المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس

أولاً: واقع المجتمع الأهلي‏

سوريا بالعهد العثماني كانت عبارة عن عدة متصرفيات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً، تاريخياً، وسياسياً، واقتصادياً، وثقافياً، بالمركز العثماني. هذه المتصرفيات لم تكن تنطوي على معنى الدولة. وكانت عملية الانتقال من التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الاقطاعية إلى مرحلة شبه المستعمرة للدول الرأسمالية الأوروبية قد نمت بوتائر بطيئة للغاية، ومهدت في الوقت عينه لسيطرة الرأسمال الأجنبي. وفي نهاية العهد العثماني، كان الوضع الاجتماعي السوري في حالة ركود أو همود اجتماعي تتمحور فيه الفئات والطبقات الاجتماعية على ذاتها، وتغرق جميعها في مناخ ايديولوجي تقليدي جداً، ومنغلق بسبب ركود الحياة الاقتصادية في ظل علاقات انتاج اقطاعية متاخرة، وكنتاج عدم قدرة الاصلاحات التي تمت في مرحلة التنظيمات الأولى (1835-1856) في السلطنة العثمانية على القضاء على نمط الانتاج الاقطاعي، ولا على الدولة الاقطاعية الاستبدادية، وعجزها عن الإفساح في المجال لتطوير الصناعة الرأسمالية الوطنية، ومقاومة غزو الرأسمالي الأجنبي.‏

وكانت حياة المجتمع السوري آنذاك قائمة على نسق تقليدي ومتخلف يكاد يكون واحداً في باقي أرجاء الامبراطورية العثمانية فهيمنت الحياة الثقافية والروحية القائمة على انتشار الطرق الصوفية بشكل رئيس، والوعي الديني الهش القائم على الأوهام والخرافات، والوضع العشائري المتصلب وسيطرة الاقطاع في الريف بمفاهيمه وقيمه. وسادت في المجتمع الحضري أو المديني طوائف الحرف، التي كانت تشكل أداة قوية من أدوات التنظيم الاجتماعي الاقتصادي الانتاجي، ذلك أن كل طائفة حرفية كان يرأسها شيخ، هو الذي ينظم المشتغلين في هذه الحرفة حسب نظام معين، وتقاليد معينة، وهو الذي يمثل المرجعية الاجتماعية في حل المشاكل التي تطرأ لدى أبناء كل حرفة، أو على صعيد السوق، أو الحي، أو الحارة التي يتواجد فيها. فالطوائف الحرفية طبقاً لأنشطتها الاقتصادية المتنوعة، كالتجارة، أو الصباغة، أو التجارة أو الحدادة، كانت تشكل مركز استقطاب لتكتيل وتجميع أعضائها، كما كانت تمثل لهم أداة أمن، وحماية ، ورعاية. والحال هذه، فإن الطوائف الحرفية، كانت أقدر فئات سكان المجتمع المديني على الذود عن أنفس أعضائها، وحماية مصالحهم. أما على الصعيد الثقافي، فإن الثقافة السائدة لدى رئيس الطائفة الحرفية هي ثقافة الطائفة التي ينتمي إليها، أو ثقافة رجال الطرق الصوفية، باعتبار الثقافة الروحية والأخلاقية للطائفة الدينية، هي التي تشكل أساس التربية والتهذيب، والترفيه لأعضاء الطائفة الحرفية. لذلك كان هناك تداخل بين المرجعية الدينية الطائفية والمرجعية الطائفية الحرفية، وإن كانت المرجعية الطائفية الدينية هي التي تحتل المركز الأول، بما في ذلك احتلال زعيم الطائفة الدينية مرتبة أعلى من رئيس الطائفة الحرفية. والحال هذه، كانت الطائفة الدينية بهذا المعنى " هي المقابل الوظيفي " للقبيلة " في السياق القبل - تحديثي، ولـ " الطبقة " في سياق المجتمع الصناعي الحديث. وكما أن " الوعي " و " الولاء" الحاكمين للسلوك هنا" الوعي القبلي " و " الولاء القبلي " في سياق، وهما " الوعي الطبقي " و " الولاء الطبقي " في سياق آخر، فقد كانا في السياق المشرقي - العثماني هما " الوعي الطائفي " و " الولاء الطائفي " (1).‏

ومع كل ذلك، فإن طوائف الحرف في المدن السورية فقدت سطوتها ودورها التنظيمي الاقتصادي والاجتماعي، في ظل سطو العثمانيين على الحرف ونقلها إلى مركز السلطنة، ثم جاء نظام الامتيازات للرأسمال الأجنبي، ليقضي على قيام صناعة وطنية من رحم الصناعة الحرفية، بسبب منافسة السلع الأوروبية التي قضت على العديد من الصناعات الحرفية المحلية كالأقمشة والسجاد والمصنوعات النحاسية. ومع انحلال السلطنة العثمانية، ومجيئ الاستعمار الفرنسي، الذي سيطر فيه الرأسماليون الفرنسيون في الواقع على انتاج وتسويق خامات الحرير السورية، التي كانت يتم استخدامها في مصانع النسيج بليون، وعلى انتاج التبغ بواسطة شركة " REGIE" التي يسيطر عليها الرأسمال الفرنسي ، قامت الحكومة الفيصلية أو ما يسمى بالعهد الفيصلي، الذي لم يكن أيضاً نموذجاً لدولة حديثة بديلة. لذلك كانت أول دولة تنشأ في سوريا متحددة بحدود سايكس بيكو، هي الدولة التي أقامها الفرنسيون، وهي نمط من الدولة المركزية العلمانية على الرغم من طابعها الاستعماري. وعلى الرغم من ميل الفرنسيين إلى إدارة البلاد بصورة مباشرة، إلا أن هذا الميل أخذ يتراجع مع استقرار الاستعمار الفرنسي في سوريا، مفسحاً في المجال لبروز عناصر محلية تشارك في السلطة، ثم تؤلف حكومات وبرلمانا، وكتلاً سياسية، تطورت إلى أحزاب سياسية.‏

إن ظاهرة الدولة في سوريا ظاهرة حديثة، إلا أن هذه الدولة في واقع الأمر لم تكن دولة مفصولة عن الشعب فحسب، بل تتبادل معه العداء أيضاً. ولنا أن نتصور الأوضاع الاجتماعية، ونمط العلاقات التي تحكمها في تلك المرحلة.‏

وكنتيجة لذلك، يمكن القول أن السياسة كانت قاصرة أو تكاد على أبناء المدن، لاسيما النخب المتعلقة من أبناء الذوات، والتجار، والملاكين الغائبين، وعلى الاقطاعيين، وزعماء العشائر والطوائف في الأطراف، مما أخر إمكانات نمو تقاليد سياسية ذات طابع شعبي أو جماهيري، باستثناء الحزب الشيوعي، الذي سنعالجه بالتفصيل لاحقاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحياة السياسية وما قامت عليه من مبادئ ومفاهيم كانت بصورة أساسية خاضعة لقانون التحدي ورد الفعل، أي أنها لم تبن على مقاصد وأهداف داخلية اجتماعية، وثقافية، واقتصادية، وسياسية. ولذلك ظلت الحركة السياسية بعيدة عن الاندماج أوالانغراس في التربة المجتمعية، ولن تتحول قط إلى فاعلية مجتمعية إلا في الحدول التي كان يثيرها التحدي الاستعماري، أي أنها ليست إفرازاً نابعاً عن ضرورة داخلية. وهذا سيمهد الطريق إلى اندماجها كلياً أو جزئياً في السلطة لاحقاً. مجتمع في حالة موات، وفي حالة تخثر ثقافي وايديولوجي، وغياب تقاليد دولتية، واقتصار السياسة على ردود فعل متوترة إزاء الخارج، هذه المبادئ الثلاثة كانت ولاتزال تحكم وإلى حد بعيد العملية السياسية، باعتبارها تعبيراً عن المجتمع المدني في حالته السلبية، أي عن غياب المجتمع المدني.‏

هناك جملة من التحولات مهدت لوضع سوريا اللاحق، من هذه التحولات ما جرى في بنية الدولة العثمانية لاسيما محاولات الإصلاح، وقانون الملكية الزراعية الصادر في 21 نيسان (ابريل) العام 1858 " الذي ألغى بصورة شرعية نظام الاقطاعيات العسكرية وتبعية الفلاحين للتيمارجية السابقين، وإن كان النظام قد صفى في الواقع قبل صدور القانون بمدة. ومع ذلك بقي الفلاحون محرومين كالسابق من الأرض. إذ لم يمنح قانون 1858 / الأراضي للفلاحين، بل اكتفى بإعطاء مستأجري أراضي الدولة حق شرائها والزمهم بدفع مبلغ كبير كثمن لها، ووسع قانون الأراضي هذا أصناف الأراضي التي أصبحت ملكاً خاصاً، وساعد على تطوير الملكية الخاصة للأراضي وجعلها بضائع متداولة"(2).‏

كما قادت الإصلاحات الثانية المعروفة تحت اسم " خط همايون " 1856 إلى تحويل الامبراطورية العثمانية إلى سوق لتصريف السلع الأوروبية، والشبه مستعمرة للرأسمالية الأوروبية" إذ تعهدت تركيا بمنح امتيازات السكك الحديدية والبنوك وصناعة التعدين وغيرها من الامتيازات إلى الرأسماليين الأجانب، كما منحتهم حق شراء الأراضي من الامبراطورية العثمانية، واعطت عملاءهم المحليين (من التجار الأرمن واليونانيين والعرب المسيحيين) عدداً من التسهيلات. وهكذا كان صلح باريس لعام 1856فاتحة لتحويل تركيا وممتلكاتها العربية إلى شبه مستعمرة للرأسمال الأجنبي : (3).‏

من انعكاسات هذه التحولات بداية التقويض التدريجي للاقطاع، باعتباره عقبة بنيوية في وجه التفاعلات الجديدة الاقتصادية والثقافية على الصعيدين الداخلي والخارجي في ظل الغزو الأوروبي الهادف إلى قضم الامبراطورية العثمانية، التي أصبحت السلطة الاقطاعية فيها وفي اقاليمها العربية عاجزة عن تلبية الحاجات الاستعمارية الجديدة. وكان الغزو الأوروبي عاملاً من عوامل ظهور طبقة التجار، وفئة من المثقفين المتنورين في سوريا اللذين يمتلكان مؤهلات وكفاءات أقوى في التعاطي مع المعطيات الاستعمارية الأوروبية، حيث كان الاستعمار يعمل على قيام المؤسسات التجارية التي ترعى مصالحه التجارية. وقد غدى نمو مشاعر قومية مع بداية تبلور البرجوازية السورية التي هي مزيج من البرجوازية التجارية والاقطاع المرتبطة مصالحها مع مصالح الاستعمار. ولا يمكن أنكار أن هذه التحولات قد فتحت بحق عصر الانقلاب الفكري في سوريا، وباقي البلاد العربية، خصوصاً لجهة تبلور الفكرة القومية العربية. ففي ظل هذه التحولات نشأ التفاعل بين الواقع المادي والفكر، وبات المثقفون يعيدون النظر في المفاهيم الموروثة عن السلف في شؤون المجتمع والدولة والعادات ومفاهيم الأخلاق، ويضعون المعايير الجديدة لمعنى التخلف وأسبابه، والعادات ومنشئها، والأرض وصلتها بالعمل، والأمة وفكرتها والعوامل الدافعة في تطورها، وادركوا أن كثيراً مما قدموه لا يتفق وأصول التقدم، فأجمعوا على أن الأوطان لا تبنى في ظل ملك شرير، وقاوموا الاستبداد لأنه يعطل قدرة الأمة على الابداع والخلق والانتاج، ودعوا إلى تقوية الثقة بكفاءات الشعب والإفادة من هذه الكفاءات " (4).‏

أما التحول الثاني الذي كان له وقع على الأوضاع السورية، فهو قرار الدستور في العام 1876، واندلاع ثورة تركيا الفتاة / 1908 وظهور الحركة الكمالية، التي تشكل في ظلها نوع من اليقظة القومية، وبنى اجتماعية، قامت على أسس الملكية الزراعية، في عدة أقطار عربية. " وفي الأيام الأولى التي تلت الثورة شاعت بين الأوساط البرجوازية العربية الوطنية الأوهام على نطاق واسع حول إمكانية إجراء تحولات جذرية لدى العرب وتحررهم الوطني في نطاق تركية الجديدة. فاعتمد القوميون العرب على التعاون مع أنصار تركيا الفتاة وأملوا في أن يحلوا بمساعدتهم المشاكل الآنية للأقطار العربية " (5).‏

وكان التحول الثالث هو ذاك الذي حصل بين العهدين العثماني والفرنسي مع تبلور الحركة القومية سياسياً في الثورة الشريفية، ومحلياً في العهد الفيصلي، حيث كان القوميون يطالبون بوحدة سوريا واتحادها مع باقي الولايات العربية على أساس اتحاد فيدرالي، وإعلان إلغاء الانتداب، وتصريح بلفور. " ولما كان قادة الثورة العربية من رجال الاقطاعيين القبليين في الحجاز، وطبقة الأعيان في سوريا، كان من الطبيعي أن لا تتضمن الثورة أي محتوى اجتماعي يتناقض مع مصالح القائمين بها. على أن ضيق أفق الفكر القومي في هذه المرحلة يتجلى في أمرين: الأول اقتصار البلاد العربية على القسم الأسيوي منها، إذ بالرغم من تبني المفهوم القومي العربي، حصر مفهوم الأمة العربية ضمن الوضع السياسي السائد في ذلك الحين، أي ضمن إطار الأمبرطورية العثمانية دون التطرق إلى وضع الأقطار العربية في القارة الأفريقية التي كانت رازحة تحت الاحتلال البريطاني والإيطالي والفرنسي، وربما كان ذلك الاغفال متعمداً لتجنيب الثورة أي إحراج في علاقاتها مع حلفائها.‏

أما السبب الثاني فيتجلى في اعتماد الشريف حسين على بريطانيا والثقة بوعودها بالرغم من وضوح نواياها ومطامعها في الوطن العربي. وهكذا خرج المشرق العربي في نهاية الحرب من السيطرة العثمانية ليجابه الاحتلال البريطاني - الفرنسي وفقاً لاتفاقية سايكس - بيكو والخطر الصهيوني ممثلاً بوعد بلفور" (6).‏

ولما أصبحت سوريا ولبنان منطقة النفوذ الفرنسي بامتياز، فإن التحولات التي شهدها المجتمع والسلطة السياسية في ظل الانتداب الفرنسي تمثلت في عملية التحديث الكولونيالي في مجال الزراعة، حيث قام الرأسماليون الفرنسيون بتحويل سوريا إلى مصدر للخامات الزراعية، وفي مد جملة من خطوط السكك الحديدية التي كانت تربط أنحاء البلاد النائية بالموانئ البحرية كسكة حديد يافا - القدس، وبيروت - دمشق، وإنشاء مؤسسات المياه والكهرباء. وبدأت تزدهر الحياة المدنية، مع انتشار التعليم العلماني إلى جانب الكتاتيب، والارساليات الدينية والتبشيرية، التي كانت تدار من قبل الفاتيكان وتحظى بدعم فعال من جانب فرنسا. وعبدت هذه الارساليات الدينية الطريق للتغلغل الأوروبي في المشرق العربي، بعد أن أنشأت شبكة واسعة من المدارس والمعاهد بهدف دعم الطائفة المسيحية، في حين شكلت الارساليات البروتستانتية الانكليزية طريقاً آخر للاستيطان الصهيوني في فلسطين. ومن ذلك الدور الذي لعبته الجامعات، لاسيما الجامعة الأميركية ، في بيروت، والقدس، والجامعة اليسوعية قبل تأسيس الجامعة السورية، لأن النشاط السياسي المباشر كان قاصراً على النخب الحديثة، التي نشأت وتكونت في هذا المناخ من التعليم الجامعي .‏

ثانياً: النظرة التقليدية للمسألة الوطنية‏

وإرساء الدولة القطرية الحديثة‏

في عداد التحولات النوعية، وقائع الثورات السورية المتلاحقة منذ بداية عهد الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى ثورة 1925/ التي شملت معظم أرجاء سوريا. وكانت الثورات السورية تقوم على أساس متين من الأهداف القومية، وتنزع إلى الاستقلال وترفع شعار الدفاع عن الكرامة الوطنية. لقد ظهرت مطامع فرنسا في المعاهدة المعروفة بمعاهدة (سايكس بيكو)، فقامت بغزو شرق البحر المتوسط، ثم تبعها عهد الانتداب في سوريا، وتقربت من الطوائف المسيحية بهدف استمالتها إلى جانبها، وتأجيج نار الصراع الطائفي، غير أن هذه السياسة وجدت من يقاومها في ميدان النضال الوطني من جانب فئة المسيحيين الوطنيين العرب. و " بزع في وادي النصارى من أهالي قضاء تلكاخ وجوه عريقة في عروبتها، نبيلة في مقاصدها، كان لها شرف السبق في ميدان الجهاد الوطني، ومن أبرز تلك الوجوه شأناً في مواقفهم المشرفة إيماناً في قوميتهم العربية، الشاعر العربي المشهور المرحوم عبد الله السليم اليازجي وأبناءه وأبرزهم شأناً المربي الكبير الأستاذ سليم اليازجي مدير المدارس الثانوية الأهلية بدمشق، وعضو الاتحاد القومي في هذا العهد الميمون الذي اجتمعت الكلمة على منحه الثقة، تقديراً لمقاصده الوطنية النبيلة، ومأثره الحميدة المقرونة بالتضحيات في بناء المجتمع الثقافي، وقد كانت على أوسع نطاق " (7).‏

من هذه التمردات على الاستعمار الفرنسي، التي وجدت منبعها في الثورات المحلية، ثورة صهيون التي قادها المجاهد الكبير المرحوم عمر البيطار، والتي اشترك فيها أيضاً الشيخ عز الدين القسام، الذي كان له نفوذ ديني على المجتمع، فحكم عليه بالاعدام، وثورة العلويين التي قادها الزعيم الشيخ صالح العلي في منطقة الجبل العلوي وساحله، وثورة الشمال التي قادها السيد نجيب عويد، ولعب فيها النادي العربي بحلب، الذي استقبل الملك فيصل عند زيارته لحلب في العام 1919 - دوراً ملهماً في اشراك المجاهدين في جبهة الدفاع الوطني، وثورة الفرات والجزيرة التي شهدت تحالف العرب والاكراد على مقاومة الفرنسيين، الذين فرضوا انتدابهم على سوريا فرضاً، ومعركة ميسلون التي انبثقت عنها المقاومة الوطنية والقومية لاحقاً، والتي ستكون ذات أثر في تطور مراحل النضال الوطني في سوريا. وتعتبر معركة ميسلون التي استشهد فيها القائد الكبير يوسف العظمة في 24 تموز 1920، معركة فاصلة في تاريخ الأمة العربية، إذ أنها حصلت في عهد انتهاء الدولة العربية الفتية بدمشق، التي أسسها القوميون العرب ومفكريهم بزعامة الملك فيصل، والتي دامت سوى خمسة أشهر بدءاً من يوم اعلان استقلالها في 8 آذار إلى يوم انقراضها في 24 تموز 1920، ودخول الجيش الفرنسي إلى دمشق، وانهيار العرش الفيصلي، وانتقال الملك فيصل متوجهاً إلى درعا، ثم غادرها نحو حيفا.‏

لقد عمت الثورات المحلية، وتعددت المعارك بين الثوار الوطنيين والقوات الفرنسية المستعمرة، وكانت تعبر عن أشكال المقاومة الوطنية والقومية العنيفة الرافضة للانتداب الفرنسي، والتي تتمحور حول شعارين رئيسيين : الاستقلال الوطني والوحدة، باعتبارها شعارين يعبران عن جوهر النضال السياسي الوطني والقومي السوري في تلك المرحلة. وقد شكلت المدن السورية الرئيسة دمشق وحلب مركز استقطاب للنضال السياسي الوطني والقومي في سوريا ضد الاحتلال الفرنسي. ومسـألة طبيعية أن تكون هذه المدن مراكز أساسية للنضال الوطني والقومي، الذي لعبت فيه النخب الاجتماعية والسياسية المتعلمة والتجارية دوراً رئيساً، بحكم تخلف الريف السوري، وانعدام وجود رقعه ثقافية فيه، " لكن تطوراً مهماً شهده المد الوطني ذو الأفق القومي العربي في سوريا عام 1925م وكان يتطور ببطء في الأعوام القليلة السابقة، أدى إلى انتقال مؤقت لمركز الثقل النضالي من المدينة إلى الريف" (8).‏

فقد انفجرت الثورة السورية الكبرى في شهر تموز العام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطراش، ولم يتمكن الفرنسيون من أخماد هذه الثورة إلا في العام 1927. ثم أن اشتراك الريف السوري في الثورة، شكل أساساً قوياً للوحدة الوطنية السورية، التي تعتبر العامل الرئيس لاندلاع الثورة، والتي قطعت الطريق على المستعمر الفرنسي مسألة استغلال، العلاقات العشائرية، والعائلية، والقبلية، والطائفية، السائدة، وتوظيفها في انتاج سياسة الايقاع، والتفرقة، والصراع، بين العناصر والطوائف، واضرام نار الفتنة فيما بينها، بغية حرفها عن ميدان النضال الوطني، والاجهاز على الحركة الوطنية لاحقاً. ومما يؤكد القاعدة الوطنية الصلبة ذات الأفق القومي التي قامت على أساسها الثورة السورية " المضبطة " التي قدمها الوفد السوري (الممثل لـ 150 شخصية من دمشق وجميع انحاء سورية) إلى المفوض السامي، الجنرال ساراي في 17 كانون الثاني 1925، وقد تضمنت المطالب التالية، نوجز أهمها:‏

1- وحدة البلاد السورية التي تشمل بلاد العلويين وجبل الدروز ولواء اسكندرونة والأراضي الملحقة بلبنان.‏

2- دعوة جمعية تأسيسية لتضع للبلاد قانونها الأساسي، وحصر حق التشريع بالمجلس النيابي، وحل المجالس التمثيلية وإلغاء القوانين الصادرة بقرارات فردية.‏

3- المطالبة بجعل الحكومة مسؤولة أمام البرلمان وحده، لأن سورية بلاد معترف باستقلالها في العهود الدولية، وإلغاء الإدارة العسكرية ومنع تدخل المستشارين.‏

4- احترام الحرية الشخصية بجميع أنواعها، إذ هي من الحقوق الطبيعية المقدسة.‏

5- وضع حد للأعمال المنافية للقوانين، والعفو عن جميع المحكومين والمبعدين السياسيين.‏

6- توحيد القضاء بإلغاء المحاكم الأجنبية واحترام استقلال المحاكم وجعل اللغة العربية وحدها لغة رسمية.‏

7- تسليم إدارة الأوقاف الإسلامية إلى المسلمين وارجاع الخط الحجازي إلى استقلاله السابق، لأن المفوضية العليا ضمت إليها إدارة الأوقاف الإسلامية واستولت على الخط الحجازي الموقوف ".‏

8- توحيد الأنظمة الإدارية وإلغاء قانون العشائر الاستثنائي.‏

9- الاقتصار على استخدام أهل البلاد في الوظائف الرسمية " (9).‏

كما أن البيان الذي أذاعه قائد جيوش الثورة الوطنية السورية سلطان الأطرش، دعا فيه إلى تحقيق المطالب التالية :‏

1- وحدة البلاد السورية بساحلها وداخلها والاعتراف بدولة سورية عربية واحدة مستقلة استقلالاً تاما ً.‏

2- قيام حكومة شعبية، تجمع مجلساً تأسيسياً لوضع دستور يقرر سيادة الأمة سيادة مطلقة.‏

3- سحب القوى المحتلة من البلاد السورية وتأليف جيش وطني لصيانة الأمن.‏

4- تأييد مبدأ الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان في الحرية والمساواة والاخاء " (10).‏

لاشك أن هذه المطالب كلها تعكس روح الوحدة الوطنية السورية التي تعتبر العمود الفقري في مواجهة الاحتلال الفرنسي، وأشكال الصراعات الأخرى مع الامبريالية والصهيونية، في ظل مجتمع متعدد الطوائف، وتحمل مضموناً وطنياً قومياً ديمقراطياً لالبس فيه، يتعلق ببناء مجتمع حديث تعددي، ودولة حديثة، في نطاق مواجهة السياسة الفرنسية التي تقوم على إثارة النعرات الطائفية، وتمزيق الوحدة الوطنية، حيث جاء في تقرير الكولونيل كاترو رئيس مكتب الاستخبارات في أجهزة الانتداب مايلي " ويحاول الآن أركان الثورة في الداخل تحقيق أهدافها القومية سلماً وعن طريق الاقناع، فيحملون المقربين إليهم في مختلف المناطق على ارسال وفود إلى المفوض السامي تؤكد على المطالب التي نعرفها، وهي وحدة البلاد الواقعة تحت الانتداب، وقيام حكم قومي فيها، وإعلان الدستور، وإنشاء جيش وطني ثم إعلان العفو العام. وهكذا نرى أن مطالب الوطنيين الأساسية لم تتغير وإنما تغيرت المطالبة بها. ولابد من التساؤل عن أهداف الثورة الحقيقية. لاشك أن الهدف الرئيسي الذي ترمي إليه هو القضاء على الانتداب بعينه. فهذا الانتداب الذي يعتبر كوصاية لها فعالية المراقبة والتقويم، كان موضع نفور غريزي في مجتمع يكره بطبعه الأجانب، ويقوم على التجاوز والمظالم الاجتماعية .‏

وكان تطبيقه موضع استنكار أيضاً، ذلك أننا اقمناه على الخصائص الطائفية للسكان، وليس على وحدة البلاد الجغرافية، فكان عملنا هذا مراعاة لمصالح الأقليات، بينما يطالب السنيون بأن تقوم سياسة الانتداب على مراعاة مصالح الأكثرية. هذا هوالخلاف القائم بين وجهتي نظرنا الآن .... " (11).‏

لقد حملت الثورات السورية كلها المسألة الوطنية التي ستصبح محوراً للحركة السياسية فيما بعد، إلا أن طابعها التقليدي انعكس على نحو واضح على الاحزاب السياسية فيما بعد، ولاسيما على رؤيتها للمسألة الوطنية ذاتها.‏

لكن هذه المسألة الوطنية كان ينظر إليها من زاوية تقليدية خالصة، فضلاً عن مطالبتها بنقطة واحدة هي الاستقلال السياسي، وطرد المستعمر الفرنسي، بصرف النظر عن رؤية الحركة السياسية للمجتمع، وأسس بنائه، وتحديثه، وانتاج دولته المنبثقة عن الشعب. هذه النضالات الوطنية ضد الاستعمار على الرغم من عدم خلوها من تطلعات قومية على مستوى الوعي الجنيني، والشعور القومي، باعتبار المسألة الوطنية رافداً من روافد الحركة القومية العربية ـ إلا أنها كانت تتحدد واقعياً في إطار قطري ضيق، مما قوى احتمالات ولادة الدولة القطرية. وكان ذلك واضحاً في بنية الحركة السياسية، وبرامجها، طوال مرحلة الانتداب الفرنسي. لوم تكن تطلعات الكتلة الوطنية إلى العراق حيناً، وإلى مصر حيناً آخر، إلا تعبيراً عن حركة الصراع العالمي على المنطقة، وعلاقة ذلك بتدويل المسألة السورية .....‏

لقد انفجرت الثورة السورية ضمن السياق العام للثورات، التي اندلعت في الأقطار المصنوعة حديثاً، والتي لم تتعد الحدود التي رسمها الاستعمار، مطالبة بالاستقلال لهذه الأقطار، ولكن دون أن تطرح برامج قومية لبناء مجتمع مدني حديث، ودولة حديثة. ولهذا، تراجعت الحركة القومية العربية، بعد عجزها عن تحقيق أهدافها القومية الأساسية، وتغلبت فيها الاتجاهات القطرية والطبقية الضيقة، وتوزعت رموز الحركة القومية العربية على الأقطار العربية المختلفة .‏

ولهذا، تكونت تكتلات سياسية جديدة في سوريا كانت تمثل مصالح البرجوازية التجارية وكبار الملاكين الاقطاعيين والعائلات الكبيرة العشائرية، وسيطرت على فلسفتها السياسية المفاهيم الإصلاحية والمساومة مع سلطة الانتداب الفرنسية، على الرغم من سعيها إلى التخلص من هذا الاستعمار.‏

والحال هذه فهي أحزاب تقليدية يسيطر عليها سياسيون محترفون ونواب لاهم لهم سوى الوصول إلى تشكيل هذه الحكومة أو تلك بهدف خدمة مصالحهم الطبقية العائلية، ولم تكن احزابنا ايديولوجية، تحمل مشاريع سياسية لبناء مجتمع حديث. فهي أحزاب تقوم عل الولاءات الشخصية، للافراد الذين يسعون للسيطرة على مراكز القوة في الحكومة والبرلمان، وهي بلامناهج ويكثر الترداد في أهدافها المعلنة الغامضة كالحفاظ على الاستقلال السوري والوحدة العربية وتحسين مستوى المعيشة والاصلاحات الحكومية ومناهضة الاستعمار. وفي الحقيقة تشابهت البيانات الحزبية، باستثناءات قليلة، حتى بات مستحيلاً في أحيان كثيرة التمييز بين الاحزاب على أساس بياناتها، ولكن هذا كان يتم بالتثبت من قياداتها. كانت هنالك نقطة أخرى تؤكد على أهمية " الحكومة الفردية "، فهذه التجمعات، السياسية، وهي ولاءات شخصية أو " زواج عرقي " بين الأملين سياسياً، افتقدت النظام والتلاحم الحزبيين، فكل عضو فيها فرد ويشكل فرصة على حساب زملائه، وأذا سخط زعيم على فريقه فالحل هو الاعتزال وتشكيل مجموعة منشقة خاصة به، وهذه الفردية المتناهية سبب عدد المستقلين الكبير في المجلس النيابي " (12).‏

ولما كان النشاط السياسي لهذه الأحزاب متمحوراً حول المسألة الوطنية - باعتبارها تتضمن في جوهرها النضال من أجل الاستقلال ،الذي هو في الوقت عينه نضالاً من أجل الدستورية والديمقراطية - وماافرزته من خلافات في الرأي وصراعات بسبب المواقف المتباعدة من الفئات الاجتماعية الواعية سياسياً، فإنه والحال هذه يهمنا أن نتوقف بشكل رئيس عند أكبر تجمع سياسي عرفته سوريا في فترة الانتداب الفرنسي، كان له أهميته الكبيرة إلا وهو الكتلة الوطنية.‏

إن الحياة السياسية المنظمة على أساس من الاحزاب، كمؤشر لتبلور قوى ومكونات المجتمع المدني الحديث ظاهرة حديثة جداً في سوريا، وابتدات مع تشكل الاحزاب السياسية التقليدية التي ظهرت على مسرح العمل السياسي الوطني.‏

ثالثاً: بروز تشكيلات المجتمع المدني الحديث‏

لقد اختلفت المنظورات السياسية إلى المسألة الوطنية، بصفتها المبدأ الجامع لسائر فئات المجتمع وطبقاته، وهي التعبير السياسي عن نمو المجتمع المدني بصورة أساسية، وبزوغ مفهوم الوطن والمواطنة، واكتساب الأفراد صفات حقوقية جديدة إلى جانب تحديداتهم وتعييناتهم الاجتماعية أو الدينية. ومادام الانتداب قد وجه بمعركة ميسلون التي بذرت بذور النضال الوطني ضد الاستعمار. ولم ين الشعب، ولم تلبث الثورات المحلية حتى نشبت تباعاً معززة المشاعر الوطنية، والتطلعات التحررية، فإنه من الجدير القول أن ثمة مجالاً سياسياً محوره المسألة الوطنية، كانت تملأه نخبة سياسية تقليدية هشة وقليلة العدد، ومنفصلة عن الشعب، عدا ظاهرة الولاء الشخصي للقادة والزعماء السياسيين. وهؤلاء لهم أسبابهم السياسية والاجتماعية، ويرتكزون إلى تنمية المصالح الشخصية، والطبقية العائلية. وكانت " الكتلة الوطنية " التي ستلعب دوراً سياسياً حاسماً في حياة سوريا عقب نهاية الثورة السورية الكبرى وحتى عقد المعاهدة 1936، هي التجسيد الفعلي والواقعي لهذه النخب السياسية الآنفة الذكر.‏

تعتبر الكتلة الوطنية من أقدم الأحزاب السياسية التقليدية والمحافظة، وأكثرها تأثيراً من الناحية السياسية، إذا أن تشكلها يعود إلى دمج الجمعيات السرية التي تكونت في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، أي فترة النضال القومي ضد الاحتلال العثماني، في حزب الشعب بزعامة الدكتور / عبد الرحمن الشهبندر، الذي جمع أيضاً معظم الزعماء السياسيين السوريين المعتدلين، حيث أن أهدافه كانت تتمثل في " سيادة سوريا ووحدتها والحرية الشخصية التامة والإصلاح القضائي، وقد تطور الحزب إلى معارض عنيف لحكومة رئيس المجلس الاتحاد السوري السيد صبحي بركات " (13).‏

لكن خلال فترة الانتداب الفرنسي، انضمت عدة تكتلات سياسية متكونة من المثقفين والسياسيين المستقلين إلى حزب الشعب، الذي تحول بدوره إلى مجموعة سياسية رئيسية منظمة عرفت باسم " الكتلة الوطنية "، التي تألفت من الوطنيين الذين كانوا ينتمون إلى العائلات الاقطاعية الكبيرة، " واكثرها أهمية مثل جميل مردم وهاشم الاتاسي وسعد عبد الله الجابري. واختير الاتاسي رئيساً للكتلة ثم انتخب رئيساً للجمعية التأسيسية في عام 1928(14).‏

وهكذا أصبحت الكتلة الوطنية من حيث هويتها السياسية حركة سياسية ذات طموح وطني معين، تعبر عن حاجة ومصالح الطبقة البرجوازية التجارية وحتى الاقطاع، إلى انتهاج سياسية التضامن الوطني مع الشعب، على أرضية الانخراط في نهج الاصلاحات العُلْوِيَة ضد الاحتلال الفرنسي، معطية الأولوية للنضال السياسي، بعد انكسار الثورة السورية الكبرى. ومن الواضح أن الكتلة الوطنية بما هي تمثل مصالح قوى اجتماعية برجوازية معينة ظلت تاريخياً على الصعيد الفكري والاجتماعي ذيلية للسيطرة الايديولوجية للاقطاع والرجعية المحلية، وكذلك أيضاً على الصعيد السياسي، إذ أن برنامجها قد نكل عن انجاز الثورة الوطنية الديمقراطية، على الرغم أن سوريا قد أصبحت مقسمة إلى عدة دويلات في ظل فترة الانتداب الفرنسي، حيث أضر هذا التقسيم بمصالح البرجوازية التجارية والصناعية التي كانت متمركزة تاريخياً في دمشق وحلب، ولم يفتح ملف الصراع الاجتماعي في بنية المجتمع التقليدية ضد استمرار العلاقات الاقطاعية المتجمدة، التي تطبع بمنظورها الايديولوجي والاجتماعي طابع المجتمع، وتشكل في الوقت عينه انسداداً زمنياً في خط التطور والتقدم لانجاز الثورة الديمقراطية البرجوازية ....‏

ولما كانت الكتلة الوطنية تجمعاً سياسياً فضفاضاً، وليس حزباً ايديولوجياً عقائدياً، فإنها قد صرفت النظر عن خوض المعركة الايديولوجية الرئيسية، والسياسية الفعلية، لفتح امكانية الخيار المجتمعي والايديولوجي الآخر - المتناقض بالضرورة مع الايديولوجية الاقطاعية التقليدية السائدة التي تعمل على فرض عن طريق القسر والاكراه منظورها الشمولي المسبق على جميع أفراد المجتمع - يقيناً بأن الشعب، والفكر الحديث، والايديولوجية الحديثة، والمجتمع المدني هي المقولات التي تسهم في بلورة وصنع المشروع الوطني الديمقراطي لمجابهة سلطات الاحتلال وازالتها، وفق خط استراتيجي يستند إلى وعي صحيح مقارب لخط سير الواقع إلى المستقبل، أي إلى وعي المسار التاريخي ككل، الذي يقود الماضي، انطلاقاً من الحاضر إلى المستقبل، في سبيل تحقيق هذا المشروع التاريخي الاستراتيجي المشترك لجميع فئات الشعب وطبقاته، الذي يكون حاملاً لفلسفة جديدة لها قيمة تحريرية لجماهير الشعب من أثار التسلط الفكري والايديولوجي العقائدي التقليدي السائد، وترتكز إلى قضية حرية الفكر والمعتقد، وحرية تنوع الحياة الاجتماعية، والممارسة الايديولوجية. وهي فلسفة بناء المجتمع المدني الحديث، باعتباها أيضاً ميدان الصراع الاستراتيجي الراهن في الحقل الفكري، والايديولوجي، والسياسي، بين القوى التاريخية الصانعة للمستقبل والصاعدة إليه، والمؤمنة حقاً بالحرية، والتعددية، وبين قوى التقليد التي تجسد عملاً سياسياً جوهره إصلاحي وقائم على تصور شمولي وهمي يخدم مصالح طبقية خصوصية، ويحافظ على المسار الاجتماعي القديم ....‏

والحال هذه، فقد تحولت الكتلة الوطنية باعتبارها معارضة سياسية هيمنت على قيادة النضال الوطني في سوريا إلى فئة حاكمة ذات مصلحة راسخة في المحافظة على البنية الاجتماعية القائمة، واستئثارها بالسلطة، وإن كانت محوراً مركزياً في الصراع السياسي الديمقراطي لارساء بعض أسس المجتمع المدني، كمطالبتها مثلاً في مؤتمرها الذي عقد في بيروت في 19 / تشرين الأول بالدعوة إلى تشكيل " جمعية تأسيسية واستبدال الانتداب بالمعاهدة لتحقيق الوحدة السورية، وتوحيد النظام القضائي، واحترام السيادة القومية، والاشتراك في عصبة الأمم، والتمثل الخارجي، وإعلان العفو والتعويض عن المنكوبين ".‏

أماعلى صعد علاقة الكتلة الوطنية بالشعب، فقد كانت موسمية ومرتبطة بالدرجة الرئيسية في فترة الانتخابات النيابية لخدمة مصالح كبار الملاكين الاقطاعيين وكبار التجار، الذين يبحثون عن مناصب، وزيادة مكاسبهم المادية، و" تلميع " وجاهتهم العائلية والطبقية في البرلمان. فالمجالس النيابية في سوريا التي كان يسيطر عليها هذا التحالف الطبقي، والتي تمارس السلطة باسم الشعب، كانت تمثل أقلية من أفراد الشعب. ثم أن العمليات الانتخابية لم تكن مستندة إلى تنظيم متكامل لآلة انتخابية، وذلك قبل انتخابات بفترة طويلة، حيث تتصارع الاحزاب على برامج سياسية محددة، ويشارك الشعب بصورة مباشرة في هذه الانتخابات لانتخاب أعضاء البرلمان، بل أن آليتها كانت تتم وفق التقاليد العثمانية، حيث أن أعضاء البرلمان عادة ما يكونون مرشحين من قبل الحكومة، الخاضعة بدورها لقيادة حزب الكتلة الوطنية، التي تسعى إلى تحقيق مصالح القوى المستفيدة من النظام القائم (كبار التجار وكبار الملاك الاقطاعيين) عبر ايصال مرشحيها إلى المجلس النيابي، والاستئثار بالسلطة السياسية. هكذا، لم تكن الحياة النيابية في سوريا بنظر مؤيدي الديمقراطية الليبرالية، والدستورية، والتعددية الحزبية، سوى أداة ديمقراطية شكلية، تستخدمها الأحزاب التقليدية المتنافسة بهدف الاستيلاء على السلطة، وتحقيق مصالح قياداتها الطبقية والعائلية، حيث يكون الشعب سلعة في سوق السياسية العُلْوِيةِ بيد النواب والسياسيين المحترفين المنتفعين، وكما يقول الدكتور خلدون النقيب أن هيمنة تحالف كبار ملاك الأراضي وكبار التجار على البرلمان، قد اجهض المحتوى الديمقراطي للانتخابات في وقت مبكر، و " مع أن برلمانات سوريا - بسبب ظروف الانتداب الفرنسي المباشر - لم تكن إلا مجالس استشارية، فإنها تعطينا صورة جيدة عن تبلور القوى الاجتماعية وهيمنة كبار ملاك الأراضي والتجار على الحياة السياسية في البلاد " (15).‏

ففي برلمان 1928، كان عدد النواب الممثلين لكبار التجار وكبار الملاكين، وأعيان - شيوخ القبائل 22 نائباً ومن أصل 72، أي ما يقارب 32 بالمئة، وفي برلمان العام 1932، بلغ عدد النواب هذا التحالف 33 نائباً من أصل 70، أي مايعادل 47 بالمئة، وفي برلمان العام 1936، 54 نائباً من أصل 106، أي ما يقارب 50 بالمئة.‏

البرلمانات في سوريا، كان أعضاءها ينتقون ممثلين للمناطق، والطوائف، والعشائر، وكان ذلك مجالاً للتنافس والتحاسد. وكان تعبيراً سياسياً عن تقسيم سوريا سياسياً، الذي تحول إلى تقسيم واقعي عارضه الشعب السوري بوجه عام. ولم يلق تأييداً إلا من قبل المتعاونين مع الاستعمار الفرنسي، والمنتفعين من سياسته، فتشكلت دولة العلويين، ودولة جبل الدوز، ودولة حلب، ولعب المثقفون دوراً بارزاً في مقاومة المشروع الفرنسي لتقسيم سوريا.‏

وكانت المرحلة الممتدة من العام 1927 إلى 1936 هي المرحلة الذهبية لقيادة الكتلة الوطنية مسيرة النضال الوطني، المتركز بصورة رئيسية في خوض المعارك الانتخابية، والصراع السياسي المباشر بواسطة الاضرابات والمظاهرات، والمواجهات السياسية النيابية والصحافية، بهدف تحسين شروط مضمون المعاهدة التي رفضتها الكتلة الوطينة في صيغتها الأولى للعام 1934، ثم أبرمتها مع الحكومة الفرنسية في العام 1936 ، بعد أن حققت استقلالاً منقوصاً لسوريا تمثل في وحدة جميع المناطق السورية (استثناء لبنان ثم لواء الاسكندرون ). و" في 14 تشرين الثاني سنة 1936 جرت الانتخابات في جميع المدن السورية، ففازت قوائم الكتلة الوطنية في جميع المدن، وأغلب الأقضية ". (16). وسارعت الكتلة الوطنية إلى قطف ثمار نجاحها في إقرار المعاهدة التي اعتبرت آنذاك كسباً محققاً لسوريا خصوصاً على صعيد وحدة البلاد. في وقت كانت المعاهدة فيه توضع في أيامها ثلاث سنوات تالية [ بفترة يسميها البعض فترة " الحكم الوطني " ] تجاهل الاعتراف الكامل بالمعاهدة خصوصاً لجهة التلكؤ في عرضها واقرارها في البرلمان الفرنسي. هذا الأمر وضع الحكومة الوطنية في وضع صعب جداً تجاه المعارضة، مقابل أن الكتلة الوطنية لم تكن ذات بنية حزبية متماسكة، بل كانت تجمعاً مناطقياً تحت شعارات وطنية عامة، سرعان ما ظهرت تناقضاتها عندما استلمت الحكم وأخذ " تماسكها " يتراجع أمام اغراءات السلطة نفسها، فضلاً عن أنها هي غير المجربة في السلطة تبدأ مرحلة جديدة لم تعد " سلبية " أي في المعارضة "(17).‏

ويمكن اعتبار ابرام المعاهدة 1936، والسنوات القليلة التي تلتها بداية مسلسل الانحدار التاريخي للكتلة الوطنية، ولهيمنتها المطلقة على الحياة السياسية في سوريا. فضيق أفق البرجوازية السورية جعلها لاترى إلا مصالحها، ولم تكن قادرة على بلورة برنامج وطني لقيادة الجبهة الداخلية، وكانت معنية وحريصة على دمج التحالف الطبقي من كبار الملاكين والاقطاعيين والتجار في بنيتها السياسية، ومقولاتها الايديولوجية، فضلاً عن أن تشكلها التاريخي الضعيف، ونموها البطيئ على هامش السيطرة الكولونيالية، قد جعلها تستخدم الشعب كفزاعة في إطار تحسين موقعها التفاوضي مع المستعمرين، ليس إلا.‏

ولا تنفصل معاهدة 36 عن نمو الحركة السياسية الوطنية المطالبة بالاستقلال، والتي اتخذت في أحيان كثيرة شكل انتفاضات مسلحة، وشعور المستعمرين بضرورة تحويل هذه الحركة عن مجراها بعد أن فشلوا في لجمها .‏

فكانت سياسة التفاوض والوعود بالاستقلال سياسة متبعة عند الانكليز والفرنسيين على حد سواء، نابعة من رؤية هؤلاء المستعمرين الاستراتيجية إلى ماكانوا يسمونه الشرق الأدنى والشرق الأوسط، وموقعه في سياستهما، وفي مسار التوسع الرأسمالي العالمي. وكان ذلك يلقى استجابة لدى البرجوازية في سائر الأقطار العربية، التي كانت تطمح في نيل الاستقلال لتحرير مصالحها الاقتصادية، وتحسين مواقعها في السوق العالمية، أو لم يكن يتاح لها ذلك إلا بالهيمنة على السوق المحلية.‏

أن توقيع معاهدة 1936، حقق ما كانت تريده البرجوازية السورية، أي إلغاء الانتداب وتبديله بمعاهدة، وتكريس وحدة " الدويلات السورية " السابقة في دولة واحدة، بعد أن ألحقت الأقضية الأربعة بلبنان، ولواء الاسكندورن الذي تخلت عنه فرنسا لمصلحة تركيا في العام 1939. وتوقيع المعاهدة، هو أقصى ما كانت تقدر عليه البرجوازية السورية، مستغلة التناقضات والتواترات داخل المعسكر الامبريالي الغربي بعد انتهاء أزمة الرأسمالية العالمية 1929-1932، وميل فرنسا إلى عقد تسوية تحمي بها ظهرها في مستعمراتها، في حال دخولها في حرب جديدة. وقد مكنت هذه المعاهدة من انتقال البرجوازية السورية في علاقتها مع الاستعمار إلى مرحلة جديدة نسبياً، إذ تولت الكتلة الوطنية تشكيل حكومة وطنية برئاسة جميل مردم بيك، كما انتخب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، وفارس الخوري رئيساً للمجلس النيابي.‏

ولكن سرعان ما دبت الانشقاقات العُلْوِيَة داخل الكتلة الوطنية بداية من العام 1937، وهي انشقاقات ناجمة عن تفجير الصراع بين شرائح البرجوازية السورية ذاتها، حين اتجهت أقسام منها إلى استغلال الأيدي العاملة الرخيصة والمواد الخام، في سبيل تحقيق السيطرة الوطنية على التراكم من خلال بناء قاعدة صناعية، في حين أن الشرائح الكمبرادورية منها اتجهت إلى مشاركة الرأسمال الأوروبي. فضلاً عن ذلك، فإن التطورات التي شهدها الوضع الدولي آنذاك، خصوصاً مع صعود النازية في المانيا واستعادتها شبابها الاحتكاري، وكذلك الفاشية في ايطاليا، والغزو البريطاني - الفرنسي لسوريا عام 1941، واحتداد التناقضات بين الاستعمار الفرنسي والجماهير الشعبية، كل هذه العوامل مجتمعة، عمقت من ملامح الانفضاض الطبقي للجبهة الوطنية الداخلية التي كانت إحدى مكاسب ثورة 1925، والتي استفادت منها الكتلة الوطنية، فكان انسلاخ الفئات الوسطى وجماهير البرجوازية الصغيرة في المدن، وهي القوى الاجتماعية الجديدة التي تبلورت في ظل السيطرة الاستعمارية. وبما أنها كانت أكثر ثورية، فإنها ستشكل المعارضة الراديكالية التي قاعدتها الأساسية دخول الجماهير الشعبية إلى حلبة الصراع ضد الاستعمار، والاقطاع، والرجعية الداخلية، لتتجاوز بذلك قدرة البرجوازية السورية ومطامحها المنحصرة في إطار الاستقلال، والديمقراطية الليبرالية الخجولة، واعتمادها أسلوب المفاوضات، كأسلوب وحيد لحل المسألة الوطنية السورية، وعجزها عن صياغة برنامج سياسي حقيقي يجند الطبقات الشعبية حولها لخوض الصراع ضد الاستعمار الفرنسي، وهوالأمر الذي جعلها دائماً تقبل التحكيم الامبريالي. ولاشك أن هذه المعارضة ستكون متكونة من أحزاب سياسية جديدة، ذات انتماءات ايديولوجية واضحة المعالم، حيث أن الخيارات الايديولوجية التي طرحتها هذه الأحزاب كانت نابعة من تصدي هذه الأخيرة للمسألة الاجتماعية في رسم برامجها "، ولكن هذه الخيارات الايديولوجية لم تصل إلى مرحلة الاستقطاب إلابعد الحرب العالمية الثانية " (18).‏

إن معاهدة 1936 التي عممت في بلدان المشرق العربي الثلاثة سوريا - العراق - مصر، التي كانت خاضعة للانتداب الفرنسي والبريطاني، قد أرست بداية التحالف بين الفئات البرجوازية الحاكمة، والاقطاع القبلي السائد في العراق وسوريا، والاقطاع السياسي في لبنان، ونظام العزبة في مصر، والمراكز الرأسمالية الغربية، وهو الأمر الذي جعل حل المسألة الوطنية في منظور هذه الفئات، لا يمكن رؤيته إلا في إطار الارتباط بالغرب. فضلاً عن ذلك، فإن معاهدة 1936، بمقولاتها السياسية والايديولوجية والاجتماعية المحددة من قبل الدول الاستعمارية، وبارغامها طبع المسألة الوطنية في سوريا والعراق ومصر بطابع " الوطنية السورية " و " الوطنية العراقية " و " الوطنية المصرية"، قد أرست أسس الدولة القطرية الحديثة، حيث تسيطر فيها طبقات وفئات آنفة الذكر، تشكلت ونمت ضمن إطار الوضع الكولونيالي، وذات مصالح قطرية محدودة، ومتناقضة مع القضية القومية العربية، ولم يكن كل مطمحها من طرح قضية الاستقلال سوى تحسين شروط العلاقة مع الدول الاستعمارية الأوروبية، لا التصفية المادية لقاعدة السيطرة الامبريالية تماماً، ولهذا كان الاستقلال السياسي الذي حققته مقيداً بهذه المعاهدة.‏

وكما يقول الدكتور مسعود ضاهر / إن مرحلة الانتداب طوال فترة مابين الحربين العالميتين قد كانت " نقطة تحول أساسية في تاريخ المجتمع العربي المشرقي. ففيها ولدت الدول أو الدويلات القطرية، ورسمت الحدود الجغرافية في ما بينها، وسلخ لواء الاسكندرون عن سوريا وأتبع بتركيا، ومهدت الطريق لولادة الدولة الصهيونية على جزء من فلسطين، تم لاحقاً على كل فلسطين، بالإضافة إلى أراضي من لبنان وسوريا والأردن ومصر .... ومع رسم الحدود، وتأمين مصالح الانتداب، وترحيل القيادات الوحدوية أو سجنها وإقامة دساتير وبرلمانات ومجالس محلية وعلم ونشيد وقوى قمعية لكل دولة أو دويلة قطرية بدأت ملامح المجتمع العربي المشرقي الموحد تختفي تدريجياً لتحل مكانها صورة مجتمعات مشرقية تبحث عن " خصوصية " تاريخها، واقتصادها، وإدارتها، وثقافتها، وغير ذلك من شؤون الدولة " المستقلة " ذات السيادة المنقوصة أو نصف السيادة في ظل الانتداب " (19).‏

قبل أن ندرس الأحزاب الايديولوجية الحديثة الراديكالية، واتجاهاتها السياسية، وأهدافها الاستراتيجية، وعلاقاتها بصعود الفئات الوسطى، والانتلجنسيا الثورية، علينا أن نستكمل لوحة الأحزاب التقليدية المحافظة والبرجوازية في سوريا، التي تشكلت على انقاض الكتلة الوطنية.‏

1- الحزب الوطني‏

منذ أن رفضت الحكومة الفرنسية المصادقة على المعاهدة 1936، في ظل تحمل الكتلة الوطنية الحكم الوطني في سوريا، بدأت الانشقاقات تدب في هذا التجمع السياسي الكبير، باعتبارها تعبيراً سياسياً عن الصراع بين أجنحة البرجوازية السورية. وكان الجناح الحاكم من الكتلة الوطنية، مثله في ذلك مثل الجناح المنشق، ينتميان كليهما إلى طبقة الأغنياء المحافظين المرفهين، الذين لم يكونوا يؤمنون بالشعب، بل إن همهّم الرئيسي هو تحقيق المكاسب المادية الطبقية والعائلية.‏

وقبيل الانتخابات النيابية العامة التي جرت في العام 1947، تشكل الحزب الوطني من شتات الجناح الحاكم من الكتلة الوطنية، بعد انشقاق سياسي مدينة حلب، وبخاصة بعد انفصال الشابين الصاعدين رشدي الكيخيا وناظم القدسي، عن سعد الله الجابري، الذي كان رئيساً للحكومة في عهد رئاسة شكري القوتلي 1943-1947. ويعتبر الحزب الوطني حزب البرجوازية التجارية الدمشقية بأضيق صورها، حيث كان يعتقد لا على بنية تنظيمية متماسكة بالمعنى العصري للكلمة، وإنما على الخصائص الفردية لرجاله أمثال القوتلي وفارس الخوري ولطفي الحفار وصبري العسلي.‏

لقد اتسمت سياسة الحزب الوطني بطابع قومي، تجلت في المبادئ التي وضعت في العام 1948، نستعرضها على النحو التالي.‏

أ - إن العرب في اتحاد وطنهم كافة يكونون أمة واحدة، والسوريون جزء منها، وسياسة الحزب تقوم على هذا الأساس.‏

ب _ إن الحزب يسعى إلى تحرير سائر أجزاء الوطن العربي، واستكمال سيادتها، ويتضامن في هذا السبيل مع مختلف المنظمات والمراجع القومية.‏

جـ - والحزب يعتبر الجامعة العربية مؤسسة قومية يعلق عليها آمالاً كبيرة في الأهداف القومية ويسعى لتقويتها وتعزيزها.‏

د - يقاوم الحزب كل نزعة أو سياسة أو حركة مخالفة لأماني الأمة العربية(20).‏

2- حزب الشعب‏

تشكل الحزب من الجناح المنشق عن الكتلة الوطنية، أي الجناح المعارض للقوتلي، المتكون من الكتلة البرلمانية الدستورية والكتلة البرلمانية الشعبية. واستقطب الحزب أبناء العائلات الكبيرة من الاقطاع والرأسمالية، والفئات الوسطى، والعناصر المثقفة اليمينية، من حلب، والمنطقة الشمالية من سوريا، التي شكلت حزب الشعب في آب 1948. ويمثل الحزب مصالح البرجوازية التجارية وكبار الصناعيين والاقطاعيين في حلب، وكان من أبرز قادته رشدي الكيخيا وناظم القدسي ومصطفى برمدا، وحظي بتأييد عائلة الأتاسي الاقطاعية المتمركزة في حمص، التي قاومت على حد سواء حكم القوتلي وسياسة دمشق. وهكذا، فإن حزب الشعب كان ممثلاً للرأسمالية الحلبية الصاعدة المتنافسة مع الرأسمالية الدمشقية، والتي كانت تبحث عن توسيع سوقها في بلاد الرافدين وايران والهند، ومن هذا المنطلق كان حزب الشعب يعتمد على البريطانيين الذين يمارسون نفوذاً كبيراً على العراق والأردن. ومع ذلك، فإن " حزب الشعب لم يكن حزباً هامشياً ولا ملكياً، فقد كان يرتبط كمنافسه الدمشقي بالمؤسسات الجمهورية، ولكنه حزب حلبي أولاً، ولذلك فقد ألقى بثقله السياسي كي يزيل الحدود السورية العراقية ويحطم الحواجز التجارية، والحدود السورية، التي خنقت سوريا. وفي 23 تشرين ثاني 1948 أي بعد أربعة أشهر من تشكيله، خرج على الناس بمذكرة رفعها إلى الرئيس القوتلي داعياً إلى اتحاد عربي - هو في الحقيقة وحدة مع العراق ـ كوسيلة وحيدة قاردة على مجابهة التهديد الاسرائيلي. وقد حظي الحزب في فترة انتخابات 1947 وقبل أن تنفضح ميوله العراقية، حظي بتأييد حزب البعث الحركة العربية النامية أو التي كانت تستند في مطالبها إلى السيطرة على الهيئة الطلابية باستمرار.‏

حلل ميشيل عفلق، زعيم البعث، الوضع القائم آنذاك بما يلي : " كان حزب الشعب انئذ أكثر من كتلة برلمانية معارضة للقوتلي فقد بدا مخلصاً ومرتبطاً بالاجراءات الدستورية والديمقرطية، ولم يكن وجهه الرجعي بينا بعد، فضم البعث قواه إليه لمعارضة الحكومة " (21).‏

وكان حزب الشعب يعتبر أن العرب يشكلون أمة واحدة وتتوافر فيهم عناصر الوحدة الشاملة، ولهذا سعى إلى تحقيق هذه الوحدة المنشودة بالطريقتين التاليتين :‏

أولاً : إقامة اتحاد دولي بين سوريا والأقطار العربية.‏

ثانياً : اتخاذ الجامعة العربية وسيلة إلى‏

أ- توحيد السياسة الخارجية في البلاد العربية وتوحيد التمثيل الخارجي.‏

ب - توحيد قوى الدفاع العربي في قيادته وأنظمته.‏

ج- توحيد التشريع.‏

د - اعتبار بلاد دول الجامعة العربية وحدة جمركية.‏

هـ اعتبار البلاد العربية وحدة اقتصادية وتوحيد المنهاج الاقتصادي.‏

و - توحيد مناهج التعليم.‏

ز - إلغاء جوازات السفر بين البلاد العربية.‏

ي - توحيد النقد العربي وتأسيس مصرف إصدار مشترك .(22).‏

ولكن ماهي التأثيرات المختلفة للأحزاب المحافظة السورية على المجتمع المدني الوليد، عشية نيل سورية استقلالها التام في ربيع 1946/، وتشكل الدولة الفتية التي واجهت عدة مشكلات أبرزها خلق المؤسسات الجمهورية والعلاقات الخارجية، وأزمة النظام النقدي الذي بني على أساس الفرنك الفرنسي وارتبط به.‏

إن إنهاء السيطرة الكولونيالية المباشرة التي كانت تمارسها الأمبريالية الفرنسية، قد فتحت الأبواب أمام تطورات لاحقه في سوريا، لعل أهمها ولادة الدولة القطرية، واعتلاء الكتلة الوطنية مقاليد السلطة، وهي فئة سياسية ممثلة مصالح البرجوازية التقليدية والعائلات الاقطاعية الرجعية التي حافظت على بنى المجتمع التقليدية، والعلاقات التقليدية مع الغرب، وإنّ زينت نمط سلطتها بزينات دستورية وبرلمانية. غير أن هذه الدولة القطرية التي قامت على أساس التقسيم الكولونيالي الموروث من عهد الانتداب جاءت متناقضة مع طموحات القوميين العرب، الذين ناضلوا منذ بداية هذا القرن ليس من أجل دولة قطريه مقتصرة على سوريا فقط، وإنما من أجل دولة تضم اتحاد " الهلال الخصيب " " بل أن بعضهم ذهب إلى مدى أبعد وتصور دولة عربية واحدة كبرى تمتد من المحيط الهندي إلى جبال طوروس ومن البحر الأبيض المتوسط إلى حدود ايران " (23). ولما كانت هذه الفئات الحاكمة غير ديمقراطية، وبالتالي غير مهيأة لانجاز ثورة ديمقراطية، فإنها ستكون عاجزة عن بناء مجتمع مدني حديث، حتى وإن بنت جيوشاً ومؤسسات مدنية وأجهزة حديثة من حيث الشكل، لأنها بنت نمطاً من السلطة تقليدياً، وحافظت على بنية المجتمع المدني المفككة والهشة، واستندت إلى قوة العائلات الحاكمة وحواشيها من الوسطاء والمؤسسات القبلية، والمؤسسات الدينية والاجتماعية من بقايا القرون الغابرة، حيث تقف هذه القوى التقليدية المتخلفة عموماً ضد الثورة الديمقراطية، وبناء المجتمع المدني الحديث، على الرغم من ارتباطها العضوي مع القوى الامبريالية ....‏

وتعكس العملية الانتخابية، والنظام الانتخابي، ومبدأ الاقتراع العام المشروط، الذي نص عليها جميعها دستور العام 1930، طابع المرحلة السياسية التي كانت تمر بها سورية مابين 1930 و1947، من حيث وظيفة تطبيق فلسفة سياسية ونظام انتخابي مستمدين من الايديولوجية الديمقراطية الليبرالية على المجتمع السوري، الذي تهيمن فيه بنية كولونيالية نصف اقطاعية، ومن حيث أيضاً دور الأحزاب السياسية التقليدية في تنظيم الشعب سياسياً وإعداده لممارسة حقه في الاقتراع، وفي تمكنها من استخدام العملية الانتخابية لبلوغ أهدافها. وعلى الرغم من أن الأحزاب السياسية هي التي تنظم الشعب بهدف خلق رأي عام يشكل عماد ديمقراطية حديثة، إلا أن النيتجة الفعلية لممارسة الأحزاب السياسية السورية في تلك المرحلة كانت موافقة على بقاء البنى الاجتماعية التقليدية القائمة، حتى وإن انصبت جهودها على الدعوة للقيام ببعض الاصلاحات المعنية والمحدودة للأوضاع القائمة، غير أنها لم تحاول مطلقاً النفاذ إلى الصميم على صعيد تعميم القيم الديمقراطية الحديثة بين أوساط الشعب لكي يسهم بكامله أسهاماً حقيقياً وفعلياً في المؤسسات السياسية، والدعوة إلى بناء المجتمع المدني على أسس جديدة. وقد كان الناخبون السوريون " يتميزون بقيم دينية واجتماعية لاتتفق وعملية سياسية وديمقراطية عصرية، فالسلوك السياسي متأثر بالأشكال القديمة التي تؤكد على " الحكومة الفردية "، والدينية والإقليمية، والخصائص الثقافية، مع ربط ذلك كله بالطبقة المعتادة والنزعات الريفية أوالحضرية، لذلك سعى المرشح في توجيهه للتأكيد على ارتباطه بالمحلية وعضويته في طائفته ولاسيما إذا كانت أقلية ونسبه العائلي، ابتداء بأسرته وانتهاء بعشيرته، وقرابته الاقتصادية (كموظف أو مالك أرض)، وصلته - إذا أمكن ذلك - بالنضال القومي من أجل الاستقلال (24).‏

وكان النظام الانتخابي في سوريا يقوم على أساس أن النائب يمثل " محلته " وطائفته بدل منطقته الانتخابية. وهكذا، فالتمثيل النيابي في البرلمان هو جغرافي وطائفي، و التصويت يتم على أساس " اللائحة الانتخابية ". ولما كانت الطبقة المسيطرة على السلطة متكونة من كبار الملاكين الاقطاعيين والبرجوازية التقليدية المحافظة، فإن العملية الانتخابية تكشف عن طبيعتها اللاديمقراطية، عندما تستعمل هذه الطبقة المسيطرة على مؤسسات الحكم كل الوسائل القمعية واللانسانية، مثل القدرة المالية والثروة وأثرهما في ترجيح كفة هذا المرشح أو ذاك، خصوصاً عندما ينفق على الدعاية الانتخابية مبالغ باهظة لخوض المعارك الانتخابية، وكذلك الرشاوي لشراء أصوات الناخبين، أواستخدام القمع لارغام الناخبين في الريف والمناطق النائية بواسطة رجال الدرك، ورئيس العائلة العشائرية الذي يستطيع الأدلاء بأصوات عائلته من خلال حث أفرادها على التصويت لمصلحة النائب المتفق عليه .‏

والحال هذه، فإن العملية الانتخابية في سورية هي مجرد غطاء ديمقراطي لانتخاب أعضاء المجلس النيابي من أبناء العائلات الاقطاعية الكبيرة والبرجوازية التقليدية، والطوائف، وشيوخ عشائر البدو الذين كان لهم تسعة نواب، ولحكم أو ليغارشي تسيطر فيه الطبقة الحاكمة المستبدة على الشعب المخدوع بالانتخابات النيابية كوسيلة لتطبيق الديمقراطية. وعملت هذه الطبقة دائماً على شق أية معارضة تقف أمامها، وإفشال مرشحيها‏

بتقسيم الدولة إلى دوائر انتخابية بطرق تضمن فوز مرشحي السلطة الحاكمة، وبذلك يكون عدد النواب في الدائرة غير متناسب مع عدد الناخبين، فضلاً عن أن الحكومة كانت تقر نظاماً انتخابياً يعطي نسبة أكبر من المقاعد في البرلمان للدوائر التي تتمتع فيها وانصارها من المستقلين بأعداد كبيرة من المؤيدين، في حين أنها لاتعطي نسبة المقاعد عينها بشكل متساو للدوائر التي تكون فيها الغالبية لمرشحي المعارضة.‏

لكن ظاهرة اللاديمقراطية لاتقف عند هذا الحد، فحين عادت الكتلة الوطنية إلى الحكم في سورية على أثر فوزها في انتخابات 1943 وبعد انتخاب شكري القوتلي أحد أقدر رجال الكتلة رئيساً للجمهورية، وتناوب على رئاسة الحكومة ثلاثة من زعماء الكتلة الوطنية البارزين وهم سعد الله الجابري، وجميل مردم، وفارس الخوري، وذلك مابين أيلول العام 1943 والعام 1947، استغل رئيس الجمهورية القوتلي صلاحياته الدستورية كرئيس جمهورية غير مسؤول أمام البرلمان، فضلاً عن تمتعه بتعيين الوزارة، واستدعائه المجلس النيابي، وأفراز التشريعات، وإيقافها وإصدار القوانين التي وافق عليها البرلمان لكي يمنح أعوانه أعطيات من أموال الدولة، ويتلقى هدايا من أعضاء المجلس النيابي كما قال عنه السيد محمد كرد علي العلامة السوري. و " كان يزعم رئيس الوزراء على اختيار الوزراء الذين يختارهم، ولم يكن مفاجئاً أن بين أقوى مؤيديه رجالاً انقلبوا ليصبحوا أكبر الخونة واحط اللصوص ... كان يمنح الاوغاد امتيازات واستثناءات ووظائف وهدايا، كما وظف كثيراً من أقاربه وأعضاء حزبه كان بعضهم أمياً وحاز على وظائف لاعمل لها، وعين له المجلس النيابي مخصصات دون أن يطلب منه أي حساب، ولقد تدخل في تعيينات صغيرة كثيرة"، لذلك لم يكن عجباً أن الأعمال والممارسات، باتجاه كهذا في القمة، كانت سيئة حقاً في المراتب الدنيا من الجهاز الوظيفي " (25).‏

لقد عبر المجتمع المدني عن نفسه إزاء سياسة الحكومة التي تستخدم السلطة لأغراض " الفخفخة" الفردية ومحاباة الأقارب والفساد والرشاوي " من خلال الاضرابات التي نظمتها المعارضة، ونقد الصحافة للحكومة الأمر الذي جعل صبري العسلي وزير الداخلية آنذاك يقدم طلباً للبرلمان بإصدار قرار يصادر فيه حرية الصحافة، بناء على مرسوم أصدره المفوض السامي الفرنسي في عام 1924، الذي كان لايزال نافذ المفعول. ولذلك " اقترحت الحكومة على البرلمان في تشرين الثاني سن قانون تنظيمي يتعلق بالمنظمات والصحافة يخول وزير الداخلية إصدار إذن عقد الاجتماعات العامة والسماح بتشكيل الاحزاب والتنظيمات الأخرى ومراقبة نشاطاتها، كما سيخوله أيضاً سلطة حل أي تنظيم معاد للحكم أو حظر نشاطه، وفضلاً عن ذلك يمنح وزير الداخلية سلطة فرض الإقامة الجبرية على الأفراد الذين ينتهكون هذه الأنظمة، ويمكن توقيف الصحف عن الصدور " للقدح " في شخص رئيس الدولة، أو " التشهير " بالقوات المسلحة السورية وانتهاك كرامة وحرمة الدولة والموظفين والدول الأجنبية عن طريق شتم رؤسائها وممثليها في دمشق أو نشر مقالات تسيئ إلى العلاقات الطيبة بين سورية وهذه الدول، ويمكن لأسباب مشابهة سحب أذونات الطبع وإغلاق الصحف والمكتبات ودور السينما والمسارح، كما يمكن منع المطبوعات الأجنبية وطرد مراسليها، يضاف إلى ذلك أن الحكومة قد خولت منح الصحف معونات مالية وتحديد اثمان المطبوعات، ولتتويج اقتراح القانون كله ومنح وزير الداخلية سلطة وضع قائمة المطبوعات التي سيسمح بنشرها(26).‏

ولاشك أن هذه الخطوة من جانب وزير الداخلية تشكل انتهاكاً صريحاً ومباشراً لمواد الدستور، فضلاً عن أنها محاولة لتهميش المعارضة، التي أصبحت توجه نقدها اللاذع للفساد المفضوح، وتطالب في الوقت عينه القيام باصلاحات للنظام الانتخابي، وتعديل قانون الانتخابات في نيسان 1946. غير أن الطبقة السياسية الحاكمة لم تكن راغبة في إجراء أي تغيير في النظام الانتخابي، بهدف المحافظة على نظام الانتخابات غير المباشرة القديم الذي يضمن لها الاستمرار في السلطة، فضلاً عن أن الأغلبية في البرلمان، كانت متخوفة من هذه الاصلاحات الانتخابية، لأنها تتوقع سقوطها في أي انتخابات مباشرة، ولهذا مارست الحكومة سياسة المماطلة وتكتيك التأجيل حتى تتجاوز عقبة الانتخابات المزمع اجراؤها في عام 1947.‏

ومع قرب موعد الانتخابات، بدأت تشكيلات المجتمع المدني الوليد تشكل معارضة منظمة، متكونة من الكتلة البرلمانية المعارضة داخل البرلمان عينه، والاحزاب السياسية المنظمة، وتجار دمشق وحلب وحمص وحماه، وممثلي الحركة العمالية الوليدة، وتنظيم الاتحاد النسائي الذي وجه عريضة إلى البرلمان يطالب فيها التحرر السياسي الكامل للمرأة السورية ومنحها حق الانتخاب. وكانت هذه المعارضة بجميع فصائلها تخوض معركة إجراء انتخابات نيابية مباشرة وعامة، إلى أن استجابت الحكومة لمطلبها، وأقرت قانون الانتخابات المباشرة والتصويت الأجباري، وذلك من خلال صدور مرسوم جمهوري يحدد بموجبه حجم المجلس النيابي بمئة وأربعين نائباً، أي بزيادة خمسة عشر مقعداً جديداً، منها سبعة مقاعد للسنيين، ومقعد واحد لكل من العلويين والدروز والسريان الأرثوذكس والموارنة " (27). وكان موضوع تمثيل الاقليات في البرلمان من أخطر المواضيع السياسية حساسية في سورية، إذ أنها تمس بشكل جوهري وضع الاقليات الدينية، في بلد متكون من موزاييك طائفي وأثني. ولذا فإن أي " تغيير في تمثيل الاقليات سيمس وضع النواب أنفسهم، فاذا انقضت نسبة تمثيل بعض الطوائف أو لم يعد من ممثل لها فسوف يفقد بعض النواب مقاعدهم، لذا حمي النقاش البرلماني حول هذه القضية، وقد عارض رشدي الكيخيا وناظم القدسي تضمين مشروع القانون الجديد أية حقوق طائفية على أساس أن المادة السادسة من الدستور تنص " السوريون لدى القانون سواء، وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفي ما عليهم من الواجبات والتكاليف، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الأصل أو اللغة "(28). وفي المجلس النيابي الجديد كان تمثيل الجماعات الدينية كما يلي : السنة ولهم 93 مقعداً، العلويون : 11، الدروز 5، الروم الارثوذكس 6، الأرمن الارثوذكس 2، السريان الارثوذكس 2، الروم الكاثوليك 2، السريان الكاثوليك 1، الأرمن الكاثوليك 1، الموارنة 1، الاسماعيليون 1، اليهود 1، الاقليات غير الممثلة، 3، العشائر 10.‏

وقبل انتخابات العام 1947، تشكل الحزب الوطني الذي اسلفنا في الحديث عنه، وكان منهجه السياسي ينادي بالانتخابات المباشرة والابقاء على التمثيل الطائفي والعنصري. أما المعارضة، فإنها كانت مشكلة من ائتلاف غير متماسك، ولكنه سيكون نواة لحزب الشعب لاحقاً، الذي ذكرنا كيفية تشكله، حيث كان ينتقد الحكومة باعتبارها فريقاً من الرجال استغلوا البلاد لمصالحهم الخاصة طيلة سنوات أربع كاملة، وإن " إعادة انتخابات هذا الفريق سيعني العودة إلى النظام الاقطاعي وسيادة العائلات ذات النفوذ والعودة إلى قطاعي الطرق " (29).‏

وقد طغى على هذه الانتخابات الطابع المحلي والعائلي، والصراع بين أعرق العائلات، والمنافسات الحزبية، والفوضى السياسية العامة، وزيادة عدد المستقلين، بسبب الخلافات الأساسية المستوطنة في السياسة السورية. ومع ذلك نظمت المعارضة نفسها في نطاق جبهة مشتركة معادية للحكومة تضم حزب الشعب والحزب الوطني العربي، ونقابات العمال، وجمعية المجاهدين، ورابطة العلماء، وحزب البعث.‏

وفي هذه الانتخابات التي جرت في تموز العام 1947، سادت فيها حرية التصويت، ولكنها لم تخل من حوادث العنف التي وقعت في أنحاء من البلاد أثناء سير عمليات الاقتراع الفعلية، بالإضافة إلى الخلافات والمشاجرات والعداوات العشائرية والعائلية التي سادت في عدة مدن سورية، خصوصاً وإن التنافس كان على أشده بين الحزب الوطني والمعارضة. ثم أظهرت نتائج الانتخابات هزيمة الحزب الوطني، على الرغم من تقدير الشعب لموقفه من الفرنسيين ونال 24/ مقعداً، أما المعارضة الذي يشكل حزب الشعب نواتها الاساسية، فقد فازت بثلاثة وثلاثين مقعداً جديداً وارتفع تمثيلها النيابي في المجلس إلى 53 / نائباً، يضاف إليهم كتلة مائعة كبيرة من المستقلين لاينتسبون إلى حزب، أو ينتمون إلى عقيدة، ويزيد عددهم عن الخمسين، وقد ظلوا من ظواهر الحياة البرلمانية السورية، ويمسكون بزمام التوازن ما بين الكتلتين المتنافستين ويشكلون أرضاً صالحة للانتهازيين السياسيين حتى اختفاء البرلمان السوري عام 1958. لقد كان هؤلاء من ملاك الأراضي ورجال الأعمال وزعماء القبائل والاقليات ورؤساء العائلات الكبرى البالغة القوة، وهم بعددهم الكبير في جميع الانتخابات السورية يشهدون على قوة اشكال الولاء المحلية والتقليدية وضعف التنظمات الحزبية (30).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244