المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رابعاً

لبناء مجتمع مدني حديث؟‏

إن ايقاع الحياة السياسية السورية ما كان يجري وفق رغبات الطبقة الحاكمة، فهناك التحولات الدولية والداخلية التي اعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة، والتي كان لها التأثير المباشر على الأوضاع السياسية والاجتماعية في سورية.‏

لقد افرزت الحرب العالمية الثانية تطورات مهمة متنوعة شديدة التعقيد ومتعددة الأجزاء تمثلت في تغيير أساس في ميزان القوى الطبقية على الصعيد العالمي. فقد حقق الاتحاد السوفياتي انتصارا ً كبيراً في الحرب ضد النازية والفاشية، وبرز لأول مرة كقوة اشتراكية، و " انتصرت الاشتراكية المشيدة " في عدد من البلدان، وبخاصة في الصين منذ العام 1949، وظهر المعسكر الاشتراكي إلى عالم الوجود، وأصبح قوة في العالم المعاصر، خصوصاً بعد أن ارتبطت الاشتراكية لدى الشعوب وحكومات العالم الثالث بخيار التحرر والتنمية الاقتصادية، باعتباره الخيار التاريخي للخروج من بوتقة التأخر التاريخي. وبالمقابل برزت الولايات المتحدة كأكبر قوة عظمى في عالمنا المعاصرة على الإطلاق، بسبب حضورها المباشر على الساحة الدولية، والذي يعود إلى إمتلاك الولايات المتحدة معايير القوة والتفوق من ضخامة وقوة الاقتصاد الأميركي في العالم، إلى القوة العسكرية، وهي أضخم قوة عسكرية في عالم ما بعد الحرب، إلى التكنولوجيا الأميركية المتقدمة جداً، وأخيراً إلى الاختراعات العلمية والتكولوجية الأكثر تنوعاً في العالم. لكن الولايات المتحدة هي في الوقت عينه أكبر قوة أمبريالية عدوانية قائدة للمعسكر الامبريالي الغربي، الذي ضعف كثيراً، وبخاصة بالنسبة لقضية فرنسا وبريطانيا، حيث اخذت التناقضات بين البلدان الامبريالية تزداد حدة. وكان من الطبيعي أن يفرز هذا الوضع انقسام العالم إلى معسكرين شرق وغرب، متناقضين جوهرياً في مصالحهما الاستراتيجية والأمنية العسكرية، وفي معتقداتهما الايديولوجية، وبالتالي اتجاهين رئيسيين في العلاقات الدولية عقب الحرب العالمية الثانية .‏

الاتجاه الذي تمثله الامبريالية الاميركية، الذي يدعو إلى تفجير الحرب الباردة ضد المعسكر الاشتراكي، واخضاع المستعمرات والبلدان المستقلة حديثاً لإدارة الولايات المتحدة عن طريق التهديد العسكري، والابتزاز، وممارسة سياسة العصا الغليظة، وخلق الاحلاف العسكرية، كحلف شمال الاطلسي الذي تأسس في العام 1949 / والحلف المركزي وحلف جنوب شرق اسيا. وكان هذا الاتجاه الذي يلعب " اتجاه القوة "، ينطلق من تصورات، وتحديد الغرب لطبيعة الصراع على الصعيد الدولي مع الشرق. فالغرب يعتقد أن الايديولوجية الشيوعية ترغب في تحويل العالم باسره إلى عالم اشتراكي، وإلى عالم لا طبقي، وذلك من خلال الثورات العمالية المتلاحقة الموجهه ضد الطبقات الرأسمالية، وذلك برعاية الأحزاب الشيوعية واليسارية في العالم ". وهو يتصور (أي الغرب) إن الاتحاد السوفياتي هو الخطر وجودياً واستراتجياً على الغرب الذي ينبغي التصدي له ، وبالتالتي التصدي لهذا الخطر والحد من التوسع الايديولوجي للاتحاد السوفياتي وفرض حصار سياسي ودبلوماسي وايديولوجي وعسكري عليه " (31).‏

أما الاتجاه الثاني فيمثله الاتحاد السوفياتي والأقطار الاشتراكية الأخرى، وحركة السلام المناهضة للحرب، الذي ينادي بتطبيق سياسة التعايش السلمي بين الدول ذات الانظمة الاقتصادية المختلفة، وتخفيف حدة التوتر الدولي، والوقوف بحزم في وجه الحرب الامبريالية. وينطلق هذا الاتجاه من فلسفة الاشتراكية العلمية، التي ترى أن " الايديولوجية الرأسمالية هي باستمرار ايديولوجية استغلالية تدفع إلى نهب المناطق الغنية بالمواد الأولية وتخضعها لهيمنة النظام الرأسمالي العالمي، وتحرم الشعب بالتالي من التمتع باستقلالها الوطني " (32).‏

وهذا الاتجاه يعتقد أن الولايات المتحدة هي في الوقت الراهن أخطر الدول الرأسمالية، تعمل على محاربة حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، وتطمح إلى إجهاض التجربة الاشتراكية، التي تم تشييدها في الاتحاد السوفياتي، والصين وتحقيق سيطرتها على جميع دول العالم، بما يعني ذلك سيطرة حضارة الرأسمالية الاحتكارية والعدوانية التوسعية، والامبريالية، في سياسات الدول الغربية الرأسمالية، وبخاصة لدى الولايات المتحدة الأميركية، التي تريد فرض وممارسة سياسة الهيمنة الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والايديولوجية، والثقافية على العالم بشكل مطلق.‏

لقد أصبح انقسام العالم المعاصر إلى شرق وغرب حقيقة تاريخية وسياسية ثابتة في اجتماع يالطا، الذي عقد سنة1945. والذي حضره كل من شرشل، وروزفلت، وستالين، أي زعماء الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وبذلك تم تأسيس النظام العالمي ثنائي القطبية أو نظام يالطا الثنائي " في إطار انقسامه إلى معسكر اشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي، ومعسكر رأسمالي غربي بزعامة الولايات المتحدة الاميركية، حيث أن توازن القوى الجديد اقتضى قبول الولايات المتحدة بتزايد نفوذ الاتحاد السوفياتي في الشرق، وقبول الاتحاد السوفياتي بتزايد نفوذ الولايات المتحدة في الغرب الرأسمالي.‏

من المنطقي والتاريخي أن يظل هذا التوازن الدولي الجديد معرضاً للاختلال والاضطراب جراء تضارب وصراع المصالح السياسية والاستراتجية الحيوية، بين النظامين، فضلاً عن استقطاب القوة الشديد، في العالم المعاصر، ووجود مناطق متوترة على طول جبهة الصراع الدولي الفاصلة بين النظامين المتناقضين. وإذ كان التوازن القديم عقب ثورة أكتوبر كان قائماً على أرضية وجود روسيا ضعيفة، وأميركا انعزالية، الأمر الذي حقق هدنة في الصراع بين الرأسمالية والشيوعية، طوال عقدي العشرينات والثلاثينات، فإنه مع دخول العالم المعاصر، العصر النووي، وسباق التسلح النووي أصبح هذا العالم نفسه يضيق شيئاً فشيئاً بوجود نظامين متناقضين. ومع دخول العالم الحرب الباردة في سياق تطور صيرورتها كصراع بين الشرق والغرب، والتي تزامنت مع قيام الثورة العلمية والتكنولوجية الجديدة في الغرب، أو ما أصبحت تلقب به الثورة الصناعية الثالثة، فإن العالم المعاصر أصبح أكثر من أي وقت مضى غير قادر على تحمل وجود نظامين متناقضين، فإما الانتصار للاشتراكية النهائي وزوال النظام الامبريالي من الودجود، وإما الانتصار للبربرية الرأسمالية الهمجية. ذلك هو ديالكتيك التاريخ المعاصر والمعقد جداً ما بعد الحرب العالمية الثانية، ودخول العالم مرحلة الحرب الباردة.‏

أما على الصعيد التحولات الاقتصادية التي جرت في المجتمع السوري وبروز الدور السياسي للفئات الوسطى، وتطلع ابنائها إلى السلطة، فقد كانا في أساس نمو حركة سياسية اتسعت نطاقها لتشمل احزاباً أيديولوجية قومية، واشتراكية، ودينية.‏

" فقد كانت فئات الوسطى من السكان تؤيد تقليدياً أحزاب المعارضة الرئيسية المعتدلة كما ذكرنا، ولكن دخول فئة مثقفة، تنتسب في أصلها الاجتماعي إلى الطبقة الوسطى، ميدان العمل السياسي، في وقت ظهر فيه واضحاً العجز الايديولوجي والسياسي لأحزاب المعارضة المعتدلة، قد أدى إلى إنشاء أحزاب ذات ايديولوجيات مختلفة، موجهة بشكل رئيسي إلى الفئات الوسطى من السكان، وراديكالية، كالأخوان المسلمين (1928)، ومصر الفتاة (1932)، والحزب القومي السوري (1932) وحزب البعث (1940). وقد أذكى هذه الايديولوجيا المتعددة انتشار الصحافة والسياسة انتشاراً واسعاً (في مصر وسوريا بشكل خاص) الأمر الذي ساعد على التبعية السياسية لفئات واسعة من السكان " (33).‏

فالممارسة السياسية للكتلة الوطنية بما تمثله من بعد اجتماعي حفز متنورين من أبناء الفئات الوسطى إلى الامساك بزمام السلطة، أو المشاركة فيها في أسوأ الأحوال. وقد كان هذا الوضع مواتياً لبعض المعارضين من الفئات الاجتماعية العليا الذين دأبوا على التقرب من الفعاليات السياسية في الفئات الوسطى، ولاسيما ضباط الجيش، مما مهد السبيل لبروز كتلة سياسية جديدة قوامها : الضباط، والمعلمون، والمحامون، وقادة الحركة الطلابية، والنقابات، والمثقفون. هذه الكتلة التي ستكون لها شأن كبير في إطار الاحزاب الايديولوجية، التي طرحت برامجها السياسية، وشكلت نوعاً من المعارضة تستند إلى الشعب، أو تتقرب منه.‏

من الأحزاب الايديولوجية الراديكارلية المهمة التي تأسست في عقد الاربعينات، حزب البعث، التي كانت " عصبة العمل القومي " كحركة سياسية معارضة نواته الأساسية. وكان ميثال عفلق وصلاح البيطار من الأباء المؤسسين لحركة البعث العربي، التي كان قوامها المعلمون والطلاب وبعض المثقفين. أما القواعد الايديولوجية الأساسية لحركة البعث في المرحلة الأولى من تأسيسها فقد كانت تتكون من الايديولوجية القومية المستمدة من أفكار قومية حديثة، وافدة من الغرب، ومطعمة بالتراث العربي الإسلامي، خصوصاً وإن عفلق يعتبر حياة النبي " ممثلة للنفس العربية في حقيقتها المطلقة ". يؤكد عفلق أن كل عربي، في الوقت الحاضر يستطيع أن يحيا حياة الرسول العربي ولو بصورة جزئية مادام ينتسب إلى الأمة التي انجبت محمداً " ." وهكذا لم ينظر البعثييون إلى الإسلام من زاوية طابعه الالهي والديني، وإنما اعتبروه مفصحاً عن عبقرية الأمة العربية " (34).‏

وإن تعريب " الإسلام على هذا النحو، وما أشاره من ردود فعل يعتبر حدثاً مهماً في تاريخ الحركة العربية، إن الأمة العربية، باعتبارها " فكرة خالدة " تنحو دائماً إلى أن تعبر عن نفسها، وتتجسد واقعياً، وما القومية العربية في وقتنا الحاضر إلا تعبيراً حديثاً عن ذات الأمة، ووعياً لحقيقتها. وهكذا تسمو هذه القومية إلى درجة الإسلام، على اعتبار أن الاثنين ليسا شيئاً أخر سوى تجسيد واع للأمة العربية في عصور مختلفة. ويتحدد ايديولوجيا مضمون الحركة القومية العربية في الوقت الحاضر " بالثالوث " المعروف : " الوحدة العربية والحرية والأشتراكية " (35).‏

وكان قيام الحزب الاشتراكي العربي كحزب اقليمي انحصر نفوذه في وسط سورية بمحافظة حماه، وفي أوساط الفلاحين بصورة خاصة، ووقوفه بحزم في وجه أعتى اقطاع في سورية كلها بقيادة زعيمه التاريخي أكرم الحوراني، الذي يعتبر شخصية سياسية عملية وميكافيليه، قد تشكل ساعداً قوياً في قيام الاتحاد بين الحزب الاشتراكي وحركة البعث الذي نجم عنه تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان ايذاناً لتحالف الفئات الاجتماعية الوسطى والدنيا. هذا التحالف الذي كانت تخترقه أيضاً الأحزاب الايديولوجية الأخرى كالحزب الشيوعي والحزب القومي الاجتماعي، وحزب الأخوان المسلمين، مما يشير إلى انخراط هذا الاحزاب جميعها في مجال سياسي واحد يمكن أن نسميه المجال السياسي للفئات الوسطى على الرغم من الدعوة الشعبوية والجماهيرية والعمالية. وبذلك تشكل مجال سياسي جديد قطع سياسياً وايديولوجياً مع المجال السياسي الذي كان سائداً في الأربعينات، وسيكون هذا المجال السياسي الجديد المجال السائد الوحيد مع مطلع الخمسينات حتى يومنا هذا.‏

في ظل الانقلابات العسكرية الثلاثة التي شهدتها سوريا ابتداء من آذار 1949 خصوصاً في عهد العقيد الشيشكلي مر حزب البعث العربي الاشتراكي بمرحلة التسييس والتجذير في نهجه السياسي والايديولوجي ". ففي هذا العهد أثبت الحزب وباصرار عن تعلق " كلي ونهائي " بالديمقراطية والبرلمانية. وكان حول هذه النقطة يؤكد أن النظام الجمهوري النيابي هو القاعدة السليمة لكل انطلاق شعبي "، وبالمقابل كان يرى أنه لا يمكن أن يكون في يوم من الأيام متخلياً عن الحياة الدستورية، ولكنه وهو الحزب الانقلابي الاشتراكي، لم ينخدع بالمجالس النيابية التي لا تنفع إلى للمستغلين الاقطاعيين والسياسيين المحترفين"(36).‏

لقد تميز حزب البعث بالنضال على واجهتين : واجهة مدنية وواجهة عسكرية، فقام الحزب بتكوينن جبهة وطنية ضمت ممثلين عن حزب البعث العربي الاشتراكي، وحزب الشعب، والحزب الوطني، وبعض السياسيين المستقلين، وذلك بهدف تشكيل جهة سياسية معارضة لنظام الشيشكلي الديكتاتوري، في سبيل إقامة نظام ديمقراطي برلماني، وصيانة الحريات العامة، وصيانة الاستقلال، والجمهورية السورية، وأخيراً إبقاء الجيش في ثكناته.‏

إن هذا التقارب بين حزب البعث والأحزاب اليمينية المحافظة والتقليدية، وعدم أشراكه الحزب الشيوعي في هذه الجبهة، قد جعل حزب البعث يتعرض إلى التهديدات اليمينية واليسارية القوية في آن معاً. " وهنا يجب تسجيل هذه الوقفة الرائعة للحزب ونضاله على مختلف الجبهات الداخلية في سورية، هذا مع عدم نسيان دور الشعب والجيش السوري اللذين وقفا دائماً إلى جانب البعث. على أن هذا النجاح والصمود لم يخفيا ضعف البعث أمام التيارات السياسية التي كانت تتنازع سورية في ذلك التاريخ. وهذا السبب هو الذي جعل البعث يضغط بقوة ويقدم طلباً رسمياً، ناشداً رابطة رسمية مع مصر في خريف عام 1957 /. ولقد ظهر أن الاتحاد مع مصر يعني بنصره على خصومه المحليين، وفي نفس الوقت يتمكن من نشر مبادئه إلى كل انحاء العالم العربي " (37). وانجلت غوامض الأمور مع نهاية عام 1957، واتضح أنه ليس بإمكان حزب أو مجموعة سياسية منفردة، أو فرد في البلاد أن يؤمن الاستقرار السياسي لها، وعندما قدم طلباً رسمياً للوحدة مع مصر. هذا ما جرى في الوقت الذي " قام ضمن المعسكر اليساري نزاع بين الشيوعيين، الذين فضلوا روابط أمتن مع الاتحاد السوفياتي، وبين البعث الذي ألح على اندماج كامل مع مصر " ،وأخيراً انتصرت وجهة نظر البعث، وانتصرت مبادؤه بعد أن خاف في بداية عام 1958 /من قيام " انقلاب لمصلحة الشيوعية في سورية، وهذا ما ينهي قوته، أما الاتحاد مع مصر فيقويه. لقد اختلف البعث مع الشيوعيين لكنه آمن بأن عبد الناصر قد قبل أفكاره "(38).‏

لقد سيطرت الايديولوجية القومية العربية على المنطلقات النظرية، والنهج السياسي لحزب البعث العربي الاشتراكي، باعتبار أن القضية القومية هي القضية المركزية في صراع الأمة العربية من أجل التحرر والتقدم. لذا كانت باقي المسائل الأخرى من بناء الديمقراطية والمجتمع المدني، والصراع الاجتماعي، يتم التعامل معها على اساس أنها فروع من القضية الأم، لا على أساس أن هذه المسائل جميعها تتقدم معاً وتتراجع معاً، ضمن الفهم الجدلي للحركة التاريخية.‏

لذا، لم يركز حزب البعث على قضية الصراع الطبقي، بل أن ميشال عفلق عبر عن ذلك بقوله " وأنه بالرغم من أن المسألة الاجتماعية والاقتصادية لها خطورة كبيرة في حياة العرب وهي المشكلة الأولى، غير أنها تابعة لمشكلة أهم وأعمق هي المشكلة القومية وأنه لا يمكن ضمان حل للمشكلة الاقتصادية إلا إذا اعتبرت فرعاً ونتيجة لازمة للمشكلة القومية " (39).‏

ولم يعتمد الحزب معيار الانقسام الطبقي والانتماء الطبقي كأساس للموقف من القضية القومية، وإنما المعيار الجوهري الذي اتخذه هو جعل الشعب العربي بجميع فئاته وطبقاته في محور يناضل في سبيل حل القضية القومية العربية، ووضع باقي الفئات الاقطاعية والبرجوازية والسياسية المعادية لها في محور ثان " فليس فقط الرأسمالين والاقطاعين هم اعداء الشعب العربي بل أيضاً هم السياسيون الذين يتمسكون بالتجزئة لأنها تفيدهم شخصياً، وليس هؤلاء فحسب بل أولئك الذين يسايرون الاستعمار بشكل من الأشكال، وأولئك الذين يعادون الفكر والعلم والتطور والتفتح والتسامح والذين يقاومون أو يحولون دون تحرر أمتنا، وضعناهم في صف ومجموع الشعب في صف أخر " (40).‏

ومن هذا المنظار، يعتبر عفلق أن تحقيق الوحدة العربية ينبغي أن يعطي الأهمية والأولوية على الصعيدين السياسي والايديولوجي على ما عداها من الاشتراكية، لأن الدعوة إلى الاشتراكية في ظل تفتت وشتات الأمة العربية، واغتصاب فلسطين من قبل الكيان الصهيوني، تعتبر عامل تفرقة جديدة في صفوف الامة العربية.‏

وقد كتب عفلق في هذا الصدد قائلاً ربما لانعطي الشعب كل مايريده. بل ربما أخذنا من حاجاته لتقوية الجيش وتحقيق الانقلاب في البلاد العربية كلها. ولا يمكن تحقيق الاشتراكية في سورية وحدها لأنها صغيرة وأمكانياتها محدودة، ولأن الاستعمار والضغط في البلاد العربية كلها لاتجعل تحقيقها تاماً ومعقولاً، ولهذا لاتتحقق اشتراكيتنا تحقيقاً تاما إلا في الدولة العربية الواحدة، أي عندما يتحرر كل الشعب العربي، وتزول جميع الحدود التي تقف في وجهه، وهي الاستعمار الاجنبي والحكم الاقطاعي والتجزئة السياسية القائمة " (41).‏

إذن الاشتراكية التي تبناها حزب البعث هي اشتراكية ذات طابع عربي، منسجمة ومتوافقة مع خصائص الأمة العربية، وبخاصة مع تراثها الإسلامي، وعلاقته بالعروبة، حيث أكد ميشال عفلق بقوله في هذا الصدد " فعلاقه الاسلام بالعروبة ليست إذا كعلاقة أي دين بأي قومية. وسوف يعرف المسيحيون العرب، عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة ويسترجعون طبعهم الأصيل، إن الإسلام لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبهوا بها حتى يتفهموها ويحبوها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم " (42).‏

من الأحزاب الايديولوجية التي تنتمي إلى المعارضة الجديدة، الحزب الشيوعي السوري، الذي كان يعتبر من أقوى الأحزاب الشيوعية العربية، والذي ارتبط تكونه بارتباطه بالأقليات كالأرمن، والأكراد. وقد تميز نضال الحزب الشيوعي في مرحلة الانتداب الفرنسي بالتعاون مع الوطنيين السوريين، واستطاع الحزب أن يحظى بشعبية حقيقية، نتاج عمله في المنظمات الجماهيرية. غير أن " تسلل الشيوعيين إلى نقابات العمال كان قليلاً نسبياً لأن النقابات نفسها كانت غير هامة تماماً. فالطبقة العمالية الصناعية - البرولوليتاريا - صغيرة (لاتزيد عن مئة ألف في عام 1950) ، وكانت الدولة هي المشرفة عليها برداء نقابي " (43).‏

لكن الشوعيين السوريين خاضوا صراعاً حقيقياً ضد الاستعمار الفرنسي، وأقاموا علاقة عضوية بين النضال السياسي والنضال المطلبي، وربطوا بين التحرر من الاستعمار بالدعوات للتحرر من الاقطاع والبرجوازية الكبيرة المحلية.‏

إن القضية الوطنية كانت محوراً أساسياً في نشاط الحزب الشيوعي السوري، وبرزت إلى جانب المسألة الاجتماعية، بصرف النظر عن الخلل في تناول هذا الحزب للمسألة الاجتماعية ذاتها، خصوصاً وأن الحزب الشيوعي، لم يستطع أن يتحرر من الجمود العقائدي، لجهة تصوره الطفولي، بل باعتقاده بأن البروليتاريا طبقة قادرة مهيئة مستعدة لاسقاط البرجوازية. وقادت نظرته الخاطئة للمسألة القومية، إلى اعتبارها قضية البرجوازية لاقضية الفئات الوسطى والعمال والفلاحين الفقراء. وأقام مقارنات تماثلية خاطئة بين نشوء وتطور القوميات في أوروبا الرأسمالية، حيث كانت البرجوازية الطبقة الرأسمالية الصاعدة حاملة نظام انتاج جديد قامت بثورتها الديمقراطية وحلت المسألة القومية عبر تحقيق الوحدة السياسية للأمة، وبين نشوء وتطور القومية العربية. إن الحزب الشيوعي السوري وقع في التناقض التالي : بين اعتبار النزعة القومية في أوروبا الامبريالية قد قادت إلى ولادة الفاشية والنازية، وكمافرضته من أولويات النضال ضد الفاشية والنازية باعتباره الشعار الستاليني المركزي المعمم تطبيقه في ذلك الوقت، وبين اعتبار القضية القومية العربية التي تتميز بطابع ثوري وتقدمي لعلاقتها بالثورة الديمقراطية، وأهمية الثورة الديمقراطية في تأسيس المجتمع المدني الحديث - قضية برجوازية بحتة، والحال هذه لايجوز للبروليتاريا والشيوعيين الاهتمام بها بوصفها قضية صراع بين برجوازيت شوفينية وأن المشاحنات القومية تصرف انظار البروليناريا عن قضاياها الطبقية، في حين انفرد حزب البعث العربي الاشتراكي بتبني المسألة القومية، التي طبعت الفكر السياسي العربي المعاصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأكسبته هويته.‏

على الرغم من وجود هذه الأحزاب الايديولوجية الراديكالية التي تطرح في برامجها السياسية المواجهة مع الغرب والأنظمة الرجعية التقليدية، واحتدام الصراعات الوطينة والقومية في مرحلة تصاعد حرارة الأحداث السياسية في المشرق العربي، خصوصاً لجهة الاستقطاب السياسي والاجتماعي بين المعارضة القومية والديمقراطية والاقطاع والبرجوازية الكبيرة في الداخل، وبين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشرقي على الصعيد الدولي، إلا أن هذه الأحزاب لم تتوصل إلى الأتفاق فيما بينها بصدد تشكيل جبهة قومية تطرح برنامجا سياسياً يعبر عن برنامج الجماهير الشعبية وقواها الطليعية لانجاز ثورة ديمقراطية في أي جزء من الوطن العربي، والقضاء على القاعدة المادية للسيطرة الغربية، ومصالح الطبقات الوسيطة الاقطاع والبرجوازية الكمبرادورية، والنضال لإقامة نظام ديمقراطي تعددي، وبناء مجتمع مدني حديث، وتحقيق العدالة السياسية والاجتماعية. ولهذا السبب، فإن هذه الاحزاب لم تكن تملك مفهوم ثورة ديمقراطية وبناء مجتمع مدني حديث في ايديولوجيتها السياسية، وفي برامجها، ولم تكن تتبنى قيماً وتقاليد ديمقراطية تعددية. ثم أن فكرة الجبهة لم تتأصل في الممارسة السياسية لهذه الأحزاب، وهذا ما جعلها لا تثمر في النهاية عن أية نتائج إيجابية، " بعد أن بدأ الحزب الشيوعي السوري يظهر مقاصده في السيطرة على سورية. ومما يجدره قوله هنا أن الحزب وأن أحرز مركزاً مرموقاً في بعض دوائر السلطة في سوريا، إلا أن قواه وقواعده الشعبية ظلت دون المستوى بكثير. " ولذا فإن سياسية الوثوب إلى الحكم التي نهجها في صيف - 1957 - لم تكن إلا مغامرة مآلها الطبيعي سقوط سورية في أحضان الرجعية ومبدأ ايزنهارو وتخريب وحدة النضال الثوري في الوطن العربي " (44). وكانت دلائل سقوط الحزب الشيوعي في سورية قد ظهرت منذ الربيع. وفي تلك الفترة لم تتمسك القيادة الشيوعية السورية بمبدأ التعاون بين الحزبين الوطنيين الشعبيين الكبيرين ".‏

أي حزب البعث والحزب الشيوعي. ولقد تحولت من تأييدها الكامل للكتلة الاشتراكية في الجيش أبان ماسمي " بعصيان قطنا " وإلى انشاء ودعم كتلة تقدمية وفضفاضة تناوئ الكتلة المذكورة. وهدر الحزب الشيوعي طاقة كبيرة في هذه الحرب الخفية، وفي النضال ضد المعارضة اللينينية التي اشتدت في صفوفه" (45). إذا كانت السياسة السورية قد اقتصرت على ردود فعل عفوية ومستقرة على التحدي الخارجي ولاسيما الانتداب الغربي، فإنها قد تمحورت في مرحلة الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وحالة تعادل القوى بين الفئات المسيطرة اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً، من كبار الملاك، والتجار، وبين القوى الراديكالية ممثلة للفئات الوسطى، والعاملة، على السلطة مما جعل من العملية السياسية في سورية وغيرها من الأقطار العربية، مجالاً لارتقاء النخبة، واحتكارها المكاسب والامتيازات، وحال دون تسييس الشعب، وإن كان النشاط السياسي الشعبي قد أخذ في التفتح جراء عملية نزع الاستعمار. والحال هذه لم تصبح السياسة واقعة حقيقية لتجديد بنيان المجتمع، وإنماء عناصر ومكونات المجتمع المدني الحديث. ولم تكن السياسة بالتالي فاعلية اجتماعية راديكالية، بقدر ما كانت نشاطاً نخبوياً لجني المكاسب والامتيازات، ولم تضع في أولوياتها قضية انجاز الثورة الديمقراطية، وبناء المجتمع المدني. وكان موقف الأحزاب التقليدية (الشعب والوطني) من الشعب مجرد موقف تكتيكي. وصارت هذه الأحزاب تتغنى بالشعب، ولكن كل هذه المواقف كانت تكتيكية، وتستقوى بالشعب، وتفكر له عندما تلوح المنافع في أفق عملها.‏

في هذا المناخ الشعبوي لم تُأصِلْ الأحزاب الأيديولوجية الفكر الديمقراطي بما فيه الكفاية في وعي الجماهير الشعبية، ولم تجرؤ على نقد العلاقات الاجتماعية التقليدية التي تضرب بجذورها في التاريخ السحيق. ولذا ظلت المسألة الديمقراطية بوصفها إطاراً للمسألة القومية، والمسألة الاجتماعية معاً، غائبة في وعي هذه الاحزاب وممارستها معاً، على الرغم من بعض المظاهر الليبرالية التي عرفتها الحياة السياسية السورية من انتخابات برلمانية، وحرية صحافة إلخ. وكانت القضية القومية تفرض نفسها على هذه الأحزاب، بصور أهمها وأكثرها قوة القضية الفلسطينية التي استغلها العسكريون للصعود إلى السلطة بسبب هشاشة السلطة البرجوازية السورية، وقضية الصراع العربي - الصهيوني.‏

وقد اتخذت هذه السلطة من الضباط العسكريين حراساً لمصالحها، إلا أن هؤلاء الحراس كانوا دائماً يجدون أنفسهم على مقربة من السلطة السياسية، من دون الاستفادة من امتيازاتها ومكاسبها، مما أغراهم بالانقضاض عليها واحتكارها، وبالتالي امتلاك مصادر القوة، وتحول السلطة منذ ذلك الحين إلى مصدر للثروة. وهكذا، أصبح تدخل الجيش في السياسة وجعله الإدارة الوحيدة للوصول إلى السلطة أمراً مقبولاً به في نظر الاحزاب السياسية، وزعماء الكتل البرلمانية، والوجهاء المحليين. ومع نمو الجيش عددياً، واتساع دائرة استقطاب الفئات الاجتماعية الوسطى في صفوفه، بدأ الضباط يشعرون بأنهم حماة السلطة، وحراس مصالح الفئات النافذة، وقد قادهم هذا الشعور إلى بسط نفوذهم على مفاصل الدولة تدريجياً، وجعلهم يعملون على احتكار السلطة فيما بعد، وذلك بسبب ضعف البنية السياسية أو الطبقة السياسية الحاكمة، إذا جاز التعبير، واقتصارها على دائرة طبقية من الأعيان، الملاكين العقاريين، والتجار، والوجهاء.‏

لكن الصراع العربي الصهوني أضاف عاملاً جديداً في تعزيز سلطة الجيش، الذي تحول منذ فجر الاستقلال إلى مؤسسة وطنية، وكانت أهدافه السياسية على وجه العموم أهدافاً قومية، مما جعله في نظر شعبه، قوة صدام أساسية مع العدو الصهيوني.‏

خامساً: دخول الجيش في السياسة‏

مع صعود الهيمنة الأمريكية على النظام الراسمالي العالمي وحلولها محل دول الاستعمار القديم، برزت في أطراف النظام العالمي، ظاهرتان متلازمتان: أولهما: صعود الفئات الوسطى في المناخ "الليبرالي" الذي أعقب الاستقلال، ودخول الجيش في السياسة وصولاً إلى عسكرة المجتمع. وترتبط هاتان الظاهرتان بنمو دور الدولة في المراكز الرأسمالية.‏

ولذلك يمكن الاتفاق مع القائلين بتحول نمط الدولة البيروقراطية التي ظهرت في أواسط القرن الماضي إلى دولة تسلطية في البلدان المستقلة حديثاً، أي أن الجذر السياسي للدولة التسلطية السياسي، ترجع إلى جذور تلك البيروقراطية الموروثة عن المرحلة الكولونيالية.‏

والأسباب التي سهلت صعود الفئات الوسطى وهيمنة العسكر هي الأتية:‏

أولاً: هشاشة القاعدة الإجتماعية للتحالف الحاكم وهو تحالف التجار والملاكين الكبار، والوجهاء التقليديين، والأعيان وبعض من النخب المثقفة .‏

ثانياً: تفرد القوى الحاكمة في خياراتها الاجتماعية والسياسية، فقد كانت المحافظة على البنى التقليدية واللعب على توازناتها من جهة، وتطمح إلى السير في مشروع تحديثي مع الغرب من جهة أخرى، بحكم مصالحها الموضوعية.‏

ثالثاً: عجز هذه القوى عن الحراك الاجتماعي وتحقيق التوازن بين قوى المجتمع التي حركتها عملية نزع الاستعمار، وكانت ذكريات المقاومة الوطنية ما زالت طازجة في ذاكرتها.‏

رابعاً: اخفاق تحالف الحاكم في تحديث بنى المجتمع واطلاق سيروة نمو اجتماعي- اقتصادي مناسب تجمع حوله قوى الشعب.‏

خامساً: دفع مقتضيات الحفاظ على النظام إلى تقوية الجيش تحت عناوين الدفاع عن الوطن، وتحرير الأراضي المحتلة، وتكريس الأحزاب السياسية، لتسويغ توجهات السلطة وتبريرها. إلا أن هاتين القوتين المؤسسة العسكرية من جهة، وابناء الطبقة الوسطى الطامحين للإرتقاء، الاجتماعي والمشاركة السياسية من جهة أخرى، كانا البديل الضروري لسلطة ضعيفة ودولة مركزية عاجزة عن تحرير قوى المجتمع أو لجمها، والتغلغل في بنيانها، وربما كان هذا الدرس، أهم ما تعلمه ورثتها.‏

كان انقلاب حسنى الزعيم في سوريا العام 1949، وتسلم العسكر مقاليد السلطة الفعلية في البلاد، أول تدخل للجيش في السياسة في المنطقة العربية، وشكل بذلك سابقة أو مثالا يحتذى به على الصعيد العربي. وكان الزعيم ضابطاً في الجيش السوري من أصل كردي، تخرج من الأكاديمية الحربية العثمانية في استانبول، واشترك في الثورة العربية على الاتراك، ثم التحق بالقوات الفرنسية الخاصة، وحارب مع قوات فيشى في سورية إبان الحرب العالمية الثانية، وقبض عليه عقب انتصار الحلفاء، وقدم للمحاكمة وحكم عليه بالاشغال الشاقة لمدة عشر سنوات العام 1942، ثم أطلق سراحه عقب نهاية الحرب العالمية الثانية من قبل القوتلي، ليعيده إلى الجندية كضابط في الجيش الوطني السوري المتشكل حديثاً.‏

هناك مجموعة من الظروف السياسية- التاريخية العربية والدولية احاطت بهذا الانقلاب العسكري، يمكن تصنيفهاعلى النحو التالي: أن من أهم الأسباب التي دفعت بالجيش للقيام بانقلابات عسكرية هي الهزيمة العسكرية للجيوش العربية في حرب فلسطين العام 1948، وخيانة السلطات الاقطاعية والبرجوازية الكمبرادورية في ذلك الوقت، وعدم تهيئتها ودعمها للجيش.‏

فالجيوش العربية"كانت آنذاك بقايا جيوش كولونيالية، تفتقر إلى خبرة قتالية مناسبة، فضلاً عن أن معنوياتها لم تكن عالية، وفساد ضباطها كان ظاهرة ملفتة، ناهيك عن ارتهانها للغرب، بخاصة انكلترا، في ما يتعلق بالسلاح والذخيرة"(46).‏

وقد ولدت الهزيمة العربية في ظل سيادة حالة مزرية من التفسخ والفساد والإنحلال تعيشها الطبقة السياسية الحاكمة في العديد من البلدان العربية مثل سوريا ومصر والأردن والعراق، وكانت اللعبة السياسية والدستورية التي تمارسها هذه الطبقة السياسية لا تزال في أبعادها التقليدية، فضلاً عن أن سيادة أعضاء الحكومة. ولهذا السبب لقي انقلاب حسني الزعيم كل ترحيب من عامة الشعب، باعتباره فاتحاً لعهد جديد في الحياة السياسية السورية. وقد أعلن فارس الخوري، السياسي السوري المحنك،"أن الانقلاب قد كفل للرجال الخيرين عصراً من الاستقرار الدائم طالما تاقوا إليه، يقوم علىمبادئ العدالة والعمل الطيب مع الدعم الشعبي للحكومة والأمل يملأ فؤادي أن الزعيم سيتقدم بحزم وسلام حتى يقيم حياة دستورية وحكماً جمهورياً يتفق وإرادة الأمة"(47).‏

وبانتهاء، اليوم الثاني للانقلاب اصدر الزعيم بلاغاً سياسياً أعلن فيه تمسكه "بحقوق الإنسان وسعيه لبث الروح الديمقراطية بين ابناء الشعب، لأن الشعب كان يشكو من انهيار الفئة الحاكمة آنذاك بهذه المفاهيم المثلى. وقال حسنى الزعيم /لأعضاء وفد صحافي لبناني زاره في ذلك الوقت، أيضاً "سيكون الحكم في سوريا مثالياً تقتدي به مختلف الأقطار العربية؟ ووعد بإفساح المجال لانتخاب جمعية تاسيسية تتولى وضع دستور جديد للبلاد " يتضمن كل مبادئ التقدم والرقي والازدهار".‏

ومع تولي الجيش السلطة بدأ الزعيم بتصفية المؤسسات الدستورية في البلاد، فقرر حل البرلمان، ونصب نفسه رئيساً للدولة، يتمتع بكافة الصلاحيات الممنوحة لرئيس الدولة، وذلك في اليوم الثاني من الانقلاب ومع توليه السلطتين التشريعية والتنفيذية، بدأ الزعيم يمارس سياسة القمع ضد الصحافة خلال اصداره قراراً يحول له حق الغاء امتياز كل جريدة يومية أو مجلة أو دورية يرى في وجودها ما يضر المصلحة القائمة، مثلما لم يحدد شيئاً عن كيفية إعادة الحياة الدستورية إلى البلاد أو عن إقامة ديمقراطية صحيحة. وعلى الصعيد السياسي قام الزعيم بحل الأحزاب السياسية جميعها، وقمع الحزب الشيوعي نور. "وهكذا فقد الزعيم في غضون أشهر ثلاثة معظم شعبيته، وآثار عداءمختلف فئات المواطنين، فسياسته الموالية للغرب ألبت عليه الفئة المحايدة، وإصلاحاته العلمانية جلبت عليه سخط الزعماء الدينيين واتباعهم من المدنيين، واساليبه الأوتوقراطية قوضت آمال الليبيراليين، وسياسته الموالية لمصر أفقدته تأييد ومساندة الفئات الوحدوية العربية من ناحية والموالية للهاشميين من ناحية أخرى. أن محاولات الزعيم في ميداني الإصلاح المالي الحكومي والزراعي أوقعت الرعب في قلوب الطبقات الاقطاعية والتجارية النافذة التي تعرضت مصالحها الاستثمارية للخطر، أما عامة الناس الذين توقعوا كبرى الفوائد فأصابهم اليأس حين لم تتحقق الوعود الكبيرة التي قطعت "(48).‏

ما علاقة الانقلاب العسكري بالولايات المتحدة؟‏

عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، أخذت الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على ملء فراغات القوة التي خلفها الاستعمارالأوروبي وراءه في العالم الثالث، لكي تمنع الاتحاد السوفياتي "من اغتنام الفرصه لتوسيع مجال نفوذه العالمي" وهكذا اصبح ملء فراغات القوة الموضوع الرئيسي لدى الولايات المتحدة في صراعها مع الاتحاد السوفياتي، لتحقيق هيمنتها العالمية، وتوحيد العالم الثالث تحت راية الأمبراطورية الأمريكية، في ظل مراعاة الأمن الأمريكي ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية اصبح العالم الثالث يشكل جبهة الصراع الرئيسية في الأستراتيجية الاقتصادية والسياسية، والعسكرية، والجغرافيا السياسية بين النظام الرأسمالي العالمي بزعامة الأمبريالية الأمريكية والاتحاد السوفياتي.‏

ثم ان الهيمنة الأمريكية كانت تنصب حكومات عسكرية مواليه لها في بلدان العالم الثالث، في حين أن الأمبرياليتين الفرنسية والبريطانية تحميان مصالحهما بحضورهما العسكري المباشر، أما الأمريكان الذين يعملون تحت ظل مبادئ الرئيس ويلسون"النقاط الأربع عشرة" التي ربما تكون قد لخصت على أفضل نحو ما يمكن لاخلاق الديمقراطية القومية النزعة المنبثقة من التراث الليبيرالي الأوروبي- الأمريكي أن تقدمه للعالم، حيث أن جوهر هذه النقاط الأربع عشرة، هو مزيج من ارث الحريات الدستورية الدينية الانكليزية، وللثورة الأمريكية المحررة من الوضعية الكولونيالية- لم يكونوا يرغبون في ارسال جيوشهم خارج الولايات المتحدة، والقيام بمغامرات عسكرية. لأن فخ التبعية للغرب قد احكم بحكم العلاقة البنيوية الكولونيالية، واصبحت أمراً ناجزاً، ولم يكن عنده إمكانية التملص من التبعية للاقتصاد الغربي لا سيما أن نزعة الاستعمارايقظت مخاوف كل واحدة من هذه البلدان المستقلة من الأخرى، فسارعت إلى عملية بناء جيوش عمقت حاجتها إلى الغرب.‏

وكانت الولايات المتحدة آنذاك تلعب دور زعيمة النظام الرأسمالي العالمي، إذ لم تكن مصالحها القومية تبتعد كثيراً عن مصالح الدول الراسمالية، لكن اهم من هذا كله أن الولايات المتحدة قامت سياستها في الأصل على التنكر للمبادئ الليبرالية التي تم التشديد عليها في الخطاب السياسي الأمريكي. فالمجتمع الامريكي وعلاقاته الداخلية لم تكن محصلة عصر أنوار وسيرورة " لبرلة" المجتمع، وتثبيت القيم الإنسانية والديمقراطية في بنيانه. وتحت هذه الأسباب جميعها يقبع العامل الاقتصادي المتمثل في تطور الرأسمالية ذاتها، وتحولها إلى نظام عالمي، ونهم الأمبريالية الأمريكية المنفلت من عقاله نحو إعادة تقسيم مناطق النفوذ في العالم عامة، والشرق الأوسط بخاصة، كانت مؤامرة الاتفاق مع "شركة التابلين الأمريكية" حول مرور أنابيب النفط الأتية من السعودية إلى البحر المتوسط عبر سورية، وشركة نفط العراق (شركة خطوط الشرق الأوسط) التي تأخر التصديق عليهما بسبب الاستنكار العام في سورية، ورفض المعارضة الوطنية "اتفاقية التابلاين"قد شكلت سبباً رئيسياً ثانياً ومهماً في استغلال المخابرات المركزية الأمريكية حدة التوتر بين الحكومة المدنية والجيش و"التهجمات الشنيعة والمتكررة على الجيش "داخل البرلمان وخارجه، وذلك في أعقاب توقيف بعض الضباط بتهمة الاختلاس والفساد، لكي تدفع بقائد الجيش حسني الزعيم للقيام بانقلاب عسكري تحت نفس الشعارات في ذلك الوقت "الخراب والغوغائية والمنازعات والعجز والفساد والخيانه"، التي اتسمت بها الطبقة الاقطاعية- البرجوازيه الحاكمه، والأحزاب التقليدية في هزيمة حرب فلسطين. وإن الجيش "اضطر إلى تولي السلطة بصورة مؤقتة " ودون أن تكون لديه الرغبة في البقاء فيها"، وإن الهدف من هذا العمل كان فقط " التحضير لإقامة نظام ديمقراطي حقاً." وأكد الجيش رغبته في "تحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة النظر في توزيع الأراضي، ووضع قانون يحدد الثروات الكبيرة، واخيراً العمل على رفع مستوى الطبقات الشعبية".‏

وهناك عامل رئيسي ثالث يتمثل في تحالف الأحزاب الايديولوجية الراديكالية والجيش. فهذه الأحزاب الايديولوجية التي هي تمثيليات سياسية للفئات الوسطى الصاعدة، والتي انتهجت خطاً سياسياً يدين الاقطاعية والقبلية والاستغلال الاجتماعي، والاستعمار الذي يعتبر حليفا طبيعياً لهذه الأوضاع، لم تكن تمتلك القدرة السياسية الكافية للنفاذ إلى قلب جماهير الفلاحين لمقاومة سلطة الاقطاعيين في المناطق التي يفرضون عليها قانونهم الخاص. وكانت هذه الأحزاب بحاجة إلى سند داخل السلطة، وهذا ما يفسر تطور علاقاتها مع الأوساط العسكرية، التي بلغت مرحلة من التحول السياسي المهم عقب الهزيمة في حرب فلسطين، حين بدأ الجيش يعزو أسباب الهزيمة إلى فساد النظام السياسي القائم. وفي مثل هذه الحالة كان لا بد من تطوير العلاقات مع الضباط الشباب الذين تخرجوا حديثاً من المدرسة الحربية والذين ينتمون إلى الريف أولاً، ومع الأقليات ثانياً، مماسمح بتسييس الجيش والأقليات معاً.‏

وهذه الفئات الوسطى بسبب عدم خبرتها السياسية، وعدم امتلاكها برنامجاً لتحديث المجتمع والدولة على الرغم من طرحها افكاراً اشتراكية وقومية عامة، إلا أن كونها ضعيفة الخبرة أولاً، وعلى هامش القاعدة الانتاجية الحديثة ثانيا، وكون الجسم السياسي بوجه عام ضئيل ثالثاً، لم تكن تريد واقعياً سوى الهيمنة على الدولة والتمتع بالامتيازات والمكاسب، إضافة إلىعنصر هام هو الاتحاد او الميل إلىانهاء عهد الاقطاع وتحرير الفلاحين. وكانت الأحزاب الايديولوجية الراديكالية ترى أنه في ظل استبداد القمع الذي تمارسه القوى المحافظة ضد الحركة الوطنية الشعبية، وتنامي التهديدات على سورية بفعل التدخلات الخارجية"يصبح من الضرورةأو حتى من الأمور المسلمة الاستعانة بالجيش، واستخدامه، كقوة مادية" اساسية لمواجهة جميع هذه المحاولات المعادية للحركة الشعبية التقدمية. ومع ذلك فإن الجيش كجيش ينبغي دائماً أن يشكل قوة دعم احتياطية للحركة الوطنية الشعبية وبالتالي ينبغي أن يكون بعيداً عن واجهة المسرح السياسي. يعني ذلك بعبارة اخرى أن تدخل الجيش في بعض الظروف له حدود لا ينبغي تجاوزها"(49). غير ان الجيش كان قد أخذ ينمو ويصبح مؤسسة ذات مصالح مستقلة، وأخذ يرنوإلى احتلال واجهة المسرح السياسي، واغتنام الفرصة للخروج من الثكنات للهيمنة على السلطة، ولكنه لا يستطيع ذلك إلا باستناد إلى تنظيمات سياسية شعبية، وقاعدة شعبيه استعار منها شعاراتها وأفكارها.‏

وكانت الحياة السياسية السورية آنذاك موزعة إلى ثلاث قوى رئيسية: الطبقة البرجوازية التقليدية المتكونة من كبار التجار والملاك ووجهاء المدن وساسة الرعيل الأول، ويمثل الحزب الوطني مصالح هذه الطبقة إلى حد كبير، الذي يعتبر أن الحكومة الشرعية الوحيدة لسوريا هي التي تنبثق عن مجلس النواب، وكان في ذلك اشارة واضحه إلى رفض حكم العسكر وتدخلهم في السياسة. أما القوة السياسية الثانية الفاعلة فهي حزب الشعب الذي يشكل" المعارضة الغامضة، وغير المنظمة"، والذي فاز بأكثرية نسبية في الجمعية التاسيسية الجديدة عقب انتخابات 1949/، وكان من مؤيدي الاتحاد مع العراق، ومع توحيد القوى العسكرية في الدول العربية، والغاء جوازات السفر بين الأقطار العربية، وبنك إصدار عربي مشترك. ولكن حزب الشعب لم تكن لديه قيادة سياسية فاعلة، فضلاً عن أن التأييد الذي يحظى به يأتي من المستقلين، وهم سريعي التقلب في مواقفهم السياسية. وكانت القوة السياسية الثالثة هي قوة الجيش الصاعدة، حيث أصبح هذا الجيش يمتلك مفتاح الهيمنة السياسية على سورية، وأن كان يعاني بدوره من انقسامات مثله في ذلك مثل السياسيين. وكانت الانقسامات داخل صفوف الجيش وبين السياسيين قد "قادت إلى اقترانات غير متكافئة بين الأفراد الطموحين في كلا الفريقين... الساسه والجيش، وهذه حال الحوار مع زعيمي الانقلابين السابقين حسن الزعيم وسامي الحناوي. ثم أن الانقلابات أرت الضباط الشباب الطامحين كم هو سهل نسبياً الاطاحه بحكومه مدنية، لقد بات الوضع، بهذه القوى العاملة في الوقت، على وشك التفجر"(50).‏

وفي ظل الصراع على السلطة بين الجيش والسياسيين التقليديين المنقسمين، ذهبت الاحزاب الايديولوجية الراديكالية إلى البحث عن صداقات في الجيش ليستخدموها ضد الأحزاب التقليدية. وهذا ما يفسر علاقة أكرم الحوراني بالعسكريين الشباب وبالتالي علاقته بالانقلابات العسكرية منذ ان تحول الحزب الذي كان يراسه"حزب الشباب" إلى حركة ساسية جديدة" الحزب العربي الاشتراكي في العام 1950، والذي كان يمثل سياسياً مصالح حركة الفللاحين، وكانت اهدافه تتمثل في الغاء الاقطاع وتحديد الملكية الزراعية، وتوزيع الأرض على الفلاحين واصلاح النظامين الاقتصادي والاجتماعي اصلاحاً جذرياً شاملاً. ومن المعروف عن أكرم الحوراني انه كان يشجع الطلاب ابناء الفلاحين على الدخول إلى الكلية الحربية في حمص، ومن دعاة تطهير الجيش من العناصر العسكرية التي كانت تنتمي إلى "الارستقراطية الاقطاعية" أو البرجوازية الكبيرة في المدن،وهذا "مما ساعد حكما على ترقى ضباطاً كانت صلات معظمهم بالطبقات الوسطى مازالت قوية إلى مختلف الرتب ضمن الجيش".‏

وفي ظل عصر الانقلابات العسكرية المتتالية، وجه محمد سامي الحناوي ضربته العسكرية ضد سلفه الزعيم،وكان الجيش انذاك لم يكتسب المهارة السياسية الكافية لادارة دفة الحكم في سورية، ولهذا سلم الحناوي السطلة رسمياً إلى الساسة المدنيين، وكلف رسمياً المناضل هاشم الأتاسي فورا بتشكيل الوزاره، ثم أعلن الحناوي أن"مهمته الوطنية المقدسه" قد انتهت وأنه يعود إلى الجيش. وقد نال حزب الشعب حصة الأسد في هذه الحكومة الجديدة، أذ تولى أربعة من الشعبيين خيرة المناصب:رشدي الكيخيا في وزارة الداخلية، ناظم القدسي في وزارة الخارجية، وفيق الأتاسي في وزارة الاقتصاد الوطني، أما خالد العظم الوحيد من حزب الوطني فقد استلم وزارة المالية، واعطى زعيم البعث ميشيل عفلق وزارة التربية، اما أكرم الحوراني فقد اصبح وزيرا للزراعة. ومع تولي حزب الشعب الرئاسة وسيطرته على الحكومة، اعلنت الحكومة الجديدة الاعداد لقانون انتخابات جديدة، ثم انتخابات الجمعية التأسيسية لاعادة تنظيم البنية الدستورية للدولة السورية.‏

وأجريت الانتخابات في حينها 15تشرين الثاني 1949، وفاز فيها حزب الشعب بأكثرية نسبية في الجمعية التأسيسية على 51 مقعداً من أصل 114مقعدا، وفاز المستقلون بنحو 40 مقعدا، وفازت الجبهة الاشتراكية الإسلامية بنحو 4 مقاعد ،وحزب البعث بثلاث"، ونالت العشائر المقاعد التسعة المخصصة لها، وفاز الوطنيون الاشتراكيون، الذين (قاطعوا) الانتخابات بنحو 9/مقاعد.‏

إن انقلاب الحناوي طرح مجددا قضية الوحدة بين سورية والعراق، خصوصاً بعد أن رفض حكم الزعيم مشروع "الهلال الخصيب" الذي كان ينادي به نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي، وانضمامه إلى المحور المصري- السعودي. وكان حزب الشعب يؤيد الوحدة مع العراق ذلك أن البرجوازية التجارية والصناعية الحلبية كانت تتطلع تاريخياً نحو الموصل وبغداد أكثر من تطلعها نحو دمشق.‏

وكانت هناك عقبتان رئيسيتان أمام الوحدة السورية العراقية، الأولى هي "عدم الرغبة في التضحية بالنظام السوري الجمهوري على مذبح عرش يقوم عليه عبد الإله"، والثانية "الخشية من أن تتسع المعاهدة العراقية البريطانية فتشمل سوريا في سياق عملية الوحدة، ولم تكن هذه أيضاً إلا اعتراضات المعارضين لقيام الوحدة الذين شجبوا مقايضة استقلال سورية بعرش مقيد ببريطانيا بمعاهدة(51).‏

فهناك اجماع سوري باتجاه الوحدة، لكنه لم يكن ابداً يقف في صف حكم الهاشميين الخاضعين تحت حماية دولة استعمارية هي بريطانيا، وهويعلم أن أي اتفاق بشأن الوحدة مع العراق سيعوضه الجيش باسم المحافظة على الاستقلال الوطني. "وقد زاد في اضطراب الصورة وجود معارضين ومؤيدين لمسألة الوحدة في كل من القوى التي كانت الأغلبية منهم تنزع إلى تعاون عسكري واقتصادي أوثق مع الابقاء مؤقتاً على النظام الجمهوري، ورأى مستقلون كثر في الاتحاد مع العراق والأردن قوة لموازنة قوة "اسرائيل"، وأيد الحناوي أغلبية الجمعية للاتحاد، فبدأ الاتحاد وكأنه نتيجة حتمية بعد الموافقة على قسم رئيس الدولة. وكان أمام الساسة المعادين للاتحاد بديل واحد فقط هوتشكيل تحالف مع عنصر الجيش الذي يعارض الاتحاد مع العراق، وكان أكرم الحوراني حلقة الوصل بين الفريقين، أما قائد هذا العنصر العسكري فهو العقيد أديب الشيشكلي، قائد اللواء المتمركز في درعا"(52).‏

شكل الانقلاب العسكري الثالث في سورية الذي قام به العقيد أديب الشيشكلي في التاسع عشرمن كانون الأول عام 1949، انعطافاً جديداً للأحداث السياسية في ظل عدم الاستقرار الحكومي وتنامي البلبلة السياية، والانشقاقات الوزارية بسبب الخلاف بين مؤيدين للوحدة مع العراق الهاشمي، ومعارضيها للوحدة مع العراق، والمنشقون من حزب الشعب الذين شكلوا معا جبهة جمهورية دفاعا عن النظام الجمهوري في سورية. ويعتبر الحوراني شريكاً اساسياً في هذا الانقلاب، بما أنه كان يمثل مع الشيشكلي السياسة السورية المعادية للوحدة مع العراق، لأسباب تعود من وجهة نظر الحوراني إلى فشل انتفاضة رشيد عالي الكيلاني، واستقواء الحكم الملكي الهاشمي بالامبريالية البريطانية، فيما يعتبر الشيشكلي نفسه أنه بطل استقلال لسورية، كي لا تكون خاضعة لبغداد. ولكن انقلاب الشيشكلي لم يكن خارج سياق نمط الانقلابات العسكرية الصحيحة التي تحركها ارادات الدول العظمى ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة. ومهما كانت الحوافز والدوافع المختلفة التي تقف وراء هذا الانقلاب، وبخاصة الصراع بين العسكريين والمدنيين حول مسؤولية قيادة المجتمع والدولة والمحافظة على واقعها في الوقت عينه، فإن ميشيل عفلق يشكك في موقف الشيشكلي من أنه بطل استقلال سورية، قائلاً بأنه لا يستحق هذا اللقب "فمع أنه عارض قيام الوحدة مع العراق، إلا أنه كان وثيق الصلة بالسعوديين والمصريين والفرنسيين، وكان استقلاله محدوداً جداً، وقد تحدث المتحدثون الفرنسيون عن الشيشكلي على أنه بطل وحدة أراضي سورية. أن هذا العطف وجد لقيامه بتنفيذ لعبتهم في معارضته لبغداد، وبالتالي للبريطانيين".‏

وبقدر ما كانت للعوامل الداخلية دور مهم في تفريغ الانقلابات العسكرية الثلاث المتعاقبة، في ظل مجلس نيابي معاد ورأي عام صامت وغير مكترث، فإن للعوامل الاقليمية والصراعات الدولية للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط دور أساسي في دفع بعض القيادات العسكرية المتنفذة في الجيش للقيام بانقلاب عسكري له صلات مع قوى اجنبية. فضلاً عن أن الصراعات بين العسكريين أنفسهم قد أخذت صورة محاولات انقلابية عنيفة في سبيل التنعم بامتيازات ومكاسب السلطة وحدها، من دون أن تغير في بنية المجتمع الكولونيالية والتقليدية، لأن الانقلاب العسكري مهما كان نوعه يأتي بضابط كبير إلى مركز السطلة والقيادة السياسية للدولة من دون أن تكون له ايديولوجية واضحه، أو أن يكون مهيأ لقيادة دولة، ولا أن يملك مشروعاً مجتمعيا، أو برنامجاً سياسياً إلخ.‏

لكن من المؤكد، أن الأزمات الوزارية المتعاقبة التي شهدتها سورية في ظل انهيار الحكم المدني قد كانت سببا مهماً في دفع الجيش للانقضاض على السلطة. فهناك استقالة خالد العظم بسبب التهديدات التي كان يوجهها إليه أكرم الحوراني الناطق باسم الجيش، وهناك تشكيل الدكتور القدسي الوزارة "الانتقالية" في الرابع من حزيران العام 1950، التي يحظى فيها الشعبيون باكثرية نسبية، حيث تعرضت بدورها إلى صراعات عنيفة بسبب المواقف المتناقضة بين المؤيدين لدستور عام 1950، والذين يريدون قلب الجمعية التاسيسية إلى مجلس نواب، وبين المعارضين لها خصوصاً فيما يتعلق بالمادة التي تنص على أن الإسلام سيعلن دينا للدولة، ولم يكن لحزب الشعب موقف واضح من قضية الدين والدولة، سوى الدفاع عن الإصلاح بواسطة القوانين العصرية والتقدمية، والأخذ بالتراث العربي الإسلامي في الحسبان.‏

وقد أثار مشروع نص أن الإسلام دين للدولة انقساماً واضحاً بين القوى السياسية المختلفة والمتباينة في منطلقاتها الايديولوجية، وفي برامجها السياسية، وبنيانها الاجتماعي. فبالنسبة للإخوان المسلمين كان موقفهم مبيناً تبياناً بارعاً في شعارهم "الإسلام دينا ودولة، وقرآن وسيف، جامع ومدرسة /قانون وأخلاق، عدالة وأخوة، حياة وخلود "، وحدد النائب مصطفى السباعي أحد قادة الإخوان موقفه، حين ربط بين مسألة دين الدولة والقومية العربية، قائلاً "إن أية محاولة للسير بسورية نحو العلمانية والالحاد والمادية لتشكل خطراً على حاضر العرب ومستقبلهم". على نقيض هذا الموقف نجد الطوائف الدينية المسيحية المختلفة قد أدلت بدلوها في هذه المسألة، فرئيس الروم الكاثوليك المطران حريكه حددموقف المسيحيين بوضوح"أن دين الدولة هو الإسلام سواء أنص الدستور على ذلك أم لا، لا سيما أن سورية قد ورثت التشريع الإسلامي للأمبراطورية العثمانية " مضيفاً مع ذلك أن إضافة مادة تتعلق بالدين الى الدستور سيحط من سمعة البلاد. كما عارض فارس الخوري وهو بروتستانتي ورفض أي ذكر للدين، وقال أن الدين لله أما الوطن فللجميع". أما الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية، الحزب السوري القومي الاجتماعي، الشيوعيون، حزب البعث، فقد دافعت عن دولة علمانية،وجاء في بيان الحزب السوري القومي الاجتماعي من قول انطوان سعادة نفسه"أن فكرة تعلق المؤسسات الدينية بالسلطة الزمنية لا تتفق ومفهوم القومية عموماً والقومية السورية بصورة خاصة".‏

"وبعد نقاش اسمتر اسبوعاً تم التوصل إلى تسوية تبقى على الصيغة الوارده في دستورعام 1930، وتنص على" دين رئيس الجمهورية الإسلام" ثم اضيفت لتلطيف الرأي العام المحافظ، في المادة الثالثة عبارة تذكر أن "الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع". وفي المادة نفسها أعلن أن الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونه مرعيه، وتضمنت مقدمة الدستور كمنحة أخرى للأحاسيس الإسلامية، والمحافظة، ما نصه؟ "ولما كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا"(53).‏

وفي ظل عدم الاستقرار الوزاري، واستمرار التنافر بين حزب الشعب المسيطر على الوزارة وقيادة الجيش بسبب من إصرار الأول على تطبيق الدستور نصاً وروحاً من خلال تسليم وزارة الدفاع إلى شخص مدني، وتطبيق الرقابة البرلمانية عليها والدرك الوطني، في حين أن الشيشكلي يريد أن يسيطر على النهج السياسي للدولة خشية منه أن يفقد الجيش دوره القيادي في شؤون الحكم، وبخاصة في مجال الإشراف على السياسة الخارجية، حيث أن حزب الشعب ما أنفك يغازل بغداد، قاد الشيشكلي انقلابه العسكري، الثاني في 29تشرين الثاني 1951، وأتهم حزب الشعب بأنه دفع حسني الزعيم إلى تبني "سياسية ديكتاتورية للتآمر على استقلال البلاد وتعريض جيشها، وخلق شوكه جديدة فيه. وأدعى أن الأزمات الوزارية جميعها قد اصطنعتها هذه القوة السحرية كي يتقدم الشعبيون كمنقذين، وأن هدف حزب الشعب -الوحيد كان أضعاف الجيش و وسمه أن منظمته تحتكر السلطات جميعها... كل ذلك في محاولة لتحقيق طموح هذا الحزب ومخططاته". وهكذا تولى الجيش كامل إدارة الدولة، وأصدر الشيشكلي البيان العسكري رقم 1 ونصه:‏

"يتولى رئيس الأركان العامة، رئيس المجلس العسكري الأعلى، مهام رئاسة الدولة، ويتمتع بكافة الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية"، كما أعلن حل مجلس النواب والإطاحة بالنظام البرلماني وتسلم السلطة كاملة.‏

لقد وضع الشيشكلي حداً للصراع بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية التقليدية- وبخاصة حزب الشعب-، بعد أن تدرب الجيش نفسه في طرق المشاركة كلياً في النزاعات السياسية المدنية، وسخر من الحكم البرلماني، وأصبح أداة سياسية وعماد الدولة وعمودها الفقري، في ظل التدخل المباشر للعسكريين في الحياة السياسية والمدنية، ونمو موازنته وتزايد نفقاته العسكرية، وتحسن الأوضاع المعيشية للضباط والجنود. ولم يعد الجيش يحكم من وراء الستار، بل أصبح يستخدم في الشؤون الداخلية، انطلاقاً من مقولة بعض المتحمسين لتدخل الجيش في القضايا الداخلية، باعتباره ينتمي إلى الشعب، والحال هذه فإن "تعاون الجيش والسلطة التنفيذية يسهم في إدراك الشعب أن الجيش ينتمي إليه".‏

وعلى الرغم من أن الشيشكلي منح بمرسوم مناصب رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزير الدفاع إلى الزعيم فوزي سلو، في انتظار عودة الحياة البرلمانية إلى البلاد، إلا أن السلطة الفعلية للدولة كان هو الذي يديرها بقبضة حديدية صارمة. وفي نطاق تدعيم حكمه العسكري الديكتاتوري، غيّر قادة الشرطة، وقام بتطهير جهاز الموظفين والمحاكم وتعيين ضباط في الجيش في مراكز إدارية داخل الحكومة، ومنع نشاط الأحزاب السياسية من حزب الشعب، والأخوان المسلمين، وحزبي البعث والاشتراكي اللذين يقودهما ميشيل عفلق وأكرم الحوراني. "ولما كان حظر الأحزاب انتهاكاً مباشراً للدستور السوري فالمرسوم القاضي بحظرهما أرفق -ببيان، "للأسباب الموجبة" غريب، فبعد مهاجمة الأحزاب القديمة وأنها تكتلات تتبع أفرادها واتهامها بالاستقواء والاستلهام من الخارج أدعى البيان خلو التشريع السوري من قانون بيّن الحدود صريح الأغراض ينظم أحكام الأحزاب السياسية. ورغم اعتراف البيان بأن المادة 18 من الدستور تمنح السوريين حق تأليف الأحزاب السياسية، وأن القانون المدني نص على بعض المبادئ العامة بشأن الجمعيات، أعلن أن قانون الجمعيات العثماني لم يزل نافذاً في الجمهورية السورية، وكذلك لم تزل نافذة حتى الآن بعض قرارات المفوض السامي الفرنسي في هذا الصدد، وعلى أساس هذا التشريع المضطرب، واستناداً إلى هذه الأحكام المتناقضة الناقصة أفسح المجال في الماضي للأحزاب السياسية القائمة. لذلك فالحل الوحيد هو حل الأحزاب والمنظمات السياسية وفروعها في سورية"(54).‏

ولما كانت الديمقراطية والانقلابات العسكرية تقفان على طرفي نقيض، فقد كانت ديكتاتورية الشيشكلي صريحة في معاداتها للديمقراطية، ومؤسسات المجتمع المدني الحديث ليس فقط من خلال إلغاء الأحزاب السياسية والاتحادات العمالية والنقابات المهنية، وقمع التجمعات والمظاهرات الطلابية في جميع أنحاء سورية، واعتقال زعماء المعارضة في الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية مثل الاشتراكي العربي والبعث والشيوعي، وإنما أيضاً من خلال حل المحكمة العليا التي كانت تنظر وتبت في دستورية القوانين ومشروعات المراسيم، لكي يجسد الشيشكلي الاحتكار المطلق للسلطة، جاعلاً من رئيس الدولة القاضي والمحلف. وأمام اعتماد الشيشكلي في حكمه على قبضة عسكرية عنيفة قطعت كل الروابط مع الأحزاب والتنظيمات السياسية الوطنية والديمقراطية، وخشيت الديمقراطية البرلمانية، تحول حكمه في النهاية إلى رجعية سياسية صريحة في الداخل، في ظل اشتداد الصراع الدولي بين الإمبريالية الأميركية من جهة وكل من الإمبريالية البريطانية والفرنسية على التغلغل في سورية من جهة أخرى، بسبب الإزدياد الكبير في حجم إنتاج النفط العراقي وتأمين سلامة أنابيب شركة بترول العراق التي تمر عبر سورية وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط. خصوصاً وأن العراق قد وضع أمام جامعة الدول العربية خطة اتحاد فيدرالي عربي يتكون من مراحل، ويبدأ باتحاد سورية والعراق والأردن، كتجسيد جديد "لمشروع الهلال الخصيب الذي عارضه الشيشكلي طوال حياته السياسية".‏

ومن جهة ثانية قامت الديكتاتورية العسكرية إلى توحيد المعارضة القومية والديمقراطية من خلال المؤتمر السري الذي عقد في 30/تموز 1953، وضم حزب البعث العربي الاشتراكي بعد أن اندمجا حزبا البعث العربي والاشتراكي العربي في حزب واحد، وحزب الشعب، والحزب الوطني، وبعض السياسيين المستقلين، وأعلن في هذا المؤتمر عن انبثاق ميثاق وطني ". طالب بتأجيل الانتخابات وتشكيل وزارة ائتلافية تمثل الأحزاب جميعها ما عدا حركة التحرير العربي (الموالية للشيشكلي) على أساس حلف "وطني" وهذه الوزارة تجري استفتاء على الدستور الجديد الذي اقترحه الشيشكلي (والذي غير جذرياً العلاقات بين السلطات في الدولة، إذ أنه أعطى صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية على غرار النظام الأميركي.‏

وأحدث تغييراً جوهرياً في انتخاب رئيس الجمهورية، إذ ينتخب من الشعب انتخاباً عاماً وسرياً ومباشراً لا من مجلس النواب) كما تضمن الميثاق الوطني برنامجاً سياسياً من خمسة نقاط:‏

1-التخلص من الشيشكلي ونظامه الديكتاتوري.‏

2-إقامة نظام ديمقراطي برلماني‏

3-صيانة الحريات العامة‏

4-صيانة الاستقلال والجمهورية السورية.‏

5-إبقاء الجيش في الثكنات(55)‏

وقادت السياسة القمعية والمتهورة للشيشكلي إلى توحيد المعارضة السياسية المدنية، والعسكرية داخل الجيش، حيث أن هناك اتجاهين من الضباط البعثيين والشعبيين والموالين لهما، كانا يعملان داخل المؤسسة العسكرية، واتفقا على قلب النظام القائم، على الرغم من اختلاف الدوافع لكل منهما. وهكذا أسهمت "ثورة الجيش" في إسقاط الديكتاتورية العسكرية للشيشكلي في 25 شباط 1954..‏

لقد برز الجيش كقوة منتظمة وحيدة في المجتمع، وذلك قبل أن تتبلور الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية كقوى ضاغطة منظمة قائدة للحركة الشعبية والديمقراطية. ولكن الجيش السوري كانت تشقه التناقضات والاختلافات الدينية، والمذهبية، والسلالية، والاجتماعية، والاقتصادية، ولهذا كان مسرحاً للصراعات بين القوى والتكتلات المتنابذة داخله، وعاكساً في الوقت عينه الاتجاهات السياسية الداخلية بكل تناقضاتها الفاعلة في واقع المجتمع السوري.‏

وعلى الرغم من أن الانقلابات العسكرية المتتالية التي عرفتها سورية كانت تحظى بالتأييد الشعبي في حدود معينة، من جراء الموقف الشعبي المعادي للطبقة البرجوازية -الإقطاعية التقليدية والمحافظة، والأحزاب السياسية التقليدية، فإن دخول الجيش في السياسة من دون أن يكون متسلحاً بمشروع سياسي ناضج يقدم حلولاً واقعية للمشاكل والمشكلات التي تواجه الشعب، وجهل الانقلابات العسكرية، وجهل العسكريين -بما يريدونه- باستثناء تدخل الجيش في الصراع الشعبي ضد القوى البرجوازية والإقطاعية الحاكمة، قد جعل كل انقلاب عسكري ينتهي إلى ديكتاتورية سياسية صريحة "تخدم مصالح الاستعمار والطبقات المحافظة والبرجوازية صاحبة المصلحة. ونتج عن التجربة السورية هذه شيئان: الأول أن الحركة الشعبية أخذت تخاف العسكريين. الثاني أن الحركة الشعبية تنظر إلى كل الحركات العسكرية بمنظار تجربة سورية الخاصة وبشكل أخص كانت هذه هي نظرتها إلى الثورة المصرية"...(56).‏

إذا كان صحيحاً أن القوى السياسية التي كان لها حلفاء في الجيش زعماء البعث أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار وبعض الحزبيين المستقلين على رأسهم صبري العسلي، وخالد العظم وحلفائه الشيوعيين قد استقوت بالجيش لإسقاط السلطات البرجوازية -الإقطاعية المحافظة والتقليدية، فإن ما هو صحيح أيضاً أن الانقلابات العسكرية نظراً لفقدانها أي مضمون سياسي ديمقراطي واضح، واتجاه تقدمي راديكالي ملتزم بالقضايا القومية، قد أسهمت في تأخير تعميق الوعي القومي الديمقراطي في صفوف الحركة الشعبية، الذي كان يمكن أن يشكل ضمانة حقيقية في بناء جبهة سياسية تضم الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية القومية والديمقراطية، تتماهى مع قواعد بناء مجتمع مدني حديث ودولة ديمقراطية.‏

وعلى نقيض ما كانت تخطط له الاتجاهات السياسية التي كانت تتصارع على السلطة السياسية في سورية بواسطة الجيش، لاستخدامه كأداة تنفيذ، خصوصاً وإن لكل هذه القوى العاملة أنصاراً ومؤيدين داخل الجيش، فإن هذا الأخير لم يعد مقتنعاً بهذا الدور، بل أصبح مقتنعاً بإدارة كامل شؤون الدولة، وهو ما جعل تخليه عن الحكم لمصلحة المدنيين، مسألة في غاية التعقيد لا تحل إلا بانقلاب عسكري جديد. فالجيش أصبح مدرسة سياسية مؤثرة في السلطة السياسية بشكل واضح، كما أنه القوة الوحيدة الأكثر تأثيراً في السياسة الداخلية السورية، في ظل عجز السلطة المدنية التي كانت تتزعمها الأحزاب التقليدية المحافظة، والتي تبحث عن الاستقرار والمحافظة على الأوضاع القائمة، ووجود حركة شعبية ديمقراطية ضعيفة تطالب بالتغيير الجذري للمجتمع، ولكن من دون أن تكون لها قوة ضاربة على التغيير، الأمر الذي جعلها تلجأ إلى النخبة العسكرية من الضباط الوطنيين الذين هم من أصل ريفي وفلاحي لتحقيق بعض من مطالبها في التغيير السياسي.‏

وما أن تم القضاء على الديكتاتورية العسكرية للشيشكلي حتى عاد الجيش إلى تكاتفه ليأخذ دوره التقليدي كجيش محترف. ولتعود سورية إلى مرحلة الحكم الذاتي المدني والديمقراطية التقليدية التي يوجهها الجيش من وراء الستار بطريقة غير مباشرة، ولتشهد مرحلة جديدة من الصراع بين الأحزاب المحافظة والتقليدية والإقليمية والأحزاب الأيديولوجية الراديكالية، ومن ورائها النخب العسكرية من الضباط الحزبيين الوطنيين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244