|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:06 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القسم السادس المجتمع المدني الراهنة الفصل الأول : الاستقلال السياسي واللحظة الليبرالية وصعود الفئات الوسطى أولاً: في مضمون الاستقلال السياسي و " اللحظة الليبرالية " كان الاستقلال السياسي الذي حصلت عليه الأقطار العربية وفق التقسيم العالمي للعمل من جهة، واتفاقية سايكس بيكو التي حددت المجال الجغرافي - السياسي لكل قطر من جهة أخرى، قد وحد بين كل القوى، بما فيها الاقطاعية والبرجوازية الوطنية والطائفية، وحتى الرجعية، لانجاز برامج الاستقلال المتكون من نقطة واحدة، هو الاستقلال. لذا أخذ هذا الاستقلال يتآكل باطراد بسبب من هيمنة الاتجاهات المساومة والغالبة عليه. ولما كان برنامج هذا الاستقلال السياسي هو برنامج الاقطاع والبرجوازية في عمومه، لا برنامج الطبقات والفئات الشعبية وقواعدها الطليعية والديمقراطية، فإنه لم يحقق التحرر الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي الاستقلال القومي الكامل والجذري الشامل، الذي بدونه يبقى الاستقلال السياسي في خطر دائم مع تنامي حركة عولمة الاقتصاد، والدخول في عصر الاستعمار الجديد. وعلى الرغم من بروز قوى طبقية حديثة في الوطن العربي من برجوازية وطنية، وفئات وسطى، وانتليجنسيا، وطبقة فلاحية وطبقة عمالية ناشئة من أصول حرفية مدينية وفلاحية في الغالب، إلا أن حركة التحرر الوطني التي نمت، شقت طريق التحرر من أجل القضاء على السيطرة الاستعمارية، ونيل الاستقلال السياسي، في طريقتين : الأولى : طريق النضال السياسي الشعبي السلمي، المتعدد الأشكال من المظاهرات، وتقديم العرائض الاحتجاجية والمراسلات والتصريحات الصحفية، واللجوء إلى حل القضية الوطنية لكل قطر عربي معني من خلال المؤتمر الدولي، أي داخل الجبهة الاستعمارية. وقد طبع هذا النمط السياسي من النضال القوى والأحزاب السياسية في بلدان المشرق العربي، ومصر والسودان، وليبيا. وهذا النمط السياسي من النضال الذي خاض صراعات متصاعدة باستمرار من أجل التحرر من ربقة الاستعمار، ونيل الاستقلال الوطني، لم ينتهج طريق الكفاح المسلح، بل أنه أعتمد أسلوب المفاوضة، واستغلال التحول في العلاقات الدولية عقب نهاية الحرب العالمية الثانية الذي أضعف إلى حدٍ كبير قدرة القوى الاستعمارية الغريبة الفرنسية والبريطانية على الاحتفاظ بمستعمراتها. الثانية : طريق العصيان المسلح، والثورة الشعبية المسلحة، التي شقت طريقها في بلدان المغرب العربي، والشطر الجنوبي من اليمن، في عالم جديد متغير يجتاحه جو التحرر، وتجذر الوعي الوطني، حيث صارت حركات الاستقلال الوطني في هذه البلدان على درجة من القوة، اجبرت الدول الاستعمارية الغربية على الاعتراف بالحقائق الواقعة على الأرض، وبالتالي السماح بإقامة دول وطنية جديدة مستقلة. وإن كانت هذه الواقعية الغربية التي أيدت الاستقلال مرغمة على الميل مع الريح، كانت تضمر في الوقت عينه نية المحافظة على مصالحها في تلك البلدان المستقلة حديثاً، وبالتالي كانت تراهن على قولبة الحركات الوطنية التي استلمت السلطة لتتلائم مع المصالح الغربية. علماً بأن حركة المقاومة المسلحة في اليمن تميزت عن باقي الحركات الوطنية العربية الاستقلالية، في أنها كانت جزءاً من الحركة القومية العربية، وتحمل أهدافها السياسية والاجتماعية. لقد أدى هذا النضال من أجل الاستقلال الوطني، إلى إنهاء السيطرة المباشرة التي كانت تمارسها القوى الامبريالية التقليدية، لكن هذا التحرر الوطني لم يكن في حقيقته التاريخية ،تحرراً من بنية علاقات الانتاج الكولونيالية، التي كانت ولا تزال تشكل القاعدة المادية للسيطرة الامبريالية ولتجددها المستمر في معظم أقطار الوطن العربي. ولأن عملية التحرر الوطني لم تكن مقترنة بعملية التحرر الاقتصادي - الاجتماعي بالمعنى الدقيق للكلمة - بصرف النظر عن أن الحركات الوطنية الاستقلالية قد وجهت ضربات للاقطاع والسيطرة الاقتصادية الاجنبية، وسيطرة الفئات التجارية على مرافق الاقتصاد الأساسية - ذلك أن عملية التحرر الوطني وعملية التحرر الاقتصادي - الاجتماعي عملية تاريخية واحدة، تخضع لمنطق تاريخي واحد، وبالتالي لآلية واحدة من الصراع الطبقي. ولما كان حل التناقض الوطني، والمسألة الوطنية في أقطار الوطن العربي التي كانت خاضعة للاستعمار المباشر، هو بالضرورة حل ديمقراطي في أفق اشتراكي ويحدده منطق الصراع الطبقي عينه في بنية مجتمعنا العربي المتأخر تاريخياً، فإنه من وجهة نظر تاريخية لايمكن للصراع الوطني كما يقول مهدي عامل " إلا أن يكون في هذه البنية (الاجتماعية الكولونيالية) صراعاً طبقياً - وإن لم يظهر بهذا الشكل - ولايمكن للصراع الطبقي فيها إلا أن يكون صراعاً وطنياً - وإن لم يظهر بهذا الشكل " (1). والحال هذه، فإن الطريقة التي تم بها حل التناقض الوطني داخل الاقطار العربية، كان لها تأثيرها السياسي وتطوراتها اللاحقة بعد الاستقلال، خصوصاً إذا عرفنا إن هذا الصراع الوطني هو في الأساس صراع بين قوى اجتماعية تهدف إلى تأييد علاقات التبعية البنيوية مع المراكز الرأسمالية الغربية، وبالتالي بناء دول فتية تشكل ركائز في استراتيجية الاستعمار الجديد، تحولت لاحقاً إلى حلفاء عسكريين وسياسيين للامبريالية الأميركية، وبين قوى اجتماعية نقيضة لها تهدف إلى قطع العلاقة مع الامبريالية، وانتهاج طريقٍ آخر للتطور اللاحق لحياتها السياسية والاجتماعية. وقد مثلت هذه القوى الاجتماعية المعارضة الوطنية الراديكالية التي تمتلك اسلحة ايديولوجية فعالة ومؤثرة في اوساط الفئات الوسطى والجماهير الفلاحية والعمالية. فالتحرر الوطني والاستقلال السياسي الكامل، أوالعداء للامبريالية والصهيونية، هوالذي زاد في تعميق الاستقطاب السياسي والايديولوجي المتزايد بين هاتين الفئتين الاجتماعيتين، وهوالشكل التاريخي المميز لصراع قوى المعارضة الوطنية التي انقسمت إلى شطرين واضحين، أحدهما يطرح المسألة الاجتماعية محوراً للعملية السياسية، والآخر يطرح المسألة القومية ومن النفاذ بادئ ذي بدء إلى المسألة الاجتماعية، ضد الطبقة أوالتحالف الطبقي المسيطر من كبار الملاك وكبار التجار. لكن حركة الاستقلال السياسي في الوطن العربي، قد عملت القوى الامبريالية الغربية على ضربها حتى لاتقوم حكومات وطنية مستقلة غير مرتبطة بالخارج، وتمثل صورة حقيقية صلبة من صور العداء للامبريالية، وعلى الأخص حكومات تمثل الفئات الوسطى والعمال والفلاحين، كما في حال مصر عبد الناصر بعد العام 1956، حيث كانت حركة التحرر الوطني العربية قد وصلت إلى أعلى مراحلها قبل أن تنكسر وتهزم في حزب 1967. ولما كان الامبرياليون غير قادرين على الوقوف أمام عملية التحرر السياسي التي أخذت تشق طريقها في الوطن العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بقوة وعنف، وبعدم امكانية اصلاح النظام الاستعماري القديم، فقد كانت الخطوات التي اتخذها هؤلاء الامبرياليون لكي تدخل حركة الاستقلال السياسي في عصر الاستعمار الجديد هو سحق الجناح الوطني الراديكالي واليساري من حركة التحرر الوطني العربية، وقياداتها، مستخدمة في ذلك الأساليب العسكرية، واغتيال القادة السياسيين والنقابيين الشعبيين، وتحريم المنظمات الجماهيرية، كما حصل ذلك في البلدان العربية التي اتبعت طريق المقاومة المسلحة، مثل تونس، ومراكش، حيث حصلت انشقاقات داخل الحركة الوطنية لكل منها، أم على صعيد باقي البلدان العربية، التي شهدت بدورها صعوداً قوياً للاحزاب الايديولوجية اليسارية الراديكالية، واستقطاباً سياسياً ايديولوجياً عنيفاً بين احزاب الفئات الوسطى والأحزاب التقليدية الحاكمة التي حافظت على استمرار تحالفها مع الغرب الامبريالي .... في الوقت الذي أصبح فيه الاستعمار القديم الذي تمثله القوى الاستعمارية الاوروبية فرنسا وبريطانيا متراجعاً في وجه حركات التحرير الوطنية المتقدمة في الأقطار العربية بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك الاستغلال الاستعماري القائم على الملكية المباشرة للمستعمرات لم يعد يتماشى مع المتغيرات الدولية التي حصلت بعد الحرب العالمية الثانية، لجهة حصول البلدان العربية على استقلالها السياسي الذي مكنها من تحقيق سيادتها، حصل تحول من الحكم الاستعماري المباشر القائم على الحفاظ على الأمن البريطاني - الفرنسي، إلى الشكل غير المباشر، عوضاً عن الاستعمار القديم حل الاستعمار الجديد، القائم على الحفاظ على الأمن الأميركي كظاهرة جديدة في العالم. ليرى الاستعمار الأوروبي القديم، الذي أصبح انهياره ظاهرة عامة بعد الحرب العالمية الثانية. وليس الاستعمار الجديد، سوى المزيج من ضغط الرأسمال المالي الذي يمثل قوة حاسمة في مجمل العلاقات الاقتصادية والدولية، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، الذي أخضع بالفعل دولاً تتمتع بكامل استقلالها السياسي لدائرة السيطرة الامبريالية الاميركية، والضغط السياسي المدعوم دائماً بالحملات العسكرية الوحشية التي هي جزء من الأساليب التقليدية للاستعمار القديم، التي تطبقها الولايات المتحدة. هكذا فالاستعمار الجديد " هو مجمل الاجراءات السياسية والاقتصادية والعسكرية والايديولوجية التي تم اتخاذها من قبل الامبريالية، في ضوء الضعف الحاصل في مواقعها العالمية وفي ظل ظروف انهيار النظام الاستعماري. تستهدف هذه الاجراءات المحافظة بل وتوسيع رقابة الامبريالية على بلدان آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية المتخلفة اقتصادياً. وتلعب الولايات المتحدة الاميركية منذ البداية، دوراً رئيساً في هذا النظام، خاصة بعد أن ترسخت مواقعها في العالم الرأسمالي، بنتيجة الحرب العالمية الثانية. تستهدف الامبريالية الاميركية استخدام قوتها الاقتصادية والعسكرية لاحتلال مكان المتروبولات القديمة وتقرير مصير شعوب آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية. أصبحت الولايات المتحدة مركزاً للاستعمار الجديد "(2). وبعد الحرب العالمية الثانية حدثت تغيرات في بنى السلطة السياسية سواء في المراكز الرأسمالية الغربية، أو في الأطراف ومنها الوطن العربي، وذلك بفعل عولمة الاقتصاد وطموح القوى الامبريالية الغربية، وبخاصة منها الولايات المتحدة الاميركية التي وضعت استراتيجية استعمارية جديدة تهدف إلى إبقاء البلدان المستقلة حديثاً في مجال سيطرة النظام العالمي الاستعماري الجديد، وعرقلة هذه البلدان في مجال النهوض الاقتصادي بهدف الوصول إلى الاستقلال الاقتصادي من خلال تحطيم البنية الاقتصادية الاستعمارية، وجلب هذه البلدان للسير في طريق الرأسمالية، ولربطها بصورة وثيقة بنظام الاستغلال الرأسمالي المعاصر، وإخماد ثورة التحرر الوطني أو محاولة عرقلة تطويرها وتجذيرها كي لاتنتقل إلى مرحلة الاصلاحات الاقتصادية - الاجتماعية ، من خلال اعطائها وصفات جاهزة " للتطور " - من قبل منظري التطور " الذين يقومون بترويج وتسويق ايديولوجية الاستعمار الجديد - تقود في النهاية إلى ربط مصير هذه البلدان، وحل مشاكلها الاقتصادية الاجتماعية، بمسألة مصير الرأسمالية الاحتكارية العالمية ككل. وهكذا أصبحت النظم السياسية في بلدان الأطراف، مالكة وحيدة للثروات والخامات الضرورية للصناعة العالمية، وصار ايقاعها يتسق مع مصالح المراكز الامبريالية الغربية، والشركات الاحتكارية. فنما طابع الدولة الكمبرادورية ونمط الاقتصاد الريعي، الأمر الذي أدى إلى تضخم جهاز الدولة من جهة، أخرى. هذه الدولة الكومبرادورية أخذت تعيد بناء المجتمع وفق وظيفتها الاقتصادية الجديدة التي تكمن في تلبية حاجات الدول المصنعة إلى الخامات، وفتح الأسواق العربية لمنتجاتها، في مقابل ذلك تحصل هذه الدولة المستقلة حديثاً على القروض والمساعدات الحكومية التي يطلق عليها اسم " المساعدة الخارجية " في قاموس السياسة الامريكية. وتسعى الدول الامبريالية الغربية من خلال تقديمها هذه القروض والمساعدات سواء للبلدان النامية عامة، أم للبلدان العربية بوجه خاص، إلى الحصول على منافع سياسية اقتصادية ملموسة لها، منها مثلاً استخدام هذه المساعدات كوسيلة من وسائل الضغط السياسي، من قبل الأوساط الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تسخر المساعدات الخارجية لتجبر البلدان التي تحصل عليها لشراء السلع من الولايات المتحدة ذاتها، فضلاً عن استخدامها القروض كوسيلة لتشجيع هجرة رؤوس الأموال الخاصة إلى هذه البلدان المعنية لتقوية الاستثمارات الامريكية الخاصة فيها، والاستحواذ على مصادر المواد الخام، ومجالات استثمار رؤوس الأموال، مستغلة في ذلك حاجة البلدان التي حصلت على استقلالها حديثاً إلى المساعدة الخارجية المالية والتكنولوجية، والمعارف التقنية والعلمية، لكي تنقل اقتصادها من الاقتصاد الطبيعي الزراعي المتخلف إلى اقتصاد " حديث "، تحتل فيه الصناعات الخفيفة والتحويليه الموقع القائد. ولقد ترافقت وظيفة الدولة الاقتصادية الجديدة هذه في إعادة بناء المجتمع مع وظيفتها السياسية في النظام الدولي، أو نظام الاستعمار الجديد، في أفق ما يمكن أن نسميه مجتمع الدولة المضاد للمجتمع المدني والمنفصل عنه. وأصبح المجتمع المدني منذ ذلك الوقت يعيش على هامش الحياة الاقتصادية والسياسية في نمط من الانتاج الكفافي بلغ في بعض البلدان درجة التسول، ولاسيما بعد أن أممت الصناعات الأساسية، والتجارة الخارجية والداخلية، وقطعت دارة الاقتصاد المحلي، وأصبح كل قطاع من قطاعات الاقتصاد يتحرك معزولاً عن القطاعات الأخرى. لذلك تكرست حركة الاستقلال السياسي " 1944- 1962" التي شملت معظم الاقطار العربية، في شكل علم، ونشيد وطني، وضرب من حكم فردي، ومؤسسات حكم ذاتي في إطار النظام الاستعماري الجديد. وكان الهوى الغربي لدى النخب الحاكمة، والنهوض الشامل للامبريالية الاميركية، وتأثيرات الشركات الرأسمالية الكبرى، وحاجة الدول الرأسمالية الغربية عامة إلى الكثير من الخامات كما كانت حاجتها إلى أسواق واسعة أيضاً، أهم العوامل التي جعلت الاستقلال السياسي هشاً ومثلوماً. والحال هذه تعمق التغلغل الاقتصادي للدول الرأسمالية الغربية للوطن العربي، من خلال تطوير هذه الأخيرة قطاعات استخراج الخامات، وبخاصة النفط، والقطاعات الزراعية التي تمد الآلة الصناعية الرأسمالية بحاجاتها، وربط كل أسواق الدول العربية كلاً على حدة بالمراكز الرأسمالية الغربية، الأمر الذي قاد إلى نشوء فئات اجتماعية كمبرادورية جديدة تقوم بهذه الوظيفة، وإلى جعل الأسواق العربية جزءاً لايتجزء من السوق الرأسمالية العالمية، خاضعة كلياً لمنطقها، وآلياتها ، وإلى وضع حواجز بنيويه في اتجاه بناء صناعة مستقلة، وتطوير زراعة وطنية غايتها خدمة السوق العربية. وحتى ظاهرة باندوينغ، ظلت ظاهرة استقلال لاقت عداءاً شديداً من قبل الولايات المتحدة، التي عملت على اجهاض ظاهرة باندوينغ. وأصبحت بذلك الدكتاتوريات العسكرية في العالم الثالث، ولاسيما في الوطن العربي ظاهرة فاقعة... إن تصاعد الصراع السياسي في نطاق خوض معركة الاستقلال السياسي في الوطن العربي بعد الحرب العالمية الثانية ضد الاستعمار المباشر وضد الاحتلال، وضد أشكال السيطرة الامبريالية المباشرة، ومن أجل إنهاء عهد الانتدابات والمعاهدات، لم يقد إلى ضرب علاقة التبعية البنيوية التي تربط البرجوازية العربية الكولونيالية بالامبريالية. فهذه البرجوازية العربية التي نشأت على أرضية الاحتلال من جهة، وعلى أرضية السيطرة السياسية الاقطاعية من جهة أخرى، وكانت على علاقة وطيدة بالاقطاعيين وكبار الملاكين العقاريين، لم تصل إلى السلطة السياسية عن طريق الثورة التحررية من حيث هي جوهرياً ثورة ديمقراطية، أي أنها لم تقم بثورة برجوازية تقضي بها على علاقات الانتاج الكولونيالية، التي كانت ولاتزال تعيق تطور المجتمع العربي. وهذا ما يقودنا إلى القول بأن هذه البرجوازية الكولونيالية العربية بأقسامها المختلفة الكمبرادورية، التي تلعب دور الوسيط بين السوق الامبريالية والسوق المحلية، لم تكن يوماً طبقة ثورية، أي طبقة مهيمنة بالمعنى الدقيق للكلمة تحمل في صيرورتها داخل الانتاج الاجتماعي الذي تتكون فيه نظاماً جديداً من الانتاج يخرج من أحشاء نظام الانتاج القديم أو السابق عليه، ويقوم على انقاضه. مثلما أن هذه الطبقة لم تكن قادرة على انجاز ثورة برجوازية ديمقراطية شبيهه بالثورة البرجوازية الكلاسيكية في الغرب، لكي تنتشل المجتمع العربي بصورة نهائية من وهدة التاخر التاريخي والتخلف، وتفتح سيرورة جديدة وطويلة في تحديث المجتمع، وبناء المؤسسات السياسية الديمقراطية القائمة على العلمنة والعقلنة السياسية، لكي تتبلور في إطارها ملامح الدولة والسياسة العصريتين. لهذا يمكن القول بأن " البرجوازية الكولونيالية ليست مهيمنة بذاتها بل بتبعيتها للبرجوازية الامبريالية، أو قل أن هيمنتها الطبقية قائمة في ذاتها على أساس من وجود علاقات الانتاج الكولونيالية، في علاقة من التبعية البنيوية مع الامبريالية. لذا وبسبب من هذا الطابع من الهيمنة في التبعية وبها، وعلى نقيض البرجوازية الامبريالية التي كانت في تكونها التاريخي الطبقي، وما تزال مهيمنة بذاتها، أي في استقلالها الطبقي نفسه، ليس للبرجوازية الكولونيالية علاقة من التناقض التناحري مع الطبقة المسيطرة في نظام الانتاج السابق شبيهة بعلاقة التناقض التناحري التي كانت تربط البرجوازية الأوروبية بطبقة الاقطاعيين مثلاً"(3). وكان من نتيجة ذلك، أن الطبقة البرجوازية الكولونيالية العربية لم تكن منفصلة عن الاقطاعيين، وكبار الملاكين العقاريين، ولاكانت منفصلة عن السيطرة الاستعمارية الامبريالية على الوطن العربي. والحال هذه، الشروط التاريخية التي تكونت فيها هذه البرجوازية ونشأتها، هي عينها التي تفسر لنا أيضاً طبيعة البرجوازية العربية، من حيث كونها طبقة وسيطه، لاطبقة منتجة تحمل في سيرورتها الطبقية نظام انتاج رأسمالي قائم بذاته. ولم تكن بذلك في علاقة تناقض تناحرية مع الطبقة المسيطرة أو التحالف الطبقي المسيطر في نظام الانتاج السابق، وبالتالي لم تكن علاقتها بالاستعمار والبرجوازية الامبريالية تناحرية أيضاً، ولذلك نجد اختلافاً جذرياً كبيراً يميز البرجوازية الكولونيالية العربية عن البرجوازية الكلاسيكية الغربية على صعيد تكونها التاريخي وتطورها اللاحق. ولهذا السبب، أن حركة مطالبتها بالاستقلال السياسي لم تكن تدخل في نطاق الصراع العنيف ضد الاحتلال، وقطع العلاقة الكولونيالية من حيث هي علاقة تبعية بنيوية، لأن مصالح هذه البرجوازية ليست متناقضة إلى هذا الحد مع الاحتلال والامبريالية. وعلى الرغم أننا نجد تفاوتاً في موقف أقسام هذه البرجوازية من القوى الامبريالية، إلا أن ما كان يسمى بالبرجوازية الوطنية لم يكن تناقضها مع الامبريالية تناقضاً تناحرياً يجعلها تتخذ موقفاً معادياً لها ويضعها في تحالف مع القوى الاجتماعية الثورية الأخرى، كالفئات الوسطى والعمال والفلاحين. بل أن تناقضها مع القوى الامبريالية كان محدوداً، وكانت تريد أن تحقق الاستقلال السياسي بالتحالف مع الجماهير الشعبية في بعض الاحيان، ومع قواها الوطنية والديمقراطية في سبيل انتزاع دور سياسي أكبر، واقتصادي أكبر. ولم تكن ممارستها للصراع الوطني الذي كانت تنطلق فيه من موقع وهمها الطبقي، يمنع دخولها في تناقض كبير مع الجماهير الشعبية، لكي تخضعها لهيمنتها، كلما قدمت الامبريالية تنازلات صغيرة، لأن مصالحها الطبقية لم تكن متناقضة إلى هذا الحد مع الامبريالية، لكي تكون في طرف واحد من التناقض الرئيسي داخل حركة التحرر الوطني العربية. في الواقع التاريخي الفعلي، يصبح مفهوماً لماذا بقيت حركة الاستقلال السياسي للاقطار العربية محكومة بالتأخر التاريخي العام للمجتمع العربي، لأن سياسات هذه الطبقة البرجوازية العربية كانت مهتمة بتنمية التجارة الداخلية والخارجية- تصدير سلع وخامات، واستيراد سلع مصنعة ومنع حركة التصنيع الداخلي التي تلبي حاجيات السوق الداخلية بهدف الاستغناء عن السلع المصنعة المستوردة من الغرب. لأن مصالح هذه الطبقة لاتريد أن تصطدم حقيقياً مع الامبريالية، بل إنها كانت مع إبقاء السوق الداخلية مفتوحة للسلع الرأسمالية الغربية، لأن هذا يحافظ على علاقة التبعية البنيوية مع الامبريالية التي تشكل أساس وجودها الطبقي، فضلاً عن أنها تستفيد مالياً من هذا الوضع القائم، عبر تنمية ثرواتها وزيادة رؤوس أموالها، وبالتالي زيادة استغلالها للشعب. ومن جهة أخرى، في الوقت الذي يفترض فيه أن تنمو الرأسمالية الوطنية في هذه البلدان (العربية) تحوّل الملاك والتجار إلى وكلاء محليين للبضائع الاجنبية وخاصة، المصنعة، واتخذوا تدريجياً صفة الكومبرادور (مزيج من أبناء الاقليات الاثنية والدينية ). واتسم تملك هذه الطبقة بالتنوع والاحتكار، ولم تتجه إلى التخصص في نشاط اقتصادي محدّد، فتجد عائلة واحدة ذات ملكية عقارية واسعة تملك اراضي زراعية شاسعة وشركات تجارية كبيرة ومصانع متعددة ووكالات استيراد وتصدير ... إلخ "(4). إن مضمون حركة الاستقلال السياسي في الوطن العربي، لم يفتح سيرورة ديمقراطية لبناء دولة عصرية، ومجتمع مدني حديث، ولم يفسح في المجال لتطوير حياة سياسية عقلانية وحديثة عموماً، وديمقراطية حديثة، تنضجان الامة العربية، وتعطيانها تاريخاً سياسياً داخلياً حديثاً، يلبي موضوعياً المصلحة القومية العليا. وقد انتج شكل النضال السياسي السلمي، أي الطريقة الأولى التي اتبعتها عدة أقطار عربية لمقاومة سلطات الانتداب، أو المزج بين النضال السياسي والمسلح معاً كما هو حال تونس والمغرب، نمطاً من السلطة التقليدية حافظت على بنى المجتمع التقليدية، والعلاقات التقليدية مع الدول الامبريالية. وهذه الدول تتمثل بسوريا، والعراق، ومصر (قبل مرحلة الانقلابات ضد اشكال الحكم التقليدية، والتي تحدثنا عنها باسهاب في نهاية القسم الخامس) والأردن، والمملكة العربية السعودية، وإمارات الخليج، ولبنان، وتونس، والمغرب الأقصى. إن هذه البلدان حافظت على نمط السلطة التقليدي، وبنت الفئات الحاكمة فيها دولاً تقليدية لم تجسد قطيعة مع المجتمع التقليدي. ولهذا، كانت سياساتها متجهة أساساً إلى الحفاظ على الواقع التقليدي القائم، حتى وإن قامت بعملية تحديث ضمن المجتمع التقليدي، مثل اصدار دساتير لتزيين السلطة، وتأسيس مجالس نيابية، والسماح بالتعددية السياسية، وخوض مسيرة تجربة " ليبرالية " محدودة في الزمن سرعان ما بترت. غير أن اشكال التحديث هذه التي أضفت مظهراً خارجياً " حديثاً " لهذه الدول كان يخفي واقعاً شديد التخلف في الداخل، ولم تحدث تحولاً راديكالياً مستقلاً في تطور بنى المجتمع، وغير مشّوه. بل أن عملية التحديث هذه قد تمت في إطار من التبعية والمحاكاة للغرب. إن عملية التحديث هذه لم تستوعب الانجاز البرجوازي الغربي، أو كما يسميه البعض الفتح البرجوازي " ذا الجذور اليونانية المسمى بالديمقراطية السياسية "، لكي توسع وتعمق عقلنة المجتمع السياسي أو الدولة. ومن هذا المنظور لم تؤد حتماً إلى الحداثة، بل إلى مجتمع بطركي : ملقح بالحداثة " بحيث أن عملية التحديث تصبح نوعاً من الحداثة المعكوسة ... (لأن البنى التقليدية للمجتمع العربي لم تحل محلها بنى حديثة بالفعل، بل أن الذي حدث هو تعزيز واستمرار وجود البنى التقليدية ذاتها في أشكال مشبوهة ملقحة بالحداثة ). والواقع أن عملية التحديث ضمن المجتمع البطركي الحديث ماهي، في معظمها، الاسياق يؤدي إلى مزيد من التخلف وعدم الجدوى اجتماعياً، كما أنها تنتج البنى الهجينة، اللاعقلانية أو شبه العقلانية، التي يتسم بها المجتمع البطركي الحديث (5). ولاشك أن عملية تلقيح هذه البلدان بالحداثة في بنية اجتماعية تقليدية سابقة على الرأسمالي، أنتجت وضعاً سياسياً واجتماعياً تشقه ازدواجية أساسية، بين مظهر خارجي حديث، يتمثل في بناء تنظيمات عسكرية بيروقراطية حديثة، ومؤسسات وأجهزة أمنية، مايسمى بالمخابرات - حديثة من حيث الشكل، وفتح أسواقها للسلع الاجنبية، وبناء اقتصاد خدمات، أساسه سياسة تصدير الخامات، واستيراد السلع المصنعة والمواد الغذائية من الغرب، وتعميم أنظمة التعليم، ولكن دون أن تجعله الزامياً، وتطوير علاقاتها مع القوى الامبريالية، وبين المحافظة على واقع مجتمعي داخلي آخر تسود فيه ايديولوجية تقليدية، وبخاصة لدى السواد الأعظم من الأمة العربية، أي الكتلة الأمية، فضلاً عن سيادة البنى ما قبل القومية، مثل البنى القبلية، والعشائرية، والطائفية، والمؤسسات الدينية والاجتماعية التي تعود إلى القرون الغابرة أيضاً. هذه الازدواجية قد حرفت مسار التطور الداخلي للمجتمع، باتجاه تطور مشوه في الواقع متخذاً شكل جدلية تجاذب وصراع بين "التقدم والتأخر التاريخي "، بين " الأصالة والمعاصرة " بين " القديم والحديث " بين " الأصيل والدخيل " أو " الوافد والموروث "، وشكلت عائقاً بنيوياً أمام انبثاق ديمقراطية حديثة، وتحديث الدولة العربية، والسياسة العربية، في سبيل تحقيق اندماج الأمة القومي على أسس ديمقراطية وخلق رأي عام فاعل ومشارك من الناحية السياسية، ومنتسب إلى ايديولوجية حديثة تعبر عن وعي حديث مطابق لحاجات تقدم الأمة العربية، وتحديثها، وبناء مجتمع مدني تسود فيه العقلانية، والديمقراطية، والتنوع، متجاوزاً بذلك بنية المجتمع التقليدي. وهكذا، نخلص إلى القول بأن هذه الازدواحية (نصف مسلمة ونصف حديثة) قد قادت إلى انعدام الاصالة ببعدها التقليدي، وببعدها الحداثي على حد سواء، وأفرزت بناء دولة عربية - في شتى اشكالها البرلمانية. " الثورية " الاوتوقراطية، العسكرية - أرتدت إطاراً شبه حديث مع الاجتياح الاستعماري، وحافظت على بنية تقليدية من حيث الجوهر. و " الصفة الأولى المميزة لدولة ذات بنية تقليدية كهذه ليست فقط كونها فوق المجتمع بل أيضاً كونها توفر اندماجاً بين السلطة وممارستها. هذه الدولة، حيث التقليد السياسي العربي ذو الطابع التيوقراطي ما يزال مفروزاً في ايديولوجيا الكتلة الهامدة من الأمة، وبالتالي حيث الشعور بالرعوية إزاء الدولة هو الغالب لدى القسم الأكثر تأخراً من الأمة، وحيث الشعور بالمواطنية لدى القسم الأول تأخراً منها لم يصل في حدته إلى مستوى عنيد قتالي (فيتخذ في حالة الرفض طابع عزوف أو انطواء، وفي حالة القبول طابع تأييد لاطابع مشاركة) هذه الدولة تتيح أوسع الفرص لممارسة أقلية ما هيمنة دائمة، والصراعات حول السلطة (وكثيراً ما تعتبر هذه السياسة في هذه المجتمعات المتأخرة) داخل هذه الأقلية، الأقوى من الشعب والراكبة عليه، بالغائها الحياة السياسية للشعب، تعطل بالنتيجة عملية تحديث السياسة، وتعرقل دمقرطتها، أي تعرقل عملية تحول الفرد إلى عضو في الدولة " (6)... يقينا أن الدولة العربية التي تسلب، وتصادر حقوق الفرد الاجتماعي لاتعترف لهذا الفرد بصفة المواطن. وكل الاصلاحات التي قامت بها الدولة، وسميت " بالتجربة الليبرالية " كانت بالأحرى أدوات أو وسائل لضبط المجتمع المدني بتكويناته المختلفة، وجعله لايخرج عن قنوات السلطة ذاتها. فهذه الاصلاحات الليبرالية " بالاحرى هي مظهر من مظاهر توسع الدولة على حساب المجتمع المدني وصولاً إلى إلغائه، وليس من العجب أن تستغني الدولة عن هذا المجتمع المدني استغناء تاماً. فالدولة التي بدأت مسيرتها السياسية " بلحظة ليبرالية : تضخمت كثيراً وازداد انفاقها العسكري والمدني والترفي، في غياب كامل للمشاركة السياسية من قبل المجتمع المدني، وصار لها وظيفة كمبرادورية، وتحولت إلى حلقة أساسية من حلقات التبعية، بسبب حاجتها إلى التقنيات الحديثة التي تستخدمها الأجهزة الأمنية، وإلى السلع ، و الخدمات من السوق الرأسمالية العالمية. وكانت تندمج أكثر بهذه السوق، وبالنظام الرأسمالي العالمي، ويمكن أن نستعرض بالتحليل تجارب قطرين عربيين هما لبنان وتونس اللذين عرفا عند الاستقلال نوعاً من " الديمقراطيات " لا على النمط الغربي الكلاسيكي، وإنما طبقاً لواقع ذانك القطرين. وقد ساعد على ذلك " إن الصفوة السياسية النشطة التي قادت النضال ضد الاستعمار من أجل الاستقلال، كانت من الطبقة الوسطى الحديثة، ذات التعليم العصري، والمتأثر بالفكر الليبرالي والقومي الأوروبي " (7). ثانياً: نموذج لبنان في عهد الانتداب الفرنسي، وقبيل الحرب العالمية الثانية، فجرت معركة الاستقلال الوطني الصراع بين تيارين سياسيين أساسيين على الساحة اللبنانية. الأول : - تيار عروبي يدعو إلى رحيل الاستعمار الفرنسي، وتحقيق الاستقلال الكامل للبنان، والمحافظة على وحدة اراضيه وسيادته، وتأكيد انتمائه إلى محيطه العربي، ورفض الضمانات الاجنبية، وإعادة صياغة الدستور الذي كان يتضمن بنوداً تحتفظ للانتداب الفرنسي بالسلطة المطلقة. وكان هذا التيار يحظى بالاجماع الشعبي، ويضم القوى الوطنية والديمقراطية المتناقضة جذرياً مع سلطة الانتداب، والتي عملت على مقاومتها بهذا القدر أو ذلك انطلاقاً من مواقعها السياسية، والطبقية، والطائفية، المتباينة، ورفضت تجزئة لبنان أو ضمه، أو الحاقه، خصوصاً وإن مشروع " سورية الكبرى " الذي كان يرعاه نوري السعيد، كفكرة مضادة لجامعة الدول العربية، قد فضحته الصحافة الثورية، باعتباره مشروعاً استعمارياً، حيث كتبت "صوت الشعب " في عددها (942) الصادر في 9 آذار (1945)، تحت عنوان " تطور القضية العربية : انهيار مشروع سورية الكبرى " قائلة : ".. إن هذا المشروع يؤدي إلى نتائج خطرة على العرب أهمها : أولاً : خلق منطقة جديدة لنفوذ استعماري معين (أي النفوذ الانكليزي ). ثانياً : الاعتراف الرسمي بالصهيونية وتأليف دولة صهيونية على أرض فلسطين العربية تكون حصناً للاستعمار، وخطراً على المشرق العربي كله. ثالثاً : - تجزئة لبنان وخلق نقطة ارتكاز استعماري فيه. رابعاً : - إلغاء النظام الجمهوري في لبنان وسورية. خامساً : - تأليف كتلة خاصة ضمن المجموعة العربية تسعى لتثبيت نفوذها على حساب نفوذ غيرها من الدول العربية مما يؤدي إلى هدم التضامن بين الشعوب العربية وتفريق كلمتها واحلال التناحر والتنابذ محل الاخاء والتقارب " (8). الثاني : - تيار يستند إلى فكر طائفي، ويدعو إلى تأييد الوضع السياسي الطائفي القائم، فضلاً عن دعوته إلى تقوية علاقة الارتباط البنيوي بالاستعمار الفرنسي، وبالثقافة الفرنسية. وهو يرفع شعارات تدعو إلى التجزئة الاقليمية، وعودة لبنان إلى تجربة المتصرفية أو لبنان الصغير المحمي من قبل الانتداب الفرنسي. وكانت ايديولوجية هذا التيار الطائفي المسيحي، الداعي إلى لبنان الصغير تقوم على مايلي : أولاً : رفض عروبة لبنان والدعوة إلى جعله سويسرا الشرق بضمانة أوروبية. ثانياً : التمسك بالوجود العسكري الفرنسي على أرض لبنان كضمانة لوجود لبنان واستمراره. ثالثاً : - المطالبة بالاستقلال المضمون من فرنسا كبديل وحيد لالغاء الانتداب. رابعاً :- السعي المستمر لإعادة تجربة المتصرفية أو لبنان الصغير في حال اختلال التوازن الطائفي ... " إن السمة الأساسية لجماعة لبنان الصغير تكمن في دعوتهم المستمرة إلى اعادة تجزئة لبنان شعباً وأرضاً، وتبعاً لانتماءات تعيد هيمنة وحيدة الجانب لطائفة على باقي الطوائف. وفي حال عجزهم عن القيام بمثل هذه التجزئة فإن الاصرار على بقاء الضمانة الاجنبية، أي العساكر الفرنسية على أرض لبنان، أمر لايمكن التنازل عنه قيد شعرة" (9). وفي خضم معركة الاستقلال هذه، كان الانتصار للتيار الذي يدعو إلى استقلال لبنان التام، وبناء دولة البرجوازية اللبنانية، كدولة طائفية قائمة على التوازن الطائفي، ورافعة في الوقت عينه شعار وحدة الطوائف اللبنانية، باعتباره القاعدة الوحيدة لبناء لبنان المستقل، وبالتالي " لإقامة دولة الوحدة الطائفية المستقلة على أرض لبنان وباسم شعب لبنان " و " المساواة بين هذه الطوائف وتوزيع المناصب بينها توزيعاً عادلاً تبعاً لتعداد ابنائها حسب أحصاء (1932)". وهكذا، فإن الحركة الاستقلالية اللبنانية، انبثق عنها نظام سياسي طائفي طبقي، يدعو إلى بناء لبنان " الطائفية العادلة " أو " الطائفية البناءة " وتهيمن فيه البرجوازية الكولونيالية اللبنانية، التي " ترفع شعار الحضارة الغربية لاجتذاب جناحها المسيحي، وترفع شعارها العروبة الاقتصادية لاجتذاب جناحها المسلم " (10)، ويستند إلى ميثاق 1943، الذي يشكل بجميع مدلولاته السياسية، والطائفية، والعروبية، والثقافية، مرتكزاً أساسياً للنظام السياسي والايديولوجي والحقوقي اللبناني الطائفي - الطبقي. وقد حدد يوسف ابراهيم يزبك الخطوط العريضة لميثاق دولة الطوائف هذه بالنقاط التالية : أولاً : - لبنان جمهورية مستقلة استقلالاً تاماً غير مرتبط بأية دولة أخرى أي وضع حد نهائي للانتداب الفرنسي والتأثيرات الخارجية. ثانيا: - لبنان ذو وجه عربي ولغة عربية وهو جزء من العالم العربي ذو طابع خاص. غير أن لبنان - رغم عروبته - لايسعه أن يقطع علاقاته الثقافية والروحية بالحضارة الغربية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه العلاقات ساعدت لبنان على بلوغ درجة من الرقي والتقدم يحسد عليها. ثالثاً : - إن لبنان مدعو للتعاون مع جميع الدول العربية، ولأن يصبح عضواً في الاسرة العربية بعد أن تكون تلك الدول قد اعترفت باستقلاله وكيانه ضمن حدوده الحاضرة، وعلى لبنان في تعامله مع الدول العربية إن لا ينحاز إلى فريق ضد أخر. رابعاً - توزع الوظائف كلها بالتساوي بين الطوائف المعترف بها في لبنان. أما فيما يتعلق بالوظائف الفنية فتعطي الأولوية فيها للكفاءات الشخصية بدون اعتبارات طائفية. وعملاً بهذا المبدأ وزعت الرئاسات الثلاث الأولى كما يلي : " رئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة المجلس النيابي للشيعة، ورئاسة الورزاء للسنّة ...(11). إن الشروط التاريخية التي تشكل فيها النظام السياسي الطائفي - الطبقي اللبناني، هي عينها الشروط التي تشكلت فيها البرجوازية الكولونيالية اللبنانية. كطبقة مرتبطة بعلاقة تبعية بنيوية بالامبريالية، وبإعادة انتاج علاقة التبعية هذه، وهي أيضاً الشروط التاريخية والسياسية المحددة للصراع الوطني اللبناني من أجل الاستقلال، الذي كانت تتحكم فيه رؤيتان متناقضتان، الأولى، تدعو إلى استقلال مدعوم من الغرب ولكنه يعادي العرب، والثانية، تدعو إلى استقلال مدعوم من العرب ، ولكنه لايعادي الغرب. ومع ذلك لم يستطع الميثاق أن يصهر هاتين الرؤيتين، أو هاتين العقيدتين المتضاربتين على حد قول الرئيس بشارة خوري الذي قال : " لم يكن الميثاق تسوية بين طائفتين فحسب، بل كان ولم يزل انصهار عقيدتين، متباينتين متضاربتين، ترمي الأولى إلى إذابة لبنان في غيره، والثانية إلى ابقائه محفوفاً بحماية أو وصاية أجنبية ". إذا كان الميثاق قدعجز تاريخياً عن لجم التناقضات بين الطوائف، لأنه كان في واقعه الفعلي ميثاقاً طائفياً غير قادر أن يرتفع فوق الطوائف، فيستوي من خارجها حكماً عليها، فإن دولة الاستقلال، أي دولة البرجوازية اللبنانية هي الدولة الطائفية القائمة بامتياز. " ففي عهد الاستقلال بالذات. تعزز بناء النظام الطائفي الذي اقيمت أسسه في عهد الانتداب، وفي عهد الاستقلال اكتمل الوجود المؤسسي للطوائف في كيانات سياسية لها، استقلالها الذاتي المحكوم بانظمتها الخاصة. ولقد كان لدولة الاستقلال، اعني دولة البرجوازية اللبنانية، الدور الأول في تعزيز هذا البناء (بدلاً من تقويضه )، وفي تأمين الأطر المؤسسية الضرورية لوجود هذه الكيانات وديمومتها " (12). فالدولة اللبنانية التي تأسست في عهد الاستقلال بصرف النظر عن كونها اقامت نوعاً من " الديمقراطية البرلمانية "، تجسدت في انتخاب مجلس نيابي أصبح يشكل المؤسسة الدستورية الوحيدة لتمثيل الشعب اللبناني بجميع طوائفه - كانت ولا تزال تلعب الدور المؤسسي عينه في علاقاتها السياسية بالطوائف، باعتبارها كيانات سياسية قائمة في وجودها بالدولة البرجوازية اللبنانية الطائفية، على نقيض الدولة الديمقراطية الحديثة على الأقل في مفهومها النظري، التي يفترض قيامها ووجودها أن تكون من خارج الطوائف، وفوق الطوائف. والحال هذه لايمكن أن تكون دولة طائفية، أو لها طابع طائفي. ولقد حاول النظام الطائفي اللبناني أن يزاوج بين الليبرالية الغربية الكلاسيكية وبين تراث محلي قائم على تعدد الطوائف، إلا أنه لم يستطع أن يؤسس دولة المواطنين، وبالتالي يؤسس ديمقراطية برلمانية حقيقية. تسهم جدياً وفعلياً في تحديث بنية المجتمع. لأن الدولة الطائفية التي تهيمن فيها طائفة معينة، ويتحكم في فلسفتها السياسية فكر طائفي، لا يمكن لها أن تقيم توازنا بين الطوائف على حد قول مهدي عامل، لأن الدور " الموازن " للدولة يكمن في ظل هيمنة هذا الفكر الطائفي، " من تأمين الهيمنة لهذه الطائفة المهيمنة، ضد تطلعات الطوائف الأخرى، أما إلى الهيمنة، وأما إلى المساواة والمشاركة. إنه إذن يكمن في تأمين التحقيق الآلي لا عادة انتاج تلك العلاقة من الهيمنة الطائفية التي بها يقوم المجتمع المتعدد. فهو، بهذا المعنى فقط، دور " تحكيمي موازن " وهو، بهذا المعنى أيضاً، في تناقض مع دور الحكم الذي يضع الدولة في موقع محايد " (13). إن مضمون الاستقلال للبنان لم يقترن ببرنامج بناء دولة ديمقراطية حديثة، ومجتمع مدني حديث، حيث لا إمكانية لانجاز هذا الاستقلال واعطائه مضموناً ديمقراطياً بغير، هذا البرنامج الديمقراطي، الذي هو وحده قادر على تجاوز بنية المجتمع الطائفية جدلياً وسياسياً، وتاريخياً. وفي ظل غياب برنامج الثورة الديمقراطية الراديكالية لم يكن من الممكن تصور بناء دولة المواطنين في لبنان، عقب الاستقلال السياسي، مثلما لم يكن من الممكن بناء مجتمع مدني متجانس يكون فيه الفرد كمواطن، مستقلاً بذاته، في علاقته المباشرة بالدولة. ولهذا ظلت الدولة اللبنانية في مضمونها ووجودها الفعلي بعيدة كل البعد عن الدولة المركزية ذات الطابع البرجوازي بالمفهوم الكلاسيكي الغربي، أي دولة المواطنين، الذي يشكل شرط وجودها الاساسي، انتفاء طابعها الطائفي، هو الا تكون طائفية. ذلك أنه بانتفاء الطابع الطائفي هذا للدولة اللبنانية، " ينتفي ذلك الوجود المؤسسي للطوائف، الذي هو، بالدولة وحدها، وجودها السياسي، ولا أقول، بالطبع، وجودها الديني. لكن الدولة التي بها توجد الطوائف، مؤسسياً وسياسياً، هي فقط، الدولة الطائفية ولا يمكن لها أن توجد كذلك بغير هذه الدولة. والدولة الطائفية هذه، في تعريفها نفسه، ليست دولة مركزية، ولايمكن لها أن تكون أو أن تعتبر كذلك. إلا إذا كانت طائفة واحدة لا دولة طوائف، كما هي في تعريفها، أو كما تظهر لذاتها " (14). وهكذا، شكل ميثاق 1943 القاعدة الايديولوجية والسياسية، تشكلت على أساسه علاقة التلازم البنيوي بين النظام السياسي لسيطرة البرجوازية اللبنانية الوسيطة والكمبرادورية بجناحيها الطائفي المسيحي الرافض للعزلة والمنفتح على السوق العربية الاقتصادية، والطائفي الإسلامي الذي يريد تحسين حصته ومركزه في الدولة الطائفية الجديدة والمتراجع عن إقامة الدولة اللبنانية المستقلة، وبين الشكل الطائفي التاريخي المحدد للنظام السياسي اللبناني. " إن معركة الاستقلال كانت فرصة ذهبية لبناء لبنان على اسس وطنية حقيقية، لكن قوى الميثاق جعلت منها مناسبة تاريخية لبناء دولة الطوائف المتناحرة من أجل أقتسام المغانم ..." وهكذا فاتت الفرصة ومرّ القطار وانقضى العهد الاستقلالي الأول في محاربة الحركات التقدمية بالارتكاز إلى الزعامات التقليدية الاقليمية والعشائرية كما كان يفعل الانتداب عيناً بعين " (15). هل كان من الممكن أن تتحول الدولة اللبنانية التي تأسست في عهد الاستقلال على قاعدة الميثاق إلى دولة حديثة قائمة على احترام المؤسسات الديمقراطية التمثيلية والدستورية ؟ إن الميزة الأساسية التي تتسم بها الدولة اللبنانية هي هيمنة طابعها الطائفي في بنيانها الداخلي، وهذا الشكل الطائفي التاريخي الذي هو أساس لوجود هذه الدولة يشكل عائقاً بنيوياً في تحول الدولة اللبنانية إلى دولة ديمقراطية حديثة. ولا شك أن أزمة النظام السياسي الطائفي، من حيث هي أزمة نظام السيطرة للبرجوازية الكمبرادورية اللبنانية، أصبحت هي المولده لهذا التناقض الطائفي الذي خلق نوعاً من التراتبية المواطنية، والذي لايمكن حله حلاً ديمقراطياً راديكاليا إلا في إطار عملية تغيير جذري للبنية الطائفية لهذه الدولة، الأمر الذي يتطلب نقضها، أي نقض البنية التاريخية والاجتماعية والسياسية المتوارثة، المرتبطة بتكون الطوائف ووجودها السياسي وصراعاتها السابقة، حيث تحاول القوى الطائفية، أن تفرض ايديولوجيتها وسياستها وقيادتها للمجتمع والدولة، وفي كل مجالات الحياة، وتحاصر وتقمع كل القوى القومية، والديمقراطية، والنقابات، التي تتبنى برامج سياسية نضالية معادية للامبريالية، والصهيونية، والرجعية الداخلية. وإذا كان لبنان قد عرف الحياة النيابية منذ العام 1920، مروراً بعهد الاستقلال 1943، وبعده إلى حد بداية اندلاع الحرب الأهلية 1975، فإن سمة التمثيل داخل البرلمان بين المرشحين كانت تقوم على أساس حصص الطوائف المقرر لها، " وهذا يعني أن المقاعد حددت هويتها الطائفية سلفاً، وان لاتنافس بين اللبنانيين فعلاً، بل بين المرشحين ضمن كل طائفة. لكن هذه الهوية الطائفية تحدها مجدداً رغبة في تجاوزها ذلك أن كل سكان قضاء يصوتون معاً لكل المرشحين. وهم يفعلون كذلك وفق معطيات طائفية إلى حد كبير. ومن الاعتيادي أن يؤدي ميل الأكثرية في القضاء لأحد المرشحين إلى نجاحه، حتى ولو لم يكن شعبياً. بين أبناء طائفته. فالناخب مبدئياً غير مرتبط طائفياً. بينما المقاعد موزعة طائفياً " (16). وعلى الرغم من التجدد في الدورات الانتخابية لمجلس النواب في الفترة الفاصلة بين 1920 إلى 1972، إلا أن القوى الديمقراطية الممثلة للفئات الوسطى الحديثة، وللعمال الفلاحين، لم تستطع أن تخترق اسوار المجلس الذي كانت تهيمن عليه العائلات الاقطاعية المتحالفة مع العائلات والفئات الطبقية صاحبة الامتيازات من كبار التجار والرأسماليين الحديثين. وكانت هذه الفئات الاجتماعية المسيطرة تتقاسم السلطة والوظائف والامتيازات الاقتصادية، حسب الحجم البشري أو السياسي لانتماءاتها الطائفية، وتحول دون دخول ممثلي الفئات الشعبية إلى البرلمان، بسبب طبيعة النظام الانتخابي الطائفي من جهة، وسيطرة العائلات الاقطاعية التقليدية، التي تفرز زعامات سياسية مثل آل جميل في بكفيا، وآل جنبلاط في الشوف، وآل أرسلان في عالية، والاسعد وعسيران في الجنوب، والخازن في كسروان، وفرنجية في زغرتا، وآل صبري حمادة في منطقة الهرمل في شمال سهل البقاع، من جهة أخرى. ويقول الدكتور غسان سلامة في هذا الصدد " هذه حال معظم الزعامات السياسية التي تناوبت من أب لولد على مقاعد المجلس بحيث أن الـ 425 نائباً لبنانياً (الذين احتلوا 965 مقعداً بين 1920 و 1972) ينتمون فعلاً إلى 245 عائلة، وإن وسع تحديد كلمة " عائلة " انخفض العدد إلى مائتين، والحال أنه من أصل 425 نائباً دخلوا المجلس منذ عام 1920، فقط 30 بالمئة (129) لا علاقة عائليه لهم بنواب آخرين، 10 بالمئة من النواب هم أولاد نواب، و 7 بالمئة أشقاء نواب آخرين و8 بالمئة أولاد عم نواب آخرين، وفي المجلس النيابي قبل الأخير الذي انتخبه اللبنانيون قبل الحرب (عام 1968) كان 42 بالمئة من النواب أولاد أو أولاد عم أو أولاد شقيق أو أصهار نائب آخر، و21 من أصل 99 نائباً في هذا المجلس الأخير ورثوا النيابة عن آبائهم "( 17). عجز الميثاق سياسياً وتاريخياً عن استيعاب تصاعد وتفجر التناقضات على تنوعها في لبنان، بعد الاستقلال، التناقض الوطني - الكياني، التناقض الطائفي، التناقض القومي الديمقراطي - الكياني، التناقض الاقتصادي. ولاشك أن هذه التناقضات اللبنانية هي مولدة بدورها لتناقضات جديدة في سياق سيرورتها، وهي متحولة أيضاً في مواقعها بسبب تطور هذه المتناقضات في المجتمع اللبناني، حيث يعمل، أحزاب وقوى سياسية، ومكونات للمجتمع المدني، وطبقات لها وعيها ورؤيتها، ويسعون وراء أهدافهم. فالتناقض الاقتصادي قد يبرز في شروط معينه كتناقض رئيسي، لكنه يصبح في شروط أخرى غير رئيسي. وفي مرحلة تاريخية معينة أصبح التناقض الطائفي هو التناقض الاساس الذي يحدد جميع التناقضات الأخرى التي هي مشتقة منه لذلك، علينا أن نميز بين التناقض الرئيسي وغير الرئيسي، لاعطاء السمة الصحيحة لمختلف مراحل وفترات عملية التطور للمجتمع المدني اللبناني الحديث. لقد انفجر التناقض الوطني - الكياني، مع تنامي مد الحركة القومية العربية والديمقراطية في المنطقة العربية، أثر العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، وتحقيق الوحدة المصرية - السورية في العام 1958، وسقوط النظام الملكي في العراق واندلاع ثورة 14 تموز 1958، وبالتالي سقوط حلف بغداد، وضرب العلاقات مع الدول الامبريالية، وإنشاء علاقات صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية الأخرى. وكانت الانتصارات التي تحققها الحركة القومية والديمقراطية العربية تحدث رعباً حقيقياً لدى القوى الاقليمية اللبنانية المتشبعة بالفكر الاقليمي، والمعادية للفكر القومي، ولعلاقة لبنان بمحيطه العربي. " ففي العام 1958 حمل قسم كبير من اللبنانيين السلاح لاسقاط حكم كميل شمعون بعد أن انحرف بلبنان غرباً، ودعا إلى القبول بحلف بغداد وبمعاهدة الدفاع المشترك. لكن تفجر التناقض عام 1958، أخذ طابع الخوف على الكيان. ففي الوقت الذي انتفض فيه الوطنيون والمسلمون ضد الاحلاف، (رغم وجود عدد من الزعماء المسيحيين معهم في ذلك، وكانت نسبتهم 30 في المئة )، فقد وجد المسيحيون في هذه الانتفاضة انحيازاً نحو الجمهورية العربية المتحدة، وبالتالي تهديداً لكيان لبنان وبقائه مستقلاً. وهكذا تم الانحراف بالتناقض الوطني إلى تناقض طائفي، تمت تسويته تحت شعار " لاغالب ولا مغلوب"(18). كما أن التناقض القومي تأزم وتفجر بدوره منذ نكبة فلسطين وتأسيس الكيان الصهيوني في العام 1948، حيث أصبحت قضية فلسطين قضية لبنانية، بسبب اطماع الكيان الصهيوني في المياه اللبنانية، وانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة في العام 1965، وانتقال حركة المقاومة الفلسطينية من الأردن بعد مجزرة أيلول الأسود العام 1970 إلى لبنان، وتنامي التلاحم الكفاحي في المعركة القومية بين فصائل الحركة الوطنية اللبنانية وكافة فصائل المقاومة الفلسطينية، حيث بدأ نجم المقاومة الفلسطينية المسلحة أو العمل الفدائي يتصاعد في فضاء السياسة العربية بعد هزيمة حزيران 1967. كل هذه الاحداث مجتمعة، طرحت مجدداً حتمية بل ضرورة انتماء لبنان القومي إلى الوطن العربي، ومحيطه العربي، وبالتالي إلى العروبة، ولكنها بالمقابل جعلت الفريق المسيحي الماروني اللبناني، يرفض انتماء لبنان القومي إلى الوطن العربي، خوفاً من فقدان امتيازاته الطائفية في الحكم، وأصبح يطرح " الخصوصية الكيانية الاقليمية "، بهدف الابقاء على الامتيازات التي حصل عليها المورانة في مراحل تاريخية معينة. وزاد في تضخيم التناقض اللبناني - الفلسطيني، باعتباره تناقضاً تابعاً للتناقض الكياني، بسبب رفض المسيحيين الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، ورفضهم أن يكون للبنان موقف قومي صدامي من الوجود الاستيطاني الصهيوني في فلسطين المحتلة، لانهم يعتبرون أن مشكلة الكيان الصهيوني هي مع العرب، لا مع لبنان. ومن هذا المنطلق يرفضون رفضاً قاطعاً أن يتم الزج بلبنان في إطار التناقض التناحري بين الأمة العربية والكيان الصهيوني، وإن يحتل موقعاً متقدماً في حركة الصراع العربي الصهيوني، كدولة مواجهة. أما على صعيد التناقض الاقتصادي، فإن استحالة تحول البرجوازية الكولونيالية اللبنانية إلى طبقة منتجة جعل الاقتصاد اللبناني تتحكم فيه آلية تطور الرأسمالية التبعية، التي تسيطر فيها قطاع الخدمات بشكل رئيسي (قطاع تجاري، البناء والقطاع العقاري - الادارات العامة )، ويحتل فيها رأس المال التجاري أو المالي الموقع القائد الذي أصبح من المستحيل عليه أن يتماثل برأس المال التجاري في الغرب الرأسمالي المركنتيلي الذي تحول إلى رأسمال سلعي صناعي، باعتباره السمة الثورية لنمط الانتاج الرأسمالي والقاعدة الأساسية للاقتصاد الصناعي. ففي ظل سيطرة اقتصاد الخدمات المرتبط بالسوق الرأسمالية العالمية، وتقلباتها - التي تقرره الطبقة التي تضم الاقطاعيين السابقين الذين تحولوا إلى فئة كبار الملاكين الزراعيين والعقاريين، وفئة الرأسماليين التجاريين محتكري عمليات التبادل الرئيسية في قطاع الخدمات - أصبحت السلطة في لبنان التي هي حصيلة تحالف طبقي بين الاقطاع السياسي والرأسماليين التجاريين، تنتهج خيار اقتصادي يقوم على منطق التطور اللامتكافئ فهناك مناطق تشهد نمواً ملحوظاً مثل جبل لبنان وبيروت، وهناك مناطق أخرى مازالت تعيش في حالة من التخلف الشديد، مثل منطقة البقاع الشمالي والغربي، والهرمل، وبعلبك، ومحافظة الشمال. والنظام السياسي اللبناني الذي هو نظام السيطرة الطبقية للبرجوازية اللبنانية عاجز عن أن يطرح برنامجاً للاصلاح الاقتصادي والاجتماعي يفسح فيه المجال لتطور متجانس على صعيد بنيان المجتمع المدني، باعتباره مجتمع الحرية والمساواة الذي يتبارى فيه الافراد المستقلين في نشاطهم الاقتصادي، الذي لا يعرف " علاقات السيطرة والتبعية بين القوى الاجتماعية غير المتكافئة ". غير أنه في واقع لبنان نجد خلطاً ومزجاً واضحاً بين الكيان السياسي اللبناني والحرية الاقتصادية، وهذا الامر عائد إلى أن الحرية " الاقتصادية المطلقة " مازالت مفهومة فهماً طائفياً، لأنها تضمن للمسحيين امتيازاتهم، وتبقي عليها، وتشكل سدا في وجه اشكال اقتصادية أخرى (اقتصاد مخطط، تدخل الدولة، اشتراكية )، قد تتيح للأكثرية المسلمة أن تطور وضعها وتحسن مستوى دخلها، وقد توفر لها امكانية عمل وعلم هي المدخل لمنافسة المسيحيين في امتيازاتهم. وأيا كان سبب تلك القناعة ،فإن التناقض الاقتصادي يتحول ليصبح تناقضاً طائفياً، فيميع وتضعف فعاليته أمام التناقض الطائفي المشحون بعواطف دفينة وبقناعات تاريخية أقلها المحافظة على الذوات عن طريق المحافظة على الكيان. فيصبح العمل ضد الاحتكار والاستغلال والغلاء، والتسلط الاقتصادي، والبطالة، لدى المسحيين وحتى المستغلين منهم عملاً موجهاً ضد الكيان اللبناني، ويصبح العاملون ضد الاحتكار، والاستغلال، والغلاء - في رأي هؤلاء - دعاة هدم للنظام اللبناني، والكيان اللبناني، ودعاة أفكار مستوردة (شيوعية، اشتراكية ثورية )، ويتحول " الصراع - التناقض " إلى نوع من الصراع الوجودي، أي صراع على البقاء (صراعاً كيانياً للوطن والفرد) وليس صراعاً من أجل البقاء (صراعاً اقتصادياً طبقياً) (19). لكن إذا كان هذا التنافض الاقتصادي قد تفجر أكثر من مرة، فإن المشكلة الطائفية تفاقمت في لبنان، وأصبح التناقض الطائفي هوالتناقض الرئيسي المهيمن على مجمل التناقضات الأخرى المتشابكة مع بعضها البعض، وذلك مع بداية الحرب الأهلية العام 1975. ويعود تفاقم المشكلة الطائفية، واحتداد التناقض الطائفي، إلى أن الحركة الوطنية اللبنانية التي كانت تضم أحزاباً وفئات وقوى وشخصيات تقدمية وديمقراطية لم تقدم نموذجاً صالحاً للعلاقات الجبهوية بين اطراف الجبهة، والعلاقات مع الشعب، مثلما أن برنامج عمل هذه الحركة الوطنية لم يكن برنامجاً يرتكز إلى مشروع بناء مجتمع مدني حديث، مناهض راديكالياً للمشروع الكتائبي، وبالتالي مناهض للبرجوازية عينها، ولنظام سيطرتها الطبقية. وقد جاء في البرنامج المرحلي للاصلاح السياسي الذي اذاعته الحركة الوطنية اللبنانية في 18 آب 1975، برئاسة الزعيم الراحل كمال جنبلاط مايلي " ... إن اختبار الاحزاب والقوى الوطنية والتقدمية لقضية الاصلاح الديمقراطي في النظام السياسي مدخلاً أول لطرح برنامجها، تمليه في الواقع الأولوية التي تحتلها هذه القضية في المرحلة الراهنة من تطور البلاد. فلقد بات واضحاً أن الحاجة إلى التغيير في مختلف المجالات الوطنية والاقتصادية والاجتماعية تصطدم أساساً بتخلف النظام السياسي وعجزه بمختلف مؤسساته عن أن يشكل إطاراً لعملية التطور الديمقراطي المطلوب. إن الطائفية السياسية بما ترسيه من امتيازات متعاكسة مع المصالح الحقيقية للأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني، هي السمة الرئيسية لنظامنا السياسي المتخلف ومنها تنبع وعليها تترتب مختلف مظاهر الخلل الرئيسية التي يعانيها هذا النظام. وعلى قاعدة الامتيازات الطائفية الموروثة يؤدي النظام السياسي اللبناني وظيفته في حماية الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المهيمنة، وتكريس عزلة لبنان عن المنطقة العربية، وتسليط طبقة من الاقطاع السياسي عاجزة عن تقديم الحلول الفعلية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تطور لبنان الرأسمالي ... " هكذا تتحدد وتتضح عوامل التخلف والتأزم في تركيبة السلطة السياسية حيث تعيش البلاد في ظل برلمان موصد الأبواب في وجه القوى الاجتماعية الفعالة والرئيسة يشكل مرآة للبنان الطائفي والاقطاعي القديم ولايلعب دوره التشريعي والسياسي المفترض كمصدر لكل سلطة، كما يعيش في ظل احتلال مزمن على صعيد التوازن بين السلطات بعيداً عن قواعد الديمقراطية البرلمانية الحقيقية وأصولها ... وإذا كان التناقض بين طبيعة التركيب الطائفي شبه الاقطاعي لنظامنا السياسي وبين حاجات وضرورات تطور البلاد الديمقراطي في مختلف المجالات الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية هو أساس الأزمة اللبنانية الراهنة. فإن هذا التناقض كان لابد أن يتحول إلى انفجار حين لجأت القوى الرجعية المستفيدة وحدها من الامتيازات التي يكرسها هذا النظام إلى حماية امتيازاتها بقوة السلاح في وجه المطالبة المشروعة بالتغيير والتي باتت تستقطب الأكثرية الساحقة من اللبنانيين "(20). لكن أمام عملية اضعاف الدولة اللبنانية، وتحول الفئات الرجعية الطائفية الطوائف إلى " طوائف عسكرية " لكل منها ميليشياتها المسلحة، وانتزاع سلطة الدولة في أكثر من مكان، الموارنة وحزب الكتائب والقوات اللبنانية، والحزب التقدمي الاشتراكي وتنظيماته العسكرية المتمركزه في جبهته الرئيسية في الجبل، والشيعة والمجلس الشيعي الأعلى وأمل ودخول المقاومة الفلسطينية كطريق رئيسي ومباشر في معادلات الصراع الأهلي الداخلي اللبناني بعد أن دفعت المارونية المسيحية التناقض اللبناني - الفلسطيني إلى واجهة الصراع باعتباره تناقضاً تابعاً للتناقض الكياني، تشابكت في هذا الوضع اللبناني الذي يمثل هامش السياسة العربية مجمل التناقضات اللبنانية - اللبنانية، مع اسقاطات صراعات المحاور الاقليمية على الشان اللبناني الداخلي، والتفاعلات التي ولدتها القضية الفلسطينية، بعد أن أصبحت المقاومة الفلسطينية تمتلك حضوراً عربياً وعالمياً، وعودة القوى الرجعية إلى الحكم في أقطار سقطت فيها، كما حدث في مصر والسودان، واحتدام الصراعات داخل الحركة القومية، وبين أطراف التحالف الوطني والديمقراطي الواسع، احتداماً فرض معارك ضارية، أضعف الحركة القومية والديمقراطية كلها، خصوصاً مع تراجع القوى عموماً، وتغلب الاتجاهات القطرية والطبقية الطفولية، وتحول القوى السياسية من تبني الأهداف القومية الاساسية إلى تبني أهداف قطرية محدودة أو طبقية مناهضة للاطروحات القومية، كل هذه العوامل مجتمعة بالإضافة إلى ضعف القدرة الذاتية للقوى التقدمية والديمقراطية اللبنانية، واحتلال العلاقات بين هذه القوى والمقاومة الفلسطينية في العديد من المواقف والقضايا، جعلت النضال الوطني والديمقراطي اللبناني غير أمين لاطروحاته الديمقراطية بشأن بناء مجتمع مدني حديث متجانس، يقوم على أساس تغليب الحل الديمقراطي العلماني المتمثل بالغاء الطائفية السياسية، وإصلاح ديمقراطي للتمثيل الشعبي من خلال تعزيز الحياة البرلمانية التعددية عن طريق الانتخابات العامة، وتعزيز الحقوق والحريات الديمقراطية العامة، وإعادة بناء الجيش على اسس وطنية. وقاد هذا الوضع إلى تفاقم المشكلة الطائفية، وإثارة النعرات الطائفية، واستنزاف القوى الوطنية والديمقراطية في معارك داخلية، جعلتها عاجزة عن مواجهة ازدياد الخطر الصهيوني وتغلغل الامبريالية الاميركية من جهة، وخوض الصراع في الاتجاه الذي يخدم حركة الوحدة العربية، والديمقراطية والتقدم التاريخي من جهة ثانية ." وليس من مصادفات التاريخ أن يصاب الشرق الأدنى، المتخبط في الأفق المسدود للصراع العربي - الاسرائيلي، بالتمزق عام 1975في جانبه الأكثر ضعفاً، أي لبنان. فالمجتمع اللبناني كان هو الوحيد بين مجتمعات الشرق الأدنى الذي بقي جامداً، تحكمه طبقة سياسية وثقافية من الوجهاء لم تتغير، منذ إعلان فرنسا، السلطة المنتدبة آنذاك، قيام لبنان الكبير عام 1920. ولهذا كان التمزق اللبناني نموذجياً من حيث أنه يعّري المجتمع العربي في واقعه العميق، كما بقى غير متأثر في بناه الأساسية بتطور العالم المعاصر. ومن هنا أيضاً صعوبة التحليل ومفارقاته. فمن جهة يطل علينا بوجه ظاهر من " الحداثة " والديمقراطية والتعددية والتقدم الاقتصادي، ومن الجهة الثانية نجد البلدان المجاورة، ولاسيما مصر وسورية والأردن، ماتزال متأخرة جداً اقتصادياً، ومحافظة بالتالي على قطاعات اجتماعية كاملة متشبثة بتقليديتها، وهذا بدون الكلام عن الأنظمة السياسية التسلطية والرافضة لكل تعددية ... " لم تكن" الحداثة " اللبنانية إذن سوى مظهر براق خادع يعزي إليه بشيء من الاستسهال، استقرار البلد والديمقراطية الظاهرية لمؤسساته. وهذا فيما كانت الانقلابات في البلدان المجاورة، القيادات الحاكمة، والتقلبات المتلاحقة في المؤسسات الاجتماعية، السياسية، تحافظ في تلك البلدان على الاستقرار الاجتماعي، وإن عكست صورة من عدم التلاحم وعدم الاستقرار تجد تعبيرها في الرفض الظاهري للعقلانية الحديثة ... " فالعنف الذي انفلت من عقاله في لبنان عام 1975 ماهو في الواقع إلا نذير بالتفكك الشامل للبنى الاجتماعية - الثقافية والسياسية في الشرق الأدنى، هذه البنى التي تشلها التضاد بين نزعة تقليدية ماتزال بالغة الحيوية وبين حداثة لما تدمج في عمق المجتمع، ويجنح بها نحو مصير مجهول التدفق المباغت لثروة نفطية يتعذر التحكم بحجمها وتوزيعها. ولا عجب في هذه الشروط أن يكون العنف اللبناني قد مورس بترسانة عسكرية هائلة، وبمفردات ايديولوجية متنافرة، وفي إطار النكوص نحو المعطيات التقليدية العميقة للمجتمع " (21). وهكذا، لم تستطع القوى الوطنية والديمقراطية اللبنانية، المعادية للاحتلال الصهيوني والفاشية أن تغير النظام السياسي الطائفي الذي أقامته فرنسا منذ العام 1920، مروراً بمرحلة الاستقلال 1943 - الذي كرس دستور لبنان الجديد (المثياق الوطني) ونظامه التمثيلي، الطائفية السياسية، في الحكم، وفي المجلس النيابي، وتحول الصراع العنيف على السلطة إلى صراع من أجل زيادة دور كل طائفة، بالمقارنة بالطوائف الأخرى. وكان هذا الصراع بين الطوائف قد قاد إلى مآسي يومية، وكوارث بشعة، وتطرف طائفي مذهبي، زاد في تضخيم وتوتير التناقضات التاريخية بين الطوائف، وأدى إلى اضطراب شامل في الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية في كل لبنان، في ظل انتهاك الحرية والكرامة للمواطن، بسبب انتشار ظاهرة الزعرنة، والقتل، واللصوصية، والنهب، والعسف، والعجز عن ضمان الحقوق، أوالنظام والقانون في المناطق التي تسيطر فيها قوى عسكرية. وبقي بناء المجتمع المدني الحديث سراباً في ظل تفاقم الصراع الطائفي من أجل تعزيز موقع الطائفة داخل السلطة، عن طريق استخدام جميع الوسائل التي تغدو مبررة داخل كل طائفة على حدة من ناحية، وفي سبيل تجديد النخبة الممسكة بمقاليد السلطة داخل الطوائف حيث كان هدف كل تنظيم طائفي رئيسي أن يسحق التنظيمات الأخرى، ضمن طائفته، كما فعل بشير الجميل بقوات الأحرار، ومحاولته سحق قوات المردة، لازاحة الأعيان الموارنة التقليديين من ناحية أخرى. " والواقع أن نجاح حزب الكتائب على الرغم من مظهره " كمؤسسة عائلية " ،يعبر عن الصبوة إلى السلطة لدى طبقة متوسطة مسيحية تمدنت حديثاً في إطار ثقافة هجينه يصعب تحديد هويتها، لأنها ليست ثقافة عربية ولا ثقافة غربية حقيقية. فهذه الطبقة المتوسطة تشعر، وقد تخطتها الأحداث المحلية والإقليمية، بالقلق وعدم الاطمئنان أولاً من جراء تعاظم قوة الحركات السياسية التي تعتنق ايديولوجيات ثورية، وفي مقدمتها الحركات الفلسطينية العظيمة الفاعلية في لبنان، وثانياً من جراء تصاعد مد السلفية الاسلامية ومطالب الطوائف الدينية الأخرى التي اتخذت طابعاً اجتماعياً وسياسياً على حد سواء"(22). وحاولت حركة أمل، وهي التنظيم السياسي - العسكري التي انشأها الإمام موسى الصدر أن تحقق سيطرتها الكاملة على مناطق الشيعة في الجنوب وفي باقي المناطق اللبنانية، لكي تهيأ الجماهير الشيعية قبول قيادتها الطائفية الجديدة، واسقاط العائلات الاقطاعية والارستقراطية، وإزاحتها من احتكار تمثيلية الطائفة على صعيد السلطة داخل الطائفة نفسها، والوظائف والامتيازات التي تمنحها لها الدولة الطائفية اللبنانية، وفرض ثقافتها وسياستها وايديولوجيتها في كل مجالات حياة الطائفة، من أجل تحسين حصة هذه الأخيرة من السلطة السياسية في المجتمع اللبناني. وفي الطرف المقابل، ساد الاضطراب داخل الجبهة الوطنية والديمقراطية اللبنانية، بسبب الرحيل المبكر للزعيم كمال جنبلاط الذي كان له الفضل الكبير في تشكيل الحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية، فضلاً عن سطوع نجمه في فضاء السياسة العربية والاقليمية باعتباره رجلاً تاريخياً، ربما كان في وسعه بفضل ثقافته وزعامته، أن يبني دولة لبنان، بالفعل، انهارت مرة أخرى الثورة العربية، بعد أن تجسدت لحين من الزمن في تحالف الشباب اللبناني مع حركات المقاومة الفلسطينية " (23). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |