|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:06 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
سادساً: فترة الحكم المدني في سوريا 1954-1958 أثناء الصراع ضد ديكتاتورية الشيشكلي، تبلورت الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية تنظيمياً وشعبياً، وأسهمت إسهاماً حقيقياً في عملية التسييس والتجذير للحركة الشعبية، ولعل أهمها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حقق انتشاراً كبيراً في الأوساط الريفية، وكذلك في الأقطار العربية المجاورة كالأردن ولبنان والعراق، والحزب الشيوعي، والحزب القومي الاجتماعي السوري. وجرت أول انتخابات حرة في سورية على دورتين في 24-25 أيلول، و4و5 تشرين أول 1954 في ظروف كاملة الحرية والنظام، وقدمت مقياساً ثميناً للرأي العام في وقت عصيب كانت فيه سورية أكثر البلدان العربية جدالاً سياسياً. أنها تمثل عودة سورية إلى الحكم النيابي، ولكن هذه العودة أقل أهمية وخطورة من الفرصة التي أتاحتها للحكم على القوة النسبية للقوى المتناقضة في المسرح السياسي السوري، إذ أن قليلاً مما له أهمية قد تم في العالم العربي، وفي السنوات الثلاثين الماضية بدون المجالس الشرعية أو التأسيسية التي كانت تعطل أولاً(57) . وقد أسفرت الانتخابات عن نجاح 99 نائباً في الدورة الأولى من أصل 142 ثم 43 نائباً في الدورة الثانية. ويمكن مقارنة انتخابات 1954 بانتخابات 1949 لكشف التبدل الحقيقي في ميزان القوى السياسية داخل سورية لمصلحة الأحزاب الأيديولوجية القومية، وبخاصة حزب البعث العربي الاشتراكي.
من خلال قراءة عملية المقارنة لنتائج 1954 بنتائج 1949، يمكن أن نسجل الملاحظات التالية: أولاً: تراجع قوة حزب الشعب الذي خسر العديد من مقاعده لمصلحة حزب البعث والحزب الوطني. ويقول باتريك سيل في هذا الصدد أن تراجع حزب الشعب رسم نهاية صفحة طويلة في العلاقات السورية العراقية، فقد قطع الأمل في وحدة الهلال الخصيب بأكثرية أصوات المجلس النيابي السوري، كما دفع العراق وأصدقاءه في سورية إلى إعادة النظر في استراتيجيتهم معتقدين بأنه لا شيء سوى القوة تستطيع حسم القضية. وقد كانت نتائج الانتخابات وحلف بغداد هي التي سببت فتح صفحة جديدة من التآمر العنيف في العام التالي، إذ وجد أعداء العراق في هزيمة حزب الشعب ضمانة للوحدة السورية في وجه التوسع الهاشمي(58) . وهكذا شكلت انتخابات 1954 بداية الانحدار التاريخي للقوى السياسية التقليدية التي كانت تلعب الدور الرئيسي في قيادة السياسة السورية، ومنطلقاً جديداً نحو الانجراف باتجاه اليسار، أي باتجاه التسييس والتجذير للحركة القومية العربية مثل البعث، وفتح المعركة ضد الإقطاع في سورية، التي ستكون لها أخطر الآثار على الحياة السياسية الداخلية. ثانياً: ظهور حزب البعث كقوة صاعدة جديدة إذ ارتفع عدد أعضائه في البرلمان من 1في العام 1949 إلى 22 في العام 1954. وهذا الانتصار الانتخابي، والتقدم الواضح الذي سجله حزب البعث يؤكدان على صعود قوى اليسار المتزايد من اشتراكية بعثية، وشيوعية أمام معارضة القوى المحافظة التقليدية التي تمثل مصالح البرجوازية والإقطاع. فقد استطاع أكرم الحوراني أن يفوز بخمسة مقاعد في محافظة حماة المعقل الحصين للإقطاع السوري. وذلك بفضل أصوات الفلاحين الفقراء، وأصدقائه من جيش الطبقة الكادحة، ويعزى فوز حزب البعث إلى عوامل عديدة منها توق الشعب السوري إلى التحرر من سيطرة الأحزاب التقليدية، وتطلعه إلى عملية التغيير الراديكالي، والعداء المتزايد للغرب في سورية لا سيما بين الشباب والبعث، حيث كان حزب البعث حاملاً لواء القومية العربية ومعاداة الغرب. ثالثاً: نجاح خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي في سورية ولبنان في دمشق، لأول مرة في تاريخ سورية إلى البرلمان. "وكان خالد بكداش أول نائب شيوعي في دنيا العرب، /يدخل البرلمان/ إذا استثنينا نيابة عبد القادر اسماعيل في العراق قبل الحرب، والنواب الشيوعيين اليهود في فلسطين المحتلة، والنواب الشيوعيين الفرنسيين في الجزائر" (59) . مع تطور الظروف السياسية العربية، وبخاصة التوجه المصري إلى التسلح من الاتحاد السوفياتي، والدول الاشتراكية صفقة تشيكوسلوفاكيا 1955) وفتح باب التعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي معها، وتأميم قناة السويس، وانفجار الصراع مع الكيان الصهيوني العام 1956 من خلال الاعتداء على مصر -بريطانيا- فرنسا والكيان الصهيوني، الذي أثار موجة من الاضطرابات الشاملة والتحركات الثورية في أجزاء عديدة من المشرق العربي، ومقاومة سياسة الأحلاف العسكرية الاستعمارية الغربية التي أحدثتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، باشتراك عدد قليل من البلدان الرجعية المحلية، مثل حلف بغداد 1955، حيث عملت القوى الإمبريالية الغربية على تدريب الجيوش العميلة لاستخدامها في مقاومة خط التحرير والوحدة على صعيد الوطن العربي، ضمن هذه الظروف السياسية الملتهبة حقق حزب البعث انتشاراً ونفوذاً سياسيا بين الأوساط القومية العربية في سورية والأقطار المجاورة، وتبني سياسة الانفتاح على الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية الأخرى، ودعا بإلحاح إلى إعادة تكوين الجبهة الوطنية في سبيل النضال ضد الأحلاف العسكرية الغربية، وضد حلف بغداد بالذات. وبالمقابل حدثت تغيرات أيديولوجية في مواقف الأحزاب الشيوعية العربية إزاء قضية الأمة العربية، والوحدة العربية، فقد أكد خالد بكداش في خطابه أمام مجلس النواب السوري بتاريخ 6/10/1955 أن جميع مقومات الأمة بما فيها الوحدة الاقتصادية متوفرة في العرب، وكما هو واضح وساطع كالشمس في رائعة النهار. وهكذا اعترف الحزب الشيوعي في سورية ولبنان بالقومية، والوحدة العربية أثر اجتماع اللجنة المركزية في 22 نيسان 1956، الذي صدرت عنه مقررات في كراس بعنوان "نحو أفاق جديدة" وبعنوان "قرار عن قضية الوحدة العربية". -لقد شكلت الانتخابات النيابية 1954) حداً فاصلاً بين بداية تقهقر الأحزاب التقليدية نهائياً من المسرح السياسي بحكم طبيعتها المحافظة وموالاتها للغرب، خصوصاً وأن الحزبين: الوطني والشعبي كانا يمثلان الطبقة البرجوازية والطبقة الرأسمالية المحافظة ومرتبطان بالرأسمال الاحتكاري، وبين الصعود لقوى اليسار التي بدأت تبحث عن صيغ ائتلافية جديدة، مثل تكوين الجبهة الوطنية التي تشكلت من الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وبعض التكتلات القومية الأخرى، في أواخر 1956 وبداية عام 1957. وكان برنامج هذا الائتلاف هو "الميثاق الوطني"، الذي أكد على إنجاز برنامج الإصلاحات الديمقراطية، ورفض المشاريع العسكرية الغربية بالدرجة الأولى حلف بغداد، وعلى انتهاج الحكومة سياسة الحياد، وأخيراً تأييد ودعم الثورة المصرية. وأمام التوترات التي كان يعاني منها الحزبان الكبيران الشعب والوطني). واستمرار الانقسام والصراع الدائر فيما بينهما، الأمر الذي جعل قوتهما البرلمانية بسبب انعدام الانضباط الحزبي، وبسبب وجود أجنحة يمينية ويسارية متصارعة داخلهما، قليلة الأهمية، ومع تنامي المشاعر المعادية للغرب، وازدياد علاقات سورية بالكتلة السوفيتية قوة، أصبحت الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية اليسارية أي البعثيون والشيوعيون) الآن خير الأحزاب السياسية في سورية تنظيماً وانضباطاً. وكان الحزبان كلاهما يتبعان السياسة عينها فيما يتعلق بالصراع ضد الطبقة السياسية المحافظة والتقليدية ونزع ثقة الشعب بها، والتشهير بالسياسة الإمبريالية للغرب ولا سيما الولايات المتحدة الاميركية، والعمل من أجل التبشير بالوحدة العربية. وكان المعسكر اليساري المعادي للغرب المتألف من البعثيين بمقاعدهم النيابية، والشيوعيين الذين ازدادوا قوة وانغراساً بين المواطنين بسرعة، وكتلة خالد العظم الجديدة، قد تم رفده أيضاً من قبل اليساريين من الوطنيين والشعبيين والمستقلين ذوي الميول والأموال المصرية والسعودية والسوفيتية. "أن قدرة البعثيين والشيوعيين على إخراج الجماهير وإشاعة العواطف المشايعة للسوفييت منحت المعكسر اليساري قوة في مجلس النواب تفوق كثيراً ماله من نواب. كما أن وجود المتعاطفين مع اليسار داخل صفوف الجيش جعل ممكناً إرهاب الخصوم جميعهم ما عدا أشجع شجعانهم، وكان يقف أمام هذه القوة الدينامية المليئة قوة وفعالية العناصر المحافظة والتقليدية المنقسمة على نفسها انقساماً قاسياً والتي يروعها إلى حد ما، تهديد العامة والجيش وتنقصها القيادة القوية، وتقاتل قتال التراجع"(60) . إذ الانجراف نحو اليسار في السياسة السورية لا يعود بالدرجة الرئيسية إلى دور الحزب الشيوعي فقط. فقد بيّن أكرم الحوراني أن الشيوعيين لم يكونوا "القوة الضاربة" في الحركة الوطنية، وأن الدعاية الغربية هي التي انسجت هذا الوهم لتشويه موقف سورية التقدمي أمام الرأي العام العالمي، ولإشاعة الاضطراب في سورية والمنطقة، وضرب العلاقة القائمة بين البعث والحزب الشيوعي السوري. لكن الانجراف نحو اليسار مرده اتساع نطاق "الحرب الباردة" بين المعسكر الإمبريالي الغربي والمعسكر الشرقي واشتداد الاستقطاب الأيديولوجي والعسكري بينهما، واندفاع الإمبريالية الاميركية في سياسة تهدف إلى ارتماء كل البلاد العربية في مشاريع الأحلاف العسكرية، وبخاصة حلف بغداد، قابلها تصاعد النضال الوطني والقومي من جانب المعارضة اليسارية من الساسة اليساريين وقادة الجيش الوحدويين المعادين للاستعمار الجديد بزعامة الولايات المتحدة. "ومما لا شك فيه أن حزب البعث في سورية، بما له من نفوذ ضمن الضباط الشباب في الجيش، كان عاملاً من العوامل الأساسية التي حالت دون دخول سورية في المشاريع الغربية الاستعمارية، وقد برز خطر هذه المشاريع بوضوح عندما اغتيل العقيد البعثي عدنان المالكي في نيسان 1955 /على أيدي القوميين السوريين، بتحريض من نوري السعيد والحكم الهاشمي في العراق، وقد أدى ذلك إلى تصفية حزب سعادة في سورية وازدياد نفوذ البعث في الجيش، وسائر مؤسسات الدولة"(61) . إن اغتيال المالكي، أكد للشعب السوري شراسة الصراع الدولي على سورية من جهة، وتزاحم الأحزاب السياسية اليسارية واليمينية على حد سواء للبحث عن حلفاء عسكريين داخل الجيش من جهة أخرى، الأمر الذي جعل هذا الجيش ينغمس في العمل السياسي إلى درجة ضاقت فيها الحدود بين المدنيين والعسكريين في حمأة الصراع الوطني والقومي في المنطقة العربية مع ازدياد الهجوم الغربي والنظام الهاشمي في العراق المعادي، وتصاعد النفوذ السوفيتيي لا سيما في مصر وسوريا في نطاق مقاومة مشاريع الهيمنة الغربية، خصوصاً حين أصبح موضوع الوحدة العربية قضية أساسية ومهمة على الصعيد العربي. غير أن قضية الوحدة العربية لم تكن مطروحة من جانب الحركة القومية العربية بشقيها الناصري والبعثي في ذلك الحين، كقضية المجتمع المدني ودولته الديمقراطية، يوصف الديمقراطية قضية قومية بامتياز. مثلما أن مفهوم المجتمع المدني، ودولة الحق والقانون التي تشكل أساس الدولة الديمقراطية بما هي دولة قومية لم يكونا متبلورين في الخيارات الأيديولوجية والسياسية للأحزاب اليسارية -البعث والشيوعيين. فبدلا أن يسود مفهوم المجتمع المدني الذي يشمل جميع التيارات والأحزاب من القومية والماركسية والليبرالية التي تعمل في المجال الفكري والسياسي للأمة، والذي يقوم على أساس الوحدة والتعدد والاختلاف والتعارض، في برامج الأحزاب اليسارية- طالما أن هذه الأخيرة تجسد سياسة متطابقة في قضايا الصراع ضد الرجعية المحلية، والإمبريالية الأميركية، والتعاون الوثيق مع السوفيات ، ازداد التنافر حدة بين البعثيين والشيوعيين.. إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية لتوطيد العلاقة مع الاتحاد السوفياتي، سواء عن طريق صفقة الأسلحة بين الجيش السوري وحكومة الاتحاد السوفياتي، أو بواسطة الاتفاقية الاقتصادية الشهيرة بين الحكومتين السورية والسوفياتية، قد لقيت ترحيباً كبيراً في الأوساط الديمقراطية والشعبية السورية، ووصفت بأنها "انتصار جديد للقومية العربية"، "وضربة للإمبريالية الاميركية"، وأسهمت في توطيد الحلف بين خالد العظم الذي كان يتولى نائب رئيس الوزراء ووزارتي الدفاع والمالية، ورئيس التنمية الاقتصادية التي أوكل إليها الاشراف على الاتفاقية المعقودة مع الاتحاد السوفياتي) والحزب الشيوعي، باعتبار أن العظم كان يمثل الأوساط المعادية للإمبريالية في صفوف البرجوازية الوطنية. وفي ظل سيادة النهج المعادي للإمبريالية التي تميزت به سياسة الحكومة السورية، وتوطد العلاقة مع الاتحاد السوفياتي، واتجاه العديد من الضباط السوريين إلى بلدان الكتلة السوفيتية للدراسة والتدريب، ارتفع صيت السوفيات وازدادت شعبيتهم في سورية، وازداد أيضاً أعضاء الحزب الشيوعي ومتعاطفيه، وازدادت معه شعبية خالد العظم إلى درجة اعتبرتها الأوساط السياسية آنذاك أنه قد يؤدي التحالف الوثيق بين العظم والشيوعيين إلى تحركات للاطاحة بنفوذ البعثيين في الوزارة واشتداد نفوذ العظم والشيوعيين فيها. الأمر الذي يمكن هؤلاء الأخيرين من التسلل والتغلغل في مختلف أجهزة الدولة، خصوصاً وأن أحد أعضاء الحزب الشيوعي عفيف البزري، أصبح رئيساً للأركان العامة. كما أن أخاه صلاحاً قاد منظمة المقاومة الشعبية بآلاف من المدنيين المسلحين. لهذه العوامل كلها، بدأ الزعماء البعثيون يدركون خطورة التهديد الأكبر الذي يمثله الشيوعيون بالنسبة لهيمنتهم على الحكومة السورية، وهو ما جعل ميشيل عفلق يهاجم الشيوعيين في بيانات صحفية منذ شباط عام 1957 معلناً أن الشيوعية غريبة عن العرب غرابة النظام الرأسمالي عنهم". وازدادت مخاوف حزب البعث من امكانية تحقيق الشيوعيين فوزاً في الانتخابات البلدية، تكون مؤثراً مهماً بالنسبة للانتخابات النيابية القادمة، لذا اتجه البعث للبحث عن حلفاء بين المستقلين والحزب الوطني بل و "بين الشعبيين أخصامهم اللدوديين". وكان حزب البعث يعاني تاريخياً من الصراع السياسي الداخلي الحاد، باعتباره حزباً يضم في صفوفه فئات غير متجانسة بل ومتناقضة أحياناً كثيرة في مصالحها الاجتماعية والسياسية، بين القيادات اليسارية المنحدرة من الفئات الوسطى في المدن والأرياف من جهة، وبين كتلة من القوميين اليمينيين الذين يريدون حصر نشاط الحزب في برنامج ضيق يعزل الحركة القومية عن حليفها الشيوعي، وإقامة حلف عامل مع اليمين المحافظ المناهض للشيوعية. "ففي أواخر 1957 حدث انعطاف حاد في خط الحزب السياسي نحو النهج القومي. وشرع زعماء البعث اليمينيون بتحريض وتأييد من الأوساط البرجوازية الإقطاعية الرجعية في سورية، يدعون بنشاط إلى ضرورة الاتحاد السياسي الكامل مع مصر عوضاً عن القرار المتخذ سابقاً بالاتحاد الفدرالي في تموز 1956، اتخذت حكومتا مصر وسورية قراراً بالاتحاد على الأسس الفيدرالية، وقد حظي القرار بتأييد القوى التقدمية والديمقراطية في سورية وفي مقدمتها حزب البعث الذي كان يعتبر الوحدة العربية أحدى مهامه السياسية الأساسية، كما أيد الحزب الشيوعي السوري قرار الحكومة نظراً لاهتمامه الخاص بالاتحاد المقترح، وباتجاهه المعادي للإمبريالية... مع إشارته في الوقت عينه إلى ضرورته التقيد بأسس الاتحاد الديمقراطية، ومراعاة الحقائق المتكونة في سورية ومصر وصيانة الحريات الديمقراطية والمكاسب الاجتماعية التي حققها الشعب السوري، كما عارض الاتجاه معظم ممثلي حزب الشعب وحزب الأخوان المسلمين. وقسم من أعضاء الحزب الوطني) أما الأوساط البرجوازية الإقطاعية في سورية فقد وافقت في تلك الفترة على الاتحاد الكامل مع المصريين خوفاً على مواقفها السياسية والاقتصادية. فإن الثورة المصرية التي كانت في المرحلة الأولى كانت تؤمن للبرجوازية الوطنية المصرية مكسباً أكبر ناهيك عن أن البرجوازية السورية(1) كانت تظن أنها ستظل تحكم البلد نفسها، وأنها فضلاً عن ذلك ستتمكن من دخول السوق المصرية. وفي جميع الأحوال كان الاتحاد يؤمن لها إمكانية التوصل إلى هدفها الرئيسي، وهو القضاء على الحركة الديمقراطية في سورية" (62) . إذا كان العدوان الثلاثي على مصر قد أكد بالقدر الكافي عن ظهور مشروع قومي عربي تقوده مصر يستطيع أن يعبئ جماهير الأمة العربية باتجاه النضال من أجل الوحدة العربية، فإن الولايات المتحدة الأميركية اعتبرت ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبعد هزيمة الإمبراطوريتين الغربيتين القديمتين بريطانيا وفرنسا في حرب السويس، أنها أصبحت المسؤول الأول والأخير والقوة الوحيدة المعتمدة من الغرب كله لخوض "معركة القرن" على حد قول "كبر ميت روزفلت" أي خوض الصراع المتصل والمستمر للسيطرة على الشرق الأوسط والوطن العربي في قلبه. أن "معركة القرن" التي دشنت عصر هيئة الإمبراطورية البازغة في الغرب، أي الإمبريالية الأميريكية على منطقة الشرق الأوسط، وتثبيت سيطرة الغرب أي الولايات المتحدة بالذات) عليها، قد قامت على أساس مذهب "أيزنهاور"، الذي يريد تصفية الوضع الثوري في مصر -باعتبار أن هذا الوضع سيقود إلى بناء تكتل قومي عربي قادر أن يهدد الحلم الإمبراطوري الأميركي، وأن يفتح الباب لوجود سوفياتي مناصر لقضايا العرب القومية ويوازن في الوقت عينه المخطط الأميركي الصهيوني المعادي- والقضاء على حلفاء مصر في الوطن العربي وفي طليعتهم سورية، وذلك من خلال تحقيق الانقلاب الداخلي في سورية لمصلحة القوى الرجعية، وتصفية مجموعات الضباط الوطنيين في الجيش السوري، تمهيداً لاستيلاء العناصر العسكرية اليمينية الموالية للولايات المتحدة على مراكز القوة في الجيش، وبالتالي على سورية. ومن المعروف أن الجيش السوري كان مسرحاً رئيسياً للصراعات السياسية الحزبية، بحكم وجود كتل في داخله لها ارتباطات تنظيمية في الداخل مثل كتلة الضباط البعثيين الذين يعلنون صراحة انتسابهم إلى حزب البعث، وعضويتهم في لجنته العسكرية ويحسب ضمنها عبد الحميد السراج رئيس الشعبة الثانية أي الاستخبارات العسكرية) المسؤول الأول عن الأمن في الجيش السوري، وبالتالي المسؤول عن أمن سورية، فكان رأيه حسب قول ميكل أن أمن سورية الوطني يتصل اتصالاً مباشراً بالقاهرة التي أصبحت مركزاً رئيسياً لقيادة المشروع القومي العربي، والتي برز فيها جمال عبد الناصر كقائد قومي للأمة العربية في ظروف ما بعد السويس. وهناك مجموعة الشيشكلي ومجموعة أخرى من الضباط اليساريين يتجهون بأفكارهم إلى الحزب الشيوعي السوري. وكانت لهذه الكتل ارتباطات حزبية، وطبقية تؤدي بدورها إلى ارتباطات على الساحة العربية متوزعة بين الرياض وبغداد والقاهرة. وهكذا اشتد هجوم الولايات المتحدة الأميركية على سورية لا سيما طوال عام 1957 للإطاحة بالحكومة الوطنية واستبدالها بحكم موال للغرب تماماً. واستخدمت الإمبريالية الأميركية بعبع الخطر الشيوعي لتخويف جيران سورية تركيا، والأردن، والمملكة السعودية، ولبنان من "السيطرة الشيوعية السوفيتية المتزايدة على سورية والحشد الكبير للأسلحة السوفيتية فيها". وفي النصف الثاني من عام 1957، واجهت سورية من جديد خطر الاعتداء المسلح عليها، فقد أجرى "لويد هندرسون" الممثل الخاص للولايات المتحدة الأميركية، سلسلة من المداولات مع رؤساء حكومات العراق والأردن وتركيا، وغيرها من البلدان حول تنظيم التدخل المسلح في سورية. وأخذت السفن الأميركية المدججة بالأسلحة والذخائر الحربية تتوارد على المرافئ التركية، وأرسلت القيادة التركية للقوات المسلحة إلى الحدود مع سورية، واستثارت الأوساط المتطرفة في إسرائيل النزاعات على الحدود السورية"(63) . لقد تذرعت الولايات المتحدة بسيطرة الحزب الشيوعي، واحتمال تولي الشيوعيين السلطة في سورية، ومن ثم الشيوعية الدولية على سورية، وأثارت الخطر الشيوعي لكي تنتهج السياسة الأميركية تجاه سورية الحصار والغزو، وتحويل أنظار الرأي العام العالمي والعربي عن الخطر الصهيوني، واختراع أخطار أخرى غيره، خصوصاً أن هناك إجماعاً عربياً في حينه حول خطر الكيان الصهيوني الذي يهدد الأمة العربية. سابعاً: لماذا فشلت تجربة الوحدة المصرية السورية؟ في ذلك الوضع المتوتر أدى خطر الحصار والغزو المسلح السافر لسورية إلى تقوية التضامن بين العرب في النضال ضد الإمبريالية الأميركية. وأصبحت الوحدة كمصلحة ضرورية ومنطقية لتطور الصراع القومي ضد الاستعمار، والإمبريالية والرجعية الداخلية. ومع اشتداد الضغط الامبريالي ونشاط القوى الرجعية المحلية اعتبر توحيد البلدين العربيين سورية ومصر بمنزلة إمكانية فعلية لتعزيز قدرتهما الدفاعية، ولمقاومة الضغط الاقتصادي والسياسي من جانب الاستفزازات والتهديدات بالعدوان المسلح اللتين تمارسهما الإمبريالية الأميركية. وبنتيجة المفاوضات التي جرت في كانون الثاني 1958 بين قيادة الجيش وقيادة حزب البعث من جهة، والرئيس عبد الناصر من جهة أخرى، اتخذ في أول شباط فبراير) 1958 قراراً بتوحيد الدولتين بصورة شاملة، وبتأسيس الجمهورية العربية المتحدة. ومن الجدير بالذكر هنا أن موافقة الرئيس عبد الناصر على تحقيق الوحدة الاندماجية الكاملة كان مشروطاً إذ أنه أكد على الأمور التالية: 1-أن يجري استفتاء شعبي على الوحدة في مصر وسورية حتى يقول الشعبان فيها رأيهما الحر، ويعبران عن إرادتهما واختيارهما. 2-أن يتوقف النشاط الحزبي السوري، وأن تقوم كل الأحزاب السورية دون استثناء بحل نفسها. 3-أن يتوقف تدخل الجيش في السياسة توقفاً تاماً، وأن ينصرف ضباطه إلى مهامهم العسكرية ليصبح الجيش أداة دفاع وقتال وليس أداة سلطة في الداخل وسيطرة -ومعنى هذا على "المكشوف" أن كل قادة الكتل وأولهم أعضاء المجلس العسكري جميعاً عليهم أن يخرجوا من صفوف الجيش ليشغلوا بالسياسة لأنهم بالفعل مشتغلين بها. هذه هي شروطي. لقد تعامل عبد الناصر مع مسألة الوحدة العربية بواقعية ثورية خصوصاً عندما أدرك عقب العدوان الثلاثي في 1956 العلاقة العضوية بين الكيان الصهيوني والإمبريالية الغربية، وأن مسألة الوحدة العربية تعتبر المسألة المركزية في الصراع العربي الصهيوني. وجرى الاستفتاء على الوحدة في 22شباط، وبنتيجته انتخب جمال عبد الناصر بالإجماع رئيساً للجمهورية. وفي 6آذار أنشئت الوزارة الأولى في الجمهورية العربية المتحدة، وضمت أربعة عشر وزيراً سورياً كان بينهم الزعماء السياسيون التالية أسماؤهم، والذين لعبوا دور هاماً في ربط البلدين معاً: أكرم الحوراني نائباً لرئيس الجمهورية) وصبري العسلي نائباً لرئيس الجمهورية) وعبد الوهاب حومد وزيرا للعدل) وصلاح الدين البيطار وزير دولة) وخليل كلاس وزير للتجارة والاقتصاد) وفاخر الكيالي وزير للخزانة) كما ضمت من العسكريين الذين لعبوا أدواراً مهمة عبد الحميد السراج وزير للداخلية) ومصطفى حمدون وزير للشؤون الاجتماعية) وأحمد عبد الكريم وزير للشؤون البلدية والقروية) وأمين النفوري وزير للمواصلات) بينت الحوادث التاريخية التي وقعت بعد الوحدة السورية المصرية أن هذه الأخيرة قد وضعت أسس هيمنة العسكر، وإلغاء السياسة من المجتمع. فالوزارات الأساسية تقلدها الضباط. والجيش له حضور وازن في السياسة، ودولة الوحدة حلت الأحزاب السياسية، وألحقت النقابات بالدولة. وبدأت تنزع مؤسسات المجتمع المدني. إذا كانت الوحدة العربية هي مشروع قومي معاد للاستعمار، ومتصادم مع الإمبريالية الأميركية والصهيونية، والرجعية العربية، وتعبيراً عن عملية تاريخية لها تأثير على الوجود السياسي للأمة التي تنزع إلى التحرر والاستقلال، فإن تجسيدها الواقعي لا تتحقق إلا في سيرورة بناء مجتمع مدني حديث يتسع ويشمل جميع القوى والأحزاب السياسية والتيارات الفكرية المتمحورة حول حل مسألة الوحدة العربية حلاً ديمقراطياً، بصرف النظر عن أيديولوجيتها، وبرامجها السياسية، وأهدافها وتركيبها الاجتماعي وأساليب عملها، وكذلك بناء دولة ديمقراطية حديثة يفسح مجالها الحقوقي والسياسي لهذه الأحزاب حرية العمل والتعبير السياسيين، باعتبارها تمثيلات سياسية هي جزء من الحركة السياسية الجامعة للأمة العربية، وتعبر عن قوة اجتماعية هي جزء من الشعب، تتطلب والحال هذه أن يكون لها جميعها حقوق متساوية، وأن يكون لها دورها في نشر الوعي القومي الديمقراطي، وفي طرح برنامج لتحقيق الوحدة. وعلى الرغم من أن عبد الناصر حقق أوسع شعبية من خلال بناء دولة وحدوية ذات نزوع وحدوي، ومتطابقة هويتها مع هوية المجتمع، حيث أن السلطة يقودها حكام عرب، وذات صفة وطنية وتمثل الأكثرية الشعبية- رغم أنها لم تكن منتخبة إلاأنه كان هناك التفاف شعبي حولها- إلا أنه عجز عن تحقيق وحدة القوى والأحزاب السياسية المنظمة، وخلق الجبهة القومية المتحدة. فضلاً عن أن قصوره في وعي مسألة الوحدة العربية حال دون رؤيته لمفهوم الوحدة كمفهوم أوسع وأشمل يشمل جميع التيارات والأحزاب السياسية التي تعمل في المجال الفكري السياسي للأمة، ما لم تكن أيديولوجيتها مضادة للوحدة. وأن الوحدة مفهومة فهماً جدلياً سياسياً وتاريخياً لا تتحقق إلا على قاعدة احترام واقع التعدد والاختلاف والتعارض بين الأفراد والجماعات، والطبقات الاجتماعية داخل الأمة العربية، وعدم إنكار التعارضات الاجتماعية الملازمة لها ولا سيما الصراع الطبقي مثلما لا يجوز إقصاء التعبير الثقافي والسياسي والأيديولوجي لهذه الطبقات والفئات الاجتماعية، والصراعات الطبقية، ولذلك فشل أيضاً في إنجاز أي مشروع وحدوي، وفي الدفاع عن الوحدة السورية المصرية. لا شك أن الوحدة الاندماجية بين إقليمي الجمهورية العربية المتحدة اصطدمت بحقائق عديدة في الوطن العربي، ومنها: أولاً: أن الإمبريالية الأميركية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية تريد استغلال ما أصاب بريطانيا وفرنسا من أنهاك، لكي تملأ "فراغ القوة" الذي نشأ في المشرق العربي، الذي نشأت فيه حركة قومية عربية حاشدة ولكنها عاطفية بقيادة جمال عبد الناصر تطمح إلى تحقيق الاستقلال الحقيقي للأمة بواسطة الوحدة العربية الشاملة. وكانت الإمبراطورية الأميركية التي تقدر أهمية الوطن العربي في الصراع الدولي، وفي استراتيجيتها الكونية، ترى أن السيطرة عليه هي فعلاً "معركة القرن". ولذا فقد كان ضرورياً للإمبريالية الأميركية أن تحارب الوحدة، لكي يبقي الوطن العربي هامشاً وتابعاً ومجزءاً. ثانياً: أن الطبقات والفئات البرجوازية -الإقطاعية الرجعية السورية، التي نمت ضمن إطار الوضع الكولونيالي، وحتى البرجوازية الوطنية المتعارضة مصالحها مع الإمبريالية، وقيادة حزب البعث اليمينية، التي كانت حساباتهم وآمالهم من خلال التسلل إلى صفوف العاملين من أجل الوحدة في الآونة الأولى من الوحدة هي وقف سير سورية نحو الانجراف باتجاه اليسار، قد تضررت مصالحهم بسبب المرسوم الصادر في 27 أيلول 1958 الخاص بتنظيم العلاقات الزراعية، والحد من الملكية الكبيرة للأراضي في القطر السوري، وحول توزيع الأراضي المصادرة على الفلاحين المعدمين. أن تطبيق الإصلاح الزراعي بشكل تماثلي وميكانيكي للإصلاح الزراعي الذي أعلن في مصر من دون أخذ بالحسبان الخصائص المتعلقة بالأوضاع المحلية السورية، قد جعل الإقطاعيين السوريين يقاطعون قرارات لجان مصادرة الأراضي، كما أن السياسة الاقتصادية في ميدان الصناعة والتجارة التي انتهجتها حكومة الجمهورية العربية المتحدة في سورية قد كانت خاضعة لمصلحة البرجوازية المصرية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإنتاج الصناعي في سورية، وتوقف عشرات المؤسسات الصناعية والمعامل الحرفية عن العمل في العديد من المدن السورية. وفي غضون ذلك احتدمت التناقضات بين البرجوازية السورية والمصرية، وامتنعت الأولى عن توظيف رساميلها في المؤسسات الوطنية، وازداد العجز في ميزانية الدولة، وفي التجارة، وفي ميزان المدفوعات... "وقد انعكس استياء البرجوازية السورية ومقاومتها لمحاولات تطبيق المراسيم التي كان هدفها الصناعات الكبيرة في الجمهورية العربية المتحدة لتعزيز القطاع العام، ووضع نشاط البرجوازية الكبيرة والإقطاعيين تحت رقابة الدولة في تموز 1961) من جهة، في تجميد النشاط الاقتصادي، وفي أعمال التخريب في المؤسسات المؤممة، ومن جهة ثانية في إعداد انقلاب لأجل الاستيلاء على السلطة"(64) . ثالثاً: إن الحركة القومية بجميع تلاوينها القائدة الداعية إلى تحقيق الوحدة العربية لم تكن حركة ديمقراطية حديثة وعقلانية طرحت موضوع إنجاز الثورة الديمقراطية. فالوعي الأيديولوجي والسياسي للحركة القومية كان قاصراً نظرياً وعملياً، ويعود ذلك إلى أن الفئات الوسطى التي طرحت قصة الوحدة لم تستطع أن تكون قيادة ديمقراطية وشعبية، ولا قيادة فكرية. ولذلك حين قامت دولة الوحدة أصدرت المراسيم بحل الأحزاب السياسية والمنظمات الديمقراطية، ومنع الاجتماعات والمظاهرات، وقاد هذا الوضع إلى عرقلة تطور سورية الديمقراطي الاقتصادي من خلال عرقلة ومنع إشاعة الديمقراطية السياسية بين أوساط الشعب، فلا إمكانية لإنجاز الوحدة بدون طرح برنامج ثورة ديمقراطية شاملة. وبدون أن تتبنى القوى المناضلة من أجل الوحدة قيماً وتقاليد ديمقراطية، في سبيل تحقيق الإتساق المنطقي والضروري بين حركة الوحدة وحركة الواقع العربي وحاجات تغييره راديكالياً. لذلك كله انهارت حركة الوحدة مع استخدام سلاح العداء للديمقراطية وتهميش الشعب، والقضاء على المكونات الأساسية للمجتمع المدني. وكان انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة في 28/ أيلول 1961، عقب الانقلاب العسكري الذي قامت به الأوساط البرجوازية الإقطاعية في سورية، هو بمنزلة اغتيال لجنين دولة الوحدة العربية. وضرب لأعز أماني الأمة العربية. ووقف العسكر لأول مرة في وجه طموحات الأمة. ثمة عوامل وأسباب أدت إلى وقوع الانفصال يمكن أن نوجزها على النحو التالي: أن الانفصال شكل ضربة قوية معادية لقضية الوحدة العربية وطليعة لهجوم الدوائر المحافظة التقليدية والبرجوازية السورية والإمبريالية لتغيير موازين القوى في المنطقة من خلال ضرب الوحدة بين مصر وسورية، وبالتالي التحكم في المنطقة العربية. وكانت العقبة الأولى التي عرقلت عملية بناء الوحدة العربية بين الاقليمين سورية ومصر، وعلى الرغم من وجود وحدة دستورية قائمة ومتمثلة هي غياب الوحدة السياسية. وعلى الرغم أن القومية العربية أصبحت أيديولوجيا مقبولة في الوطن العربي، لا سيما عند النخبة المثقفة والمسيسة، وعرفت تجربة وحدوية في الزمان والمكان، إلا أن قضية الوحدة العربية لم تصبح مشروعاً ثورياً وشمولياً، ومهمة نضالية على هذا القدر من الراديكالية ينعتق فيها الشعب العربي والأمة العربية جمعاء لإنجازها من أجل إقامة دولة قومية حديثة، تحقق الاندماج القومي، وتبني علاقة سياسية قويمة بين الشعب والسلطة على أسس ديمقراطية. فالوحدة العربية لا يمكن تحقيقها في الوطن المتأخر بدون تسيس الشعب. ولأن الظروف الملموسة في الوطن العربي سواء منها رمي الإمبريالية الأميركية بكل ثقلها ضد القضية القومية بعد التجربة الناصرية ووحدة 1958، وخلق الهيمنة الإمبريالية والتبعية الاقتصادية أشكال سلطة متعددة لها مصالحها القطرية الخاصة، وليس لأي منها مصلحة في الوحدة، لأنها لا تعكس إرادة أوسع قطاعات الأمة من جهة، ولأن مصالحها الاقتصادية لا تحتاج إلى السوق القومية، بل إلى تنمية علاقاتها الخارجية مع السوق الرأسمالية العالمية من جهة أخرى، تجعل الوحدة هي قضية العمال والفلاحين والفئات الوسطى الديمقراطية. لأن هذه الفئات لها مصلحة حقيقية في تحقيق الوحدة، ولذلك فإن هؤلاء هم قوتها الأساسية، والحال هذه يتطلب بناء قوتها السياسية. غير أن دولة الوحدة في عهد عبد الناصر حلت جميع الأحزاب، خصوصاً أن هذا الأخير كان حذراً من الأيديولوجيات والأحزاب السياسية، وتبقى صيغة الاتحاد القومي الذي كان منظمة سياسية تجمعية بشكل كمي لا بشكل كيفي، وكان يمثل الفراغ السياسي في دولة الوحدة. فكل الأعمال التي تصدر عن الاتحاد القومي لم تكن نتيجة اندفاع ذاتي لقيادته أو لقاعدته، وإنما كانت انعكاسات لارادة السلطة السياسية، وكان في معظم تلك الأعمال يحاول اللحاق بالحكم. والاتحاد القومي لم يكن يصدر في نشاطاته، على قلتها عن مبادرة ذاتية واعية خلاقة بقدر ما كانت تحركاته انعكاسات لمبادرة الحكم، وجرياً للحاق بها، ومحاولة للانسجام مع مقتضياتها، لم يكن للاتحاد القومي مؤسسة ذات مبادرة مستقلة واعية "ميكانيكية للعمل الذاتي التلقائي بقدر ما كان يعتبر، على ما كان يبدو أداة في يد الحكم" (65) . وهكذا أوجدت دولة الوحدة فراغاً سياسياً لجهة حل الأحزاب السياسية القادرة على المشاركة في التعبئة الشعبية، والعمل الثوري الراديكالي من أجل الوحدة، التي تحتاج إلى الحركة الجامعة للأمة، والتي لا يمكن أن تحتجب أو تزول أو تنسحب منها الأحزاب السياسية. من هنا عزلت دولة الوحدة نفسها عن الفعل الإيجابي الذي تقوم به الأحزاب السياسية في وطن متأخر مثل الوطن العربي يعاني نقصاً في الاندماج القومي من أجل صيانة الوحدة. فالأحزاب الأيديولوجية الراديكالية مطالبة بالقيام بعملية تسييس الشعب عبر نقل الوعي الثوري الراديكالي إلى صفوفه، كي يستطيع هذا الأخير أن يكون المحرك الرئيسي في سيرورة بناء الوحدة على أسس ديمقراطية والدولة القوية الحديثة. "هناك لابد من إيضاح حول الديمقراطية التي كثيراً ما أعطيت، في وطننا العربي، تارة باسم القومية وتارة أخرى باسم الاشتراكية، تفسيرات احتيالية تقليدية، جعلت منها غطاء لاستبداد مملوكي محدث: الديمقراطية هي البنيان أو التنظيم الذي يجعل التظاهرات الاستبدادية مستحيلة. هذا البنيان الديمقراطي يرتكز على أربعة أعمدة مبدأ الانتخاب، تقسيم السلطات، الصحافة الحرة، الأحزاب الحرة)، ترمي أساساً موضوعياً للممارسة السياسية الديمقراطية، التي تتلخص في واقع أن الحرية هي حرية الآخرين، إذ أن "المستبد لا يلغي حريته، بل حرية الآخرين فحسب" فقط في الديمقراطية يتعلم الشعب السياسة ويقوى، وعندما يصبح الشعب أقوى من الحكم ويطيعه ويتواصل معه في نفس الوقت، وعندما لا تغدو الديمقراطية منفذاً لترسيم وإحياء المجتمع التقليدي، وانقساماته الفئوية والطائفية، وعندما تغدو التعددية في صلب الأيديولوجية السائدة في المجتمع -عندئذ يمكن القول أن شعبنا أخذ يمارس السياسة" (66) . لهذا كله لم يكن الرد الشعبي على الانفصال مؤثراً. وكان هناك رد عسكري تمثل في تمرد حامية حلب التي كان يقودها العقيد جاسم العلوان في 31 آذار 1962، ومع ذلك فإن "نظام الانفصال" بقيادة البرجوازية والإقطاعية لم يستطيع أن يعود بتطور سورية إلى الوراء، ويوجهه للاندماج في الرأسمالية. مثلما كان عليه صعباً المحافظة على النظم الإقطاعية البالية في ظل تصاعد النضال المطلبي، بالعودة إلى الوحدة مع مصر، وتدعيم التحولات الديمقراطية والتقدمية التي تحققت في فترة الوحدة. وكان لا بد لنشاط البرجوازية والإقطاعية الحاكمة المعادي للمطالب الديمقراطية والتقدمية أن يفاقم الاستياء في أوساط الشعب، وهو الأمر الذي جذب الفئات الوسطى في المدينة والريف للمشاركة في الأحداث الجارية على المسرح السياسي السوري. وتوطدت بذالك مواقع حزب البعث، ودوره في الحياة السياسية السورية، على الرغم من ظهور التكتلات داخل الحزب على صعيد القطر السوري في ظل تفجر أزمة البعث في المؤتمر القومي الخامس بين التكتلات المختلفة. -الأول، ويعرف تحت اسم "حركة الوحدويين الاشتراكيين" وهو اتجاه ناصري الميول والمواقف، ولكن من منطلقات بعثية ومن قادته البارزين سامي الجندي ومصطفى الحلاق، ورفض أن يعترف بفك الوحدة بين سورية ومصر. -الثاني، ويتزعمه أكرم حوراني، وقد عرف عنه عداؤه الشديد للنظام الناصري، ويجمع المحللون السياسيون بأن هذه المعركة الطاحنة التي خاضها بشراسة ضد عبد الناصر هي بمنزلة الخطأ السياسي القاتل والورقة الخاسرة التي وضعت حداً نهائياً لحياة أكرم الحوراني السياسية في سورية. -الثالث، "القطريون" أي الذين يؤيدون ويتبعون "القيادة القطرية" المؤقتة في سورية "ويعتبر هذا التكتل أن كل وحدة لا يمكن أن تتحقق بين بلدين عربيين إلا إذا سار كل منها بحزم وتصميم في الطريق الاشتراكي، وفي إقامة حكم ديمقراطي تقدمي وشعبي. -الرابع: القيادة القومية، ويتزعمها ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار، التي تزعزعت أيديولوجيتها "التقليدية" والرومانسية، عن الوحدة بسبب التجربة المرة عن أول وحدة عربية. ولكنها كانت ترد على كل التيارات التي هي من جذور بعثية، والتي كانت ترفض أي حوار مع الرئيس عبد الناصر، ويؤكد في الوقت عينه، أن حزب البعث "لا يستطيع أن يتهرب من المشكلة أو من القضية، لا بحجة مكافحة الناصرية، ولابحجة الوحدة مع قطر أو أقطار عربية أخرى غير مصر، لا يستطيع الحزب أن يقول لا نريد الوحدة مع مصر ما دام عبد الناصر فيها". ويشهد الجيش بدوره اتساعاً في نشاط المعارضة في صفوفه بعد احتدام الأزمة في أوساط الحلف البرجوازي الإقطاعي الحاكم، وتبلورت في داخله ثلاث تيارات رئيسية: الأول/ ويتكون من الضباط القوميين والتقدميين المستقلين المتناقضين مع النظام الانفصالي، والداعين إلى الوحدة، ولكن دون أن يكونوا من أنصار وحدة غير مشروطة مع مصر الناصرية. الثاني/ ويتكون من الضباط الناصريين والذين لا يجمعهم رابط تنظيمي يوحد صفوفهم. الثالث/ ويتألف من الضباط البعثيين المتمحورين في بنية نتظيمية متماسكة وسرية، الذين سيكون لهم الدور الكبير في تفجير ثورة آذار المجيدة عام 1963، بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي.
r
r هوامش الفصل الخامس :
Paretz , D “ The Middle East Today “ Hdt , Rinchart and Wi nston USA 1963 P. 362). (46) ياسين الحافظ -الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة- دار الطليعة- الطبعة الأولى 1979 ص71/72) (47) رشدي الكيخا-كما ورد في الصحف السورية- العرض اليومي للصحافة 30 تموز 1949. (48) جوردن هـ. نوري -السياسة السورية والعسكريون 1945-1958 ترجمة محمود كلاحة -دار الجماهير الطبعة الثانية 1969 ص148) (49) مصطفى دندشلي -حزب البعث العربي الاشتراكي 1940-1963 الجزء الأول -الطبعة الأولى تشرين الثاني ص158-159) هنا يستشهد الكاتب بوجهة نظر أكرم الحوراني في دور الجيش. (50) جوردن هـ. نوري مصدر سابقص172) (51) باتريك سيل -الصراع على سورية- دار الكلمة للنشر- الطبعة الأولى 1980 ص112-113) (52) جوردن هـ. نوري مصدر سابق ص172-173) (53) المصدر السابق 184) انظر دستور عام 1950 (54) المصدر السابق ص224) -انظر الجريدة الرسمية- المرسوم التشريعي رقم /47/ 6 كانون الثاني 1952 (55) أنظر "نضال البعث بشأن تكوين الجبهة الوطنية" الجزء الثاني ص199 وما بعدها) (56) محمد عبد المولى -الانهيار الكبير أسباب قيام وسقوط وحدة مصر وسورية- دار المسيرة- بيروت- الطبعة الثانية كانون الثاني 1979 ص144-145) (57) باتريك سيل -مصدر سابق ص218) أنظر جاك بيرك عالم العرب السياسي دائرة المعارف الفرنسية المجلد الحادي عشر 1957) (58) المصدر السابقص243) (59) الياس مرقص -تاريخ الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي -دار الطليعة- بيروت 1966 ص3) (60) جوردن هـ نوري مصدر سابق ص332) (61) مصطفى دندشلي -مصدر سابق ص319) (62) د.ر فوبليكوف... وأخرون- تاريخ الأقطار العربية المعاصر -1917-1970) الجزء الأول -دار التقدم- موسكو ص118) (63) المصدر السابق ص115) (64) المصدر السابق ص127) (65) محمد عبد المولى -مصدر سابق ص396) (66) ياسين الحافظ مصدر سابق ص 254). *) - البرجوازية السورية لم تكن طبقة وحدوية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |