا " يكنون عاطفة خاصة نحو الشعب السوري ويفكرون أولاً بسوريا وعاصمتها دمشق عندما يطالبون بالاستقلال العربي " (12). ومسألة طبيعية أن تكون سوريا مركز استقطاب الحركة القومية العربية ومعقلها، لأن سوريا كانت مهيأة منذ نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي لقيادة منطقة الشرق، بسبب النمو البرجوازي السريع فيها، الذي كان أسرع مما كان عليه في غيرها من الولايات العربية الأخرى الخاضعة للعثمانيين، حيث كانت سوريا تمتلك قاعدة صناعية واسعة متمركزة في حلب، ودمشق، وحماه وحمص، وبيروت وطرابلس، تلبي احتياجات الإمبراطورية العثمانية. وقد ألقت الخطب في جلسات المؤتمر، وجاء في خطاب عبد الغني العريسي السوري، الذي يمثل الاتجاه القومي ما يلي : " أن الجماعات في نظر علماء السياسة لاتستحق هذا الحق إلا إذا أجمعت على رأي علماء الألمان وحدة اللغة ووحدة العنصر، وعلى رأي علماء الطليان وحدة التاريخ ووحدة العادات، وعلى مذهب سياسة الفرنسيين وحدة المطمع السياسي فإذا نظرنا إلى العرب من هذه الوجوه الثلاثة علمنا أن العرب تجمعهم وحدة اللغة ووحدة عنصر ووحدة تاريخ ووحدة عادات ووحدة مطمع سياسي، فحق العرب بعد هذا البيان أن يكون لهم على رأي كل علماء السياسة دون استثناء حق جماعة، حق شعب، حق أمة " (13). وقد لعب العريسي دوراً أساساً في بلورة فكرة القومية العربية، نظريا وممارسة، وذلك في كتاباته الكثيرة المنشورة في جريدة المفيد، التي كانت تعبر الكثير مما كان يكتب عن الجمعية العربية الفتاة، وأن العريسي كان من أعضاء هذه الجمعية، له نشاط واسع في الحركة القومية"(14). وقد لخص الدكتور عبد العزيز الدوري العديد من أفكاره في كتابه عن التكوين التاريخي للأمة العربية، حيث نأخذ منه بعض المقاطع التي نراها تخدم بحثنا، وتوضح الجوانب المختلفة لتبلور فكرة القومية العربية. " ويبدو العريسي حريصاً على الروابط مع الترك، ويشير هنا إلى رابطتين أساسيتين : أولهما رابطة الدين وهي الوحيدة التي تبقى مستحكمة ولو تداعت سائر الروابط، وثانيهما رابطة الوطنية، أو العيش في وطن واحد ". ومع أن العريسي يؤكد على التوافق بين الإسلام والقومية، ويؤكد على العربية لأهميتها في الإسلام، فإنه هنا يؤكد على الإسلام وعلى الخلافة الإسلامية ليواجه أصحاب النزعة الطورانية الذين يتحدثون عن إمبراطورية عثمانية يسود فيها الترك، فيذكر بما لمعنى الخلافة من القوة الهائلة عند الأزمات، وبأثر الإسلام الذي لا يباري في النفوس (15). لقد كان الخوف من التوسع العربي عاملاً مهما في التمسك بالعثمانية، رغم الخلاف المتزايد بين العرب والاتحاديين "، إلا أنه يقرن ذلك بالمطالبة بحقوق العرب، وهو يبدأ بطلب الحريات والمساواة بين العرب والترك "، ولكنه مع تزايد الأخطار يذهب أبعد من ذلك في طلب الإصلاح، وخاصة بعد غزو ايطاليا لطرابلس ". فكتب في مطلع السنة الرابعة للمفيد (كانون الثاني/ يناير 1912 )، أن المفيد " عامل لمصلحة الأمة العثمانية بنهوض الأمة العربية "، وأنه يريد صلاح الآخرين بصلاح العرب. وبعد أن يعرض آراء الإصلاحية ومنها تأييد العربية في مدارس الحكومة ومساواة العرب بالعناصر الأخرى، يقول " إن خطة المفيد عربية عثمانية تدرأ عن العرب كل إذية وتناضل عن حقوقهم "، ولكنه ينتهي إلى توالي خط الحزب الحر المؤتلف، لاتفاق الاتجاه، كالمحافظة على كل عنصر وإبقاء حصص للمعارف في كل ولاية لنفسها وإرجاع أوقافنا إلى معارفنا ". وهو يوضح نظرته في مقال ثانٍ فيهاجم سياسة الاتحاديين القائمة على السيطرة والتتريك، ووصفها بأنها " سياسة ابتزاز وامتصاص، سياسة قهر وتسخير "، ويؤكد سياسة حزب الحرية والائتلاف التي " تقوم على تعليم كل عنصر ما يقدمه من المال، وترقية كل ولاية في الاقتصاد بما تدفعه من الرسوم، وحفظ لغة كل قوم من الانقراض، إدارة كل بلد برجال يفهمون أهله والنظر للشعوب نظرة الإخاء " (16). إن ما ميز مؤتمر باريس هو إظهاره الفكر القومي العربي متمايزاً عن التيار الإسلامي، وهذا ما أكده عبد الحميد الزهراوي، رئيس المؤتمر حين قال لجريدة الطان الفرنسية مايلي :" وأما عن الرابطة الدينية فقد عجزت دائماً عن ايجاد الوحدة السياسية حتى أنها لم تقو على إزالة ما بين الحكومتين العثمانية والفارسية من خلاف بسيط على الحدود، وأن العاطفة الإسلامية لم تقدر يوماً أن تحمل أميراً مسلماً على التنازل عن حقوقه لأمير آخر من دينه حتى ولو كان الخليفة بنفسه " (17). وتابع الزهراوي قوله ..." فنحن العرب لانتمسك بالوحدة السياسية لأجل الرابطة الدينية بل رغبة منا في إيجاد مجموع عثماني قوي يرتقي فيه مجموعنا العربي بدون حائل يقف في طريقه ... والدولة العثمانية هي التي تقدر أن تحقق رغباتنا " (18). علماً أن العثمانية هي رابطة سياسية ترمز إلى الخلافة الإسلامية آنذاك. وقال اسكندر عمون في خطابه : " توهج بعض أنصار النظام المركزي من أخواننا الأتراك أن الغرض من النهضة العربية الانفصال عن الدولة وهو أمر بعيد عن الصحة فإن الأمة العربية لا تريد إلا استبدال شكل الحكم الفاسد - الذي يؤدي بالدولة - بالحكم الذي يرجى منه وحدة الصلاح والنجاح لنا ولهم وهو على قاعدة اللامركزية. ولو كانت الهيئة الحاكمة اليوم من صميم قريش لكان موقفنا هذا " (19). إن مؤتمر باريس مثل الخطوة الجادة الأولى في الحركة القومية الحديثة، لأنه ميز بين الاستبداد والاستعمار العثماني من جهة، وكان ينطوي على كثير من التوجس من الهيمنة الأوروبية من جهة أخرى. ويمكن القول أن هذا المؤتمر هو اللحظة التدشينية للحركة القومية الحديثة، لأنه جمع جمعيات، وأحزاب، وتيارات فكرية مختلفة تجمعها الرابطة القومية، وأسس لما سيكون في المستقبل حركة التحرر القومي العربي, وشنت الحكومة الاتحادية حرباً شعواء على مؤتمر باريس، ومنها شن حملة اغتيالات على الزعماء، العرب، وزرع الدسائس في صفوف القيادات العربية، ووضع خطة لاستمالة الإصلاحيين منهم، بجرهم إلى قبول الإصلاحات التي أقرتها الوزارة الاتحادية. وبالفعل سافر وفد مؤتمر باريس الذي كان يمثل معظم الأحزاب العربية الحرة والجاليات العربية في أوروبا وأميركا إلى الأستانة لمفاوضة رجال الحكومة وأهل الحل والعقد في 23 آب 1913. ولكن الحكومة الاتحادية كانت تتظاهر بالإخلاص للعرب، غير أنها في الباطن كانت تضمر لهم الشر، وتخدعهم، وتعمل على وضع الدسائس بين الأحزاب والجمعيات العربية للقضاء على اتحادها. لقد اخلص العرب وأمراؤهم وأحزابهم للاتحاديين قبل الدستور، وبعده، وكانوا جزءاً من الاتجاه الدستوري الذي كان ينادي بفرض الدستور في السلطنة، وتحديد حقوق الأحزاب والأمم، وتقييد السلطة المطلقة، وتبني النهج الأوروبي في التنمية، وتحقيق اللامركزية. غير أن الحكومة الاتحادية حلت الأحزاب، وأجرت الانتخابات النيابية لغاية العام 1913 في جو من الإرهاب، التي لم ينجح فيها العرب ألا بنسبة ضئيلة، وعينت عدداً من النواب العرب في مجلس الأعيان. وكانت حركة القومية العربية، تشقها عدة اتجاهات في داخلها، فهناك اتجاه قومي عربي، يؤكد إلى تبني أفكار الثورة الديمقراطية البرجوازية لتحديث السلطنة على صعيد الدولة والمجتمع، وهناك اتجاه الإصلاح الديني الذي يدعو إلى المزاوجة بين النقل والعقل والتحديث، ويريد انتزاع الحقوق من السلطنة لمصلحة العرب، ولكنه يريد تحويل السلطنة إلى شورى تعطي العرب دوراً أساساً، وتعيد الخلافة إليهم كما هو حال اتجاه الكواكبي والزهراوي. وكان تيار حركة " جمعية العربية الفتاة " أكثر تشدداً في مطالبته بالاستقلال التام والوحدة العربية الكاملة، وفي مقاومة الاستعمار الدائم، حيث اتخذت الجمعية قرارا عشية دخول الدولة العثمانية الحرب نص على مايلي " ينتج عند دخول تركيا الحرب أن مصير الأجزاء العربية في المملكة العثمانية، باتت مهددة بخطر شديد فيجب بذل أقصى جهد لضمان تحريرها واستقلالها. وتقرير كذلك أنه في حالة ظهور مطامع أوروبية في هذه الأجزاء ينبغي على الجمعية أن تعمل إلى جانب تركيا في سبيل مقاومة النفوذ الأجنبي مهما كان نوعه وشكله"(20) . وكان التيار العلماني إصلاحياً في جوهره، ويعتبر مرجعيته في التحديث والحضارة هي الحداثة الأوروبية. وهو تيار معاد للسلطنة العثمانية، ولكنه له موقف مزدوج من الغرب، فهو يعتبره عدواً على الصعيد السياسي يتطلب والحال هذه الوقوف ضد مطامعه وتوسعه من جهة، وهو يعتبره مرجعاً على الصعيد الايديولوجي يتبنى قيمه الليبرالية ومظاهر التقدم فيه من جهة ثانية. ومن المعلوم تاريخياً أن الامبراطورية البريطانية استغلت الحركة القومية العربية في الأقطار العربية الخاضعة للامبراطورية العثمانية أبشع استغلال، عشية الحرب العالمية الأولى، التي كانت تستهدف إعادة اقتسام العالم، ومناطق النفوذ، بين الحلف الانكلو - فرنسي، والحلف الألماني - التركي. ولما كانت الإمبراطورية العثمانية يسيطر فيها نمطاً إقطاعياً متاخراً وتابعاً، وتمثل الحلقة الضعيفة في السلسلة الإمبريالية، باعتبارها إمبراطورية منهارة تاريخياً، وآيله للأفول، اشتد التسابق والصراع بين الدول الرأسمالية العظمى الأوروبية للاستيلاء والسيطرة على حقول النفط في الشرق الأوسط والثروات العربية، ولتقاسم تركة الإمبراطورية العثمانية، بعدما تبين للقوى الاستعمارية الأوروبية أن النفط أصبح مادة استراتيجية ذات أهمية بالغة في سير عجلة الحرب الإمبراطورية وكافة ميادين الأنشطة الاقتصادية، التي تتطلبها الصناعة الرأسمالية، والاحتكارات الرأسمالية والرأسمالية الاحتكارية عامة، في مرحلتها العليا الإمبريالية. وفيما أعلنت القيادات العربية بزعامة الشريف حسين انضمامها إلى المعسكر الانكلو - فرنسي، وقبول التعاون مع بريطانيا على أساس المعاهدة البريطانية - الحجازية التي عقدت بين الشريف والسيد مكماهون، حين اندلعت الثورة العربية الكبرى في 6 يونيو 1916، والتي نصت في إحدى بنودها أن تتعهد بريطانيا العظمى بتشكيل حكومة عربية مستقلة، (بكل معاني الاستقلال في داخليتها وخارجيتها وحدودها شرقاً الخليج، وغرباً البحر الأحمر والحدود المصرية والبحر الأبيض، وشمالاً حدود حلب والموصل الشمالية إلى نهر الفرات ومجتمعة مع الدجلة، إلى مصبها في الخليج، وتنصيب الشريف ملكاً على هذه الدولة العربية )، كانت الاستراتيجية البريطانية تستهدف أولاً وأساساً تفجير عدة ثورات داخلية وتشتيت الجيوش العثمانية، وحرمانها من الاستفادة من القوى العربية المقاومة للغزو البريطاني للإمبراطورية العثمانية، ودعم الثورة العربية تكتيكياً، بهدف طرد العثمانيين من الحجاز وإخراجهم من سورية، في سبيل تقسيم تركيا بعد الحرب. وعلى الرغم من مساعي أجهزة الاستخبارات الانكليزية والدوائر الغربية لاستمالة الأمراء والمشايخ والقبائل العربية في جميع أنحاء الإمبراطورية إلى جانبها، بشتى الوسائل والمغريات بوجه عام، فإن ثمة ظروف موضوعية كانت تدفع بالحركة القومية العربية التقليدية إلى المراهنة على عدو العدو. وإذا كانت الدوائر الغربية، والاستخبارات الإنكليزية، والصهيونية، قد نجحت مع هذا الأمير، أو هذا الحاكم، أو ذاك، فإن ذلك أيضاً يرجع إلى طبيعة المنافسات والخصومات داخل المجتمع العربي المتأخر تاريخياً. وعلى نقيض ما كان يحلم به القوميون العرب، من حيث الاعتراف بحقوقهم في تأسيس دولة عربية مستقلة، كانت مطامع ومصالح الحلفاء، متناقضة جذرياً وتاريخياً مع المطامع العربية في التحرر، لذا جرت مفاوضات سرية حول اقتسام البلدان العربية، وتمخضت عنها اتفاقية سايكس - بيكو، التي حولت الأرض العربية من ولايات تركية خاضعة لاحتلال تركي متخلف إلى مستعمرات خاضعة لاحتلال حديث متطور من جانب الدول الإمبريالية الأوروبية. على الرغم من التحالف الذي كان قائماً في صيرورة الثورة بين حلفين مختلفين في تشكلهما الطبقي، ومتفاوتي النظرة في الأهداف الاستراتيجية للحركة القومية التحررية العربية (الحلف الأول ويمثله الشريف حسين، متكون من الملاكين الإقطاعيين ووجهاء العشائر والقبائل العربية، والحلف الثاني، متكون من طبقة أعيان برجوازية سوريا والعراق وفلسطين )، إلا أن هذه التحالف لم يشكل وزناً ثقيلاً، يجعل من قادة الحركة العربية، شريكاً قوياً، حين انخرطوا في معادلات الصراع الدولي من موقع تابع، ولم تكن مشاركتهم الضعيفة والمحدودة قد أعطتهم أوراقاً رابحة في اللعبة السياسية مع البريطانيين. إن الحركة القومية العربية حركة تقليدية، حركة أعيان وهاشميين، وأشراف، وبما هي كذلك لم تكن ذات طابع شعبي أبداً، فهي أقرب إلى حركة نخبة ارستقراطية تحكم في أن ترث أمجاد الإمبراطورية العثمانية : ولم يكن لديها مشروع سياسي مرتكز إلى رؤية واقعية ذاهبة نحو المستقبل، وبالتالي لم يكن تجديد المجتمع العربي وإعادة بناء الدولة مما يشغل تفكير النخبة السياسية. فهي بالأحرى نخبة أقرب إلى المحافظة والتقليد فضلاً عن وعيها الماضوي. وقد التفت حول هذه الحركة التقليدية نخبة من المثقفين ذوي التطلعات القومية، أعضاء جمعية العهد، والجمعية القحطانية، وأعضاء مؤتمر باريس. ولم تكن التوجهات القومية لدى هذه النخبة تشكل عناصر لمشروع سياسي واقعي، وبالتالي فكرة المجتمع المدني، وفكرة الشعب، كانتا عندها غائبتين. فالحركة القومية التي نشأت كانت تحمل أصداء خافته لمحاولة النهضة الفكرية أولاً. وكانت غارقة في ايديولوجية تقليدية محافظة، ثانياً. كان يعوقها البعد الاجتماعي والرؤية المستقبلية، ثالثاً. وكانت استجابة ساذجة للصراع الذي يجري عالمياً في سبيل تقسيم العالم، ومنه الوطن العربي. ثانياً : خضوع الوطن العربي للاحتلال والتجزئة أصبح لبنان وغربي سوريا وكليكيليا والجزء الجنوبي من شرقي الأناضول خاضعاً للاستعمار الفرنسي، وعهدت إدارة شرقي سورية وشرقي الأردن إلى الأمير فيصل، الذي كان يعمل باسم الملك حسين. وسقطت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وتوطدت بذلك العلاقة بين الحكومة الانكليزية والحركة الصهيونية العالمية بشكل وثيق جداً، على ضوء التزام بريطانيا بوعد بلفور في (2 تشرين الثاني 1917) الذي نص على تأسيس وطن قومي "للشعب اليهودي" في فلسطين، كما انتقل العراق إلى الانتداب البريطاني. وهكذا نكصت بريطانيا عن الوفاء بتعهداتها السابقة، والمتمثلة بتطبيق اتفاقية مكماهون - الحسين، التي تنص على تأسيس دولة عربية موحدة. وانطلاقاً من اتفاقية سايكس - بيكو، تحطمت طموحات الشريف " التي كانت تعبيراً عن طموحات اقطاعي قبلي يريد توسع حكمه انطلاقاً من الحجاز اعتماداً على بريطانيا، مستفيداً من الشعارات التي رفعتها الحركة القومية العربية في سوريا بعد اتصال ابنه فيصل بزعمائها"(21) . ولقد لعبت بريطانيا دوراً أساساً في تفتيت الحركة القومية، من خلال إبراز عبد العزيز آل سعود على المسرح الدولي، حين تطابقت طموحاته الذاتية المتمثلة في رفع راية الحركة الوهابية المعادية للامبراطورية العثمانية مع المسار الموضوعي للتاريخ الاستعمار البريطاني، وأسس الدولة السعودية في العام 1926، ونُصِبَ ملكاً على نجد والحجاز والأراضي الملحقة. وفي 18 أيلول 1932 أعلن المرسوم الملكي بتوحيد كامل أجزاء المملكة، التي سميت المملكة العربية السعودية. وفي معرض كتابه، أوروبا والمشرق العربي، يقول الدكتور جورج قرم " أن مملكة إسلامية ، صارمة الإسلام وخالصته، وبدوية محضة في عروبتها، ومغلقة دون الحداثة، استأثرت لنفسها بحراسة أماكن الإسلام المقدسة بقوة السيف وحده، ما كان يمكن أن تبدو للغرب إلا ورقة رابحة أسهل مداورة من غيرها، ولاسيما في زمن لاحت فيه بشائر المناورات النفطية الكبرى. فمملكة بدوية ذات قيم تقليدية، شغلها الشاغل فرض نظام قرآني بريء من لوثة أي اجتهاد أو تطور، تستطيع بسهولة أكبر أن تحتل موقعها في نظام الأشياء وأن تتيح بالتالي إمكانية أكبر للقوى العظمى لتتابع مناوراتها الكبرى التي لم تعد سياسية صرفة بعد أن أعطاها النفط بعداً اقتصادياً له أهميته الاستراتيجية بالنسبة إلى تطور الأمم الأوربية. وقد ظهر الملك عبد العزيز بن سعود رغم بداوته، وربما بسبب بداوته، مدى استعداده لاحترام مناورات كبار هذا العالم، ولسوف يسير ورثته من بعده بوفاء على خطاه في هذا الطريق"(22). إن نتيجة ميزان القوى الواقعي للحرب الإمبريالية الأولى، احتلال كل الوطن العربي من المشرق إلى المغرب، وتجزئته، وفقدان المشرق العربي وحدته السياسية، التي كانت قائمة في العهد العثماني، وتشتيت الحركة القومية العربية، التي كان قادتها من رجال الإقطاعيين القبليين في الحجاز، وطبقة الأعيان في سوريا، على الرغم من وجود جناح علماني مهم متأثر بالحداثة الأوروبية، حاول أن يستمد من مبادئ الفكر الليبرالي الغربي حلولاً لمجابهة معضلات التأخر في المجتمع العربي. وهذه النتيجة جزء لايتجزأ من مساومات فرساي، التي بنيت على معاهدة سايكس بيكو، المبرمة أثناء الحرب بين الدول الحليفة الثلاث الكبرى، وهي تتناقض جذرياً مع المبادئ الولسونية، التي إلقاها الرئيس ولسون في خطاب أمام الكونغرس، في 11 شباط 1918، حين قال؟ " ينبغي أن يوضح حد لمقايضة الشعوب والأقاليم فيما بين الحكومات وكأنها محض مال منقول أو محض قطع قابلة للمبادلة في لعبة، في اللعبة الكبيرة لتوازن القوى، تلك اللعبة، التي فقدت اعتبارها من الآن فصاعداً إلى الأبد ولايجوز القيام في هذه الحرب بأي تسوية إقليمية لاتستجيب لمصالح السكان المعنيين ومنافعهم، ولاتعدو أن تكون مجرد بند في تسوية أو حل توفيقي بين مطامح الدول المتنافسة ".. بل من الواجب أن تتأكد كل قومية محددة المعالم من أن أصواتها ستتحقق قدر المستطاع وعلى نحو يستبعد كل علة جديدة أو قديمة للشقاق والخصام، وما ستترتب عليه في المستقبل أخطار جديدة على سلم أوروبا والعالم " (23) . على نقيض المبادئ الولسونية هذه، المستمدة أساساً من الموروث الفكري الثقافي والسياسي للثورة البرجوازية الأوروبية، باعتبارها عملية تحررية للشعوب المضطهدة الرازحة تحت نير النظم الاستبدادية الإقطاعية، وفي تناقض كلي وشمولي مع المطامح والمطالب القومية العربية العصرية، المستلهمة من اللاهوت القومي الثوري للثورات القومية الديمقراطية الأوروبية، انفلت النهم الإمبريالي الأوروبي من كل عقاله، لكي يملأ فراغ القوة وفق استراتيجيته التاريخية الاستعمارية، ويوطد سلطة الدولة السعودية - هذا المولود الجديد - ويرسخ موقعها على حساب التنكر في الوعود لوجهاء ثورة الهاشميين العربية، الذين كانوا يمثلون الصبوات السياسية والاجتماعية القومية العربية، الطامحة بتأسيس دولة واحدة في المراكز الحضارية الكبرى للمشرق العربي، ويتم الاعتراف بهذه الدولة الوهابية من قبل الدول الأوروبية، في حين أن الحركة القومية العربية ستشهد تاريخاً عصيباً، بدءاً من خمود دعواتها المنظمة، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وانتهاء بدخولها بعد إخفاق تجاربها في بناء دولة الوحدة، في دائرة زوابع متعددة الابعاد لاتزال غير مؤهلة إلى اليوم للخروج منها ". إن الدولة الوهابية السعودية الوليدة، المستلهمة فلسفتها السياسية والايديولوجية في الحكم من الحركة الوهابية السلفية، المتأثرة بمذهب ابن تيمية، والداعية للرجوع إلى الدين الإسلامي النقي، والتي جسدت قطيعة مع الإسلام الكلاسيكي، ومع جميع مدارسه الكلامية والفقهية، قد أرست نظاماً سياسياً توتاليتارياً - دينياً بقوة السيف، في بيئة بدوية متخلفة ومتأخرة تاريخياً، تعيش في رمال الصحراء الخالية من التكتلات البشرية الكبيرة، والحضرية، والمدنية، وخارج سياق الحضارة الإنسانية. ذلك أن الحركة الوهابية السلفية، التي خاضت الصراع ضد السلطنة العثمانية تحت راية اليقظة والتجديد الإسلامي، والدعوة إلى الدين الإسلامي النقي، والقيام بإصلاحات في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وتحقيق الوحدة الإسلامية، لا تنتمي إلى حركة الإصلاح الإسلامي - بما شكلته من نهضة ثقافية عربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين - وإنما أسست رؤيتها لمواجهة بقايا العصور الوسطى المظلمة، عصور السيطرة المملوكيه العثمانية، والتعصب التركي المعادي للعروبة والقومية، وبداية الغزو الاستعمار الأوروبي، على أساس ديني، من أجل استعادة النموذج العربي الإسلامي، باعتباره الإطار المرجعي الوحيد، حسب وجهة نظرها، لتأسيس دولة الإسلام، وتحقيق النهضة الإسلامية. ولما كانت هذه الحركة الوهابية السلفية لاتعبر عن طموحات ومصالح الأمة، ولا تحمل في صيرورتها نظاماً إنتاجياً جديداً، و ايديولوجية جديدة، فإن مشروعها السياسي كان يقوم على التماثلية النمطية في حركة التاريخ، وعلى الثبات المتوهم للزمن، أي أن مشروعها مؤسس على طوباوية نهضة الماضي، غير ممكنة التحقيق ، في عصر الثورات القومية الديمقراطية البرجوازية، والثورات الصناعية، التي شقت طريقها في أوروبا بحكم كونها رؤية إسلامية سلفية تقف خارج الزمن، والحضارة، والتاريخ. لهذا السبب، كان المشروع الوهابي السعودي متوغلاً في الماضي الإسلامي وقائماً على الأصولية الإسلامية، ومتناقضاً جذرياً مع الرؤية القومية العقلانية، التي تنطلق من واقع انحطاط الأمة العربية، وتحليل تناقضاتها والانطلاق منها لبناء مشروع رؤية جديدة علمية وثورية، تتضمن حلولاً جذرية لمعضلات العرب القومية، تكون بمستوى تحديات العصر. من هنا فإن رؤية الدولة السعودية الوهابية، قفزت عن الواقع الموضوعي، وألغت الزمان والمكان في حركة التاريخ، وزرعت في الساحة العربية بذور إنبات الحركات الإسلامية الأصولية، التي ستمزق باطراد متزايد الوطن العربي، وستزرع فيه التناقض بين العروبة والإسلام. ثالثاً : آلية تحديث تناقضية منذ أن اندمج الوطن العربي في النظام العالمي الجديد الذي أسسته أوروبا بتجاربها الطويلة منذ القرن السادس عشر، وَاشتداد حدة المنازعات الأوروبية على مجالات النفوذ والقوة والسيطرة على الإمبراطورية العثمانية في الفترة الممتدة من مطلع القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الأولى، التي كانت نتيجة ميزان القوى الواقعي فيها مضادة للسلطنة من جهة، ومضادة لمطامح العرب القومية، بحكم خضوعهم لمرحلة الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية الغربية في الفترة مابين الحربين العالميتين، (وأن كانت أقطار شمال أفريقيا قد خضعت للاحتلال قبل ذلك) من جهة ثانية، فأن التحديث الذي سيقوم به الاستعمار الأوروبي في المجتمع العربي التقليدي سيأخذ طابعاً تناقضياً مع الرؤى الحداثية والمبادئ الرسالية للديمقراطية المسماة بالليبرالية الغربية، والمتجسدة في نظام الدولة القومية أوالدولة -الأمة الأوروبية المدعية لنفسها بأنها تؤسس لحداثة ذات طابع كوني تقتحم بها حضارات الشعوب المختلفة، لتصهرها في بوتقة الاستعمار الغربي، باسم فكرة التقدم والتنمية، في اتجاه واحد " هو اتجاه الحضارة الصناعية الرأسمالي ". فالتحديث الكولونيالي لم يقم على أساس تحديث الأنماط والبنى الاقتصادية الاجتماعية والسياسية في المجتمع العربي، وأحداث بلورة جذرية لهذه البنى المتوارثة ضمن سيرورة من العمليات التراكمية التي تقود إلى تثوير القوى المنتجة، وتعبئة الثروات والموارد من أجل التحول الاقتصادي والتكنولوجي بشكل جذري في هذا المجتمع التقليدي، بما يفسح في المجال لتحقيق قطيعة مع التأخر التاريخي والإقطاعية، والانتقال إلى الحداثة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الرأسمالية على حد قول ماكس فيبر، التي غيرت المجتمع الأوروبي بل العالم كله بشكل جذري، وأرست دعائم العقلانية التي جسدت القطيعة مع أساليب التفكير التقليدية غير العلمية، وأصبحت مع سيادة العقل العلمي القوة المهيمنة والمتحكمة في الإنتاج، وفي جميع مجالات الحياة الفكرية والثقافية والسياسية. "فالتحديث وإن كان تراكماً وتطوراً لا يتخذ لنفسه اتجاهاً واحداً بالضرورة ولايخضع إلى تطور خطي للزمنية Temporalité لأنه أساساً تحرر من نقل العادات والتقاليد وإبداع على جميع المستويات يخرج من المرجعية Réferencialité الضيقة ليؤسس قدرة متجددة على التجاوز المستمر نحو المستقبل " (24). ولقد تجسدت آليات التحديث التناقضية في المجالات التالية : ففي التعليم تم فتح المدارس، والتعليم العلماني لتهيئة وتخريج الكوادر المتوسطة في الأغلب، لكي تكون كوادر طيعة في خدمة الإدارة الكولونيالية ومشدودة في الوقت عينه إلى النموذج الغربي القابع في مكان آخر. لكن إلى جانب هذا التعليم " الحديث " استمر نظام التعليم الديني التقليدي قائماً ومنكفأ على ذاته، ويعيد إنتاج نفسه عن طريق شيخ الكتاب، يغذي ذلك كرهه للأجنبي لأسباب وطنية ودينية. " ففي مصر كان المشايخ الدينيون - مثل محمد كريم والشرقاوي وعمر مكرم - هم الذين قادوا المقاومة الشعبية ضد حملة نابليون. وفي الجزائر قاد المقاومة المسلحة ضد الفرنسيين الأمير عبد القادر، وهو أحد رؤساء الطرق الدينية. وقادها بشكل سلمي فيما بعد عبد الحميد بن باديس. ولكن بعد خفوت موجة المقاومة الأولى للاحتلال الأجنبي، عمد المحتلون إلى استمالة زعماء الدين، وتدجينهم، بالامتيازات المعنوية، والمادية، ولكن مع الحرص على تجريدهم من أي فعالية شعبية أو سياسية. واستجاب لذلك قطاع كبير منهم، وبخاصة زعماء الطرق الصوفية في المغرب الأقصى. ولكن قطاعاً لايستهان به صمد وقاوم الإغراءات، ونشأ منهم بالتدريج ما يمكن تسميته بالسلفيين الوطنيين " كما يسميهم علال الفاسي الزعيم الوطني المغربي (25). ومن الواضح أن السياسة الكولونيالية العلمانية في مجال تحديث التعليم، لم تكن في حالة قطيعة فكرية وايديولوجية مع الايديولوجيا الإسلامية، ومع المؤسسات التعليمية الإسلامية التقليدية، مثل المدارس القرآنية، والجامعات الدينية، كالأزهر في القاهرة، والزيتونة في تونس، والقرويين في فاس، والحوزة الشيعية في النجف، التي كانت تدرس القرآن، والشرع، والفقه. ولكن هذا لاينفي وجود علاقة متوترة بين نمطي التعليم " الحديث " والتعليم التقليدي، خصوصاً وأن هذا الأخير يقوم في بنيته المرجعية على القيم العربية والمفاهيم الإسلامية التقليدية. وإذا كان التحديث في التعليم القائم على أساس تدريس اللغات والثقافات الأجنبية، والعلوم العصرية الدقيقة، فإن خلفيته الإيديولوجية الاستعمارية لايرقى إليها شك، تتضح من خلال أعداد هذا التعليم الحديث الكوادر الجديدة لكي تنخرط في الهياكل الاقتصادية والسياسية والإدارية التي ادخلها وأوجدها الاستعمار، حيث أصبحت المؤسسات التعليمية الحديثة هي المعبر الوحيد للعمل في الأجهزة الإدارية والمؤسسات الاقتصادية، التي تخدم مصالح الهيمنة الاقتصادية الاستعمارية. ويمكننا من هذه الزاوية، أن نشير إلى أن المؤسسات التعليمية الحديثة قد أفرزت النخبة الإدارية والتعليمية التي تلقت تعليماً عصرياً، وذهب قسم منها في بعثات إيفاد لمواصلة دراساته الجامعية العليا في العواصم المتروبولية كباريس، ولندن إلخ. وتتكون هذه النخبة الحديثة من أبناء البرجوازية الصغيرة، والفئات الاجتماعية المتوسطة، وسيتطور وضعها ودورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي حسب السياق السياسي الإستعماري، الذي كان يبحث عن الشرعية لبقائه، ولمصلحة أغراضه التوسعية في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والايديولوجية، وبخاصة التهميش المنظم للمؤسسات التقليدية. كما أن هذه النخبة التي تكونت في ظل عملية التحديث الكولونيالي، ستعلب دوراً مهماً في الحركة الوطنية العربية وفي بناء الدولة الوطنية ذات الطابع القطري، التي تراوح بين سياسة نصف علمانية ونصف إسلامية، على الصعيدين الثقافي والاجتماعي، بحكم خطابها التحديثي المزدوج، ونزعتها التوفيقية. أما على الصعيد التحديث في مجال السياسة الثقافية، فقد حاول الاستعمار نشر القيم والمفاهيم الغربية التي تشكل مكتسبات حضارة الاستعمار الرأسمالي بهدف طمس على طول الخط الثقافة العربية وبنيتها الفكرية المستمدة من النموذج الثقافي الإسلامي. وكان الغزو الثقافي الكولونيالي للمجتمع العربي يهدف إلى تسييس الثقافة لفرض هيمنة الاستعمار الايديولوجية في اتجاه تحقيق متطلبات السياسة الكولونيالية ذات الطابع التناقضي من جهة، وتحديث المجتمع العربي وفق تحقيق بعض مبادئ العلمانية عبر إقصاء المؤسسة الدينية التقليدية من العمل، وتقليص دورها ونشاطها الثقافي، في محاولة استبدال البنية الثقافية التقليدية ومؤسساتها، ببنية ثقافية ومؤسسات حديثة من جهة ثانية. ولقد عملت الثقافة الكولنيالية على تعظيم الايديولوجيا الرأسمالية، وتعميم أشكال ومستوى استهلاك الثقافة الغربية الأوروبية. كما أن التحديث الكولونيالي في المجال الثقافي ركز على الإيديولوجية الغربية، ونظرية التمركز الأوروبي للثقافة، التي انتجتها الرأسمالية، والتي تصل إلى قناعة بخصوصية مطلقة لتاريخ أوروبا، وأن على الشعوب والأمم الأخرى أن تحذو حذو النموذج الأوروبي إذا أرادت السير في طريق النمو، وأن هذه المحاكاة للغرب تقتضي أن تتخلص من خصوصياتها الثقافية. ثم أن نظرية التمركز الأوروبي تؤكد على أن تاريخ أوروبا هو شمولياً وعيانياً، تاريخ العالم، وما على الأمم الأخرى، ومنها الأمة العربية سوى الانسياق في السيرورة التاريخية عينها، أي سيرورة الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية. وهكذا، فإن التحديث الكولونيالي القائم على تمجيد ايديولوجية مركزية الثقافة الأوروبية، يقع في تناقضين صارخين اثنين، التناقض الأول، وهوالتعارض بين الصفة الإطلاقية للثقافة الأوروبية التي قامت على مبدأ الطموح العالمي العلماني والعقلاني لهذه الثقافة للسيطرة على صعيد كوني، وقانون التطور والتفاوت، أوالتطور اللامتكافئ الناتج عن عصر الرأسمالية والامبريالية، وما يفرضه عليها من رؤية المجتمع العربي الكولونيالي الخاضع لسيطرة الإمبريالية، والذي هوغير متماثل مع المجتمعات الرأسمالية الأوروبية. والتناقض الثاني، ويتجسد في التعارض بين النزعة الكوسموبوليتية للثقافة الأوروبية وتعاظم النزعة الشوفينية لقوميات أوروبا. ويلاحظ الدكتور سمير أمين، في هذا الصدد بأن " النشوة الأوروبي التمركز لاينحصر في مجموعة الأحكام الخاطئة في رؤى الأوروبيين للآخرين. فلا يغدو هذا القصور كونه بديهية تتواجد - إلى الآن لدى جميع الشعوب. فلم يعد التطور التاريخي الذي أنجزته الإنسانية، حتى يومنا هذا، إلى هذا المستوى المطلوب من التقدم الذي يلغي الشوفينية وحقد الأجنبي المجهول. إن التشوه الأوروبي - التمركز هو أكثر من تلك البديهات : فتدعى الثقافة الأوروبية أنها عالمية التطلع والمغزى والرؤية. على أن التشوه الأوروبي التمركز يلغي بالتحديد هذا الطموح العالمي.. ولم تنجح الثقافة الأوروبية في إنجاز هذا التوافق، بل على عكس ذلك أخذت تنزلق تدريجياً نحو إبداع نظريات غير علمية لتفسير هذا التعارض بين الغرب المتقدم والحضارات الأخرى التي تجمدت في تخلفها، دون أن تدرك أن هذه النظريات الخرافية من شأنها أن تلغي الطموح العالمي للثقافة الغربية، هذا من جهة - ومن الجهة الأخرى أخذت الرأسمالية تنتشر تدريجياً على صعيد القارة الأوروبية من خلال اشتداد حّدة المنافسة بين مختلف الدول والقوميات المكونة لهذه القارة. فهناك تعرضت الايديولوجيا الرأسمالية للتناقض بين المغزى الكسموبوليتي الأوروبي للثقافة الجديدة من جهة، وبين احتياجات تكريس القوميات الأوروبية المتنافسة من الجهة الأخرى .لدرجة أن البعد الثاني لهذه الايديولوجيا قد غطى بعدها الأول. فانزلقت هذه الايديولوجيا تدريجياً من موقف كسموبوليتي كان سائداً في صفوف النخبة المثقفة في المرحلة الباكرة لتكوينها إلى مواقف تتسم بالشوفينية القومية وحقد البعض للبعض " (26). وقاد هذا النمط من التحديث الكولونيالي الثقافي على الصعيد العربي إلى تعميم نمط التغريب على النموذج الأوروبي، وتجسد بشكل واضح وقوي في منطقة المغرب العربي، حيث كان الاستعمار الثقافي الفرنسي أشد وطأة وقوة. وستنبع من عملية التحديث الكولونيالي هذه التي تخدم مصلحة الهيمنة الرأسمالية الاحتكارية، فضلاً عن أسباب الغزو الأوروبي وظاهرة الاستعمار منذ بداية القرن التاسع عشر، إشكالية الأصالة والتحديث في المجتمع العربي التقليدي، حيث تبلور تياران متصارعان : الأول هو تيار الفكر الإصلاحي بشقيه الليبرالي (رفاعة الطهطاوي، خير الدين التونسي، قاسم أمين، لطفي السيد) والديني (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده) الذي نشأ في المراكز الحضرية المدنية العربية، وبخاصة القاهرة، وتونس، والذي دعا إلى التحديث انطلاقاً من الاستفادة من مكتسبات الثقافة الأوروبية والعلمانية، ومن الليبرالية السياسية والديموقراطية الغربية في مجال الحكم السياسي، وبناء دولة المؤسسات الدستورية الحديثة من دون تكريس قطيعة معرفية ومنهجية وفكرية مع الثقافة الإسلامية السائدة، على غرار ما فعلته فلسفة عصر الأنوار في أوروبا المسيحية. فالفكر الإصلاحي الليبرالي - الديني يئن من وطأة رواسب الايديولوجية التقليدية الماضوية، ولكنه يريد الاستنجاد بعلوم العصر والتراث العلمي الغربيين لولوج العصر خلسةً عن أعين الماضي وبمباركة منه ". وهو فكر توفيقي في بنيته إذ يحاول أن يوفق بين العلم الغربي أي الرأسمالي والدين الإسلامي. ولعل ذلك ما يعني توفيقاً بين عالمين متناقضين، الشرق المنهار والغرب الصاعد. (27). وليس من شك أن الفكر التوفيقي والتلفيقي قد " تمزق وفقد توازنه بين نقل التراث وصدمة الغرب. حاول أن يبقى على ضرب من ارتباط بالتراث ففشل، وحاول أن يحاكي فردياً بعض جوانب مدنية الغرب التقنية ففشل. تراث الماضي يجثم في أعماقه وسطوة أوروبا تخيم على ذهنه. فهو تراثي تمغرب أو متغرب تسلف. ولكن تمغربه تلفيق وتسلفه تلفيق أشد. على ثوب غربي حاول أن يضع رقعاً تراثية ففشل، وعلى ثوب تراثي حاول أن يضع رقعاً متمغربة ففشل. إنه ينتقي، ينتقي دوماً، وينسى أو يتناسى أن الفكر بنيان ونظام و آلية ونهاجية"(28). أما التيار الثاني فهو تقليدي سلفي متمسك بالتراث الثقافي الإسلامي، ومرتبط عضوياً بالمؤسسات التقليدية، وهو يمجد حضور سلطان الماضي في بنيته الفكرية، تقديساً للماضي وخوفاً من المستقبل الداهم، ورفضاً لجوهر العصر الذي هو جوهر عصر الثقافة والحضارة الأوروبية. ويقوم منهج هذا الفكر السلفي الذي أساس مرجعيته الايديولوجية هوالقرآن والفقه السني، على القياس أوالمحاكاة، أي قياس الحاضر بالماضي. ثم أن " نهاجية هذا التيار إذن هو السير وراء نهج الأسلاف. مهمتنا هي أن نكرر أسلافنا، والويل لنا إذا أخطأنا التكرار. هنا فقد الفكر الدم والعصب، وربط الدماغ بحبل موصول بالماضي السحيق، وأصبحت مهمته، بعد أن نفض غبار الصوفية عن الإسلام، إن يحاكي فقط ... ولكن إذا كان هذا التيار الايديولوجي قد أصبح مثلوم الحد كقوة اقتحامية إلا أنه مازال يسهم في عرقلة تطور الفكر العربي تطوراً متوازناً حثيثاً نحو العصرنة، ويمارسا ضرباً من التضييق والحصار على كل فكر عربي حديث. كما أن التيار السلفي كنهاجية، يشغل حيزاً كبيراً إلى هذا الحد أو ذلك في الماركسيات العربية. وإلا كيف يمكن أن يفسر ضمور العنصر العقلاني في الماركسيات العربية (التقليدية والجديدة) (29). إن هذا الانقسام الثقافي بين فئة حديثة وفئة تقليدية سلفية، الذي أحدثه التحديث الكولونيالي، أصبح السمة البارزة الذي يطبع النظام الثقافي العربي، والذي يشكل عائقاً حقيقياً للتطور، حيث أن المطلوب هو تجاوزه جدلياً من داخل هذا النظام الثقافي التقليدي، لتناقض الثنائية بين بنية حديثة مستلبة ومتغربة وبنية تقليدية، باعتباره مقاوماً أو معيقاً للتقدم. وهذا التجاوز لايمكن تحقيقه إلا من خلال اعتناق نهج الحداثة، باعتبارها مجموعة من العمليات التراكمية نحو تغيير الواقع العربي تغييراً راديكاليا على صعيد تطوير اقتصاده، وتطوير أنماط حياة المجتمع، وتفكيره ورؤيته للحياة والعالم، وتعبيراتهما المتنوعة، بما يتماشى ومتطلبات الحداثة، التي تهدف إلى بناء الذات العربية المستقلة المتحررة من التقاليد المكبلة، والمتجاوزة للإنتماء الماضوية ، والمنفتحة على روح العصر، جاعلة من هذا الانفتاح، وهذا التفاعل الحي والجدلي مع المعارف المكتسبة والقائمة على سيادة العقل والعقلانية ،" عنصراً معياراً للفكر والعمل ". فالحداثة هي قبل كل شيء تأسيس العقل، واقتحام المجهول، وكل ميادين الحياة وتعبيراتها وتمظهراتها المتنوعة، بهدف كشف قوانينها الداخلية، ومعرفة حقيقتها، بما في ذلك ميدان المحرمات، وهي كانت ولاتزال أمل تحرر الإنسان. غير أن حركية التحديث الحقيقية غير المستقلة، والتي تقوم على بلورة نموذج علمي خاص للتطور والانتماء هي تلك التي " تفك الحداثة (الغربية) وتفصلها عن أصولها، أي عن أوروبا في العصور الحديثة، وتقدمها نموذجاً عاماً لسيرورات التطور الاجتماعي لايبالي بالإطار الزماني " الذي ينطبق عليه، بالإضافة إلى ذلك يفك التحديث العلاقة الداخلية التي تربط الحداثة بالاستمرارية التاريخية للعقلانية الغربية ..". فإذا كانت الحداثة مرتبطة بمعقولية تأسست مع نشوء الغرب الحضاري، أي إذا كانت الحداثة وعي العالم الغربي بغربيته وكونيته، فإن التحديث، من خلال ارتباطه بالانموذج وبالواقع المتعدد والمتنوع سيفك الحداثة من الغرب وسيجعل منها عنصراً عاماً وكونياً، أي حسب كولمان، سيقضي على الحداثة وعصورها وسيطور عصر " مابعد الحداثة " بالنسبة إلى الغرب. تلك هي المعضلة الثالثة الناتجة عن جدلية ارتباط الحداثة بالعقلانية الغربية بمستتبعاتها (التقدم - الإنماء) من ناحية، وعن تجاوز العقلانية الحديثة بواسطة عملية لتحديث نفسها التي فتحت في الغرب عصر ما بعد الحداثة وخارج الغرب إمكانية قيام الحداثة نموذجاً للتطور الاقتصادي والاجتماعي " (30) . في إطار علاقات التحديث الكولونيالية داخل التشكيلة الاجتماعية العربية المستغلة والخاضعة للسيطرة الاستعمارية، فإن العملية التاريخية من التحول المتميز لأنماط الإنتاج " السابقة للرأسمالية " ولحالتها السابقة للكونيالية إلى نمط إنتاج رأسمالي وسيط، هو بالضرورة الشكل الكولونيالي لنمط الإنتاج الرأسمالي، قد قامت بها الإمبريالية في المرحلة الاحتكارية، التي تحولت تدريجياً من شكل اتجاه معاكس في مرحلة الرأسمالية التنافسية حيث عمل نمط الإنتاج الرأسمالي على إعادة إنتاج وتقوية وانتشار علاقات الإنتاج الرأسمالية على الصعيد العالمي، بهدف السيطرة على القوى المنتجة، لتأخذ شكل تناقض رئيس في البلدان المستعمرة ومنها الوطن العربي، حيث أصبحت الإمبريالية العقبة الرئيسة لسيطرة علاقات الإنتاج على تطور القوى المنتجة. إن البرجوازية الامبريالية الغربية حين قامت بآلية التحديث التناقضية، وظفت المجتمع العربي المستعمر لخدمة أغراضها - فحافظت على العلاقات القديمة السابقة للرأسمالية، وعززت في الوقت عينه هذه العلاقات، ولكن بأشكال، مفككة ومتفسخة جديدة، حيث أن الاقطاع وشيوخ القبائل الممثلين لهذه العلاقات الاقطاعية الرسمية، والمتحكمين في استمرار العلاقات القديمة التي تفعل فعلها في عمليتي الانتاج والعمل، اصبحوا يلبون حاجات المصانع الرأسمالية بالمواد الزراعية، ومرتبطين بالسياسة الاستعمارية، وحماة الأنظمة التي تقيمها الدول الاستعمارية. كما أن التحديث التي قامت به الامبريالية الرأسمالية على الصعيد العربي، ولد في التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية العربية علاقات الانتاج الكولونيالية، وحدد بنيتها التبعية، باعتبار وجودها التاريخي ضرورياً لإعادة تجدد هذه العلاقات من الانتاج، الذي يولد بدوره السيطرة الاستعمارية من خلال توليده قاعدتها المادية. : إن القاعدة المادية للسيطرة الامبريالية ولبقائها وتجددها المستمر لاتكمن في بنية علاقات الانتاج الرأسمالية وحدها وفي تجدد هذه البنية، بل تكمن أيضاً في بنية علاقات الانتاج الكولونيالية وتجددها. أو قل أن تلك القاعدة هي في وجود علاقة البنيتين معاً كعلاقة سيطرة. فاستمرار السيطرة الامبريالية إذن يكون بتجدد قاعدتها هذه، وقاعدتها في البلدان المستعمرة هي بنية علاقات الانتاج في هذه البلدان " (31). فعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، أنشأ الاستعمار مزارع حديثة فصل عالم الفلاحة إلى عالمين : عالم تقليدي يقوم على اقتصاد الكفاف أوالاقتصاد الطبيعي بكل مقوماته التقنية والثقافية والذهنية، وعالم زراعي حديث مرتبط بالاقتصاد الرأسمالي الحديث في المراكز المتروبولية، حيث تحول الاقطاعيون إلى رأسماليين زراعيين، وأصبحوا يلبون حاجات السوق الرأسمالية العالمية بالمواد الزراعية، مثل تربية دودة الحرير، وتحويل عدة بلدان عربية مثل مصر إلى مزرعة للقطن، وتثمير مزارع القمح بوسائل رأسمالية حديثة (تراكتورات، ويد عاملة مأجوره قليلة) في مساحات واسعة، التي ضمنت زيادة سريعة في الزراعات المصدرة إلى السوق الرأسمالية، قطن، قمح، شعير. وعلى هذه الزراعة الحديثة التي شقت عالم الفلاحة، قامت صناعات تكميلية مرتبطة بالمراكز الغربية، كصناعة الحرير، وصناعة النسيج، وغيرها، ونشأت في هذا العالم الزراعي المحدث فئات اجتماعية جديدة، فئة من المزارعين الرأسماليين وكبار الملاك المرتبطين بالزراعة الصناعية، وفئة من العمال والحرفيين. فمع تغلغل النفوذ الاستعماري، أصبح الاقطاعيون، وَكذلك رؤساء القبائل المسيطرين على الأراضي الجماعية، الدعامة القوية له، ذلك أن هذا الاختراق الاستعماري لعالم الفلاحة، الذي كان يسود فيه الانتاج اللارأسمالي أو انتاج ما قبل الرأسمالية Précapitaliste قد رافقه حركة " رسملة " انتاج الوطن العربي المستعمر، التي تحققت ضمن سياق حركة تهديم وتفكيك للبنية الاقتصادية الاجتماعية العربية، التي كانت تهيمن فيها أنماط الانتاج السابقة على الرأسمالية (حيث تعددت اسماءها، مثل " نمط الانتاج الخراجي " " ونمط الانتاج الاسيوي " إلخ )، وانبثق عنها الانتاج الكولونيالي، الذي كان قائماً بالضرورة على الاستحالة التاريخية لصيرورته انتاجاً رأسمالياً، متماثلاً مع ما هو قائم في الغرب الرأسمالي، وذلك للسبب الرئيسي التالي : إن علاقة " التعايش التي تربط أنماط الانتاج الكولونيالي المسيطر في البنية الاجتماعية الكولونيالية، غير علاقة التعايش التي تربط في البنية الاجتماعية الرأسمالية، نمط الانتاج الرأسمالي المسيطر بانماط الانتاج السابقة عليه في هذه البنية الأخيرة. تقود سيطرة نمط الانتاج الرأسمالي إلى ضرورة القضاء على هذه الأنماط من الانتاج التي، وإذ هي استمرت تتجدد في الواقع، وإلى أمد، لأن منطق التطور الامبريالي للرأسمالية يحكم عليها بالزوال. أما في البنية الاجتماعية الكولونيالية، فهذه الانماط من الانتاج السابقة على الرأسمالية، في خضوعها لسيطرة نمط الانتاج الكولونيالي، وفي تعايشها معه تتجدد بتجدد علاقات الانتاج الكولونيالية نفسها بشكل لايقودها فيها منطق تجددها في هذا الإطار إلى ضرورة زوالها، بل بالعكس، إن هذا المنطق يتحرك في أفق تأبدها " (32). وعلى أساس أن هذا الواقع التاريخي من الانتاج الكولونيالي، وتكون الملكية الخاصة في الأرض الزراعية في البلاد العربية وتحسين وسائل الري والتسميد، مع تغلغل الاستعمار وربط الانتاج الزراعي بالسوق الرأسمالية الأوروبية، وبالتحديد السوق الفرنسية، ضمن إطار العلاقة الكولونيالية، وعملية الدمج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، نشأت وتطورت الرأسمالية التبعية في الوطن العربي في كنف الكولونيالية، من دون أن تقضي على الاقطاعية، بل جرى التعايش معها، أو بالأحرى حولت علاقات الانتاج " الاقطاعية " إلى علاقات كولونيالية. والحال هذه تحول الأقطاعيون أنفسهم إلى فئة كبار الملاكين الزراعين، أي رأسماليين زراعيين جدد، وأصبحوا بذلك تجاراً زراعيين بسبب تطور الانتاج الزراعي الكولونيالي من جهة، وارتباطه بالانتاج الرأسمالي الاستعماري عن طريق التجارة الكولونيالية، بما أنه صار انتاجاً كولونياليا، يقدم مواد أولية وسلع زراعية تحتاجها الصناعة والسوق الرأسماليتين من جهة ثانية. وعلى صعيد الصناعة، فإن التحديث الكولونيالي قسمها إلى عالمين : عالم الحرفة، وعالم الصناعة الحديثة. منذ تغلغل الاستعمار الأوروبي في الوطن العربي، عملت الرأسمالية الأوروبية في حركة تطورها التاريخي التي تميل بالضرورة إلى عملية التوسع اللانهائي، على تعميم الانتاج البضاعي فيه، بما أنه يدخل في نطاق توحيد السوق الخارجية كسوق رأسمالية عالمية، من خلال تدمير قطاع مهم من الحرفيين على أثر دخول السلع الرأسمالية، وتحويله إلى الصناعات الحديثة، التي أقامها الاستعمار في مرحلة أولى، ثم تحويل الانتاج البضاعي إلى انتاج رأسمالي، عبر انتقال التشكيلة الاجتماعية العربية إلى تشكيلة كولونيالية، حيث تطورت فيها رأسمالية انطلاقاً من الاستعمار (الكولونيالية) أي أن تطورها قد تم ضمن سياق العلاقة الكولونيالية، ومن خلال تصدير رأسمال المال الأوروبي والأميركي في مرحلة ثانية. ثم أن السيطرة الاستعمارية بجوهرها على منابع النفط في الشرق الأوسط، والمواد الأولية في الوطن العربي، واستغلال الثروات الطبيعية والبشرية فيه، جعل الاحتكارات الرأسمالية بالتعاون مع الحكومات الاستعمارية، تقوم بإنشاء الصناعات الحديثة لمصلحة النشاطات التصديرية للسوق الرأسمالية العالمية، التي يمركز فيها رؤوس الأموال القادمة من المتروبولات الرأسمالية، مثل مد شبكة سكك الحديد، وإنشاء شركات الكهرباء والمياه، والصناعات المتحكمة في استخراج وانتاج النفط، وكذلك أيضاً في استخراج المواد الأولية الأخرى كالحديد، والفوسفات وإلخ. غير أن إقامة هذه الفروع الصناعية في الوطن العربي التي كانت تدخل في نطاق بداية ادماجه في النظام الرأسمالي العالمي، هي فروع انتاج خفيفة، وتستخدم تكنولوجيا خفيفة، وتابعة للاحتكارات الرأسمالية الصناعية والمالية المختصة بالنفط، والنحاس، والزنك، والفوسفات والحديد ... إلخ، والتي تسيطر فيها علاقات الانتاج الرأسمالية، التي صنعت من قبل الاقتصاد الرأسمالي العالمي، والرأسمالي المالي الدولي ... هذا النمط من التحديث الكولونيالي في المجتمع العربي التقليدي، الذي نقله إلى الرأسمالية المحيطة التابعة، اتضحت نتائجه واسقاطاته الخارجية في الانقطاع بين قطاع تقليدي متأخر من الاقتصاد العربي متمثل في الحرف كأعمال النحاس والصدف والفضة والسجاد التي لاتنافسها فيها الصناعة الأوروبية، وبقايا العالم التجاري، والفئات الريفية - غير مرتبط بالسوق العالمية، وفي عزلة تامة عن حركة التبادلات الدولية، والتخصص، والتقسيم الدولي للعمل، وقطاع عصري حديث تابع لعلاقات الانتاج الكولونيالية المتكيف مع علاقات الانتاج الرأسمالية في المتربول الرأسمالي، ومتوجه بشكل رئيسي، في حركة تطوره، نحو التصدير للسوق الرأسمالية العالمية، وخاضع لعلاقات التبادل غير المتكافئة بين هذا القطاع الانتاجي الكولونيالي والقطاع الانتاجي الرأسمالي العالمي، مثل قطاع النفط في الشرق الأوسط، والحديد والفوسفات، والنبيذ في المغرب العربي. وعلى الرغم من الهوة الموجودة بين القطاع " التقليدي المتأخر " والقطاع " الحديث المتطور"، إلا أن القطاعين كليهما ينتميان إلى بنية واحدة هي بنية التخلف والتأخر التاريخي العربي. ومن الخطأ النظري العلمي الذي له دلالته الايديولوجية اعتبار أن هناك ازدواجية في بنية المجتمع العربي، القطاع " التقليدي" هو الذي يمثل التخلف والتأخر التاريخي، في حين أن القطاع " الحديث " يمثل التطور. فالتخلف والتأخر التاريخي ظاهرة تاريخية متميزة في المجتمع العربي، ومرتبطة بالبنية الطبقية في العلاقات الانتاجية السائدة الكولونيالية، ونتاج تاريخي للسيطرة العثمانية وماخلفته من خراب وتخلف، وللاستعمار الأوروبي الذي ترك آثارا عميقة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، وكما يقول مهدي عامل أن هناك علاقة سببية بين الاستعمار والتخلف " كبنيتين متميزتين، ينفي الانفصال بينهما واستقلال حركة تطورهما بل هو يستلزم بالضرورة ارتباطهما الداخلي في حركة تاريخية واحدة هي حركة انتاج بنيوي مستمر، يكون فيها وجود البنية الرأسمالية الاستعمارية، في حركة تطورها، محدداً لوجود البنية " التخلفية " ومنتجاً لها، كما أن وجود البنية " التخلفية " يكون محدداً لوجود البنية الرأسمالية الاستعمارية. معنى ذلك أن الاستعمار، كشكل تاريخي لتطور الرأسمالية شرط أساسي لوجود " التخلف " وبقائه، كما أن " التخلف " شرط أساسي لوجود الاستعمار وبقائه " (33). لقد عمق التحديث الكولونيالي بنية التخلف والتأخر التاريخي في الوطن العربي، وفي القطاعين " التقليدي " و " الحديث ". ذلك أن الاستعمار قد أخضع القطاع التقليدي لمنطق توسع الرأسمالية، وذلك بتوظيف الانماط الانتاجية السابقة للاستعمار كمنطلق للتطور الاستعماري. وبذلك، أصبح القطاع التقليدي خاضعاً للسيطرة الأمبريالية التي تقوم بامتصاص الفائض الاقتصادي ورسم نموذج لبناه الداخلية وتشويهها، ونتاجاً لتطور العلاقة الكولونيالية، حيث أن آثار هذه الكولونيالية تظهر عن طريق التشويه الكامل لهذا القطاع الاقتصادي، الذي هو بدوره جزء لايتجزأ من بنية التخلف. وبالمقابل فإن القطاع " الحديث " المرتبط بعلاقة تبعية بالمتروبول الرأسمالي الاحتكاري، بحيث تتعزز هذه العلاقة من خلال قيام علاقات انتاج رأسمالية كولونيالية، وقيام أشكال مهترئة من التصنيع، يقود إلى تقولب الطبقات الاجتماعية على صورة البلد المستعمر المسيطر، لاينتمي إلى بنية الانتاج الرأسمالي بالشكل التماثلي كما هو موجود في المراكز المتروبولية. والحال هذه فإنه ليس جزءاً من قوانين الحركة الداخلية لتطور الرأسمالية الاحتكارية الغربية، بل هو قطاع اقتصادي متخصص في الانتاج الصناعي التقليدي الذي لا يتطلب سوى العمل البسيط، والذي تسود فيه علاقات انتاج كولونيالية متكيفة مع علاقات الانتاج الرأسمالية العالمية، وتربطه علاقات خارجية مع البلدان الرأسمالية الغربية المسيطرة، وبالتالي فهو ينتمي إلى بنية التخلف في وحدتها الشاملة التي تجمع القطاعين " التقليدي " و " الحديث " كليهما. وهكذا، فإن عملية التحديث الكولونيالي، التي تمت في إطار علاقات الانتاج الكولونيالية، وكذلك في نطاق السوق الرأسمالية العالمية التي يسيطر عليها الغرب الرأسمالي الاستعماري، قد قامت بهدم داخلي لبنية التطور في الوطن العربي، وغيرت بشكل جذري في منطق تطوره التاريخي. وهي كظاهرة تاريخية لم تكن نتيجة ضرورية للتطور الداخلي لنظام الانتاج السابق للرأسمالية، بل هي نتاج الفعل والسيطرة الكولونيالية المباشرة، وهي تختلف جذرياً عن عملية التحديث التي تمت في ظل التنمية الرأسمالية في الغرب، التي كانت نتيجة ضرورية للتطور الداخلي للنظام الاقطاعي، ولثورة الرأسمالية عليه. ومن هذا المنطلق، فإن الثورة وفق النظرية الماركسية الكلاسيكية للتغيير الاجتماعي، ترى أن الرأسمالية مرحلة ضرورية من مراحل تحديث المجتمع، وهي في الحقيقة انتقال من نظام انتاج إلى نظام انتاج آخر، أي من بنية اجتماعية إلى بنية اجتماعية أخرى. إلا أن ما حدث في البلدان المستعمرة (ومنها الوطن العربي) من انتقالها إلى نظام الانتاج الكولونيالي لا يمكن اعتباره ثورة بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، فالثورة قوة تحرر التاريخ بتحقيق امكانياته الداخلية الواقعية، أما الاستعمار فقد كان ثورة على تاريخ هذه البلدان وقوة مجابهة له، لم تحركه إلا لتسد فيه امكانيات تطوره الداخلية، لا لتحرره. إن البلدان المستعمرة لم تأت إلى التاريخ، عن طريق استعمارها وتطور التناقضات الكولونيالية المحركة لتاريخها، إلا لتحد أفق التاريخ مسدوداً في وجه تطورها. إن القوة التي أتت بها إلى التاريخ عنفاً هي نفسها التي سدت أفق التاريخ في وجه تطورها " (34). والواقع، أن عملية التحديث الكولونيالية لم تؤد إلا إلى إعادة انتاج البنى والعلاقات الكولونيالية وتعزيزها، وبالتالي إعادة انتاج بنية التخلف والبنى الهجينة المرافقة لها، اللاعقلانية أوشبه العقلانية، بإضفاء أشكال ومظاهر " حديثة " عليها. على أساس عملية التحديث الكولونيالية هذه تشكلت البرجوازية العربية المالكة للثروة، والتي تتكون من فئتين اجتماعيتين مختلفتين : فئة التجار التي ازداد ارتباطها بالرأسمالية العالمية نتاج حركة الرسملة باعتبارها فئة ممثلة للسمسرة الدولية مع اتساع حركة الاستيراد والتصدير، ووسيطة تعمل في نقل المواد الخام إلى أسواق الدول المصنعة مع تزايد قدرتها على استيعاب الخامات، وفي نقل السلع من الدول المصنعة إلى الأسواق العربية مع تزايد قدرتها على الاستهلاك واستيعاب السلع. وقد خرج من أحشاء فئة التجار الحضريين هذه " معظم عناصر الطبقة الوسطى الجديدة ... فقد كانوا من أول المبادرين إلى إرسال أبنائهم للمدارس الحديثة، سواء التي أنشأها المصلحون المحليون في القرن التاسع عشر قبل وصول الاحتلال السافر، أم التي انشئت بعد ذلك بواسطة السلطات المحتلة نفسها أوبواسطة الحركات الوطنية " (35). أما الفئة الثانية فتتكون من كبار الزراعيين وبقايا الاقطاع، وزعماء العشائر والأمراء وقد نمت علاقاتها بالأسواق العالمية، نتاج دمج الزراعة العربية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وتوجيه انتاجها الزراعي نحو التجارة الكولونيالية لخدمة مصالح المتروبولات الرأسمالية الغربية. ثم أن تحول الزراعة إلى المحاصيل ، أي مع إحلال النقد في التبادل لم يعد من الممكن اعتبار الانتاج الزراعي في الوطن العربي الذي كان خاضعاً لسلطة الاحتلال انتاجاً اقطاعياً بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، حتى وأن استمرت بعض الأشكال البدائية والتقليدية من الانتاج الزراعي في الوجود، وكذلك الأمر بالنسبة لملكية الأرض، التي هي في الظاهر اقطاعية، لكنها تعيش حالة من التفكك، بسبب اندفاع فئة كبار الملاك الرأسماليين نحو الأعمال التجارية والصناعية، بالاشتراك مع الرساميل الأجنبية. غير أن هذا التحالف بين كبار الملاكين الزراعيين والاستعمار لم يكن تحالفاً بين انتاج اقطاعي وانتاج رأسمالي، بل كما يقول مهدي عامل هو : بين انتاج كان عليه أن يعتبر بالضرورة انتاجاً كولونياليا وبين انتاج رأسمالي. إن ملكية الأرض في البلد المستعمر لم تعد ملكية " إقطاعية " كما أنها تطورت إلى كولونيالية، كشكل متميز للملكية الرأسمالية، بتطور الانتاج الزراعي ضمن العلاقة الكولونيالية، وبتوجيه الانتاج الزراعي في البلد المستعمر نحو التجارة الكولونيالية، أي بتحويله إلى انتاج كولونيالي، صار الابقاء على علاقات الانتاج في الزراعية ضمن حدود العلاقة الكولونيالية معناه تحويلاً لها من علاقات انتاج " اقطاعية " إلى علاقات انتاج كولونيالية، وصار الملاك الزراعي بذلك تاجراً زراعياً مرتبطاً بالانتاج الاستعماري "(36). وهكذا فإن البرجوازية العربية التي تشكلت طبقياً في إطار العلاقة البنيوية مع الاستعمار القديم أي في ظل علاقة السيطرة لنمط الانتاج الرأسمالي نأن على باقي أنماط الانتاج الآخرى، لم تكن نتاج آلية تطوير نمط انتاج رأسمالي قائم بذاته، ولد وترعرع في تناقض عدائي مع الاقطاع. هذه البرجوازية العربية التي تشكلت ضمن إطار الوضع الكولونيالي، هي طبقة انصهرت فيها الفئتين الآنفتي الذكر أي فئة كبار الملاكين الزراعيين، وفئة التجار الحضريين، وهي ليست بطبقة منتجة، لأن وجودها الطبقي مرتكز على قاعدة اقتصادية أساسها التجارة، وقطاع الخدمات والسمسرة مع الشركات المساهمة العملاقة، وهي بهذه الحالة تمثل علاقات الانتاج الأكثر تخلفاً. لأن التغلغل الاستعماري أو الفعل الامبريالي، قد أخضع تطور بنية المجتمع العربي بشكل قسرى لمنطق أخر من التطور، هو منطق التبعية الكولونيالية، فقد أصبح من المستحيل على الإطلاق أن تتطور رأسمالية قائمة بذاتها في الوطن العربي، بالشكل التماثلي الذي اتخذه تطور الرأسمالية الكلاسيكية في أوروبا. لأن ما يميز التطور في مجتمعنا العربي هو هذا الشكل الكولونيالي، أي هذا الاربتاط التبعي البنيوي بمنطق التطور الامبريالي للرأسمالية الاحتكارية العالمية. ومن المنطقي والتاريخي، أن يكون هذا النمط الكولونيالي من التطور الاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي في إطار علاقة التبعية البنيوية مع الأمبريالية، هو المحدد في سيرورة التشكل التاريخي للبرجوازية العربية، فهي برجوازية كولونيالية تابعة ومرتبطة. وانطلاقاً من هذه النظرة، نرى أمامنا أختلافاً تاريخياً جذرياً بين البرجوازية الأوروبية كطبقة ثورية مهيمنة، استطاعت أن تقوم بثورتها التاريخية والسياسية، أي الثورة القومية الديمقراطية البرجوازية، وبناء المجتمع المدني الحديث بالتلازم مع دولة الحق والقانون، وبين البرجوازية العربية التي لم تكن يوماً قط طبقة ثورية، وبالتالي طبقة مهيمنة وقومية، قادرة أن تقوم بانجاز مهمات الثورة الديمقراطية البرجوازية، وبناء المجتمع المدني الحديث، لأن هذه البرجوازية ليست بطبقة قائدة، وهي عاجزة عن تنفيذ مهمات البرجوازية الكلاسيكية، لأنها جزء هامشي وهجين من الرأسمالية العالمية، نشأت ونمت على هامشها، وفي ظلها ارتبطت بمصالحها. ولذلك كان دورها في انجاز مهمات الثورة الديمقراطية وبخاصة بناء المجتمع المدني، ثانوياً جداً، لأنها بالأساس ليست بطبقة ديمقراطية تمتلك خصائص وسمات ديمقراطية ومدنية البرجوازية الكلاسيكية في الغرب. وهي كطبقة هجينة، كان اعتمادها الأساسي على القوى الرأسمالية العالمية باعتبارها طبقة بورجوازية تجارية متميزة تمثل البرجوازية الاحتكارية الاستعمارية والامبريالية، وهوالأمر الذي يمنعنا أن نطلق عليها طبقة بورجوازية قومية ديمقراطية، لها دورها القيادي في حركة بناء المجتمع المدني الحديث. هوامش الفصل الثالث: 1UU كتاب الرائد العربي - 1- ثورة العرب. مقدماتها اسبابها - نتائجها - بقلم أحد أعضاء الجمعيات العربية طبع في مصر 9 كانون أول 1916 ،( ص 17). 2UU المصدر السابق (ص 25). 3UU الدكتور عبد العزيز الدوري - التكوين التاريخي للأمة العربية دراسة في الهوية والوعي - مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى - أيلول سبتمبر 1984 (ص 165). 4UU المصدر السابق (ص241). 5UU الدكتور عبد العزيز الدوري - مصدر سابق (ص 242). 6UU كتاب الرائد العربي - 1- ثورة العرب - مصدر سابق (ص 30-31) 7UU الدكتور عبد العزيز الدوري - مصدر سابق (ص 197). 8UU المصدر السابق (ص 201). 9UU المصدر السابق (ص 203) - انظر " دروزة، نشاة الحركة العربية الحديثة (ص471)، سعيد، الثورة العربية الكبرى : تاريخ مفصل جامع للقضية العربية في ربع قرن، (ص 46-48)، جمال باشا، ايضاحات عن المسائل السياسية التي جرى تدقيقها بديوان الحرب العرفي المتشكل بعاليه (ص 20). ومايليها، برو المصدر نفسه ص 557 وما يليها، الاعظمي القضية العربية، أسبابها، مقدماتها، تطوراتها ونتائجها، ج ع، ص 45 وما يليها. 10UU المصدر السابق (ص 190) انظر توفيق علي برو، العرب والترك في العهد الدستوري العثماني 1908 - 1914 (القاهرة الجامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالية 1960) ) ص 80- 81). 11UU كتاب الرائد العربي - 1- ثورة العرب - مصدر سابق (ص35). 12UU المصدر السابق (ص35). 13UU الدكتور عبد العزيز الدوري - مصدر سابق (ص 216). 14UU المصدر السابق (ص 218) انظر العريسي - مختارات المفيد (ص 119 -122-204). 15UU المصدر السابق (ص 218 - 219) انظر المفيد (20 حزيران يونيو 1911) - هذه المقاطع استشهد بها الدكتور الدوري في كتابه. 16UU المصدر السابق (ص 219) - انظر المفيد 23 تموز يوليو 1911، والمفيد 14 آذار 1912، والمفيد كانون الثاني 1912، والمفيد 4 آب - اغسطس 1912 -وهي كلها مقاطع استشهد بها الدكتور الدوري. 17UU داميل توما - تاريخ مسيرة الشعوب العربية الحديث - الجزء الأول - دار الفارابي 1979 الأحرار بيروت 1955 (ص 75). 18UU المصدر السابق (ص 146 - 147). انظر المؤتمر العربي (ص 73). 19UU كتاب الرائد العربي - ثورة العرب - مصدر سابق (ص 36). 20UU داميل توما - مصدر سابق (ص 171 -172 ). انظر يقظة العرب - جورج انطونيوس (ص 172). 21UU د. حكيم اليازجي - د. فهمية شرف الدين - د. سعيد مراد، حسن نور الدين، غادة كنفاني، رغدة نحاس، بحوث في الفكر القومي العربي - المجلد الأول - معهد الانماء العربي الطبعة الأولى 1983 (ص 165). 22UU الدكتور جورج قرم أوروبا والمشرق العربي من البلقنة إلى اللبننة (تاريخ حداثة غير منجزة ). دار الطليعة - (الطبعة الأولى تموز 1990 (ص 142). 23UU المصدر السابق (ص 55) - نقلا عن تن. روسو. دروس في القانون الدولي العام Cours dedroit International public دروس لطلبة الدكتوراه حول " التغييرات الاقليمية للدول ونتائجها القانونية " مكتبة دروس القانون، باريس 1964- 1965 (ص 48). 24UU فتحي التريكي - رشيدة التريكي - فلسفة الحداثة 25UU الدكتور سعد الدين ابراهيم (منسق الدراسة ومحرر الكتاب) المجتمع والدولة في الوطن العربي - مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى تشرين الأول - اكتوبر 1988 (ص 155) - وردت مقولة علال الفاسي حول السلفيين الوطنيين في محاضرة : محمد عابد الجابري - حول مستقبل الثقافة العربية " منتدى الفكر العربي، عمان 15-3-1987. 26UU الدكتور سمير أمين - نحو نظرية للثقافة - معهد الانماء العربي الطبعة الأولى 1989 - (ص 105-106-107). 27UU الدكتور منصف وناس - الدولة والمسألة الثقافية في تونس دار الميثاق للطباعة والنشر والتوزيع - الطبعة الأولى 1988 (ص 97). 28UU ياسين الحافظ - الهزيمة والايديولوجيا المهزومة دار الطليعة - الطبعة الأولى تموز 1979 (ص 212 - 213). 29UU المصدر السابق (ص 210- 211- 212). 30UU فتحي التريكي فلسفة الحداثة - مصدر السابق (ص14). 31UU مهدي عامل - مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرير الوطني - دار الفارابي - الطبعة الخامسة (ص 310). 32UU المصدر السابق (ص 356). 33UU المصدر السابق (ص 415). 34UU المصدر السابق (ص 431). 35UU الدكتور سعد الدين ابراهيم - مصدر سابق (ص 156). مهدي عامل - مصدر سابق (ص 394). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |