|
|||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:05 AM | |||||||
|
ثانياً:نموذج العراق
في معرض تحقيبنا لإرساء بعض أسس المجتمع المدني والدولة العصرية داخل الأقطار العربية التي اخضعت لمعاهدات انتداب رسمية مع احتفاظها بكيانها السياسي، ثم حصلت على استقلال شكلي مقيد، نحاول الآن التطرق إلى دراسة ما حصل في العراق منذ اندلاع ثورته العام 1920 إلى مرحلة انهيار الحكم المدني فيه " الذي يطلق عليه مجازاً " التجربة الليبرالية " التي طبعت المرحلة السابقة بطابعها، وظهور عصر هيمنة العسكر على الحكم، وتسارع من جراء السياسات التي اتبعوها ظهور الدولة التسلطية، التي عمت جميع المشرق العربي منذ أواخر الخمسينات وأوائل الستينات " (25).
كان العرق خاضعاً للحكم العثماني إلى فترة متأخرة، أي إلى أن تم القضاء عليه نهائياً عقب الحرب العالمية الأولى ... في غضون ذلك تأثر العراق بوجه عام، والحركة القومية بكيفية خاصة بحدثين مهمين كان لهما الأثر الكبير في تحديد مجرى الحياة السياسية في العراق، الأول انتصار الثورة البرجوازية الديمقراطية في تركيا التي عرفت بانقلاب جمعية الاتحاد والترقي في 10 تموز 1908، حيث اضطر السلطان عبد الحميد إلى إعلان الدستور القديم الذي قد علقه في العام 1878 / بعد سنتين من أعلانه، والثاني : اندلاع الحرب العالمية الأولى وخضوع العراق للاستعمار البريطاني خلال أعوام 1914-1921. ويكمن أهمية الحدث الأول، في أن الثورة البرجوازية التركية على الرغم من ضعفها وهشاشتها، إلا أنها حققت بعض الانجازات لعل أهمها هو العمل بالدستور، الذي كان أكثر ديمقراطية من دستور العام 1876/، بما أنه ضيق سلطات السلطان ومنح المجلسين حق الاجتماع بدون دعوة السلطان كما منح الأكثرية حق دعوة المجلس العمومي (مجلس النواب ومجلس الأعيان) لاجتماع طارئ، وسنت الحكومة قوانين تمنح الحرية للشعب دستورياً على الأقل. وهكذا، فإن شعار المساواة وتقييد سلطة السلطان سببا ازعاجاً شديداً لبعض العراقيين ذوي النزعة المحافظة، (26). الذين كانوا ينظرون إلى مفهوم " (المشروطية) برمته بقلق وتوجس (27).
لقد أثار برنامج جمعية الاتحاد والترقي (على الرغم من أنه لم يتم التقيد به) التي قادت الثورة هلعاً في أوساط طبقة " السادة " أو الذين يعرفون أيضاً باسم " الاشراف " في العراق لجهة أثر تطبيق الدستور - من جعل الحكومة مسؤولة أمام البرلمان، ومنح مجلس المبعوثان ومجلس الأعيان حق تشريع القوانين، ومساواة جميع المواطنين أمام القانون وفي الحقوق والواجبات دون تمييز في الأديان والأجناس، وحرية التعليم وتأليف الجمعيات وإصلاح حالة الفلاحين - على تحديث الامبراطورية العثمانية لذاتها عن طريق الاقتباس من الغرب. وكما يقول الأستاذ حنا بطاطو أن " أسوأ ما حصل لـ " السادة " جاء مع انفجار ثورة " تركيا الفتاة " في العام 1908 / وكان أكثر ما أثار قلقهم أن الثورة لم تكتف بتجذير الاتجاه نحو الحكم التركي المباشر بل بدت أيضاً منكبة على إلغاء الحصانات الضريبية (28)، و " إعادة تقسيم الأراضي بين الفلاحين من دون انتهاك حقوق أصحاب الأراضي " (29)، وإزاحة " السادة " من مناصبهم العليا (30)، وكان الأمر الأكثر جدية من أي أمر أخر هو هدم المفاهيم الاجتماعية القديمة وطرق التفكير القديمة، أي في الواقع، ذات النسيج الإسلامي الذي دعم حتى الآن موقعهم المميز وسيطرتهم الاجتماعية " (31).
وكان " السادة " أو " الأشراف " الذين يدعون أنفسهم أنهم من سلالة الرسول محمد، يشكلون الارستقراطية العراقية كجماعة منغلقة، في المدن العراقية الرئيسية، بغداد، الموصل، البصرة، والمتكونة من العائلات القديمة لكبار المسؤولين من أصحاب الأراضي والملاكين وأحفاد المماليك مثل عائلة الكيلاني في بغداد، والنقيب والباش أعيان البصرة، والسعدون في المنتفق.
وقد راكمت عائلات " السادة " أو الاشراف " ثرواتها من احتكارها الوراثي الطويل لبعض الوظائف كجباة للعشر ولضرائب الأعناق (الجزية) من الصابئة واليهود والمسيحيين في البصره، ومن احتلالها مراتب دينية مثل " السيد - العالم " الذي كان مرشداً لطريقة دينية، مثل السيد عبد الرحمن الكيلاني الذي كان في العام 1921 نقيباً للأشراف، ومرشداً للطريقة القادرية، ومالكا لعقارات كبيرة ،أو رئيساً للوزارة العراقية، ومثل السيد أحمدي خائفة مرشد الطريقة الباطنية النقشبندية في كركوك. كما أن هذه الثروة تراكمت من خلال ترأس المشايخ العشائريين العرب والبكوات والأغوات الأكراد أحلافاً عشائرية، باعتبارهم مجموعات كانت محاربة في قرون أبكر، حيث كانت للبسالة العسكرية داخل هذه الأحلاف قيمة كبرى، تؤهل دائماً صاحبها ليتسلم الزعامة السياسية داخل هذا الحلف العشائري أو ذاك. وقد لعب العثمانيون دوراً مهماً في تنمية السيطرة الطبقية لهولاء المشايخ وذلك من خلال " تحويل العثمانيين لكثير من المشايخ والبكوات والآغوات المسيطرين عن مواقعهم الأصلية كزعماء يأخذون الضرائب أو وكلاء لهؤلاء الزعماء إلى جباة ضرائب. أما العامل الثالث والأخير فهو تحويلهم إلى ملاك أراض عاديين بعد اِدخال " الطابو " في القرن التاسع عشر و " اللزمة " في القرن العشرين بما فيهما من نظام للملكية الخاصة. وبكلمات أخرى، فإن زعامة المشيخة كانت زعامة عسكرية متميزة بوضوح ومتوارثة بشكل متزايد، ولكنها كانت في مراحلها الأولى أبوية في جوهرها وليس فيها إلا القليل من صفات الموقع الطبقي هذا إلا عندما أصبحت العشيرة، التي كانت تعيش حرة قبلاً، أكثر ارتباطاً بالأرض. وازداد المظهر لموقع المشيخة صلابة في تمايزه مع ظهور المقاطعات الكبيرة، ومع تأجير أو تسجيل الأتراك لهذه المقاطعات، أولقرى بكاملها، باسم رئيس أو زعيم العشيرة وتبلور هذا المظهر أكثر فأكثر مع توقف الغزوات العشائرية وتنامى التجارة الزراعية واغتراب قرى أكثر وإقطاعات متزايدة الاتساع " باللزمة " للبكوات والأغوات والمشايخ (32) .
كما تجدر الإشارة هنا إلى أن العثمانيين هم الذين عبدوا طريق " السادة " أو " الأشراف " إلى الأرض والثروة من خلال منحهم صكوك بمساحات كبيرة من الأراضي من وراء ظهر العشائر التي تزرعها بدون مقابل أوبايجار شكلي، والهدف من ذلك هو استغلال نفوذهم وسمعتهم القدسية الدينية والعائلية لترويض الفلاحين وقمعهم، أو ضبط تمرد قوة المشايخ العشائريين. أن تملك الأراضي الشاسعة، وازدياد قيمة الثروة، واحتكار السلطة على التعليم، قد جعل من " السادة " أو " الاشراف " بالإ ضافة إلى أنهم علماء مرشدين للباطنية، شريحة طبقية قوية ذات نفوذ سياسي تجاه الحكام العثمانيين، واتجاه الشعب على حد سواء، وأكثر ارتباطاً بالسلاطين العثمانيين ...
لكن العراق المملوكي وحتى بداية العهد الملكي، كانت تتعايش فيه مجتمعات متمايزه ومنغلقه على ذاتها، ولا تربطها روابط قوية فيما بينها، ومتكونة من شرائح اجتماعية تختلف فيما بينها على قاعدة الاختلاف في تشكلها الطبقي ووظائفها التاريخية، هي على التوالي : فئة ملاك الأراضي من أغوات وشيوخ والعشائر، ومن السادة الحضريين، وملاك الأراضي من " العلماء " و رؤساء المذاهب الدينية المختلفة، وملاك الأراضي من رجال الدولة " الارستقراطيين "، وملاك الأراضي من الضباط الشريفين السابقين، ومن البنية العشائرية المسيطرة في الريف حيث الدور العسكري للعشيرة هوالذي يحدد الهرمية التراتبية العشائرية في داخلها إلى حد كبير. هذه الشرائح والبنى الاجتماعية لم تكن تشكل طبقات بالمعنى الحديث للكلمة، لأن الملكية الخاصة في إطارها التاريخي المحدد بالمجتمع الرأسمالي، والاقتصادي البضاعي، لم تكن تشكل الأساس المسيطر في هذا التراتب الاجتماعي، بحكم هيمنة الطابع العشائري في معظم الأراضي الزراعية والمراعي في العراق، وحتى على نطاق السكان الحضريين في المدن. لكن هذا لم يمنع من تطور البنى والمواقع الطبقية بسرعة في المدن، في حين أن العلاقات الطبقية في الريف العشائري ظلت أبوية الطابع قبل بداية عملية تفكك البنية الاجتماعية العشائرية. والحال هذه، فإننا نجد في ذلك الوقت انقساماً واضحاً وهوة واسعة بين عالمين منفصلين، عالم عرب المدينة، وعالم عرب العشائر. ولقد ترافق مع هذا الانقسام، انقسام آخر، وهو الانقسام الطائفي الشيعي - السني الذي كان أكثر حدة من الانقسام الاجتماعي، أي الانقسام الطبقي. ويقول حنا بطاطو في هذا الصدد، بأن الانشقاقات الحضرية قد وجدت " لنفسها تعبيراً في ظاهرة أخرى هي ظاهرة " المحلة " أو الحي المديني. وبكلمات أخرى، فأن المجموعات التي كانت تنتمي في مدن العراق إلى عقائد دينية أو طوائف أو طبقات مختلفة، أو كانت من أصول أثنية (عرقية) أو عشائرية مختلفة كانت تميل إلى أن تعيش في " محلات " منفصلة " (33).
إذن فبنية المجتمع المديني في العراق، كانت قائمة على أساس الانقسامات الدينية أو الطائفية، أو الأثنية (العرقية) أو العشائرية، داخل المدينة الواحدة، حيث كانت تشكل " المحلة " عالماً خاصاً لكل صنف اجتماعي من هذه الأصناف المذكورة. فالمدينة العراقية كانت مقسمة إلى عدة أحياء أو " محلات " منفصلة عن بعضها البعض، ومتنافرة فيما بينها. " فالمحلة " في المدينة، أو العشيرة في الريف، كانت تشكل ملاذاً للإنسان الفرد يحتمي بها وتعبيراً جزئياً عن النزعة الفطرية للحصول على الحماية خلال الاندماج الوحدوي في داخلها. وعلى سبيل المثال سنذكر هنا كيف كانت مدينة بغداد مقسمة إلى عدة " محلات " منفصلة، حيث كانت كل محلة لها طابعها السكاني المميز. " ففي الضفة الرئيسة لبغداد، وهي الضفة الشرقية عاش الشيعة في الدهانة وصبابيغ الآل والقشل، وسوق العطارين وأحياء أخرى. وعاش معظم اليهود في التوراة وتحت التكية وأبو سيفين وسوق حنون. وعاش المسيحيون في عقد النصارى ورأس القرية. وكان السنة يشغلون جزءاً كبيراً من بقية أحياء القسم الشرقي من المدينة. ولكن هذا الجزء كان مقسماً على أسس أخرى، فكان الميدان موطناً للعسكريين الأتراك. والحيد رخانة موطناً للعائلات " الارستقراطية " وكبار المسؤولين ودكان شناوة موطناً للموظفين الأدنى مرتبة، والقسم الداخلي من باب الشيخ موطناً للحرفيين، وكانت الأطراف الخارجية من باب الشيخ موطناً لصغار الضباط البغداديين من ذوي الأصول المتواضعة ولعناصر أخرى. وعاشت شريحة كبيرة من الكسبة أيضاً في باب الشيخ ودكان شناوة، كما عاش هؤلاء في مناطق أخرى كذلك. والظاهرة نفسها ميزت ضواحي بغداد، فالكاظمية، التي تضم ضريحي الأماميين الشيعيين السابع والتاسع، لم تكن مسكونة إلا بالشيعة وكان فيها تمركز كبير للفرس، في حين أن الأعظمية التي تستمد وجودها من وجود ضريح " أبو حنيفة" المشرع السنّي وعالم الدين الكبير، وتقع على الضفة المقابلة من دجلة مع ما فيها ذلك من رمزية، كانت تقتصر في سكانها على السنة، وكان يقطن معظمها المنحدرون من عشيرة عبيد العربية " (34).
ولم يقتصر هذا الانقسام إلى محلات مدينة بغداد لوحدها، بل هو انقسام شامل للمدن العراقية، وكثير ما كانت هذه المحلات متباينة في موقفها من عدة مسائل اجتماعية، ووطنية. ففي مدينة النجف كانت محلة البراق قد أقرت لنفسها دستوراً في العام 1915 يعكس مستوى التفكير السياسي والاجتماعي لسكان هذه المحلة، وبالتالي لمعظم سكان محلات المدن العراقية، غير أن بنية هذا المجتمع العراقي التقليدية، ستشهد تخلخلاً وتفككاً حقيقياً نتيجة التأثيرات المختلفة للتطورات الداخلية والخارجية، التي عرفها العراق مع بداية القرن. فلقد نمت المصالح التجارية البريطانية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك عبر ادخال وسائط النقل الحديثة ذات الدفع البخاري إلى نهر العراق، وبخاصة الدجلة والفرات، اللذان كان تبحر فيهما السفن التجارية لنقل السلع والمواد الغذائية، الأمر الذي أسهم في تحقيق تقدم ملموس على صعيد الاعتماد المتبادل بين عالم المدن وعالم العشائر. وفضلاً عن ذلك، فإن ادخال وسائط النقل الحديثة قد ربط الحركة التجارية في العراق مع السوق البريطانية والأسواق الأجنبية الأخرى، كما ربط العراق بالاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي كان مركزه في أوروبا الغربية آنذاك. ولاشك أن هذه العملية قد نقلت العراق من اقتصاد الكفاف إلى بداية التوجه نحو اقتصاد السوق والانتاج السلعي الرأسمالي، كما أصبحت الشركات البريطانية هي المتحكمة في وسائط النقل النهرية، خصوصاً مع افتتاح قناة السويس في العام 1869، وهو ما قاد إلى تدفق السلع الصناعية البريطانية إلى السوق العراقية، وبخاصة السلع القطنية والصوفية، الأمر الذي أدى إلى ضرب الصناعات التقليدية العراقية، وإلى بداية انغراس النفوذ البريطاني في العراق، الذي تحول إلى احتلال مع نزول القوات البريطانية في بداية الحرب العالمية الأولى، وما رافقه " من عملية تحويل البلاد إلى تابع اقتصادي للامبراطورية البريطانية ".
أما التطور الثاني والمهم هو تطور الحركة القومية العربية في العراق خلال العهد العثماني، وبشكل أدق منذ اندلاع ثورة تركيا الفتاة في العام 1908، وبداية تشكل الأحزاب السياسية الحديثة، وتزايد عدد الشباب العراقيين الملتحقين بمدارس التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي، فضلاً عن التحاق عدد من الطلاب بالأكاديمية العسكرية في استانبول، وانتشار الكتب، وإصدار المحلات، والصحف، وكل هذه التغييرات الجديدة أسهمت في تغيير العقليات داخل المجتمع العراقي التقليدي، وفي تعريض قسم من الانتلجنسيا العراقية لنمط التفكير الأوروبي.
وتكمن أهمية الثورة البرجوازية التركية التي قادتها جمعية الاتحاد والترقي، والتي مثلت انتصاراً للطبقة الوسطى التركية ورأس حربتها المؤسسة العسكرية التي تنتمي إليها، كونها أعلنت الدستور، بصرف النظر عن أن الاتحاديين لم يلتزموا بتطبيقه، إلا أنه أسهم في بداية نشر الوعي الدستوري والأهداف الدستورية داخل المجتمع العراقي، هذا أولاً. أما ثانياً، فإن بروز الميول الرجعية والقومية الشوفينية لجماعة " تركيا الفتاة " التي بدأت تمارس سياسة التتريك في العراق، وتضطهد العرب الذين اخلصوا لها، قد أفسح في المجال للحركة القومية العربية لكي تطالب بالحكم الذاتي وتنمي عندها النزعات الاستقلالية. وثالثاً، إثارت الثورة البرجوازية التركية أولى الانقسامات داخل المجتمع التقليدي العراقي، في أبعادها السياسية والايديولوجية والفكرية، حيث تشكلت المعارضة التقليدية المحافظة من طبقة " السادة " المتكونة من كبار الملاكين العقاريين وبعض الزعماء الدينيين، التي تدافع عن مصالحها الطبقية وامتيازاتها الاجتماعية والتاريخية، وتعادي الدستور، وتدافع عن المؤسسات الاجتماعية والدينية والسياسية التقليدية، وكان يقف على رأس هذا المعارضة عبد الرحمن الكيلاني " النقيب " الذي قال حين احتل البريطانيون العراق " أني اعترف بانتصاركم، وعندما سأل عن رأيي في استمرار الحكم البريطاني أجيب: أنا تابع للمنتصر " (35)، وبالمقابل تشكلت فئة الانتلجنسيا العراقية الجديدة المنحدرة من الطبقة الوسطى ذات الميول والولاءات الجديدة للقومية العربية. ومع تزايد الصراع بين المعارضة التقليدية وفئة الانتلجنسيا الجديدة، الذي اتخذ شكل صراع ايديولوجي وسياسي، نما الوعي السياسي القومي الجديد في أوساط الشعب العراقي، وإن كان هذا الوعي القومي الجديد لم يجسد قطيعة راديكالية مع التقليد، ولم يستطع أن يصف مواقع القوى المحافظة التقليدية، بل استمر في التعايش ضمن إطار الصراع مع الوعي التقليدي والتـأخر التاريخي، علماً بأن هذا الصراع كانت مادته الرئيسة هي المسائل الأساسية للقومية الحديثة، ولموقع الدين في المجتمع، والعلمانية، والحرية السياسية، والولاء في الدولة الحديثة، وهي كلها مواضيع تتعلق أساساً ببداية إرساء مقومات المجتمع المدني الحديث...
وبالفعل، شكلت الأحزاب السياسية الحديثة اللبنة الأولى في بناء هذا المجتمع المدني، على الرغم من أن هذه الأحزاب كانت امتداداً وفروعاً للاحزاب التي تشكلت في تركيا. غير أنه مع تنامي المعارضة العربية لسياسة التتريك التي كان يمارسها الاتحاديون، وازدياد حدة التناقض القومي بين العرب والترك، اقتنع القوميون العرب في العراق مع مرور الزمن " بالتخلي عن ارتباطاتهم بالأحزاب السياسية التركية، وتشديد مطالبهم القومية باللامركزية، بدلاً من مجرد المساواة. وهكذا تشكلت جمعية جديدة في أواخر 1912 تحت اسم " جمعية النادي الوطني " كانت ذات طابعّ قومي عربي أكثر راديكالية وجرأة. وكان يسند هذه الجمعية الجديدة أيضاً يوسف السويدي وطالب باشا، وسرعان ما ارتبطت بجمعية الاصلاح في البصرة (التي شكلها طالب باشا في 28 / فبرير 1913 ). وفي الواقع تبنت جمعيتا البصرة وبغداد برنامج حزب اللامركزية العثماني وأصبحتا فرعين بارزين له " (36).
إن بروز ظاهرة تشكل الأحزاب السياسية من قبل المثقفين المنحدرين من عائلات ثرية جداً في قسم منها، ومن العائلات المتواضعة في قسم آخر، ومن الضباط العاملين في القوات المسلحة التركية، قد ارتبط مباشرة بنمو الحركة القومية العربية في العراق مع بداية تفكك الولايات العربية في الامبراطورية العثمانية، لكن هذه الأحزاب الحديثة لم تكن تستند إلى حامل اجتماعي طبقي فاعل حقيقي، ونعني به الطبقة البرجوازية العراقية. فهذه الطبقة كانت ممثلة بفئة كبار التجار والملاكين العقاريين الذين كانت مصالحهم الطبقية بالذات تجعلهم مرتبطين بالغرب الاستعماري، باعتباره نموزجاً للتقدم الاجتماعي، لابالدفاع عن وحدة السوق الوطنية، على الرغم من تبنيهم للاتجاه القومي العربي الذي كان ربما موالياً للبريطانيين بسبب تناقضهم مع الاتراك. وفي ظل هذا الغياب للطبقة البرجوازية الكلاسيكية الصاعدة، كطبقة اجتماعية حاملة لنظام انتاجي بالمعنى الدقيق، يقود إلى انتقال العراق على المستوى الاقتصادي من نمط انتاج " اسيوي " أساساً إلى نمط انتاج صناعي تجاري، لم تقدم الحركة القومية العربية في العراق الاطروحات الفكرية والسياسية حول الحداثة، وفكرة الديمقراطية، والمجتمع المدني الحديث، باعتبارهما تعبيرين عن دفاع البرجوازية عن حريتها ومصالحها القومية، وسلاحين مهمين في صراع هذه الطبقة ضد بقايا الاقطاعية، والحياة العشائرية والبدوية، والاستبداد الشرقي بصورة عامة، وركيزتين أساسيتين لبناء الدولة الحديثة القائمة على فكرتي الوحدة القومية - والعلمانية.
وستشهد الحركة القومية العربية انقساماً جديداً مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، والاحتلال البريطاني للعراق العام 1914، بسبب المواقف المتباينة لمختلف التيارات السياسية المكونة لهذه الحركة القومية، بشقيها العامل في داخل العراق نفسه، وخارجه، من المسألة الوطنية، وقضية الاستقلال، وردات فعلهم غير الموحدة.
فهناك اتجاه من القوميين العرب ممثلاً بحزب العهد في بغداد، وطالب باشا في البصرة، وسليمان فيض، ونوري السعيد. وكان هؤلاء الزعماء المحليون محافظين وتقليدين، وينتمون إلى الطبقات التقليدية في المجتمع، فضلاً عن أنهم كانوا على استعداد للتعامل مع السلطات الاستعمارية البريطانية، بل أنهم كانوا أداة لتطبيق هذه السيطرة، ويتجسد موقعهم من المسألة الوطنية من خلال استعدادهم الدائم للتفاهم مع الاستعمار البريطاني، ذلك أنهم كانوا يطالبون باستقلال العراق، ولكن مع بقاء الحماية البريطانية، وهم بهذا الموقف كانوا يزاوجون بين خدمة مصالحهم الطبقية والمصلحة الوطنية، معتبرين أن طريق الاستقلال لايمكن أن يكون إلا عبر التسوية السياسية لا عن طريق المواجهة المباشرة للمستعمر" ففي نظر " سادة " البصرة - ونظر ملاكي الأراضي فيها ككل - مثل النظام البريطاني " سلامة وأمن الأملاك ". والسيد طالب النقيب، الذي كان قد رفع في أيام الأتراك الشباب راية الحكم العربي الذاتي، صار يطلق صوته الآن تكراراً معبراً عن تأييده " الانتداب " البريطاني " (37).
كما دعا نوري السعيد إلى " خلق حكومة مدنية وطنية على الفور ". إلا أنه كان ذلك بالخضوع لـ (أشراف الاحتلال). وفضلاً عن ذلك، أكد نوري على أيمانه بـ " روح الزمالة مع الانكليز "، وحرصه على " متابعة السير في طريق الولاء والتعاون مع الانكليز ". كما أنه أعرب عن عزمه " على وضع حد لكافة النوايا التي تتجه إلى تجديد الارتباط بالأتراك ".. (38).
وكان هذا الاتجاه مطبوعاً بطابع غربي، وانضم إلى الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى، آملاً، بعد الحرب، أن يحقق الاستقلال السياسي للعراق، حيث كان للبريطانيين مصلحة في أن يخوض العرب الحرب ضد تركيا. وقد لعب هذا الاتجاه دوراً مهماً على صعيد إرساء نظام ملكي ذي شكل برلماني ديمقراطي في مرحلة السيطرة الاستعمارية غير المباشرة على العراق لاحقاً.
أما الاتجاه الثاني من القوميين العرب ذي الطابع الإسلامي الإصلاحي، فقد كان معادياً للاستعمار البريطاني، وقرر الانضمام إلى تركيا خلال الحرب العالمية الأولى. وكان هذا الاتجاه يطالب بالاستقلال التام للعراق غير المقيد بأية تنازلات أو خضوع للاستعمار البريطاني. وكان هناك اتجاه الضباط العراقيين من جهة ثالثة، الذين انحدروا من أصول اجتماعية فقيرة ومتواضعة في معظمها، واعتبروا الالتحاق بالكليات العسكرية والجيش العثمانيين، هوالطريق الأسلم نحو تحقيق صبوة اجتماعية جديدة. وقد تأثرت هذه الفئة من الضباط بالأفكار القومية العربية التي كانت تدعو إليها الجمعيات العلنية والمنظمات السرية المتمركزة في الأستانة.
إن ميزة هذه الفئة من العراقيين التي تلقت تعليماً حديثاً وتكويناً عسكرياً أكاديمياً، واسهمت بشكل رئيس في تأسيس التنظيم السياسي القومي الأكثر فعالية في العراق ماقبل الاستقلال أي حزب العهد، وانخرطت في الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين، واشتركت مع فيصل في الحكم أبان استقلال سوريا القصير الأمد، " تختلف عن الشرائح الأخرى من الطبقة الوسطى في ناحيتين مهمتين على الأقل : أولاً، أن أعضاءها كانوا من غير ذوي الملكيات ومعتمدين كلياً على رواتبهم، وثانياً، أنهم كانوا ملتزمين بالثقافة والتقاليد العسكرية ... وفضلاً عن ذلك فإن الضباط العراقيين، لكونهم فئة غير متملكة، قد تمتعوا بدرجة كبيرة من الاستقلال الاجتماعي تجاه الأقسام الأخرى من المجتمع، وعندما يتعامل المرء مع العوائل الثرية في المدن العرقية، ومع شيوخ العشائر وعلماء الدين، يسهل عليه ملاحظة الأثر العميق، المحلي والوطني، لظروفهم الأجتماعية الاقتصادية على سلوكهم السياسي " (39). إن هذا الموقع المتواضع على صعيد الانتماء الطبقي، سيكسب الضباط العراقيين مرونة أكبر واستقلالية نسبية في تحديد موقفهم السياسي إزاء المسألة الوطنية، بالمقارنة مع باقي فئات وطبقات المجتمع الأخرى المتكونة من كبار الملاكين العقاريين، ورجال الدين، والعائلات الثرية، وشيوخ العشائر، الذين جسدوا التحالف القومي - الديني العشائري، إن كان لم يستطع أحراز السيطرة الفعلية على الدولة. وعلى النقيض من ذلك، فإن النخبة العسكرية العراقية المنخرطة في الحركة القومية العربية، كانت قضية السيطرة على الدولة تشكل بالنسبة إليها قضية مركزية، على الرغم من الميول والنزعات التي كانت تتقاذفها بين طابعها القومي العربي، وعواطفها الإسلامية العثمانية، ومعاداتها للإستعمار الغربي - وقد جاءت الثورة الهاشمية، التي كانت قيادتها السياسية محافظة تقليدية ومتحالفة مع الانكليز على أمل أن تنال الاستقلال السياسي، وتأسس الدولة العربية الموحدة، والذي كان برنامجها السياسي فضفاضاً محافظاً، وليس برنامجاً راديكاليا يطرح قضية انتزاع الحقوق القومية العربية خارج سياق السيطرة الاستعمارية البريطانية، لتزيد من تعميق الانقسامات داخل فئة الضباط العراقيين، الذين تحلقت قيادات منهم حول الشريف حسين، خصوصاً أولئك الذين كانوا أسرى لدى الانكليز، فإن ظلّ قسم من، هؤلاء الضباط لايثق بالانكليز ولابقيادة شريف حسين. وقد تولد عن هذا الانقسام تياران داخل فئة الضباط، تيار راديكالي يدعو إلى مقاومة الاستعمار البريطاني عن طريق ممارسة العنف، بسبب من تنصل بريطانيا وخيانتها لالتزاماتها العربية، وتيار معتدل كان يقوده نوري السعيد قائم على أساس المساومة مع البريطانيين، واستخدام الأساليب السياسية الأقناعية لتغيير أو تعديل السياسة البريطانية، إزاء المسألة الوطنية العراقية، حيث كان هذا التيار ينادي بإقامة حكومة دستورية نيابية، ولكن بموافقة البريطانيين. ويلخص موقف نوري السعيد وجعفر العسكري هذا الرأي، حيث كانا يعتبران أن بريطانيا هي " الحليف الرئيس للقضية العربية، فبدون مساعدة بريطانيا، لم يكن من الممكن تحقيق استقلال العرب، ذلك أن العرب لوحدهم كانوا عاجزين عن تحقيق الاستقلال أو تحمل أعبائه. ويستمر جعفر في تلخيصه للاتجاهات القائمة بين الضباط القوميين قائلاً " .... إن قلة من المتطرفين الشباب يعتقدون أنهم يستطيعون إدارة البلاد بدون مساعدة أجنبية ويعارضون كل انتداب على الإطلاق، إلا أن البقية مستعدون لقبول الانتداب شريطة أن تكون النوايا (البريطانية) مخلصة اتجاه الدولة العربية" (40).
على أي حال، هذا هو واقع الاتجاهات الرئيسة العاملة داخل الحركة القومية العربية في العراق عشية اندلاع ثورة الشعب العراقي في 20 حزيران العام 1920 ضد الاحتلال البريطاني، ومن أجل المطالبة بالاستقلال. ولقد كرّست هذه الثورة لأول مرة في تاريخ العراق الحديث الوحدة الوطنية، حين تفادى القوميون أي صراع طائفي من شأنه أن يقود إلى مزيد من التفتيت الداخلي، ويخدم مصلحة المستعمر البريطاني، فضلاً عن أنها نجحت لأول مرة منذ قرون عديدة في تحقيق الاندماج بين السنة والشيعة معاً على قاعدة الانخراط في العمل الوطني الشعبي لمقاومة البريطانيين. وكان هذا التطور في التقارب بين عشائر الفرات الذين تضرروا من سياسة تنظيم البريطانيين لتدفق المياه، وأثر هذه السياسة على إلحاق الأذى بالاقتصاد المحلي وبين سكان مدينة بغداد، وفي الاحتفالات الدينية التي كانت تقام في كل مساجد السنة والشيعة بالتناوب، والتي في جوهرها تعبر عن مضامين سياسية معادية للبريطانيين، سواء من منطلقات دينية مضاده للمستعمر " الكافر " أم من منطلقات وطنية بحته، هذا التطور قد أسهم إلى حد كبير في انخراط جماهير واسعة من الفلاحين العشائريين في صفوف الثورة، وفي اذكاء وتقوية الوعي الوطني في صفوفها، الأمر الذي أدى إلى خلخلة الموقع التاريخي لطبقة " السادة " أنفسهم الذين يمارسون سياسة الاحتكار المطلق على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي داخل العراق، وإلى ضرب مواقع الاستعمار البريطاني.
هل نستطيع أن نطلق على هذه الثورة أنها أطلقت سيرورة جديدة، ونمواً صعباً ومتجانساً، لمجتمع مدني عراقي حديث ؟.
إن الثورة العراقية بصرف النظر عن الآراء المتباينة في عملية تقييمها من حيث منطلقاتها ودوافعها والقوى المحركة الرئيسة لها. كانت ثورة تعبر عن تنامي المسألة الوطنية والقومية عند الشعب العراقي، لكي تصبح هي الرافعة الحقيقية والواقعية السياسية التاريخية لحل باقي المسائل الأخرى، ولعل أهمها المسألة الديمقراطية في تلازمها مع بناء المجتمع المدني الحديث، الذي يحقق الوحدة المجتمعية المتماسكة لجميع الطوائف والاثنيات المتعايشة في المجتمع العراقي، على قاعدة بناء المواطنية الحرة، واحترام هوية الآخر في إطار الاختلاف والتعدد، وتحقيق الاستقلال التام للعراق.
ولاشك أن هذه الثورة التي أسهمت في تغيير استراتيجية الامبريالية البريطانية الخاصة بالعراق من استعمار مباشر إلى استعمار غير مباشر، وذلك خلال تأسيس الملكية الهاشمية في العراق العام 1921، بقيادة الملك فيصل، وتكوين الدولة العراقية الحديثة، في ظل تراجع الحركة القومية العربية عن تحقيق أهدافها وبخاصة هدف الوحدة العربية، حين رضيت بالكيانات القطرية المشرقية (العراق، سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين)، التي تأسست على قاعدة اتفاقات سايكس بيكو الانكلو - فرنسية، لم تحقق كل الأهداف الفعلية للمسألة الوطنية العراقية حتى بطابعها القطري. ذلك أن الملكية في العراق، التي تقف على رأسها ملك عربي هاشمي، كانت في جزء منها صنيعاً بريطانياً، وفي الجزء الآخر نتاج الانتخاب الشعبي، وحتى حكومة فيصل العربية التي أقامت النظام الملكي الدستوري، وأنشأت مجلساً نيابياً منتخباً، ودستوراً للبلاد، عملت على المحافظة على المعادلة الصعبة أي " المحافظة على هيمنة النفوذ البريطاني " من جهة، و" ضرورة إرضاء غالبية السكان والعناصر الوطنية بوجه خاص "، من جهة ثانية .
لقد كانت لثورة العشرين أهمية كبرى في بداية تحقيق تماسك المجتمع السياسي للعراق، ليس فقط من خلال التقارب والترابط السني - الشيعي، واندماج الشيعة في الجسم السياسي العراقي " بل أيضاً بحل ناجح لنزاع تاريخي كان كامناً في أساس الكثير من الانقسامات المثيرة للاضطرابات في المجتمع العراقي، الا وهو النزاع المزدوج بين العشائر والمدن النهرية من جهة، وفي ما بين العشائر نفسها من جهة ثانية، حول الأراضي السهلية المنتجة للغذاء على ضفتي دجلة والفرات " (41).
فخاصية المجتمع المدني في العراق تبدأ مع طرد ونفي هذه الصراعات بين العشائر والمدن، وفيما بين العشائر نفسها، باعتبار ذلك يمثل بذرة أية وحدة مجتمعية مدنية متماسكة، ومع ضرب سلطة العشيرة المتخلفة، وبالتالي مع اقحام العراق ضمن مسار حركة التقدم التاريخي التي تقود إلى نهوض المدن مجدداً وبداية تفكك وانحلال النظام العشائري. وفي هذا المجال لايجوز أن ننكر دور التحديث الكولونيالي الذي أقامه البريطانيون في العراق، سواء في مجال الإدارة والري والزراعة، أم في مجال إقامة الدولة الحديثة، على الرغم من أن هذا التحديث المزدوج كان يخدم المصالح الاستراتيجية لبقاء الاستعمار في سيرورة انتقاله من استعمار مباشر إلى استعمار غير مباشر. غير أن هذا التحديث الكولونيالي المزدوج، عمل من جهة أخرى على تعزيز سلطة شيوخ العشائر خارج المدن الذين كانوا في السابق " مسنودين بالذهب البريطاني وبالحرب البريطانية" (42).، وأصبحوا الآن يمتلكون ميليشيات مسلحة تحميهم هم وممتلكاتهم وتشكل في الوقت عينه سلطة قمعية متسلطة على رقاب الفلاحين، وتلقب هذه المليشيا المسلحة المرتبطة بالشيوخ (الحوشية ). إذن فالتحديث الكولونيالي لم يكن يهدف إلى تفكيك بنية النظام العشائري في الريف العراقي، والوحدة العشائرية، حيث أن المستفيدين بشكل رئيس من هذه النظام هم الشيوخ الذين يمارسون سلطة استبدادية بالوراثة. بل إن السياسة البريطانية في تعاطيها مع الريف العشائري شكلت خطوة تراجعية إلى الوراء، باعتبارها سياسة تهدف إلى المحافظة على زعماء العشائر، ودعمهم، على الرغم من جهلهم، وضيق أفقهم، وتخلفهم الشديد، في سبيل استخدامهم كقوة معرقلة فعلية، لممارسة ضغوطاتها على حكومة الملك فيصل التي كانت متناقضة إلى هذا الحد أو ذاك مع مشروع الانتداب البريطاني على العراق. ويذكر لنا حنا بطاطو في استشهاداته المتعددة كيف أن روساء العشائر كانوا يدفعون عن مشروع الانتداب البريطاني في مواجهة حكومة فيصل، فقد " قام الشيخ عدي الجريان من البوسلطان، ومعه خمسة عشر شيخاً آخر من شط الحلة، بالاحتجاج بشدة في برقية أرسلت إلى المندوب السامي تعلن " الدعم لمشروعه المفيد الذي من دونه لايمكن للعراق وأبنائه أن يحققوا التقدم " (43).
ومن ناحيتهم، أعلن مشايخ بني ربيعة أنهم ينظرون " باشمئزاز حقيقي إلى احتمال سحب الاشراف البريطاني " (44)، وأكثر من ذلك، فإن على سليمان، من الديلم، ومعه أربعون رئيس عشيرة آخرون، ذكروا الملك فيصل في لقاء معه، ومن دون خجل " بأن أقسموا على الولاء شرط أن يقبل بالتوجيه البريطاني" (45).
وهكذا، فإن سياسة التحديث الكولونيالية ذات الطابع المزدوج كانت تعتمد بشكل رئيس على القوى المعادية لولادة المجتمع المدني الحديث في العراق، أي سلطة شيوخ العشائر التي أصبح البريطانيون يستغلونها ليس في نطاق موازنتها بسلطة الملك فقط، باعتبار ذلك جزء من سياسة التوازن التي انتهجوها في العراق، وإنما أيضاً وهذا هو الأخطر ، في استخدام هذه القوة المعادية، في محاربة القوى السياسية والاجتماعية الحديثة التي ظهرت في المراكز المدنية العراقية، التي تحارب الاستعمار البريطاني غير المباشر. والحال هذه، فإن قوة شيوخ العشائر المستقوية بواسطة الوجود البريطاني، والمستفيدة على الصعيد الاقتصادي من عدة امتيازات كحيازة الاراضي، والاعفاء من دفع ضريبة الأملاك، وتلقس الرشاوي والهدايا على خدماتهم، كانت تمثل قوة معادية متناقضة جذرياً مع فكرة بناء المجتمع المدني الحديث، وإرساء دعائم الدولة العصرية.. وكانت تنافس سياسياً سلطة حكومة الملك فيصل، التي كانت تنتهج سياسة ليبرالية، ولديها وعي قومي بضرورة بناء المجتمع الموحد في العراق، وتحجيم سلطة الاقطاعيات المحلية، بهدف تعزيز مواقعها التفاوضية مع سلطة الانتداب البريطانية.
وبالمقابل، هل كانت حكومة فيصل تمثل نهجاً حديثاً، وتقوم بعملية تحديثية ضمن هذا المجتمع العراقي التقليدي يقودان إلى تجاوز فعلي للبنى العشائرية الموروثة، وللتأخر التاريخي في ميداني الفكر السياسي والتنظيم الاقتصادي الاجتماعي؟.
علينا أن نعترف بأن الفئات الحاكمة التي وصلت إلى السلطة في العراق ممثلة بكبار الملاك للأراضي، والبرجوازية التجارية المدينية، والفئات الكمبرادورية المرتبطة بالمصالح الأجنبية، والعائلات الثرية في المدن، والضباط الشريفيين، والأعيان المنضمين إلى حزب العهد، وشيوخ العشائر الاقطاعيين، لم تكن تشكل طبقة برجوازية موحدة، تحتل مكاناً تاريخياً في نظام الانتاج الرأسمالي، وبالتالي تمتلك القدرة على تصفية الحسابات مع قوى المجتمع القديم والنظام العشائري، وتقود النضال الجذري ضد الاقطاعية والاستعمار البريطاني، بل هي تمثل فئات معارضة إصلاحية تبوأت صدارة العمل السياسي في الصراع من أجل انتزاع الحقوق العربية بواسطة الاصلاحات في ظل السيطرة العثمانية، أولاً، وفي ظل الاستعمار البريطاني لاحقاً. وفضلاً عن ذلك، فإن هذه الفئات الحاكمة لم تحكمها ايديولوجية متجانسة، ولا كانت معنية بخلق إيديولوجية بورجوازية قومية جديدة تشكل عاملاً ضرورياً ومهماً في تطورها التاريخي. وفي ظل غياب هذه الايديولوجية الجديدة، وبالتالي غياب البرنامج السياسي الراديكالي، الشرطان الرئيسيان اللذان تستخدمهما الطبقة البرجوازية لحل القضايا التاريخية الخاصة ببناء المجتمع المدني، والدولة العصرية، ظلت هذه الفئات الحاكمة تستخدم مزيجاً توفيقياً من الايديووجية القديمة والايديولوجية " الليبرالية"، لاطبقاً للواقع الغربي، وإنما بعد أن أفرغتها من الأفكار الديمقراطية والعلمانية والقومية الثورية، لأنها كانت تخشى الأعمال الثورية التي تضعها في صراع مكشوف وجهاً لوجه مع البنية الاقطاعية والقبلية والعشائرية ومع الاستعمار البريطاني، من أجل حل القضايا الجديدة المتعلقة بالمسألة الوطنية، والاستقلال السياسي والاقتصادي التام خارج سياق التبعية الكولونيالية، وتحديد نمط المجتمع المرجو بناؤه، وبالتالي تقديم الرؤى والتصورات الراديكالية لحل مسألة طبيعة الدولة ومؤسساتها الدستورية، وكذلك بناء المجتمع المدني في تناسقه مع هذه الأخيرة. ويقول الدكتور خلدون حسن النقيب في معرض تحليله لهيمنة الايديولوجية التوفيقية بأجنحتها الثلاثة العلمانية، والليبرالية، والقومية، على صعيد سلطة الدولة في العراق، وفي مصر، وسوريا، ومن أنها " قد وصلت إلى الهيمنة والنفوذ ليس لكونها ممثلة لمصالح الملاك والتجار، ولذلك قامت هذه الفئات بدعمها، وإنما لأنها لم تتعارض مع مصالح الملاك والتجار، ولأنها تناسبت وتزامنت مع التطلع إلى الغرب، وظهورالكيانات السياسية الحديثة (الدولة - القومية، الأحزاب ...إلخ) تحت تأثير إدارات الانتداب الاستعمارية والدول الكبرى (46). وهناك فرق بين التزامن وعدم التعارض وبين الدعم والتمثيل الطبقي ويجب ألا تغيب أهميته عن القارئ (47).
على الرغم من أن حكومة الملك فيصل ذات الأصول غير العراقية، (بحكم أن الموطن الأصلي لفيصل هوالحجاز )، كانت مدينة للاستعمار البريطاني، الذي أصبح يحكم العراق في مرحلة الانتداب بواسطتها، عملت على بناء المؤسسات الدستورية، والجهاز البيروقراطي الموروث عن الاستعمار، وعلى الرغم من وجود نخبة سياسية محلية متنورة " ومطبوعة بالطابع الغربي " تطمح إلى بناء دولة حديثة ومجتمع مدني، إلا أن طبيعة القوى التقليدية والزعماء التقليديين المحافظين الخاضعين للهيمنة البريطانية من جهة، والفسيفساء الاجتماعي الذي تهمين عليه ايديولوجيا تقليدية من جهة ثانية، جَعَلا من العملية السياسية لبناء شكل حديث للسلطة، وبالتالي بناء نظام سياسي جديد للدولة معاصر، عملية نخبوية تفتقر إلى قنوات مناسبة لنشر الوعي الديمقراطي، وتحقيق المشاركة الشعبية في الحياة السياسية. وقد انعكس ذلك في بنية الأحزاب السياسية المختلفة، التي لم تكن في واقع الأمر سوى مؤسسات تهيمن عليها نخب مستبدة قمعت كل توجه ديمقراطي، وحالت دون مشاركة جماهيرها الحزينة ذاتها في تقرير سياساتها ، ورسم برامجها، وهو مايعكس الطابع الجوهري العام للحياة السياسية العربية. ذلك أنه تحت القشرة الايديولوجية الهشة لتلك الأحزاب كانت تثوي الايديولوجية التقليدية ، والمصالح الفئوية، وروح المجتمع القديم التي عجزت تلك الأحزاب عن تحقيق قطيعة معرفية وسلوكية معه، وبالتالي لم تكن هذه الأحزاب والنخب الحاكمة الحاضنة السياسية لفكر تنويري، قومي، أو اشتراكي، أو ديني، وبالتالي لم تكن حاضنة لبذور العقلانية، والحداثة، والمجتمع المدني.
الاستعمار الغربي بحكم طبيعته ذاتها بوصفه تعبيراً عن مجتمع حديث، وحضارة كونية بازغة، أرسى في أماكن تواجده بعض مقوماته، وبذور المجتمع المدني لاسيما العقلانية، والديمقراطية البرلمانية، والنظام البيروقراطي الحديث، والقومية، بصرف النظر عن تعارض هذه البذور والعناصر مع مشروعه الاستعماري القائم على اخضاع الاقتصاد اخضاعاً تاماً لمصالح الدولة المستعمرة، وتعزيز البنى التقليدية القبلية والأثنية والدينية عبر ترسيخ حقوق الملكية لدى شيوخ العشائر وأعيان المدن، الأمر الذي قاد إلى خلق " طبقة عليا " في العراق، وغيره من البلدان شبه المستعمرة. إن تلك العناصر والبذور الليبرالية مالبثت أن تجسدت في مرحلة الانتداب البريطاني، ولاحقاً الاستقلال الوطني في مؤسسات سياسية وثقافية، حديثة كانت تحمل أمكانية النمو والتقدم. وأبرز هذه البنى السياسية والثقافية، البرلمانات، والصحافة الحرة، والأحزاب السياسية، والنقابات، والدولة الحديثة القائمة على المؤسسات، إلا أن العامل الأهم لكبح نمو المؤسسات كان الطابع التقليدي والمتناقض للقوى الاجتماعية الممسكة بزمام السلطة، والمهيمنة على الحياة السياسية. تلك الفئات التي أدت سياساتها، واتجاهاتها الفكرية والايديولوجية وعلاقاتها الداخلية والخارجية إلى ظهور الدولة التسلطية التي ستجتث، أو ستنزع من المجتمع أهم عناصر الحداثة الكولونيالية، حيث يشكل نظام حكمها كما يقول الدكتور هشام شرابي " مزيجاً من نظام الرعاية والجهاز البيروقراطي الموروث عن الاستعمار الذي تتصف به الدولة البطركية الحديثة. وهو، بالنسبة إلى المواطن، شيء خارجي مفروض عليه وضده.
ومشاركته الحرة في الشؤون العامة أمر مستحيل، حتى لو كان الدستور يضمن له ذلك. وإذ يجد المواطن نفسه معزولاً ومغترباً عن ذاته، ينكفئ على نفسه ويلتجئ إلى البنى الاجتماعية الأولية (العائلة أوالقبيلة أوالطائفة الدينية) ليضمن أمنه وبقاءه ". (48).
ليس من شك أن حكومة الملك فيصل كانت حكومة " دستورية، وتعمل ضمن حدود القانون "، لكن الفئات والقوى الاجتماعية التي كانت متنفذه فيها هي من طبقة " السادة " بشقيها الذي يترأس الطرق الباطنية، أو المرتبط بشيوخ العشائر في الفرات الأوسط والريف عامة. وقد استخدم الاستعمار البريطاني هذه " الطبقة العليا " المتكونة من العائلات الثرية وكبار ملاك الأراضي والممثلة بشكل قوي على مستوى الحكومة، لمواجهة الملك فيصل، وإضعافه كي لا يشكل قوة فعلية تمكنه من تجسيد نوع من الاستقلالية لحكمة، وإرساء شرعية داخلية قوية خصوصاً وأن الملك كان يعتمد على الضابط الشريفيين السابقين المنحدرين من أوساط طبقية متواضعة كما اسلفنا في الحديث عنهم سابقاً، والذين يرون فيهم السادة خطراً على أوضاعهم ومصالحهم تمكنه من تحسين شروطه التفاوضية مع البريطانيين بصدد إبرام المعاهدة الانكلو - عراقية، حيث كان الملك يقف إلى جانب الرافضين " للانتداب "
ففي عهد الملك فيصل (1921-1932 )، تشكلت 13 حكومة، وكان أول رئيس وزراء للعراق هو عبد الرحمن الكيلاني الذي ينتمي إلى " السادة "، وتلاه عبد المحسن السعدون، رئيساً للوزارة في السنوات 1922، 1923، 1925، 1926، 1928، 1929، وهو أيضاً من " السادة : المرتبطين بشيوع العشائر. وفضلاً عن ذلك، فإنه من أصل 13 رئاسة وزارة حظي السادة " بـ 9 منها، وكانت حصة الضباط الشريفيين السابقين 4. أما على صعيد عدد المقاعد الوزارية البالغ عددها 113 مقعداً وزارياً، فقد كانت موزعة على الطبقات والفئات الحاكمة حسب الجدول التالي : (49).
السادة |
|
عائلات المشايخ العشائري |
الارستقراطية القديمة |
عائلات الجلبيين |
العائلات التجارية الثرية |
الضباط الشريفيين |
كبار ضباط الجيش |
حصة كل شريحة اجتماعية |
35 |
2 |
16 |
14 |
11 |
15 |
7 |
النسبة المئوية |
31.0% |
1.8% |
14.2% |
12.3% |
9.7% |
16.7% |
6.2% |
إن هذه الحصص الوزارية الموزعة على صعيد الطبقات والفئات الاجتماعية الحاكمة تؤكد لنا طغيان السيطرة الطبقية للفئات والعائلات المالكة للثورة على الحكومة، باعتبار أن هذه القوى الاجتماعية التقليدية هي المستولية على مصادر الثروة والسلطة ....
وفي ظل حكومة " النقيب" تم توقيع المعاهدة الانكلوعراقية غير المتكافئة بالاجماع، على الرغم من الاحتجاج الشعبي ومقاومة الوطنيين لها. وقام " السادة " بتشكيل حزبهم المسمى " الحزب الحر العراقي " الذي يضم " السادة " من شيوخ العشائر وكبار الملاك والعائلات الثرية، حيث كان مبدأه الرئيس هو " القبول بالعلاقات مع بريطانيا العظمى على أساس المعاهدة ". وصار الضباط الوطنيون الشريفيون، ومعهم رجال الملك يلقون على كاهل هذا الحزب وعلى كاهل " النقيب " وزر أي شيء في المعاهدة ينتقص من استقلال البلاد " (50).
ولم تكن الأحزاب السياسية التي تشكلت في تلك المرحلة التاريخية من الحكم الملكي - الدستوري، تلعب دوراً أساسياً في تنظيم الشعب وإعداده لممارسة الديمقراطية، التي هي حكم الشعب بالشعب وَللشعب، بل أن هذه الاحزاب مثل " حزب الأخاء الوطني " و" حزب الفرات " كانت أحزاب نخبة منبثقة من تلك الفئات الاجتماعية الآنفة الذكر، وتمثل مصالحها الطبقية، ولم تكن ركناً أساسياً من أركان الديمقراطية، تحول الطاقة المشتتة للشعب إلى طاقة سياسية فاعلة في عمل المؤسسات الدستورية والحكومية، وبخاصة على صعيد البرلمان. ولهذا، لم تلعب هذه الأحزاب دور الديناميكي الفاعل في تمكين العملية الانتخابية من بلوغ المؤمنين فعلاً بالديمقراطية للقيام بعمل برلماني منظم يسهم في بناء مجتمع مدني حديث.
ولقد أصبح المجلس النيابي العراقي عبارة عن إطار فضفاض يوهم الشعب بأنه يمارس السلطة وفق المبادئ والأسس الديمقراطية ولكنه في حقيقة الأمر يخفي عدائه الحقيقي لمصالح الشعب، الناشئة عن تضارب مصالح فئة النواب- الذين أصبحوا جماعة محترفين، لاهم لها سوى خدمة مصالحهم الطبقية - مع مصالح الشعب. وهكذا انكشف تزييف الديمقراطية البرلمانية لأنها وضعت حاجزاً شرعياً بينها وبين مصالح الشعب. ومارست تزوير الانتخابات، وغلبت المصالح الحزبية الضيقة، والاعتبارات العائلية والعشائرية، وكانت غطاء حقيقياً لتمديد صلاحية المعاهدة الانكلو - عراقية لمدة خمسة وعشرين عاماً، وكرست نزعة الاحتكار الأعمى للسطلة لمصلحة " الطبقة العليا " من السادة، حيث أصبح عدد من رؤساء الوزارة مزمنين في ممارسة الحكم. وكان النظام النيابي والدستوري، وسائر السلطات التشريعية والتنفيذية مسّخرة لخدمة مصالح هذه " الطبقة العليا " باسم ممارسة ديمقراطية مزيفة، صانت حقوق هذه الأقلية، في حين أنها عمقت الفوارق الطبقية والاجتماعية، وانتهكت حريات، وحقوق المواطنين، واستخدمت العمليات الانتخابية لمجلس النواب كمجرد غطاء ديمقراطي لحكم طبقي استبدادي تسيطر فيه هذه " الطبقة العليا " من السادة على الشعب. " ولذلك بعد أقل من عشرين سنة (حوالي نهاية الثلاثينات) بدأ عجز " الحكومات الوطنية " واضحاً، ايديولوجياً وسياسياً واقتصادياً، فقد تجلى العجز الايديولوجي بفشل " الليبرالية التوفيقية " في وقت مبكر، وهذا ما أفسح في المجال للتيارات الراديكالية اليمينية واليسارية بالظهور القوي. وقد تجلى هذا الفشل واضحاً في ارتداد غالبية الليبراليين إلى توفيقية مفرطة، وفي العودة إلى الصيغ التقليدية التي سبق رفضها وخاصة صيغة " المستبد العادل " كما اقترحها محمد عبده، أو البحث عن الاحسنين : أحسن ما في التراث وأحسن ما في الحضارة الغربية " (51).
ومع نهاية الانتداب البريطاني في العام 1932، وموت الملك فيصل في العام 1933، واعتلاء الملك غازي عرش السلطة، على الرغم من عدم خبرته السياسية، وعدم تأهيله لذلك المنصب، تولى ياسين الهاشمي رئاسة الوزارة، علماً بأنه لاينتمي إلى طبقة " السادة " بل هو عسكري محترف، وقاد معارك بطولية في الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي جعله يحظى بتأييد الضباط العراقيين المنضوين في حزب العهد، والذين كانوا يؤمنون بالعروبة الجامعة في الجيش العثماني. وكانت علاقات الهاشمي مع الملك فيصل صعبة في الأعم الأغلب، ربما بسبب اندفاعاته وطموحاته نحو تأسيس الجمهورية. وقد صعد إلى رئاسة الوزارة بفضل تمرد عشائري، والتخلي عن معارضته لمعاهدة 1930، حين أصبح " مقتنعاً بأن العراق لايمكنه العيش من دون تحالف مع بريطانيا العظمى، وأن هذا التحالف كان مقدماً من خلال المعاهدة بشروط حسنة(52).
وعلى أثر وفاة الملك غازي في العام 1939، واعتلاء عبد الإله الموالي للبريطانيين عرش السلطة، تشكلت لجنة عسكرية داخل الجيش العراقي عرفت باسم " العقداء الأربعة " وهم صلاح الدين الصباغ وكامل شبيب ومحمود سلمان وفهمي سعيد، وكلهم منحدرين من عائلات متوسطة أو متواضعة. وكان هؤلاء الضباط هم الذين لهم اليد العليا منذ انطلاقة حركة رشيد عالي الكيلاني في العام 1941، حيث أن هذا الأخير لم يكن ثورياً، وكان شخصية سياسية من الصف الثاني، وقد تبنى الإنقلاب العسكري الذي قام به العقداء الأربعة، علماً بأنه كانت له اتصالات مع دول المحور. " وعلى النقيض من هذا، فإن معظم الضباط الشريفيين السابقين وقفوا من دون لبس إلى جانب القوة البريطانية والوصي عبد الاله. وهذا ما ضمن لهم الفوز في صراعهم الطويل الأمد مع العائلات القديمة، وجعل من الممكن أخيراً صعود واحد منهم، هو نوري السعيد، إلى موقع نفوذ لايساويه فيه إلا الوصي الذي كان عليه، ومنذ نهاية " الاحتلال البريطاني الثاني " في العام 1946 ومابعد، أن يقتسم معه السيطرة المطلقة على آلة الدولة، وأن لم تكن الشراكة بينهما سهلة. ونتيجة لهذا كله، تقلص دور " السادة " في الحكم بحدة بعد العام 1941، وبعد أن كانت حصتهم في التعيينات لرئاسة الوزراء قد بلغت النسبة العالية التي تصل إلى 96.2 بالمئة في ظل الانتداب انخفضت هذه الحصة إلى 37.5 بالمئة بين عامي 1936 -1941، ثم إلى 15 بالمئة في العقد الأخير من العهد الملكي. أما حصتهم من كل التعيينات الوزارية الأخرى فانخفضت من 31 إلى 20 بالمئة، ثم إلى 6.4 بالمئة في الفترات نفسها " (53).
إذا كانت الحياة النيابية في العراق لم تسهم في تجذير المسألة الديمقراطية والدستورية، فهل كان دور تكوينات المجتمع المدني الأخرى، وبخاصة الأحزاب السياسية، فعالاً في إرساء وتجذير الديمقراطية التعددية، والمشاركة السياسية للشعب؟
لقد شكلت المسألة الوطنية مركز استقطاب لمختلف حركات المعارضة في ظل الهيمنة البريطانية والعهد الملكي. وكانت أبرز شخصية معارضة في ذلك الحين جعفر أبو التمن، الذي لعب دوراً رئيساً في انتفاضة 1920، التي شكلت نواة لحركة استقلالية، ثم أسهم في تأسيس الحزب الوطني، وأصبح على رأسه في العام 1922، حيث حدد له هدفين رئيسين، أولهما توحيد الشيعة والسنة على أرضية وطنية، ونزع فتيل التنافر الطائفي، وثانيهما القضاء على السلطة الانكليزية. وقد شنت سلطة الانتداب حملة اعتقالات في صفوف قيادات الحزب طالت جعفر أبو تمن نفسه، الذي نفته إلى جزيرة موحشة في الخليج. وكانت القاعدة الاجتماعية للحزب الوطني متشكلة من الفئات الوسطى التجار المتوسطين، والمفكرين الوطنيين، وأعضاء المهن الحرة، والضباط الشريفيين المتشددين، ومن العمال الحرفيين وصغار التجار. ولم يكن الحزب الوطني منشغلاً بقضايا المسألة الوطنية والاستقلال فقط، بل إنه ركز على قضية العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، من ذلك مبادرته في تأسيس " جمعية أصحاب الصنائع " في العام 1929، التي استقطبت فئات العمال، وبخاصة من ورشاتهم لسكك الحديد والدفاع، وقادت أضراب الأربعة عشر يوماً في العام 1931، الذي يدخل في نطاق النضال الوطني ضد قبول حكومة نوري السعيد معاهدة 1930 غير المتكافئة، وفي نطاق الصراع النقابي. ولما أصبحت الجمعية تلعب دور الحزب السياسي المعارض، فقد حلت في العام 1931. وتكمن أهمية هذه الجمعية في أنها أرست لأول مرة في العراق نقابة اتحاد العمال التي ستستفيد منها الحركة الشيوعية لاحقاً، لكي تقود النضال النقابي تحت أمرتها. " والأمر الذي يستحق إبرازاً مماثلاً هو أنه من صفوف الحزب الوطني خرج رجال قدموا القيادة لثلاثة تيارات أساسية معارضة في المستقبل وهي : الإصلاحية العروبية الواعية للتقاليد التي تمثلت بنادي المثنى وحزب الاستقلال، والجناح اليساري للشعوبية العراقية المتمثلة بمجموعة " الأهالي " و" جمعية الإصلاح الشعبي " و" الحزب الشيوعي العراقي " أبو التمن نفسه بثقل نفوذه إلى جانب رجال " الأهالي " والإصلاح الشعبي " (54).
أما بالنسبة لنادي المثنى الذي تأسس في العام 1935، وبلغ قمة مجده في الفترة 1938-1941 فقد انبثقت منه النواة المركزية لحزب الاستقلال، الذي كان يضم في صفوفه ضباط الجيش المتقاعدين ومسؤولي الحكومة المتقاعدين، ومن أصحاب المهن الحرة. وقد دعا الحزب إلى " عراق مستقل تماماً وإلى توحيد العملات وإدارة الجمارك والمصارف المركزية الموجودة أو المخطط لإقامتها في البلدان العربية، وإلى إنشاء دولة اتحادية عربية في النهاية ". ومن الواضخ أن حزب الاستقلال لم يكن له مشروع سياسي ومجتمعي متماسك لبناء العراق، بالإضافة إلى أن أسلوب عمله هو أسلوب " سياسة الصالونات ".
وهناك التيار الإصلاحي الشعبي الذي تشكلت حوله مجموعة إصدارات جريدة " الأهالي " منذ العام 1932، والتي كانت المنبر المركزي لأفكار هذه المجموعة، والتي هي أفكار غير متجانسة تجمع بين الفابية والماركسية والداروينية والشعبوية على نمط النارودينيكية الروسية. وقد عرفت هذه المجموعة عن نفسها بأنها تنوع إصلاحي وليبرالي ديمقراطي من الاشتراكية. في العام 1935، انبثق عن مجموعة الأهالي (الجناح غير الماركسي) الحزب الوطني الديمقراطي، الذي كان يناضل من أجل " إصلاح كل مظاهر " الحياة العراقية " بوسائل ديمقراطية "، وفي سبيل إقامة " دولة ديمقراطية حديثة " في النهاية، وتشجيع توجيه الدولة وإشرافها على رأس المال الوطني والمشاريع الخاصة " في الميدان الصناعي، وفرض ضرائب تصاعدية على الدخل والميراث، وزيادة حصة الفلاح في الانتاج الزراعي، " وضمان حقوق العمال"، وبلوغ حياة ديمقراطية برلمانية حقيقية، واستكمال استقلال العراق.
ويعتبر البرنامج السياسي للحزب متقدماً، إذ أنه يجمع بين المسألة الوطنية والمسألة الديمقراطية، ويقدم حلولاً وبدائلاً للمسألة الاقتصادية والاجتماعية، ذلك أن فلسفة الحزب الايديولوجية هي أقرب إلى " الاشتراكية الديمقراطية " أو " فلسفة حزب العمال البريطاني "، حتى أن حكومة نوري السعيد كانت تتهم الحزب بأنه تنظيم شيوعي، في العام 1947. وهو الأمر الذي قاد قيادة الحزب المركزية إلى توضيح مواقفها من عدة مسائل. فقد قال كامل الجادرجي " " أظن أن الانكليز يعتقدون أن قيادة حزبنا اثبتت أنها تحول الحزب باتجاه ديمقراطي، ولكنهم غير مقتنعين بأن الأفكار الديمقراطية تسود صفوف الحزب .... ولهذا، فانى، أرى أن إعلان الاشتراكية الديمقراطية كفلسفة مرشدة لنا. وأن الالتزام بها في حياتنا الحزبية أصبح ضرورة أيضاً من وجهة النظر التكتيكية ... ولاشك في أن الانكليز يدركون أن حزباً ديمقراطياً كحزبنا لايمكنه أن يكون معادياً بشكل شوفيني لهم أو لآخرين في أي حال، حتى وأن كانت صداقتنا لهم لا تؤخذ على أنها مضمونة. وحذر الجادرجي على العموم من أن احتمالات تطور الوضع يجب ألا يؤدي إلى " أية مساومة من ناحيتنا مع الانكليز على حساب أي حزب، أو على حساب أية مطالب وطنية للشعب، أو على حساب مبادئ حزبنا " (55).
واتخذ محمد حديد موقفاً معارضاً لتبني الاشتراكية الديمقراطية في الوقت الراهن "، حيث أن الاشتراكية في نظره " تعني تأميم الصناعات ... والمصارف.... وتوزيع الأرض على الفلاحين في المناطق الزراعية ". وطالب محمد حديد بإبعاد الشيوعيين والماركسيين عن الحزب، موضحاً موقفه أن " الحزب يقف إلى جانب الملكية الخاصة والحريات الديمقراطية، وضد الديكتاتوريات، بما فيها ديكتاتورية العمال " ... وفيما يتعلق بالانكليز، أكد محمد حديد " عليهم أن يفهموا.. أنه في مايعارض حزبنا الامبريالية البريطانية.. فإن هدفه هو تقوية الصداقة بين الشعبين العراقي والبريطاني، وإن القضاء على المصالح الامبريالية ... سوف يعود - في رأينا - بالفائدة على الشعب البريطاني، وأكثر من ذلك، أن حزبنا يميل إلى اشتراكية ديمقراطية إنه يؤيد انتشارها في العالم أكثر مما يؤيد سيطرة النظام السوفياتي (56).
وأيّد حسين جميل أساساً محمد حديد، ولكنه اعترض على إصدار الحزب لأي بيان يحمل طابعاً معادياً للسوفيات. وقال أنه لايمكن خدمة أي غرض مفيد بمعاداة الدولة الشيوعية " التي هي، في الواقع، عناصر مضادة للامبريالية في النزاع الدولي الراهن، في حين أن الحكومات الاشتراكية الديمقراطية (كالوزارة الفرنسية الراهنة مثلاً) تحارب حركات التحرير ". وشدد على أن " من الضروري التمييز بين أن يكون حزبنا غير شيوعي وأن يكون حزبنا تنظيماً لمقاومة الشيوعية. ليست وظيفة حزبنا مواجهة الشيوعية أو الشيوعيين في العراق أو خارجه " (57).
وأعرب اليساري زكي عبد الوهاب عن استغرابه لأن تؤيد الحكومة الانكليزية مجيئ رجال يختلفون نوعياً عن الشريحة الحاكمة القائمة " ويمثلون الشعب وطموحاته ومصالحه فعلاً " إلى المواجهة السياسية للعراق. وتابع قائلاً أن " الامبريالية لاتتحرك في أي مكان على أساس عواطف مثالية أو مشاعر أخوية بين الشعوب بل على أساس مصالح اقتصادية وتجارية وعسكرية معقدة ومتشابكة ". ونظراً لأن " العدو الأول .... ليس الطبقة الحاكمة بل الانكليز، وهدفنا الفوري.. هو تحرير البلاد من نفوذهم ... وليس تحقيق الاشتراكية فإن " قاعدة الصراع الوطني الشعبي يجب أن تكون قاعدة عريضة تضم كل العناصر الوطنية مهما كان لونهم ". ولهذا، فقد عارض هو وشبيهه فكرياً، طلعت الشيباني باستبعاد " ماركسيين أو آخرين " من صفوف الحزب " (58).
على نقيض الأحزاب التي كانت مساندة للنظام الملكي والمتكونة من حزب الاتحاد الدستوري، الذي أسسه نوري السعيد و أحمد مختار بابان وعبد الوهاب مرجان ونايف الجريان وآخرون في 21 تشرين ثاني 1949، وحزب الأمة الاشتراكي الذي تأسس في 24 حزيران 1951، وحزب الأحرار الذي تأسس في 2 نيسان 1946، حيث أن هذه الأحزاب في معظمها أحزاب محافظة وتقليدية تؤيد التعاون الوثيق مع بريطانيا، وتدين بالولاء للقصر، فإن أحزاب المعارضة الديمقراطية التي ذكرناها سابقاً، أسهمت اسهاماً كبيراً في تأسيس وانتشار الوعي الوطني والقومي في صفوف الشعب العراقي، ودفعت العناصر الواعية من الجماهير الشعبية نحو الانتماء إلى أحزاب المعارضة، والاهتمام بالسياسة والمسألة الوطنية عامة، وهو ما أعطى زخماً نضالياً كبيراً للحركة الوطنية العراقية في مرحلة الخمسينات بسبب زيادة انخراط المنتمين في صفوفنا. ولم تكن هذه الأحزاب احزاباً راديكالية، فقد اقتصر نشاطها على رفع المذكرات التحريرية للملك مطالبة إياه بتحقيق الديمقراطية، وعلى نقد سياسة الحكومة لتحثها على القيام بالإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة.
أماعلى صعيد الحزب الشيوعي العراقي، فقد لعبت أزمة الرأسمالية العالمية العامة في العام 1929، وانعكاسها المدمرّ على أسعار التمور والحبوب العراقية، وعلى تراجع عائدات الدولة، وتسريح الموظفين، وخفض الرواتب، وزيادة الضرائب، دوراً مهماً في انتشار الأفكار الماركسية بين المثقفين، والشباب العراقي، التي كانت تقوم بالدعاية لها عدة جماعات ماركسية، كانت تعمل في عدة مدن عراقية، والتي تشكل منها الحزب الشيوعي العراقي. وهذه الجماعات، هي جماعة الناصرية التي تأسست العام 1928، وضمت في عضويتها يوسف سلمان يوسف (فهد) وغالي زويد وأحمد جمال الدين، وجماعة البصرة التي تأسست في العام 1927، وضمت في عضويتها عبد الحميد الخطيب زكريا إلياس دوكا، وسامي نادر مصطفى وعبد الوهاب محمود. جماعات بغداد، المجموعة الأولى وتأسست في العام 1929، وضمت في عضويتها عاصم فليح، وقاسم حسن، ومهدي هاشم، وحسن عباس الكرباس. والمجموعة الثانية وتأسست في العام 1933، أما المجموعة الثالثة فقد تأسست في العام 1934. وتجدر الإشارة هنا إلى الأصول العرقية والطائفية المختلطة للأعضاء المؤسسين للحزب الشيوعي العراقي. وفي 8 آذار من العام 1935 توحدت الجماعات الشيوعية المختلفة في تنظيم مركزي واحد باسم " الجمعية ضد الاستعمار "، التي انتخبت لجنة مركزية. وفي تموز من العام 1935، اتخذت اللجنة المركزية قراراً بإعلان " اسم الحزب الشيوعي العراقي"
بدلاً من الجمعية ضد الاستعمار، وأصبح عاصم فليح أول سكرتير للحزب الشيوعي العراقي، ويوسف سلمان (فهد) عضواً في اللجنة المركزية، وأصدرت صحيفة مركزية باسم ( كفاح الشعب). وكانت تطبع بالروفيو(59).
في علاقة الحزب الشيوعي بالبنية الاجتماعية السياسية القائمة في العراق كانت تتقاطع معها وتتنافر في آن. تتقاطع معها في حصر المسألة السياسية في إطار إقليمي على الرغم من الطابع العربي الإسلامي للحزب الشيوعي العراقي، وتتقاطع معها في إهمال المسألة الديمقراطية، وقضايا المجتمع المدني لمصلحة ايديولوجية طبقوية. هذه الايديولوجية بالذات هي نقطة التعارض والتنافر مع البنية القائمة، مع ضرورة التنويه لمواقف الحزب الشيوعي العراقي المعادية للاستعمار البريطاني، إلا أن هذه المواقف كانت مثلومه بسبب غياب بعدها القومي. و" ليس الحزب الشيوعي العراقي بالتعريف - حزباً منغلقاً على نفسه، ومتكيفاً ذاتياً، على الأقل بالمعنى الايديولوجي ولقد تشرب وعيه منذ البداية بمنظور أممى، وإن بشكل غير كامل. وبمرور الزمن، وخاصة بعد تولي فهد دفة القيادة، أصبح الحزب - وبصدق متزايد - جزءاً من عالم ايديولوجي مشترك واسع النطاق أوجدته الثورة البلشفية. ومن هذا التوجه فوق القومي تبعث بالضرورة - ولاءات وروابط فوق قومية " (60).
ولقد سيطرت الايديولوجية الماركسية الكلاسيكية في نهج وممارسة الحزب الشيوعي العراقي، والتي تقر بأن الأمة منقسمة إلى طبقات، وللطبقات مصالح متناقضة ومتصارعة فيما بينها، لهذا عارض الشيوعيون الأمة بالطبقة العاملة "، والقضية القومية والصراع القومي الديمقراطي الشامل بالمسألة الوطنية في إطارها القطري الناتجة عن التقسيم الكولونيالي والصراع الطبقي بمفهومه اليساري الطفولي الذي بنى أوهاماً على اعتبار البروليتاريا العراقية المحدودة نسبياً وذات المنشأ الفلاحي على أنها القوة الثورية الوحيدة في كل زمان ومكان، ليس لها من مهمات في مرحلة " التحرير الوطني " سوى حسم المعركة مع البرجوازية.
ووفق هذا المنظور كانت القومية في فكرة الحزب الشيوعي العراقي تعبر عن أوهام رجعية وشوفينية، أو مجرد صراع محدود مع هذا الاستعمار أو ذاك.
ويتجلى ذلك في أرتباط موقف الحزب الشيوعي العراقي من القضية القومية، معتبراً إياها بأنها تمثل قومية الرجعيين بوجه عام، ومن القضية الفلسطينية، والغزوة الصهيونية، ومشروع التقسيم بوجه خاص، وقد أصدرت " اللجنة العربية الديمقراطية في باريس " في 11/ حزيران عام 48 بياناً، تم توزيعه على أعضاء الحزب الشيوعي العراقي خلال شهر آب، جاء فيه ما يلي " إن الأمر الذي يؤسف له هو أن العرب التقدميين لم يفهموا يومها الموقف الذي اتخذه الاتحاد السوفياتي فيما يخص خطة التقسيم ... وضيع بعضهم الوقت، وما زال يضيعه ، في بحث لافائدة منه عن دوافع " انتهازية " " وظرفية - تكتيكية " تكمن وراء هذا الموقف ". ويعتبر البيان أن المسألة الفلسطينية لم تكن مسألة عربية بحتة أو يهودية بحتة، بل مسألة " دولية ". وكانت كذلك " مسألة فرعية لا أساسية، ونسبية لا مطلقة، وتخضع لمتطلبات الصراع العام ضد النظام الرأسمالي - الامبريالي الدولي ". أما فيما يتعلق باليهود في فلسطين فإن البيان شدد على أن " المسألة التي هي أمامنا ليست تصريح بلفور / للعام 1917/ الظالم من غير أدنى شك ...بل تحديد موقفنا تجاه مئات ألوف اليهود الذين هاجروا منذئذ إلى فلسطين .... والذين يشكلون في الواقع وحدة مستقلة لها أنظمتها ولغتها وطموحاتها ... ويمكن أن يرى بينهم إلى جانب .... المستغلين، أعدائنا في كل مكان - عمال وفلاحون وحرفيون، هم اصدقاء لنا في كل مكان. إن لهذا الشعب الاسرائيلي الجديد .... الحق في تقرير مصيره".
وعلى الرغم من أن تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الذي يحمل عنوان خطتنا السياسية من أجل التحرير الوطني والقومي في ضوء الظروف التي كشف عنها المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي الصادر في أيلول العام 1956/ رفض بيان باريس، معتبراً أن " بعض العناصر المشكوك بها نجحت / في العام 1948/ في أن تدس في صفوف حزبنا وحركتنا مفاهيم خاطئة بالنسبة إلى الصهيونية ... من بينها الأفكار التي وجدت تكبيرها في بيان عنوانه " ضوء على القضية الفلسطينية "، إلا أن سياسة الحزب الشيوعي العراقي ظلت متأثرة إلى حد كبير بسياسة موسكو " وظلت هذه السياسة من نفوذ الشيوعيين بين العمال والعرب، وأربكت مؤيديهم وثبطت عزائمهم، وقلصت قاعدتهم بشكل ملموس، وخلقت الشورط ضد كوادرهم وتنظيماتهم. وأصبحت سياسة موسكو في الواقع السلاح الرئيسي للحكومة ضد الحزب والمتعاطفين معه " (61).
على أن هذا الموقف الخاطئ للحزب الشيوعي العراقي، لايجعلنا نغفل مواجهة الحزب زعماء العشائر والاقطاعيين، واستقطابه دائرة واسعة من الانتلجنسيا الثورية، والطبقة العاملة، والفلاحين، ولاسيما في الجنوب. ومن هذا الموقع يتحدد دور الحزب الشيوعي العراقي في المعادلة السياسية المحلية، خصوصاً مع ازدياء سوء الأوضاع الداخلية للجماهير الشعبية من اقتصادية وسياسية واجتماعية، و تحالف حكومة نوري السعيد الرجعية مع العشائر والاقطاع، وذيليتها للاستعمار البريطاني، ودخول العراق في الاحلاف الثنائية والمتعددة وبخاصة حلف بغداد الذي يخدم مخططات الاستعمار والصهيونية، يفقد العراق سيادته الوطنية، والعدوان الثلاثي على مصر، وموقف حكومة نوري السعيد المؤيد للعدوان، وتصاعد المدى القومي والشعبي، والكفاح المسلح في معظم البلاد العربية، وعلى صعيد البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، وإدراك الأحزاب العراقية الوطنية والقومية، والديمقراطية، ضرورة بناء الجبهة الوطنية المتحدة لمقاومة واسقاط السلطة الملكية الرجعية ركيزة الاستعمار البريطاني في المنطقة. وهذا ما قامت به ثورة 14 تموز 1958 في العراق.
وإذا كان الحزب الشيوعي العراقي لم يطور فكره باتجاه تأصيل وبلورة رؤية نظرية جديدة تضع قضية انجاز الثورة الديمقراطية وبناء المجتمع المدني الجديد بقيادة تحالف طبقي عريض يضم العمال والفلاحين والشرائح الثورية الديمقراطية من الفئات الوسطى، إلا أنه يجب القول أنه ادخل إلى المجتمع العراقي ايديولوجية ثورية جديدة مع كل جهازها المفاهيمي وشعاراتها.
r
هوامش الفصل الرابع:Alexander , PP , 29f 40f
Lord Llayed : “ Eqypt Since Cromer I L ondon Mac millan 133
pp 40 - 42 Marshall p 192f
Sir George young “ Egypt” New york Scribnes 1927 p 181.
H.. Hamilton Fyfe “ The New Spirit in Egypt “
Edinburgh william Black Woodand Sons 1911 - 113 PP18 - 23f. 113f
Saden " Egypt and The English " p 36f
استناداً إلى المادة 20 من دستور 1908، كان للضريبة منذ ذلك الحين أن تفرض بما يتناسب مع موارد كل فرد (من أجل نص الدستور انظر " المشرق : (بيروت )، السنة الحادية عشرة، العدد 9 لشهر ايلول (سبتمبر) 1908، (ص 644) - 664). وفيما بعد، صدر عن الثوريين قرار وضع كل الاوقات المستثناة من الضرائب على قدم المساواة مع بقية الاوقاف. وهذا كما كان ينطبق على أوقاف القادرية في بغداد، التي يديرها النقيض، ولكن القرار بقي بلا تنفيذ نتيجة على ما يبدو، لاندلاع الحرب.
( Secret) Intelligence Report No 24 of 27 November 1924 para 732refers
Letter of 9 september 1911. from acting consul Mathews , Basrah , to Sir G. Low ther , Britain .Further correspondance .... asiatic Turkey October to November 1911. p6.
Letters from Major. Baghdad. to the
Goverment of India , dated 31 August , 2september , and 19 October 1908 , Great Britian , Further correspondance , Asiatic Turkey , October to December 1908, pp 50 51, 53, and102.
وبعد اضطرابات جدية في بغداد تغير تشكيل اللجنة على كما يبدو (انظر المصدر السابق ص 107 )، ولكنها كانت قد نجحت في إثارة ذعر " السادة " والأعيان الآخرين.
Memorandu , February 1919 , by Gertude Bell in Sir A. T. Wilson’s
Mesopotamia , 1917 - 1920 : Aclash of Loyalties (London 1931) AppendixIII (1337)
Great Britain ,Administration Report of the Basrah division for 1919
pp 26 and 59. Great Britain , reviewofthe civil Administrationof Mesopotamiap 42
F.o. 371/ 5229/ E10858 , From percycox to Secrettary of State for India , 2 September 1920
Great Britain , Administration Report of the Muntafiq for 1921 , p 4
Great Britain (secret) Intelligence Report No 12 of 15 June 1922 Para 517 .
Great Britain (Secret) Intelligenc Repot of May para 263.
Hisham sharabi, Arabintellectuals and the West: The formatvie years 1875-1914 (Baltimore, Mad : Johns Hopkins University press 1970 and
روجراوين (واخرون) الحياة الفكرية في المشرق العربي 1890-1939 أعداد مروان بحيري، ترجمة عطا عبد الوهاب (بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1983).
Great Britain , (Secret) Intelligence Report No 17 of Iseptember 1922 , Para. 826.
- Great Britain , (Secret) Intelligence Report No22 of November 1922. para. 1097
Great Britain , Foreing office , Fo 406/ 73/ E434 /278/ 93. Letter of 10 January 1935 From Sir , Homphry , Baghdad , to sir John Simon , London
المصدر السابق (ص 261).
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |