المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع

والدولة العصرية‏

منذ أن عقدت اتفاقية سايكس بيكو السرية - 1916، وهو العام الذي أعلن فيه الشريف حسن ثورته، جاءت اتفاقية سان ريمو العام 1920 لتكريس نتائج هذا الاتفاق، وجاءت أيضاً نتائج الحرب العالمية الأولى لتفرض حدود التجزئة الجديدة، بعد أن عم الاحتلال الأوروبي أجزاء الوطن العربي، التي كانت ولايات عثمانية، وخضع المغرب العربي كله تحت الاحتلال الفرنسي. وبدلاً من أن تظهر إلى حيز الوجود في المشرق العربي المملكة العربية الكبرى، تشكلت أربع ممالك وجمهوريتان، على أرضية هذه التجزئة السياسية الجديدة التي رسمها الاستعمار الأوروبي، لتكييف هذه المستعمرات الخاضعة مع حاجاته، وهي كلها خاضعة إما للحماية الفرنسية أو الانكليزية، باستثناء المملكة العربية السعودية.‏

وإذا كانا الاستعمار الخارجي يتحمل المسؤولية التاريخية في تكريس التجزئة السياسية، وبالتالي في ولادة الدولة القطرية على قاعدة هذه التجزئة، فإن هذه الأخيرة كانت تمثل واقعاً تاريخياً بني عليه الاستعمار مخططاته المتعددة الجوانب لاختراق المشرق العربي وإفراغ وحدته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من العناصر الإيجابية فيها تسهيلاً لتوليد قيم التجزئة والقطرية مكانها"(1) .‏

وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن الدولة القطرية الحديثة أسهمت في تشكلها ووجودها السيطرة الأوروبية على وطننا العربي والفعل الاستعماري فيه، الذي أحدث تفتيتاً في الانسجة السياسية والاجتماعية والثقافية لبناه التقليدية، موجهاً بذلك ضربة قاصمة إلى مرتكزات الاستقرار والثبات الاجتماعي والاقتصادي التقليدي، من خلال عملية التحديث الناجمة عن التغلغل الأوروبي، والتسرب للرأسمالية الأوروبية إلى المجتمع العربي التقليدي. ولم تكن هذه الدولة القطرية الحديثة نتاجاً لنشوء وتطور رأسمالية وطنية مستقلة قائمة بذاتها، هيأت الأوضاع الاقتصادية والسياسية في إطار الصراع مع البنى التقليدية غير العقلانية في الوطن العربي.‏

وفي ضوء هذا النمط من الرأسمالية " الهامشية " لم يكن من المعقول أبداً ظهور طبقة برجوازية ناضجة وطبقة عمالية أصلية. فما إن كان منتصف القرن العشرين حتى برزت واضحة طبقة اجتماعية هجينة تختلف عن الطبقة البرجوازية وتتميز عن الطبقة البروليتارية "(2).‏

وهكذا، افرز هذا التشكل الطبقي لبرجوازية عربية تابعة، وعاجزة عن صياغة أي برنامج سياسي ديمقراطي حقيقي يطرح قضية بناء المجتمع المدني الحديث بالتلازم مع دولة الحق والقانون، كما هو الشأن في مطالب البرجوازية الغربية الكلاسيكية، وأفرز أيضاً نمطاً من الدولة القطرية الحديثة، التي جاءت نتيجة الفعل الاستعماري المباشر، وكذلك التبعية. وقد انبتت هذه الدولة، قبل أن تتوحد الامة العربية سياسياً، وقبل قيام المجتمع المدني، وهو أمر يتناقض مع مقولة الدولة - الأمة في الغرب، التي انبنت على فكرة الأمة التي وجدت أساسها الواقعي في قيام المجتمع المدني الحديث المنظم والموحد. وكما يقول الكتور هشام شرابي في تحليله لحكم الدولة الأبوية في الوطن العربي، من أن بنية الدولة الحاكمة أشتملت " على رعوية الاستعمار والجهاز البيروقراطي للدولة الحديثة، فنصبت نفسها مكان المجتمع وانجزت وظائفه وبالنسبة إلى المواطنين كانت كيانا خارجياً مفروضاً عليهم، ذلك أن مشاركتهم الحرة في الشؤون العامة وحتى في حال ضمانتها دستورياً كانت أمراً مستحيلاً مالم تتبناها الدولة وترعاها. وحين يجد المواطن نفسه معزولاً ومغترباً ومقموعاً فإنه يجد نفسه مجبراً على العودة إلى البنى الاجتماعية الأولية العائلة، الجماعة الأثنية، القبيلة، الطائفة - بحثاً عن الأمان وضماناً لبقائه " (3).‏

وهكذا، فإن الدولة القطرية الحديثة لم تكن تعبيراً عن نشأة مجتمع سياسي مع ما يستلزم هذا المجتمع السياسي من توافر ركيزتين أساسيتين هما الشرعية والاجماع، وهي لم تكن كذلك نتاجاً لطبقة بورجوازية صاعدة قادرة على انجاز مهام الثورة القومية الديمقراطية، وبالتالي بناء الدولة القومية التي كان الاستعمار الغربي عقبة أساسية في وجودها، بل أن هذه الدولة كانت نتاجاً حقيقياً لمعاهدة 1936، التي كانت أساس تشكل النظام السياسي العربي، وأساس التحالف بين البرجوازية العربية والقوى الاستعمارية الأوروبية. وقد لاقت هذه المعاهدة معارضة من جانب القوى الوطنية المصرية التي " حملت مسؤولية توقيعها على قوات الاحتلال البريطاني وماتمثله من قهر ثم حملت الجانب المصري مسؤولية الموافقة على الشروط البريطانية التي كانت أسوأ من مشروع 1930 والتي فرضت أبدية التحالف بين البلدين. ومعنى ذلك أن الجانب المصري قبل في 1936 مارفضه في 1930 كما انتقدت تلك المعارضة المبالغة في الترويج للمعاهدة والمغالطات التي ارتكبت في هذا الشأن.. وأكثر من ذلك أن قيادة حزب الأغلبية للمفاوضات وتبنيه لتلك المعاهدة ومبالغته في قيمتها بالنسبة لمصر قد أحدث شرخاً في الحركة الوطنية بوجه عام كان له أبلغ الأثر في تطورها فيما بعد وظهور اتجاهات سياسية جديدة تختلف عن الاحزاب التقليدية التي لعبت الدور الرئيسي في الحياة السياسية المصرية عام 1919"(4).‏

والحال هذه، عجزت هذه البورجواوية العربية تاريخياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً عن إن تقطع الحبل السري الذي يربطها بالامبريالية الغربية، التي قد ادخلت إلى العديد من الأقطار العربية انماطاً متمايزة من مؤسسات المجتمع المدني وتكويناته الحديثة، كالاحزاب السياسية، والديمقراطية، والبرلمانية، والأنظمة البيروقراطية. وهذا يمثل " المظهر الإيجابي " لتنوير الاستعمار، والقمع الدموي، والسيطرة ،والنهب. ومع ذلك فإن هذه الرأسمالية الامبريالية التي تمتلك قوة قادرة على " التثوير " أو " التعقل "، ونشر نموذج الدولة القومية، وفكرة الحداثة، لم تستطع أن تستبدل البنى التقليدية والنظام التقليدي المترسخ الجذور في المجتمع العربي التقليدي المتأخر تاريخياً ببنى حديثه، وإن كان هذا التدخل الاستعماري الأوروبي الخارجي قد وّلد أشياء كثيرة في الوطن العربي، من أهمها التحديث القانوني للبنى التقليدية، وكذلك مؤسسات الدولة القطرية الحديثة، كالإدارة، والمحاكم، والشرطة، والجيش، ونظام التربية والتعليم وفقاً للنمط الغربي، ومؤسسات المجتمع المدني الحديث كالنظام البرلماني، وحرية الصحافة، والأحزاب السياسية، والاقتصاد الحر، والنشر والقيم العلمانية. وهذه البنى كلها هي صيغ غربية إلى حد كبير، وليست تعبيراً عن ضرورة داخلية موضوعية، أفرزها تبلور الحاجات الذاتية لهذا المجتمع التقليدي، الذي انخرط في النظام العالمي، الأوروبي متعدد الأقطاب، منذ القرن التاسع عشر، وأصبح منذ حينئذ خاضعاً لثنائية علاقات التبعية البنيوية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ونشأت وتطورت على قاعدة تحول الوطن العربي، إلى منطقة هامشية للسوق الرأسمالية العالمية، وعلى أرضية علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية، البنى والمؤسسات المشوهة للمجتمع المدني وللدولة القطرية الحديثة، في الأقطار العربية التي استقلت بشكل محدود ومشروط عقب الحرب العالمية الأولى، وبخاصة مصر والعراق. وفي نطاق عملية التحقيب لدراسة أثر العامل الخارجي في إرساء أسس المجتمع المدني والدولة العصرية، سنقوم بدراسة قطرين عربيين هما مصر والعراق، اللذين شهدا بعض أشكال من النظام البرلماني الديمقراطي، وانتشار الايديولوجية الليبرالية، في الفترة مابعد الحرب العالمية الأولى وحتى انبثاق ثورة يوليو في مصر العام 1952، وثورة تموز في العراق 1958.‏

أولاً: نموذج مصر‏

لقد عرفت مصر الحياة الحزبية منذ بداية القرن العشرين، حين كانت خاضعة لازدواجية السلطة، سلطة الخديوي " الشرعية، والمطلقة والاستبدادية، وسلطة الاحتلال الانكليزي العسكري التي بدأت منذ احتلال الانجليز مصر في أيلول 1882. وكانت السلطتان كلتاهما معاديتين للاستقلال الوطني والتجربة الديمقراطية، الأمر الذي خلق نوعاً من التمايز بين المسألة الوطنية والمسألة الديمقراطية.‏

وكانت المسألة الوطنية المتمثلة في المقاومة المصرية للاحتلال الانكليزي هي المنبع الأول لحركة تكوين الأحزاب السياسية في مصر. ولكن المسألة الوطنية باعتبارها إحدى مكونات المجتمع المدني في عهد الاحتلال لايمكن فصلها عن البعد الديمقراطي للمسألة المصرية. وقد تشكل أول حزب وطني مصري على يدي مصطفى كامل ومحمد فريد في العام 1900، ولعبت الانتليجنسيا دوراً مهماً في حياته، إذ أن ايديولوجيته كانت حديثة وتتغذى من الايديولوجية الأوروبية البرجوازية. لكن هذا الحزب، على الرغم من أنه بورجوازي، إلا أنه لم يكن حزب البرجوازية المصرية الكبيرة، ولا البرجوازية الزراعية، التي كان يمثلها سياسياً حزب الأمة، الذي كان متعاوناً مع سلطة الاحتلال الانكليزية. وقد ربط الحزب الوطني بين المسألة الوطنية والمسألة الديمقراطية، حين قام بمظاهرات حاشدة تطالب بحرية الصحافة، وبالدستور في عامي 1909 و 1910، وأيد سعد زغلول في انتخابات الجمعية التشريعية في العام 1913، حيث أن الصراع من أجل الديمقراطية الليبرالية وتحقيق مكاسب على هذا الطريق كانتزاع سلطة إصدار القرار والتشريع من سلطة الاحتلال الانكليزية كان وثيق الصلة بالصراع الوطني. وعلى الرغم من أن الحزب الوطني كان يقود الحركة الوطنية، إلا أنه " سيجد ترجيعات كثيرة وذلك بالرغم من بؤس المجتمع المصري، ومن غفلة الجماهير الفقيرة، وميوعة البرجوازية الصغيرة، ورغم الميول الرجعية للطبقات الوسطى الريفية والخيانة المكشوفة للارستقراطية وللبورجوازية التي نشأت عنها. في اللحظات الحاسمة، كان الحزب يتحول إلى الأمة التي كان يجسدها في إمكانياته. لكن تاريخ الحزب سيكون قصيرا. ففي اللحظة التي ستنتفض فيها الأمة بأكملها في 1919 سنجده يختفي ليترك مكانه لحزب يمثل بشكل أفضل المجتمع المصري في تلك الفترة، حزب الوفد " (5).‏

تمحور نضال الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل حول المسألة الوطنية، وخاض معركة وطنية لتحرير مصر من الاحتلال الانكليزي، ورسم مصطفى كامل استراتجيته السياسية على اعتبار المسألة المصرية مسألة دولية، وفصلاً من فصول المسألة الشرقية التي هي " مسألة النزاع القائم بين بعض دول أوروبا وبين الدولة العلية - تركيا - بشأن البلاد الواقعة تحت سلطانها ". ولذلك حاول مصطفى كامل أن يستغل التناقضات الثانوية بين القوى الامبريالية الأوروبية أي بين بريطانيا وفرنسا، حيث تعادي هذه الأخيرة انكلترا بسبب احتلالها لمصر بالقدر ذاته التي تعادي به المانيا بسبب خسارتها منطقة الالزاس واللورين العام 1871. واعتبر مصطفى كامل التناقضات الثانوية بين القوى الاستعمارية الأوروبية في الخارج والتناقضات الثانوية بين القصر والمندوب البريطاني في الداخل هي مصدر قوته الرئيسة، وأساساً جوهرياً لحركته السياسية في الخارج التي تعتمد على الحصول على تأييد أجنبي، أو الاستعانة باوروبا لأكراه بريطانيا على الجلاء عن مصر.‏

وكانت سياسة الحزب الوطني تقوم على مراهنات خاسرة، كاستغلال التناقض الثانوي بين بريطانيا وفرنسا، وبالتالي الانضمام إلى بعض دول المحور من موقع الشريك الصغير في لعبة دولية كبيرة حيث كان وزن المشاركة العربية محدوداً، بحكم أن هذه المشاركة تقتضيها الظروف الدولية المحيطة بالمسألة الوطنية المصرية هذا من ناحية. وقد قام في الوقت عينه باتباع سياسة تأييد وولاء للإمبراطورية العثمانية ولتيار الجامعة الإسلامية، التي كان تحت لواء السلطان عبد الحميد، حيث كان مصطفى كامل يطلب بالتفاف الشعوب الاسلامية حول الدولة العثمانية، " لأنه طالما أن هذه تظل قوية، فأن الأمل في تحرير بلادنا يبقى كبيراً، كما دعا في برنامج حزبه إلى " بذل الجهد لتقوية علائق المحبة والارتباط والتعلق التام بين مصر والدولة العلية " من ناحية أخرى.‏

وعلى الرغم من أن حركة مصطفى كامل قد نالت تاييداً من الخارج، إلا أنه من الإجحاف بمكان اعتبار الوطنية المصرية محصلة لمطامع فرنسا الاستعمارية المحبطة، وفتن الجامعة الإسلامية العثمانية ورغبة عباس المحبطة في أن يصبح طاغية، أو مزيجاً من القوى الخارجية " (6) كما يذهب إلى ذلك نقاد مصطفى كامل.‏

إن الاتجاه الذي جسده مصطفى كامل هو اتجاه الوطنية المصرية المعادي للاستعمار الانكليزي كله. وكان هذا الاتجاه مخلصاً للديمقراطية البرلمانية، والحقوق والحريات الفردية، وحرية الاقتصاد، والعلمانية والتغيير الذي يتطلب التحديث. ولكن من جهة أخرى، كان مصطفى كامل مرتبطاً بالجامعة الإسلامية التي احتضنها العثمانيون، وهو ما يتطلب الالتقاء مع الاتجاه الديني وبالتالي التسليم بالقيم الإسلامية التقليدية، وهو ما جعل الحزب الوطني الذي يتقبل الايديولوجية الليبرالية الغربية ويدعو إلى الإصلاح الداخلي، خاضعاً لتأثير صراع إيديولوجي في داخله، بين ايديولوجية الوطنية المصرية التي كانت تدعو إلى استقلال مصر عن تركيا وبريطانيا، ، وايديولوجية الجامعة الإسلامية التي كانت تدعو إلى استقلال مصر ولكن في إطار التبعية العثمانية. وعلى صعيد التمثيل الطبقي يعتبر الحزب الوطني ممثلاً للطبقة المتوسطة المصرية المتأثرة بالأفكار الأوروبية عن الليبرالية والقومية، ويذهب صلاح عيسى إلى الاعتقاد بأن زعيم الحزب مصطفى كامل كان يمثل يعاقبة البرجوازية المصرية .‏

والواقع أن الملتفين حول الحزب كانوا من أكثر شرائح الطبقة الوسطى تطوراً وميولاً ثورية. وقد تغلغل الحزب في الشرائح الطبقية الأكثر استجابة لدعوته، وأكثرها قدرة على الانخراط في العمل السياسي الوطني، فكان نشاطه في صفوف الطلاب قوياً، وبخاصة طلاب مدرسة الحقوق الخديوية، الذين يتبعون المناهج الفرنسية في دراستهم، باعتبارهم أكثر الفئات اهتماماً بالسياسة، " وكانوا يدرسون القانون غالباً للاشتغال بالمحاماة بل ليؤهلو أنفسهم لشغل المناصب الحكومية العليا، أو ليحترفوا السياسة (7).‏

غير أن صلات الحزب بالفلاحين لم تكن وثيقة على الرغم من أن مصطفى كامل لم يسقط من حسابه الفوز بتأييد الفلاحين، " ومع ذلك فلم يكتسب مصطفى كامل تأثيراً قوياً على الفلاحين في القوى وذلك لسببين، الأول أن نشاط الحزب الوطني قد تمركز في المدن دون القرى. وكان نشاطه الرئيسي في القاهرة والاسكندرية، ثانياً : إن الاحتلال كسب مهادنة الفلاحين في الريف بما ألغاه من السخره والكرباج، وما أجراه من الإصلاحات الزراعية والمالية التي قام بها بقصد سد الأبواب التي ينفذ منها التدخل الأوروبي في شؤون مصر " (8).‏

وهكذا ظل الفلاحون دورهم ثانوياً في الحركة الوطنية المصرية حتى اندلاع الثورة في العام 1919.‏

ويعتبر الحزب الوطني من التنظيمات المبكرة التي أسهمت في تأسيس المجتمع المدني الحديث في مصر. فقد دعا مصطفى كامل في جريدة اللواء اللسان المركزي للحزب في العام 1900، إلى تشكيل حكومة ذات نظام نيابي تستند إلى دستور مكتوب، أي قيام حكومة دستورية، التي أصبحت إحدى النقاط الرئيسية في برنامج الحزب، وهي سياسة تناقض كلياً مع سياسة القصر. وعلى الصعيد الاقتصادي أكد مصطفى كامل على ضرورة التصنيع حيث أرجع تاخر مصر في هذا المجال إلى سياسة بريطانيا في محاربة المنافسة المحلية لصناعتها. وكان العلاج في نظره - متمشياً مع قوميته الليبرالية - يتمثل في دعوة كبار الأثرياء للتبرع بالأموال لإنشاء المصانع بهدف تحرير البلاد من الاعتماد على المنتجات الأجنبية، ولم يبد أي رغبة في تدخل الدولة في المشروعات الصناعية، وكذلك لم يهتم مصطفى بالحالة الواقعية للقوى العاملة المصرية، وكانت ضئيلة أيامه. فالوطنيون لم يخطبوا ود البروليتاريا إلا في مرحلة تالية (9).‏

ولاشك أن هذه الدعوة في تشييد المؤسسات الاقتصادية الصناعية الحرة، لكي تتوصل البرجواوية المصرية في تنظيم نفسها كطبقة، ومعالجة مصالحها الذاتية وتنظيمها، تدخل في نطاق بناء مؤسسات المجتمع المدني الحديث. علماً بأن الامبريالية البريطانية قاومت قيام طبقة رأسمالية وطنية وبالتالي قيام صناعة مصرية ولاسيما صناعة النسيج والغزل بحكم المركز الاحتكاري الذي تمارسه بريطانيا على المنسوجات الصناعية.‏

وعلى صعيد تقوية أسس المجتمع المدني قام الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل بنشر دعايته السياسية بواسطة الصحافة، باعتبارها الميدان العملي الوحيد في مصر للممارسة السياسية خلال القرن التاسع عشر، حيث وصل عدد الجرائد والدوريات والمجلات إلى حوالي 500 حتى العام 1900. وقد لعبت الجرائد دوراً مهماً في تكوين دوائر استقطاب جماهيرية، ورأي عام، وفي تكوين الأحزاب والجماعات السياسية، وفي خلق الوعي السياسي بين المثقفين وغير المتعلمين من عامة الشعب. " وكان لنقل المصريين لعادة مقهى الشارع الأوروبي أثره في اكتسابهم عادة قرءاة الصحف من الأوروبيين فقد علق بعض الكتاب الأوروبيين بقدر كبير من المرارة على غرس هذه العادة الأوروبية التي أدت إلى السمر بالأحاديث وقراءة الصحف وعدوها من عوامل نمو الوطنية المصرية " (10).‏

وقد أصدر مصطفى كامل جريدة اللواء التي يدعو فيها لمبادئه وآرائه السياسة، ولتقوية الروابط بين المصريين بعضهم لبعض. وصدر أول عدد منها في 2 كانون ثاني 1900.‏

وفتحت اللواء صفحاتها للمثقفين ... وكتب فيها أحمد شوقي وخليل مطران ... وكانت سمة اللواء وشخصيتها سياسية، وليست ثقافية ... وفي أوائل القرن العشرين لم تدع للآراء الوطنية تتوسع فقط، وإنما جمعت حولها كل العناصر الوطنية المتطرفة وخصوصاً المعادية لبريطانيا ... فقد كانت تدعو إلى مبادئ الحزب الوطني، (وتطالب بإصلاح التعليم والاقتصاد، وتصنيع البلاد) وفيها ومافيها من هجوم عنيف على الاحتلال، والمطالبة بضرورة استقلال مصر والسودان (11).‏

ولما أصبحت اللواء أقوى صحيفة تصل إلى عدد أكبر من الناس، وأقوى لسان معبر عن الوطنيين المصريين، أصدر مصطفى كامل صحيفتين يوميتين أخرتين في 2 آذار 1907 L´ Etendard Egyptien بالفرنسية،‏

he Egyptian standard بالانكليزية.‏

وبشكل موازي مع الصحافة، اعتبر مصطفى كامل التعليم أحد الميادين الرئيسية التي يؤثر من خلالها على الرأي العام، فركز اهتمامه وعنايته بتعليم الشباب، باعتبار أن التقدم الوطني مرتبط بالتقدم على مستوى التعليم، ويعتمد على وجود مواطنين متعلمين من وجهة نظره. وكيف يتسنى لمصر أن تحتل مكانها اللائق بين دول العالم المتقدم و 91.2 في المئة من رجالها و 99.3 في المئة من نسائها لايعرفون القراءة والكتابة؟ حسب إحصاء العام 1897. ولم تكن الحكومة المصرية معنية بتخصيص موازنة للتعليم، بسبب الإفلاس المالي. لذا احتلت مسألة إصلاح التعليم مركزاً مهما في برنامج الحزب الوطني. ففي خطب القاها مصطفى كامل على طلاب المدارس المصرية، العالية والثانوية في 8 يناير 1898، أكد لهم أن أكبر خدمة يمكن أن يؤدوها لمصر هي نشر المعرفة والتعليم. ومما يؤكد اعتناق مصطفى كامل للأفكار الليبرالية تحذيره من الاستسلام للرغبة المصرية في انتظار عمل الحكومة، في حين أن الدول الأوروبية استمدت قوتها من اعتماد معظم أنشطتها التجارية والصناعية والتعليمية علي مبادرات الأفراد " (12) .‏

وكان مصطفى كامل أول من طالب بإنشاء جامعة وطنية في مصر 26 اكتوبر 1904، كما أيد تأسيس " نادي المدارس العليا " وهو جمعية تضم طلبة كل المدارس المهنية وخريجيها. فطلاب المدارس والجامعات يعتبرون من عناصر المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الانكليزي، لذا كان الطلاب كفئة حية ومتعلمة في المجتمع يعتبرون سلاحاً فعالاً في عمل الحزب الوطني.‏

ومن اسهامات الحزب الوطني في خلق مكونات المجتمع المدني إنشائه لنقابة العمال في العام 1909 / تحت اسم نقابة عمال الصنائع اليدوية، التي أصبح لها 11 فرعاً، وتضم 800 عامل ... كما أنشأ أربع مدارس للصناع في العاصمة سنة 1909 /، و أصبح يشجع تكوين النقابات لخلق رأي عام وطني داخل صفوف الطبقة العاملة المصرية. كما أنشأ الحزب الوطني المدارس الليلية على الطريقة الأوروبية لتعليم الفقراء والعمال مجاناً، حيث كان شباب الحزب يتطوعون للتدريس فيها. ولعب الحزب الوطني دوراً مهماً في النضال النقابي للطبقة العاملة المصرية، حيث كان محمد فريد أبرز قيادته بعد مصطفى كامل متأثراً باتجاهه هذا نحو العمال والتشكيلات النقابية " ببعض القادة العماليين الأوروبيين وخاصة الزعيم العمالي كير هاردي أحد مؤسسي حزب العمال الانجليزي ويتضح هذا التأثير من كلمات فريد نفسه ..." نقابات العمال قوة هائلة تخضع لها الحكومات وتطأطئ رأسها أمامها، ولقد أصبح حزب العمال في انكلترا من الاحزاب المسموعة الكلمة يهمه من كرسوا حياتهم لخدمة هذه الطبقة من الأهالي مثل كير هاردي وأخوانه " (13). ومن هنا فإن بدايات الحركة الاشتراكية المصرية، تعود في جذورها الأولية إلى تبلور اتجاه اشتراكي ديمقراطي على نمط حزب العمال البريطاني داخل الحزب الوطني عينه، الذي ضم في داخله تيارات أخرى متناقضة في منطلقاتها الايديولوجية والفكرية بين الموالين لفرنسا الليبرالية، والجامعة الإسلامية العثمانية. ومع كل ذلك يعتبر الحزب الوطني أول حزب مصري جماهيري يطالب بالمشاركة السياسية للشعب، ويشكل في الوقت عينه إحدى مؤسسات المجتمع المدني الحديث في مصر، على الرغم من أن الحرب العالمية الأولى قد أنهت " الدور التاريخي للحزب الوطني في قيادة الحركة الوطنية وتوجيهها، فبالإضافة إلى تشتت أعضاء الحزب، فإن الحرب العالمية كانت فاصلاً حجب الحزب الوطني فترة طويلة من الوقت عن الرأي العام. ثم لم تكد تنتهي الحرب حتى كانت الظروف الدولية والايديولوجية التي كان الحزب يعمل فيها وبمقتضاها قد تغيرت (14). ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى لم يعد للحزب الوطني أي تأثير في مجرى الحركة الوطنية المصرية، بسبب انقساماته، وعجزه عن تقديم الصياغة الفكرية، والبرنامج السياسي، الملائمين لقيادة جماهير الشعب، نحو بناء مجتمع جديد، ودولة حديثة.‏

" ولان " مصطفى كامل " كان يعتبر على النحو الذي أوضحه في مقدمة كتابه " المسألة الشرقية " - إن " الحزب الوطني " هوالأمة كلها، وأن الخديوي هو رئيس الحزب لأنه رئيس الأمة كلها، فقد بات عاجزاً عن فهم دافع الخديوي " عباس حلمي " الذي كان يشجع الحركة المطالبة بالاستقلال ليتمكن من مساومة الاحتلال، للحصول على بعض الغنائم التي كانت السلطة المعلقة تتيحها لأسلافه وهو نفس العجز الذي لحق وعي " مصطفى كامل " بطبيعة التناقضات داخل الجبهة الامبريالية " (15).‏

إذا كان الحزب الوطني يمثل الجناح الراديكالي للبرجوازية المصرية في صراعها ضد الاستعمار البريطاني، فإن حزب الأمة الذي تشكل في أيلول 1907 بتأييد غير رسمي من اللورد كرومر والدائرة الانكليزية في مصر، كان يمثل البرجوازية الزراعية، وكان عنوان الحزب السياسي والايديولوجي هو جريدته المركزية " الجريدة " التي كان يديرها مفكر حزب الأمة أحمد لطفي السيد، والتي تحولت لاحقاً بعد ستة أشهر من صدورها في 9 آذار 1907 إلى حزب سياسي، هو حزب الأمة، وقد أطلق اللورد كرومر على رجال هذا الحزب أسم " اتباع المرحوم المفتي السابق الشيخ محمد عبده "، وكما يصفهم رشيد رضا بأنهم " أركان أصدقاء الشيخ محمد عبده من كبار رجال الحكومة ووجهاء القطر ". وقد تشكل الحزب من فئتين، فئة المثقفين الليبراليين المعتنقين الثقافة الأوروبية التي ايقظت وعيهم في جوانب مختلفة من المسألة الديمقراطية إلى المصالح المادية والاقتصادية للشعب المصري، من بينهم عدلي باشا، وسعد باشا إلخ. وفئة الأعيان أي الرأسماليين الزراعيين أصحاب الأملاك الواسعة.‏

ولم يكن تشكيل حزب الأمة قائماً على أساس بنية تنظيمية قوية متغلغلة في صفوف الشعب، مثلما لم يحكمه برنامج سياسي محدد يطرح قضية بناء مجتمع حديث، ودولة عصرية. فقد كانت مطالبه تنحصر في المطالبة بالدستور، بما يمكن البرجوازية المصرية من المشاركة في الحكم من موقع الطرف التابع الضعيف للسلطة الشرعية التي يمثلها الخديوي والسلطة الفعلية التي يمثلها الاحتلال الانكليزي، وذلك عن طريق منح سلطات أوسع للمجلس التشريعي والمجالس البلدية والجمعية العمومية، باعتبارها الطريق الممكن لوصول مصر إلى الحياة البرلمانية الكاملة. وحسب ما جاء في الصحيفة المركزية لحزب الأمة الجريدة بتاريخ 17 أيار 1908 / فإنها تلخص موقف الحزب من السلطتين اللتين تتحكمان بمصير البلد " فالأمة لاتقف أمام حكومتها فقط، بل أمام حكومتها زائد عليها حكومة أجنبية أخرى، قد أخل وجودها بالتوازن بين قوة الأمة وقوة حكومتها، وصير مجهودات الأمة إلى الاستقلال متضاعفة كثيرة، فإذا كان يجب علينا عند عدم وجود الاحتلال الأجنبي أن نصرف مجهوداً واحداً لنيل الاستقلال فإنه يجب علينا الآن أن نصرف مجهودات كثيرة مع وجود هذا الاحتلال الثقيل " كما كان الحزب يرفض سيطرة الاتراك والشراكسة والأرمن والارناؤوط الذين كانوا يشكلون بطانة الخديوي، خصوصاً وأن حزب الأمة كان يرفع نداء " القومية المصرية ".‏

على أي حال، باستثناء الدور الفعال، والمؤثر للحزب الوطني في مجرى الحياة السياسية المصرية مع بداية القرن العشرين، لم يكن لظهور الحركة الحزبية المرافقة له ذلك الاشعاع الفكري، أو ذاك الدور السياسي الفاعل، بل كانت أدوار الأحزاب التي تشكلت في أوائل القرن العشرين ثانوية جداً، لجهة أسهامها في أرساء أسس المجتمع المدني الحديث وبناء الدولة العصرية. ويمكن أن نستعرض بعض من هذه الأحزاب، مثل حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية الذي نشأ حول جريدة المؤيد في العام 1906 / والذي كان متعاوناً مع الانجليز، وكانت سياسته لا تختلف كثيراً عن حزب الأمة بل هي أكثر اعتدالاً.‏

أما الحزب الوطني الحر فقد خرج هو أيضاً للوجود من خلال جريدته المقطم. وقد نشر زعيم الحزب محمد وحيد الأيوبي خطاباً في جريدة المقطم في أيلول 1908، تحدث فيها عن مزايا الاحتلال الانكليزي والخدمات التي أداها لمصر، وقدم برنامجاً لسياسة الحزب ذات الهدفين الرئيسيين ... يبدأ الأول بفائدة علاقات الصداقة مع قوى الاستعمار الانكليزي والتعاون معه حتى يمكن الاستفادة في إصلاح البلد .... وينتهي الهدف الثاني وهوالتوسع في نشر التعليم ليتمكن المصريين من استيعاب الحضارة الأوروبية التي أدخلها الانجليز إلى مصر (16). وتشكل حزب مصر المستقلة على أثر التصدع الذي حصل داخل الحزب الوطني بنى مسلمية وإقباطه بعد موت مصطفى كامل. وقد جدد الحزب بعد تكوينه بقليل من العام 1908، الخطوط العريضة لسياسته، والمتمثلة في وحدة مصر والسودان - استقلال مصر - إلغاء الإمتيازات القانونية - تحقيق صداقة حقيقية بين مصر وبريطانيا - الاحتفاظ بالعلاقات الطبية مع الأجانب وضمان امتيازاتهم وحقوقهم المشروعة - الفصل بين الدين والسياسة، بقانون - عقد معاهدة بين مصر انكلترا أتحقق لمصر التسهيلات التجارية والحماية العسكرية البريطانية. انشاء مجلسين نيابيين سلطات تشريعية نصف أحدهما يتكون بالانتخاب من الأجانب الذين يقيمون في مصر منذ خمس سنين على الأقل - التعليم الإجباري الأولي للجنسين إلخ (17)...‏

على الرغم من أن هذه الأحزاب تعرضت لانقسامات حادة أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى بسبب الموقف من الاحتلال الانكليزي، حيث كانت هناك أحزاب تؤيد هذا الاحتلال في السر أو في العلن، وأحزاب أخرى تطالب بالاستقلال، وبسبب أيضاً من المفاضلة بين استعمار واستعمار، أي بين مؤيد لمحور ألمانيا وتركيا ظناً منهم أن بهذا سيؤدي إلى استقلال مصر، وبين مؤيد للانكليز والفرنسيين، على الرغم من كل ذلك، ألا أنها أرست في الوقت عينه وعياً سياسياً وطنياً في مصر على صعيد مقاومة الاستعمار، وثبتت القومية المصرية، ومثلت إرهاصات سياسية تجمعت فيها الظروف والعوامل لقيام ثورة1919.‏

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وإشعاع مبادئ الرئيس ولسن عن الحكم الذاتي للشعوب وحقها في تقرير مصيرها التي شدت همة واهتمام الشعب المصري نحو هذه المبادئ السامية، والوثوق بها في أنها سوف يحصل بواسطتها الحرية والحق في تقرير مصيره بنفسه، والحصول على الاستقلال السياسي، واندلاع الثورة البلشفية في روسيا القيصرية، وأثرها في تقسيم أوروبا من الناحية الايديولوجية إلى قسمين، قسم تهيمن فيه الايديولوجية الاشتراكية، وقسم تهيمن فيه الايديولوجية الرأسمالية، بالإضافة إلى اختمار حركة الثورة داخل المجتمع المصري بجميع طبقاته، من الفلاحين الذين صودرت أملاكهم وحيواناتهم وحبوبهم أيضاً من جانب السلطة العسكرية بأبخس الأثمان، أعادت إلى أذهانهم المظالم التي كانت ترتكب بحقهم من قبل الأتراك العثمانيين والمماليك، إلى طبقة كبار الملاكين العقاريين التي تضررت مصالحها بسبب سياسة بريطانيا القطنية الاحتكارية على صعيد التحكم في أسعار ما تشتريه من قطن، وحصر عملية تصديره من قبل بيوت التصدير الأجنبية فقط، مروراً بفئة الرأسماليين الصناعيين القابعة تحت وطأة السيطرة الاقتصادية الأجنبية، حيث كانت سياسة الاحتلال ترفض تصنيع مصر خشية منافسة الصناعات البريطانية وعملت على بقائها زراعية " بسبب اتجاه المصالح الاقتصادية للإدارة البريطانية في المقام الأول نحو التوسع في زراعة القطن "، وهذا ماجعل الرأسمالية المصرية تنضم إلى حركة الثورة من موقع أن يتولى الحكم في مصر سلطة مصرية وطنية تعمل على تخليصها من الاحتلال الانكليزي، وتقوم بتصنيعها، فضلاً عن معاناة الطبقة العاملة المصرية وفئات البرجوازية الصغيرة من استغلال واضطهاد الرأسمالية الأجنبية، الأمر الذي قاد إلى انخراط هذه الفئات في الإضرابات والمظاهرات والصدمات مع البوليس بهدف رفع الأجور، وتحديد ساعات العمل، كلها هذه العوامل مجتمعة أسهمت أسهاماً كبيراً في تفجير الثورة لعام 1919. وقد خرجت هذه الثورة " من الجميع وباسم الجميع الذين ذاقوا مرارة الحرمان في الحرب العالمية الأولى بشكل أو بآخر. وأجمعوا الآن على تحقيق مطالبهم الوطنية - ليس فقط في الحكم الذاتي ولكن في الاستقلال التام، بشكل عام وفي كل السلطات.. كانوا جميعاً أبتداء من الوزير الذي أيد الانجليز في وقت ما، حتى الطلبة الذين اندفعوا في مضمار الحركة الوطنية، يشاركون الأمة في الإضراب وإشعال نار الثورة الشعبية العارمة .... ولم يكن اقتحام سعد زغلول للثورة مفاجئاً ... كان نجاحه ونشاطه الملحوظ بين أعضاء المجلس التشريعي قد هيأ عدداً من الأصدقاء الأوفياء والمعجبون بشخصيته القوية وآرائه القوية السديدة .... وفي أثناء أشهر الحرب الأخيرة، وضع سعد زغلول ومؤيده طلباً بإلغاء الامتيازات الأجنبية، وإقامة التنظيمات الدستورية على أسس سليمة، وإصلاح التعليم والزراعة ... وفوق ذلك كله الاستقلال التام .... وحول هذه المجموعة يتكون حزب الوفد ... وهؤلاء هم أول مهندسو هذه الحركة الشعبية التي ستهيئ مصر لأن تفوز بالاستقلال ".. (18) .‏

وهكذا شكل سعد زغلول مع عدد من أعضاء المجلس التشريعي " الوفد المصري"، الذي سيسيطر على كافة مجالات الحياة السياسية في مصر من 1919 إلى 1952 م. وكانت معظم قيادات " الوفد المصري " في الأصل من قيادات حزب الأمة. ومع أن الوفد يعتبر حزب البرجوازية المصرية الكبير إلا أنه كان تنظيماً سياسياً شعبياً جامعاً، وأصبح يعمل من أجل تحقيق الاستقلال التام لمصر، وإجلاء البريطانيين عنها. لكن الوفد لم يخرج عن سياق طرح وممارسة الحزب الوطني للمسألة المصرية، فقد ظل أسير الرؤية التي تحافظ على خط دولية المسألة المصرية، أي خط حل المسألة المصرية من خلال استغلال التناقضات داخل الجبهة الامبريالية أولاً، ورفض حصر المسألة المصرية في نطاق الثنائية بين مصر وانكلترا. وهذا ما أكده سعد زغلول صراحة في خطاب سري أرسله من باريس إلى عبد الرحمن فهمي سكرتير اللجنة المركزية للوفد في القاهرة، منطلقاً من أن " حياة مصر في بقاء المسألة المصرية دولية والابتعاد بها كل البعد عن أن تكون مسألة داخلية بين بريطانيا ومصر " (19).‏

وظلت الحركة السياسية للبرجوازية المصرية التي تعتبر مدرسة تحتذي بها على الصعيد العربي، تراهن على حل القضية الوطنية المصرية بقرار من المؤتمر الدولي، أي عن طريق أسلوب المفاوضات، لاعن طريق تعبئة وتجنيد الشعب وتنظيمه باتجاه انجاز الثورة الوطنية الديمقراطية، واعتبار القضية الوطنية هي مسألة صراع ضد الاستعمار، وجزء من حركة الثورة العربية وثورة الشعوب والأمم في المستعمرات وأشباهها.‏

وهذا ما يفسر لنا كما يقول الدكتور سمير أمين من أن الانكيز ما كانوا يوماً ينخدعون بديماغوجية : (الوفد) الوطنية" فلم يكن الوفد يفكر للحظة واحدة أن مصر يمكن أن تكف عن كونها دولة زبوناً لبريطانيا. وكانت براعة المحاور البريطانية تعتمد على قدرة انكلترا على استغلال ملكية مستعدة لقبول الوجود الأجنبي بدون تحفظ كي لاتقوم إلا بأدنى التنازلات أمام الوفد، التنازلات التي ما كانت إلا شكلية. وعندما كان الوضع يشرف فعلاً على الانفجار كانت بريطانيا تعرف كيف تصل إلى تسوية بالسرعة اللازمة " (20).‏

لقد كانت ثورة 1919 كبيرة وعظيمة حين انخطرطت فيها حركة الجماهير الشعبية، وبخاصة منها الفلاحين في العمل الثوري العنيف والإيجابي، غير أن طبيعة البرجوازية المصرية المتسمة بالضعف والعجز والعزوف عن المضي قدماً بالثورة إلى الأمام، جعلها تختار أسلوب المفاوضة، كخيار تاريخي مع الاستعمار الانكليزي ". وبالإضافة إلى ذلك فإن عنف الجماهير هو الذي دفع البريطانيين إلى التساهل مع البرجوازيين المصريين، في محاولة لإيقاف عنف الثورة وطرد الجماهير الشعبية صاحبة الموقف المعادي بشكل مطلق للاستعمار من المعركة، بهدف الانفراد بالبرجوازية - بجناحيها المتطرف والمتساهل - حيث كان المستعمرون يثقون بإمكانية التفاهم والتعاون " (21).‏

وكان الوفد الذي تمخض عن ثورة 1919. التي أفرزت قيادة سعد زغلول لتحمل مسؤولية قيادة الأماني الوطنية للشعب المصري في الاستقلال التام بواسطة حزب الوفد، قد أصبح متحدثاً باسم الشعب، وقائداً للحركة الوطنية المصرية، ولكن من دون أن ينظم الشعب في استراتجية سياسية للصراع الوطني طويلة الأمد. وحدد تحقيق أهداف إجلاء الجند البريطاني وكف النفوذ الأجنبي عن مصر بواسطة الوسائل السلمية المشروعة، مثل حركة جمع التوقعات على التوكيلات الشعبية التي طبعها فور تشكيله لتعزيز تمثيله عن الأمة في المطالبة بالاستقلال وتنظيم الاجتماعات العامة لبحث القضية الوطنية. ولاشك أن هذا النشاط السياسي الحزبي يدخل في سياق خلق رأي عام يوافق على المبادئ السياسية التي صاغها الوفد، والمتمثلة في حق مصر في الاستقلال، وإقامة حكومة دستورية، تحترم حقوق الأجانب، والامتيازات الأجنبية، والدين العام، وطبيعة قنال السويس ... إلخ لذلك أصبح الصراع الديمقراطي أهم وسيلة سياسية سلمية مشروعة في صراع الوفد من أجل حل القضية الوطنية من خلال معاهدة تحالف بين مصر وبريطانيا العظمى.‏

لقد تمثلت الحياة السياسية في مصر بعد الثورة، بعملية الاستقطاب بين الأطراف السياسية الثلاثة الفعالة، وهي القصر ممثلاً بالملك، والانجليز، والأمة ممثلة بأهم الأحزاب السياسية الفعالة والمؤثرة، وبخاصة منها الوفد، وبإقرار دستور 19 نيسان 1923، الذي أحدث انشقاقاً داخل الوفد، الأمر الذي جعل سعد زغلول ويعاقبة البرجوازية المصرية، بهاجمانه بعنف لما يتضمنه من انتهاكات كبيرة تمس السيادة المصرية، ولأن القوى السياسية التي أوجدته أي " لجنة الثلاثين " قد تشكلت في معظمها ممن كانوا ينتمون إلى حزب الأمة القديم، ممثل مطامع البرجوازية الزراعية في مشاركة الاستعمار سلطته، والتي استفادت من الثورة لزيادة مطالبها كما عكسه ذلك صراحة الدستور عينه.‏

فالدستور يقر مبادئ معينة تتعلق ببناء دولة القانون القائمة على السلطات المقيدة، ومبدأ المساواة بين المصريين في الحقوق والواجبات السياسية والمدنية، وكفالة الحرية الشخصية، وضمان حرية الاعتقاد الدينية، وحماية إقامة الشعائر الدينية، وضمان حرية الرأي في نطاق واحترام القانون، وحماية الملكية الخاصة، ومنع مصادرة الأموال، وعدم جواز القبض على إنسان إلا وفق القانون إلخ.. لكن بالمقابل كان لدستور 1923 فجوات كبيرة ما في استقلال مصر من الفجوات على حد قول طارق البشري، " وأعظم الفجوات في المجالين وجود جيش الاحتلال، لقد طلع الدستور وقانون المطبوعات لعام 1881 يقيد حرية النشر (كان الغي ثم أعيد العمل به مع تصاعد الحركة الوطنية ضد سياسة الوفاق ضد الخديوي والانجليز في 1909 ). ثم كان هذا القانون قد صار مع فرض الحماية البريطانية على مصر في بداية الحرب العالمية الأولى، وقبيل إصدار الدستور صدر في 1923 قانون الأحكام العرفية، وكذلك القانون 14 لسنة 1923 / الذي وضع قيوداً شديدة على عقد الاجتماعات العامة والتظاهر وفرض العقوبات على تجاوز هذه القيود. ثم صدر الدستور بتحفظين شهيرين يتعلقان بتقييد حريتي الصحافة والاجتماعات ويسمحان بفرض الرقابة الإدارية عليهما وقد فشل الوفد في 1924 / رغم أغلبيتهم الكاسحة في مجلس النواب - في إعادة النظر في القوانين المقيدة للحرية التي صدرت منذ إعلان الحماية، كما فشلوا في تعديل قانون الاجتماعات تخفيفاً من علوائه. وفي 1928 / هدد الانجليز وزارة الوفد أن أصرت على أطلاق حرية الاجتماع. وفي 1929 / أصدرت وزارة الأحرار الدستوريين قانوناً يمنع الطلبة من الاشتغال بالسياسة. ثم أصدرت وزارة صدقي قانوناً يقيد النشر في 1931 / وأصدرت وزراته الثانية في 1946 / ما يسمى بقوانين مكافحة الشيوعية ثم جاءت تجربة الحكم العرفي مع إعلان الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939، واستمر حتى 1945 / ثم أعيدت حرب فلسطين في مايو 1948 / وظلت حتى 1950 / ثم أعيدت مع حريق القاهرة 1952 " (22).‏

ظل الدستور وافداً غريباً، ونشرة حقوقية تزين وجه دولة الاستبداد الشرقي، بما أن القصر وسلطة الاحتلال الانكليزي ابدياً موقفاً متشدداً أزاء حرية الصحافة التي تضمنتها المادة 15 من الدستور، وحرية الاجتماعات التي تضمنتها المادة 20، بدعوى حماية النظام الاجتماعي. فالدستور لم يتجذر لافي الثقافة، ولافي الوعي الشعبي العام، لكي يصبح مطلباً شعبياً داخلياً.‏

الدستور لا يعني شيئاً مالم يكن نتاجاً لنمو الوعي الحقوقي الذي يعبر عن حقيقة بأن الناس يصنعون دولتهم. أن المجتمع هو الذي ينتج المجال السياسي الحقوقي، خلافاً للواقع العربي القائم حيث الدولة تنتج المجتمع، وتحدد المجال السياسي وفقاً لمصالح القصر والبيروقراطية الحاكمة وطبقات المجتمع العليا : من كبار الموظفين وكبار الملاكين العقاريين وأصحاب الثروات، التي تسندهما. لماذا فكرة الدستور ظلت هشة في الوعي الايديولوجي والسياسي العربي، ولماذا ظلت الأحزاب عرضة للتحول إلى كسور اجتماعية جديدة؟ لأن المسألة الوطنية كانت ولا تزال رافعة للمسألة الديمقراطية، وكل هذا يشير إلى مدى إرتباط المسألة الديمقراطية بالمسألة الوطنية في مصر، وفي باقي البلاد العربية، سواء في عهد الاستعمار أو في واقعنا الحاضر، وما أن تتحقق معاهدة مع الاستعمار أو ابرام تسوية مذلة معه حتى تخبو المسألة الديمقراطية. فالمسألة الوطينة كانت القضية الجوهرية عند العرب في المطالبة بحل المسألة الديمقراطية أو الدفاع عنها، باعتبار أن النضال الوطني في ظل الاستعمار، أو في ظل السيطرة الإمبريالية الحالية هو نضال ديمقراطي بالضرورة، وإن النضال الديمقراطي الحقيقي الذي تكون وظيفته الأساسية تحقيق الأهداف الوطنية هو نضال وطني باللزوم.‏

وانطلاقاً من هذه الرؤية، فأن الثورة 1919 التي خاضت فيها الجماهير الصراع ضد الاستعمار البريطاني، كانت أقوى ممارسة للحرية عرفتها للمطالبة بالاستقلال السياسي والحريات الديمقراطية في الوقت عينه.‏

لكن حين طرحت الرجوازية المصرية بديلاً عن العنف الثوري الجماهيري العمل السياسي لتأطير واحتواء الحركة الجماهيرية، والتحكم في منطلقاتها، بهدف تحسين شروط التسوية السياسية مع الانكليز، تراجعت المسألة الديمقراطية بعمقها الراديكالي، وبصورتها المثلى، و أوجد دستور 1923 مجلساً نيابياً لايعكس طموح الشعب في بناء ديمقراطية سياسية تعددية تقوم على أساس من تداول الأحزاب الحكم والمعارضة، وايجاد هياكل ومؤسسات دستورية يرتكز عليها النظام السياسي، الذي يتسع لوجود قوى سياسية مختلفة تشغل موقعي الحكم والمعارضة اللذين يتبادلان المواقع داخل إطار هذا النظام السياسي الاجتماعي العام الحاكم. فالدستور منح سلطات كبيرة للملك تتمثل في سلطة الملك حل مجلس النواب، وسلطته في تعيين خمس مجلس الشيوخ، وحقه في معارضته القوانين التي يقرها المجلسان. كما أن الملك استخدم سلطاته كسلاح للقضاء على كل حكومة متطرفة حسب وجهة نظره، " فأصدر عدة قرارات بتعيين شخصيات معادية للحكومة، وأسند إليهم وظائف القصر بمجرد رغبته في ذلك، وبدون الرجوع إلى أصول الدستور ... ليكونوا على أهبة الاستعداد لخدمة أغراضه، في طرد الوزراء أو تعطيل أو حل البرلمانات.. " (23).‏

على الرغم من أن الشعب في مصر أو ما اصطلع على تسميته بالأمة كان راغباً في إقصاء القوتين المعاديتين، وهما قوة الملك المستندة إلى السلطات الشرعية الدستورية والمتحكمة في القرار الوطني بسبب ارتباطها العضوي بالانكليز، وبسبب تأييدها من جانب فئات الأعيان وأصحاب الأملاك الكبيرة الذين يتناقضون في الأهداف والمصالح مع الحركة الوطنية والوفد، وقوة الانكليز المتمثلة في وجود جيش الاحتلال، إلا أن نتائج ثورة 1919 / لم تؤد إلى ذلك الهدف المنشود. فظلت الحياة السياسية، والصراع السياسي بين هذه القوى الثلاث، حيث أصبح النظام النيابي في مصر يتحدد بحركة نشاطاتها وصراعاتها، مثلما تخلله صراع دستوري بين الوفد المتمتع بنفوذ شعبي وبين القصر المتحالف مع الانكليز، والذي يشن دائماً هجوماً على الدستور عقب تشكل وزارة وفدية.‏

ليس من الشك أن الرعيل الوطني الأول من الأحزاب السياسية - الوطني - الأمة - الوفد- والقيادات السياسية البرجوازية التي قادت العمل الوطني والقومي في المراحل الأولى من الكفاح ضد الاستعمار الانكليزي، وضد القصر وطبقة الأعيان من أصحاب الأملاك الواسعة المتحالفة معه، قد أقامت صيغاً من النظام النيابي في مصر ونقلت الصراع على السلطة إلى مستواه السياسي والاجتماعي - كصراع طبقات وصراع مصالح واتجهاهات سياسية بين طبقة الأعيان والقصر من جهة، والبرجوازية المتوسطة والبرجوازية الصغيرة التي تشكلت ونمت في سياق ظروف ثورة 1919 / والمتكونة من التجار والطلبة وأصحاب المهن الحرة وموظفي الحكومة وضباط الجيش، والتي تجد دعماً وأسناداً من جانب الفلاحين والعمال بحكم مصلحتهم المرحلية في تأييد الوفد، الذي كان نضاله منصباً من أجل الاستقلال التام، والتمسك بحق الانتخاب المباشر من جهة ثانية، وأرست ديمقراطية سياسية ذات طابع ليبرالي بما تعنيه من تأكيد سيادة الشعب فوق كل سيادة، وإرساء الحريات السياسية، وحرية الفكر والمعتقد، وعلمنة الدولة والمجتمع، وفصل السلطات، وعقلنة الفكر والسياسة، وإقامة المساواة بين المواطنين على اختلاف انتماؤهم الديني والمذهبي، والمساواة أمام القانون، وإقامة العلاقات على أساس المصالح والمنافع.‏

لكن رخاوة البرجوازية المصرية وأحزابها السياسية في مواقفها الوطنية تجاه الاستعمار، وفي مواقفها العاجزة عن حل المسألة الديمقراطية السياسية وعلاقتها ببناء الدولة العصرية، باعتبار الديمقراطية هي المعيار الحقيقي للتقدم جعلت مؤسسات المجتمع المدني : من الدستور، والبرلمان، والأحزاب السياسية، والصحافة، والحقوق الدستورية والديمقراطية، عرضة لهجوم وانتهاك صارخ من جانب الديكتاتوريات الملكية، التي كانت تهدف تأمين بقاء المصالح الأجنبية، ومصالح طبقة الأعيان.‏

إن المرحلة الدستورية والنيابية التي عاشتها مصر من 1923 إلى حد اندلاع ثورة 1952، لم تشهد فيها السمو الدستوري‏

La Suprematie De La Constitution ، بما يعني ذلك أن الدستور هو ضابط التفاعلات في المجال السياسي ، وبما يفترض احترام للقوانين الصادرة في البلاد للدستور، والحيلولة دون وقوع أي انقلابات دستورية، وبما يتطلب أيضاً إقرار مراقبة دستورية للقوانين، باعتبارها أحدى القواعد الأساسية للنظام البرلماني الديمقراطي. فهذه المرحلة الدستورية في مصر لم تندرج أساساً ضمن مشروع ديمقراطي، ركز على تقييد سلطة القصر، وتوسيع فضاء الحرية السياسية، والسبب يعود إلى أن الفكر الدستوري العربي ظل يعيش حالة من التخبط والاضطراب، ويعبر عن الواقع العربي المتأخر تاريخياً الذي نشأ فيه، والخاضع للاستعمار والتدخل الأجنبي، والانحطاط، والذي خيمت عليه الرغبة في الإصلاح والتحديث، والبحث عن مشروع مجتمعي، ولكن من دون أحداث قطعية معرفية وسياسية راديكالية مع بنية المجتمع الكولونيالي. والحال هذه كانت مؤسسات المجتمع المدني في مصر، وبخاصة المجلس النيابي - عاجزة عن القيام بدورها التاريخي في حماية المجتمع من تسلط القصر، والضغوطات الاستعمارية، لأن نشوء الحركة الدستورية ذاته لم يكن نشوء صحيحاً، إذا افتقد إلى شرط رئيس هو المناخ الليبرالي. لذا كانت المؤسسات الدستورية التي نشأت في ذلك الوقت غير مستمدة من واقع القوى الاجتماعية التي تمتلك مشروعاً ديمقراطياً لبناء مجتمع مدني حديث، ومجلس نيابي يكون مركزه قوة ومنبع السلطة التنفيذية.‏

من هنا كان الاستخدام المتكرر لما يسمى في حينه بالانقلابات الدستورية في مصر، التي نفذها الملك، الذي حل المجالس النيابية العشرة التي جرى تشكيلها خلال هذه المرحلة، باستثناء مجلس واحد (1945-1949) وهوالمجلس الذي قاطع الوفد انتخاباته " وأن المجالس الستة التي حظي الوفد بأغلبية كاسحة أو كبيرة فيها حلت كلها، أحدها بعد ساعات قليلة من تشكيله (1925) و إثنان بعد شهور (1924-1929) والأخرى لم تزد مدة، كل منها عن عامين ونصف تقريباً (1926، 1936، 1942، 1950 )، وإن مجالس النواب الأخرى التي شغلتها الأحزاب غير الوفدية تدخلت جهات الإدارة في اصطناع نتائجها (1930، 1938، 1945). لقد جرت خلال السنوات التي طبق فيها الدستور، عشرة انتخابات لمجلس النواب حصل الوفد في ثلاثة منها على 90 % من المقاعد (1924، 1929، 1942) وحصل في ثلاثة منها على نسبة تدور حول 75% (1926 النسبة 77%، 1936 النسبة 71.5 %، 1950 النسبة 71.5 ). وكان انخفاض النسبة من التسعة أعشار إلى الثلاثة أرباع، بسبب تحالف الوفد مع الأحرار وتوزيعهما الدوائر في 1926، وبسبب قيام الجبهة الوطنية بين الأحزاب في 1936. ويلاحظ أنه في انتخابات 1926 كان أمام الوفد ثلاثة أحزاب، حزب الأحرار الدستوريين، وحزب الاتحاد الذي انشئ تحت رعاية الملك، والحزب الوطني، وقد حصلوا مجتمعين على 81 % من المقاعد مقابل 77% للوفد وحده. وفي 1936 كان في مواجهة الوفد أربعة أحزاب (الاحرار، الوطن، الاتحاد، وحزب الشعب الذي أنشأه صدقي تأييداً للملك) وحصلت الاحزاب الأربعة مجتمعة على 28 % من عضوية النواب مقابل 71.5 % للوفد وحده. وفي 1950، كان أمام الوفد أربعة أحزاب (الأحرار، الوطني، السعدي الذي انشق على الوفد في 1938 وتحالف مع الأحرار، حزب مصر الاشتراكي أي مصر الفتاة) وحصل هؤلاء مجتمعين على 19% من العضوية مقابل أغلبية الوفد البالغة 71.5 % (24).‏

هذه الانقلابات الدستورية، وبخاصة إلغاء دستور 1923 برمته من جانب وزراة اسماعيل صدقي، التي استبدلته بدستور 1930، الذي يعطي صلاحيات كبيرة للملك، ثم أعيد دستور 1923 في العام 1935، وأبرام الوفد معاهدة التحالف مع الانكليز في العام 1936، التي أضعفت شعبيته إلى حد كبير، فضلاً عن تفاقم حزمة الأزمات السياسية للنظام القائم في مصر إبان تلك الفترة، بسبب الموقف من المسألة الوطنية وقضية الاستقلال الوطني لمصر، واحتداد الأزمة الاقتصادية، وحدوث النكبة في فلسطين العام 1948، وأزمة الديمقراطية، التي شكلت وعاء للحركات السياسية والاجتماعية المختلفة في إنتماءاتها الايديولوجية، كل هذه المسائل تعكس هشاشة المجتمع المدني وهامشيته في الحياة السياسية المصرية، علاوة أنها تعكس أزمة الحركة الدستورية والديمقراطية، وأزمة الأحزاب التقليدية التي لم تكن تملك مشروعاً سياسياً ديمقراطياً لبناء مجتمع مدني، وتأصيل حياة برلمانية سليمة، والتي كانت عاجزة عن تجذير الواقعة الدستورية في الواقع المصري وفرض سموها وتفوقها في الوعي السياسي الشعبي من خلال المشاركة الشعبية الفعالة في الحياة السياسية، وحق الشعب في طعن كل القوانين المنتهكة للدستور.‏

هكذا، فإن التجربة الدستورية، وتجربة الحياة البرلمانية في مصر - على الرغم من أهميتها واللتان كانتا إشباعاً لشرعية القصر والوجود الاستعماري عينه، ولتحالف كبار ملاك الأراضي وكبار التجار على البرلمانات، الذي رسم ميزاناً للعلاقة بين البرلمان والقصر، بما يخدم مصلحة قوى الاستبداد التقليدية - لم تؤدياً إلى إشاعة المناخ المؤاتي للصراع الديمقراطي، الذي يصب في تجذير محتوى ديمقراطي على صعيد المجتمع المدني يحد بشكل واضح من تسلط الدولة الرجعية المرتبطة بالاستعمار الانكليزي.‏

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتغير موازين القوى على صعيد دولي، بدأت مرحلة جديدة على الصعيد العربي، اتسمت بسمتين رئيسيتين، الاولى : وتتمثل في تشكل أحزاب المعارضة الجديدة، ذات الانتماءات الايديولوجية العقائدية الواضحة، مثلاً أحزاب الأخوان المسلمين، والأحزاب الشيوعية، والأحزاب القومية المختلفة، والتي تتمايز عن الأحزاب التقليدية التي لم تكن أحزاباً ايديولوجية، واتسمت بنزعة ليبرالية وإصلاحية بتغلغلها في أوساط الشعب وبناءها القواعد الشعبية والتنظيمات النقابية، والمنظمات الشعبية، وبخوضها النضال الشعبي المتعدد الأشكال من أجل التحرر من السيطرة الاستعمارية، وتجذير المسألة الديمقراطية، وتحقيق الوحدة العربية، ومقاومة الكيان الصهيوني. الثانية : خط المقاومة المسلحة التي اندلعت في عدة أقطار عربية، وبداية تسييس المؤسسة العسكرية من قبل هذه الأحزاب، وطرح المسألة الاجتماعية في رسم برامجها، كخيارات ايديولوجية أصبحت تشكل مركز استقطاب لقوى اجتماعية وطبقية جديدة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244