المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

ثالثاً: نموذج تونس :

ولدت دولة تونس المستقلة في مناخ الأزمة التي عصفت بالحركة الوطنية التونسية، والاتحاد العام التونسي للشغل خلال سنتي 1955-1956، حول موضوع الكفاح المسلح، ومضمون الاستقلال السياسي. ففي حين كان الجناح المعتدل داخل الحزب الحر الدستوري الذي يتزعمه بورقيبة، ينادي بانتهاج سياسة المراحل وبمبدأ " خذ وطالب "، الأمر الذي قاده إلى عقد تسوية مع الاستعمار الفرنسي، وبالتالي معارضة انصار الكفاح المسلح في المغرب العربي، كان الجناح الراديكالي داخل الحركة الوطنية الذي يتزعمه صالح بن يوسف الأمين العام للحزب آنذاك ينادي بتوحيد معركة التحرير الوطني مع الثورة الجزائرية، في سبيل تحرير كل المغرب العربي من الاستعمار الفرنسي، وتوحيده في إطار دولة مركزية واحدة، فضلاً عن تأثره بأفكار باندوينغ التحريريه ." ومما لاشك فيه أن تفاقم الصراع الايديولوجي، والتوجهات الطبقية، قد حددا التيارين السياسيين المتصارعين داخل الحركة الوطنية التونسية التي بدأت تتبلور سماتها الطبقية والايديولوجية، حيث تميزت بالاعتراف بالتناقضات الجذرية بين الامبريالية الفرنسية والشعب الرازح للاحتلال، (وبحركة الفلاحين المسلحة التي وجدت فيها قاعدة شعبية مكافحة بعد هيمنة خط التسوية على قيادة الحزب) وضرورة النضال الجماهيري المسلح من أجل الاستقلال السياسي، " وتحاول أن تكون وطنية أكثر راديكالية من البرجوازية الصغيرة المهزوزة ذات الطابع الإقليمي "، كان بورقيبه يمثل مصالح ومطامح البرجوازية الصغيرة المدنية المتأثرة بالفكر البرجوازي الغربي، والمتشبعة بالتعليم الأوروبي والثقافة الغربية، التي تحالفت مع الاستعمار الغربي، وكبار الملاكين العقاريين " (24).

فمنذ الاستقلال السياسي لتونس، احتلت جهاز الدولة نخبة سياسية - إدارية من الشرائح العليا للفئات الوسطى، وهي في الوقت عينه الفئة القائدة للحزب الدستوري الجديد، وعملت على تعبئة مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية بهدف تشكيل قاعدة اجتماعية وجماعة سياسية مساندة للدولة الجديدة - من حيث هي كيان سياسي قانوني -، وقطب تحقيق جماعي للذات - تبحث عن إضفاء الشرعية على تأسيسها، والتغلب على الازمات التي كانت تهددها في وحدتها ووجودها، في مختلف مراحل نموها، انطلاقاً من قوة المساندات هذه. ومع ذلك ظل تكوين هذه الدولة التونسية الجديدة المنبثقة من الاستقلال السياسي هشاً، ويعاني من نقص بنيوي في إضفاء الشرعية، بسبب ممارسة هذه الدولة البعد الوصائي على المجتمع المدني الوليد ....

إن النخبة السياسية الحاكمة في تونس التي قادت الكفاح الوطني في عهد الاستعمار، كانت تعبر عن الموقع المفصلي لايديولوجية النزعة القومية الكلية في خصوصيتها التونسية، التي تقسم بها هذه الفئات الوسطى في ممارستها للصراع الوطني باسم الوطن، باعتباره كياناً قائماً بذاته، يمثل " الأمة التونسية " على تعبير بورقيبة، وذلك في تناقض كلي مع ايديولوجية القومية العربية التي تركز على مفهوم الأمة العربية الواحدة، وفكرة الوطن العربي الواحد. وكانت هذه الفئات الوسطى توظف هذه الايديولوجية القومية الكلية في خدمة قضية الاستقلال الوطني على الصعيد القطري، وبناء الدولة القطرية. ويوضح الدكتور محمد عابد الجابري / هذه المسألة حين يؤكد على توظيف فكرة " الوحدة" في خدمة الدولة القطرية قائلاً " لقد اتجه تاريخ الكفاح الوطني في الأقطار العربية بفكرة " الوحدة " إلى خدمة نقيضها : الدولة القطرية، بعثها وبلورتها وترسيمها. نعم كان هناك بعد ايديولوجي يطفو من حين لآخر على ساحة الخطاب النهضوي العربي ليعطي لمفهوم " الوحدة" مضموناً مستمداً من وحدة التاريخ واللغة حيناً، ومن وحدة المصير والطموحات حيناً آخر.

وكان هذا في المشرق خاصة. أما في المغرب العربي فقد كان مفهوم الوحدة قبل سنة 1956 يستقي مضمونه الايديولوجي من تأكيد الهوية العربية الاسلامية لشعوب شمال افريقيا، ضداً على محاولات السياسة الاستعمارية فصل المغرب العربي عن المشرق العربي. وهكذا فبينما كان مفهوم " الوحدة " يستقي مضمونه الايديولوجي في المشرق من الاتجاه عمودياً إلى الماضي أوالمستقبل أو إليهما معاً، كان المفهوم نفسه في المغرب العربي يستقي مضمونه الايديولوجي من الاتجاه أفقياً إلى الارتباط بالمشرق تأكيداً للانفصال عن فرنسا" (25).

ولدى الاستقلال عبرت الايديولوجيا القومية الكلية عن انتصار الدولة القطرية في الواقع التونسي، "كثورة سلبية " في سياق الصراع ضد الاستعمار من أجل نيل الاستقلال، لكن هذه النزعة القومية الكلية التونسية لم تستطع أن تصادر الوعي لدى الجماهير الشعبية، المتشبعة بروح الانتماء إلى أمة عربية، وإنما تغذت من وعي الانتساب هذا إلى العروبة، والتمسك بالهوية العربية الاسلامية، لتقنينه وتوظيفه في إطار علاقة الوساطة بالدولة القطرية الجديدة، الباحثة عن تحقيق وتأكيد ذاتها. والواقع أن هذه الايديولوجية القومية الكلية التونسية المهيمنة على الطبقة السياسية في تونس، كانت تتمفصل من بعدين أساسيين متميزين للثقافة السياسية التونسية منذ بداية عصر النهضة العربية، وحتى بداية تأسيس الدولة القطرية، الأول : الموروث الاصلاحي التونسي الذي كان يتسم به " التونسي الفتى" منذ عهد خير الدين التونسي الذي كان يهدف إلى بناء دولة حديثة لاتجسد قطيعة مع التراث العربي الإسلامي، ولكنها تشكل عاملاً مركزياً لتحويل المجتمع، وهذا ما استفادت منه النخبة الدستورية الجديدة التي جسدت النزعة الإصلاحية الدولتية من أجل تنشيط الشخصية التونسية. الثاني : النزعة الشعبية التي كانت تجسدها ولاتزال الحركة النقابية التونسية، منذ انشاء أول نقابة عمالية " الكنفدرالية العامة للعمال التونسيين" بقيادة المناضل محمد علي الحامي ذي النزعة الاشتراكية مع بداية العشرينات، والتي أخذت على عاتقها النضال الاقتصادي والسياسي الوطني، مروراً بمرحلة تأسيس " الاتحاد العام التونسي للشغل " كممثل وحيد للحركة النقابية العمالية في تونس بقيادة الزعيم النقابي الراحل فرحات حشاد في العام 1946/، حيث تحولت هذه النقابة إلى قوة شعبية منظمة منذ ذلك الوقت، ودمجت في الوقت عينه العمل النقابي بالعمل السياسي الوطني، وتجاوزت بنضالاتها الشعبية الوطنية حدود نضالات الاحزاب السياسية ذات الأفق الاصلاحي - مثل حزب الدستور القديم والجديد - وعملت إلى لعب دور الحزب المعارض للحزب الدستوري في فترة الاستقلال، خصوصاً لجهة الاضطلاع بمهام تتجاوز ما وراء المطالب النقابية إلى " إعادة صهر سوسيولوجي للمجتمع " .

من الملاحظ أيضاً أن هذه الفئات الوسطى الحاملة ايديولوجية القومية الكلية التونسية، قد ولدت وتشكلت في إطار البنية الاجتماعية الكولونيالية في المجتمع التونسي المجزأ بتعدد الانخراط في الرأسمالية الكولونيالية، وغير المتجانس، وذلك بتأثير علاقات الانتاج الكولونيالية، وهي تختلف كلياً عن الطبقة الوسطى في الغرب التي بسبب من تكونها التاريخي، في إطار علاقات الانتاج الاقطاعية عينها كانت تمثل فيه القوة الاجتماعية الرئيسية الثورية الحاملة في صيرورتها الطبقية نظام انتاج رأسمالي جديد قائم بذاته، يدفعها إلى نقض ثوري لبنية علاقات الانتاج هذه، في مرحلة التكون التاريخي لعلاقات الانتاج الرأسمالية، وإجراء التحولات الثورية فيها للافساح في المجال لتطور القوى المنتجة، بهدف فرض هيمنتها الطبقية على سائر الطبقات الاجتماعية الأخرى، من خلال الاضطلاع بالدور المركزي والقيادي للثورة الديمقراطية البرجوازية، وانتزاع السلطة السياسية من الطبقة الاقطاعية القديمة.

والحال هذه، فإن المضمون الايديولوجي لهذه الفئات الوسطى التونسية يختلف جذرياً عن مضمون الطبقة الوسطى الكلاسيكية في الغرب، ولا يوجد أي منطق تماثلي بنيوي بين الطبقتين ولهذا عندما مارست النضال الوطني، مارسته في إطار من المحافظة على البنية الاجتماعية الكولونيالية، لا على أساس التحويل الثوري لعلاقات الانتاج القائمة. من هنا، فإن العلمانية المتسمة بطابعها العام بـ " الثورية البرجوازية " التي ميزت راديكاليا النخبة السياسية - الإدارية التي استولت على الدولة الجديدة، وحملت مشروع تأسيس تضامن جديد، وإنشاء جماعة سياسية جديدة، انطلاقاً من نزعتها الاصلاحية الدولتية، التي هي بمنزلة " ثورة من فوق " كانت علمانية تفتقد إلى مضمونها الديمقراطي العام. وبالتالي فإن عقلانيتها كانت عقلانية" ثورة من الاعلى " لأن الحركة الإصلاحية التي اضطلعت بها الدولة الجديدة بهدف إضفاء تجانس اجتماعي، وتحديث البنى والعقليات، قد قادت إلى أن يصبح للدولة ذاته جهاز للهيمنة خارج على المجتمع وصولاً إلى إلغائه، وهو ماكانت نتيجته تفاقم القطيعة بين الحاكمين والمحكومين.

وفي نطاق تركيز سلطة الحزب الدستوري - الايديولوجية والسياسية، باعتباره أداة للسيطرة الطبقية لهذه الفئات الوسطى ـ نظراً للعلاقة العضوية القائمة بين جهاز الحزب وجهاز الدولة، أسس الحبيب بورقيبه النظام الجمهوري بعد أن خلع الباي الصادق باي في 25 / تموز العام 1957، وقام بتصفية الاحباس (الاوقاف العامة )، وبذلك دخلت تونس في مرحلة بناء جهاز دولة عصري، وتدعيم المؤسسات، وذلك على الوجه التالي :

- اصدار دستور لتونس في العام 1958، يتسم في طابعه العام بقدر معين من " الليبرالية " حيث حدد انتخاب رئيس الجمهورية مرة كل خمس سنوات.

- تأسيس مجلس الأمة، أي إنشاء البرلمان التونسي، الذي يوافق بشكل مطلق على كل القوانين والقرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية.

- إصدار مجلة الأحوال الشخصية للمرأة، التي تعتبر مكسباً ديمقراطياً حققته المرأة العربية في تونس لامثيل له في باقي الاقطار العربية، من حيث جذريته وعلمانيته، إذ حددت سن الزواج بـ 17 سنة، وأقرت بالاجهاض، ونصت على أن الطلاق لا يتم إلا أمام المحاكم، وعدلت من قوانين الميراث المستمدة من الشريعة الاسلامية لمصلحة المرأة خصوصاً، وحددت الزواج بامرأة واحدة لا أكثر، والمهر بدينار، ما يساوي دولار أميركي.

- إنشاء جهاز قضائي منفصل، ومستقل عن السلطة التنفيذية (نصياً ).

- فتح الجامعة التونسية، وغلق جامع الزيتونة، تحت دعوة " علمنة التعليم".

- حل كل الاحزاب المعارضة وتجميدها كالحزب الشيوعي.

ليس من شك أن النخبة السياسية - الإدارية المسيطرة على مجموع الدولة- الحزب الواحد بقيادة الحبيب بورقيبه، لم تكن نخبة ثورية بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنها هي طليعة من المثقفين - الذين تعلموا في الجامعات الفرنسية، وتشبعوا بثقافة الغرب البرجوازية - وتتسم في طابعها العام بالثورية البرجوازية ضمن الأفق العلماني، بسبب اعتناقها العلمانية البرجوازية الفرنسية، وتأثر بورقيبه نفسه بكمال اتاتورك بوجه خاص. وهو الأمر الذي جعلها تجسد في مشروعها الوصائي على المجتمع المدني نوعاً من العقلانية، هي عقلانية " ثورة من الأعلى " التي تخدم البناء القومي الايديولوجي والسياسي للنظام الجديد، وتدعيم طابع الكلية الدولتيه، كنفي سلبي لدور الشعب. " لقد طغت الدولة على المجموع الاجتماعي باسم عقلانية مشروعها. وهذا التطور المفرط للجهاز كان يعني في الوقت عينه غياب فضاء عام محدد بصورة متميزة، ومجهز بقواعده الخاصة وبممثليه. وبمقدار ما كانت الدولة غير مفصولة عن المجتمع، كانت لا تستطيع تمثيله. والدولة التي كانت تشكل وحدة تامة مع جهازها وبيروقراطيتها، كانت خارجة عن المحكومين. إن الصفة الخارجية والتداخل، وجدا التعبير عنهما في مركب الدولة - الحزب " (26).

إن ما يميز الدولة التونسية بعد الاستقلال هو طغيانها الكلي على مجموع المجتمع المدني بواسطة حزب سياسي ذي طبيعة شمولية، ولكنه اكتسب شرعيته السياسية والتاريخية بفضل النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وهيمنت عليه ايديولوجيا توفيقيه، هي الايديولوجيا الدستورية القومية الكلية، التي لم تجسد قطعية منهجية ومعرفية مع الوعي بالانتماء إلى الأمة الإسلامية والحضارة العربية الإسلامية، " وهي ايديولوجيا توفيقيه بحكم جمعها تاريخياً وزمنياً لعناصر متناقضة على الأقل ظاهرياً مثل الوطنية والعروبة والإسلام " (27).

وفضلاً عن ذلك، فهي ايديولوجيا شمولية اقصائية، لأنها ناصبت العداء للمعارضة اليوسفية التي كانت متسلحة بشعارات العروبة والإسلام، ومستندة إلى دعم القومية العربية بزعامة عبد الناصر، مثلما حاربت الحركة النقابية العمالية، والطلابية، والحركة الماركسية التي نشأت في أواسط الستينات على حد سواء. فهي ايديولوجيا اقصائية فوق كل الايديولوجيا الأخرى على حد تعبير مثقف تونسي " ومهماً اختلفت المحددات والمؤثرات، فإن الايديولوجيا التي تستند إليها السلطة السياسية متعددة في مصادرها الفكرية، وهي تتغير حسب المعطيات السياسية للبلاد. فهي وإذ دافعت في فترة من الفترات عن الحجاب، وقاومت التجنس فإنها لم تتردد في مرحلة التمكن من السلطة وأجهزة الدولة من أعلان علمانيتها وتأكيد هذه العلمانية من خلال الاصلاحات الاجتماعية والثقافية وايديولوجية شبكة ممتدة من الرموز والمفاهيم والتصورات التي تتداخل فيها الاعتبارات الذاتية والمؤثرات الداخلية والخارجية على حد سواء " (28).

كما أن الدولة التونسية هي التي اضطلعت بانجاز المشروع الذي يتسم بنزعة حداثية في مختلف مراحله، غير أن هذه النزعة الحداثية لم تكن كوعي مطابق للحداثة في مفهومها التاريخي، باعتبارها بنية كلية عرفتها تجربة الثورة الديمقراطية البرجوازية الأوروبية، في ارتباطها العضوي بالتحديث بوصفه سيرورة ثورية من التحول الاقتصادي والتكنولوجي في بنية المجتمع، تحققت مع الثورة الصناعية في الغرب، وإنما هي نزعة حداثية تجسدت في عقلانية برنامج اساسي للنخبة السياسية - الإدارية الحاكمة، استعادت به " رسالة المستعمر (بكسر الميم) التمدينية ".

ثم أن هذه النزعة الحداثية كظاهرة تونسية لها خصوصيتها، قادها بورقيبه وارتبطت بشخصيته الكاريزمتية التي تتدخل في كل المجالات بدون استثناء. وهي ناجمة بالدرجة الأولى عن الاحتكاك والتأثر بالحداثة الأوروبية خلال العصر الامبريالي، ومرتكزة في الوقت عينه إلى الايديولوجيا القومية الكلية القادرة، مثل بناء " الأمة التونسية "، والخصوصية التاريخية والحضارية لتونس، وخصوصية حركتها الوطنية التحررية التي حققت الاستقلال السياسي، وبنت أول سلطة وطنية تحكم البلاد، على نقيض كل السلطات السابقة التي كانت في معظمها أماً أجنبية أو تركية، وعلى مبدأ " القومية التونسية "، الذي : لم تتحدد فقط كحركة تمايز عن المشرق العربي وإنما بالاساس كاداة تعبئة وتوعية للجماهير الشعبية، في مواجهة الغزو الاستعماري. فقد كان هذا المبدأ، في المرحلة الاستعمارية، أرضية يمكن أن يجتمع حولها التيار الديني التقليدي ممثلاً في حزب الدستور القديم، والحزب الشيوعي التونسي، والتيارات الاشتراكية الأخرى، فمهما تباينت المواقف السياسية، فإن " الحفاظ على الشخصية التونسية " من الذوبان والفرنسة، لايمكن أن يكون مصدر اختلاف أو خلاف. أما في مرحلة الاستقلال فسيتحول هذا المبدا إلى قناعة سياسية ثابتة، برزت بحدة في فترات الخلاف بين عبد الناصر وبورقيبه، وزيارة هذا الأخير لمنطقة الشرق العربي، وبدت أكثر مرونة مع الانفتاح على رؤوس الأموال العربية، وتشدد الغرب الرأسمالي في مجال المعونة الاقتصادية. وقد يصل أحياناً مفهوم " الشخصية التونسية " عند بعض السياسيين إلى حد الانغلاق والتطرف في الانغلاق، وإلغاء كل موروث عربي أو حتى عالمي " (29).

لقد اضطلعت الدولة المركزية التونسية الجديدة بمهام انجاز المشروع التحديثي، الذي كانت من أهدافه انتهاج سياسة ثقافية خاضعة جوهرياً لمؤثرات الفكر السياسي الليبرالي الفرنسي، ومفسحة في المجال لإنشاء تعليم عصري وحديث يرتكز على مبدأ الديمقراطية وتكافؤ الفرص.

وبذلك أصبحت العلمانية في نطاق الممارسة السياسية للنخبة السياسية - الإدارية الوطنية إحدى مكونات الايديولوجيا القومية الكلية. وتجسدت بالدرجة الرئيسية في العلمنة الراديكالية للتعليم بجميع اصنافه ومستوياته من الابتدائي، مروراً بالاعدادي والثانوي، وصولاً إلى الجامعي. فالدولة التونسية الجديدة التي اطلقت مشروعها العلماني الواسع جداً في مجتمع عربي اسلامي يهيمن عليه التأخر التاريخي، الهادف إلى إصلاح التعليم، كان يشقها تناقض منذ عهد الاستقلال، يتمثل في هيمنة الطابع الخارجي لهذه الدولة بالنسبة للمجتمع، الموروث من عهد الدولة الكولونيالية على رغم من وجود سلطة جديدة تتمتع بـ " شرعية تاريخية " وبقاعدة من المساندات حيث أن هذا الطابع الخارجي للدولة المهيمن على المجموع الاجتماعي باسم علمانية مشروعه التحديثي الهادف إلى أحداث تغيرات سياسية واقتصادية وثقافية في بنية المجتمع التونسي، كان في حد ذاته نقضاً للفضاء العام، الذي يمثل المسرح الحقيقي للمواطنة بحصر المعنى، المنقسم إلى فروع ثنائية الفرد - المواطن، المصالح الخاصة - المصالح العامة، المجتمع المدني - الدولة هذا من جهة. وكانت هذه الدولة الجديدة حاملة لمشروع نخبة سياسية - إدارية خاص بها، تريد من خلاله تأسيس جماعة سياسية جديدة مختلفة عن المجموعات والطوائف التقليدية، وبالتالي اتخاذ الصيغة الشعبية كاداة لتعبئة وتاطير المجتمع المدني لتشكيل قاعدة وإضفاء شرعية على مشروعها، من جهة ثانية. وفي هذه الحالة كانت الدولة تهدف إلى تشكيل فضاء عام من المساندات .

ولذلك فإن علمانية التعليم التي طبقتها النخبة السياسة - الإدارية الحاكمة في سياستها التعليمية كانت تهدف من ورائها خلق وعي وطني في مجتمع كولونيالي غير متجانس، من أجل نشر التجانس وإضفاء الشرعية التاريخية على هذه السلطة المسيطرة على مجموعة الدولة - الحزب. غير أن هذه العلمانية في السياسة التعليمية التي شكلت قوام المشروع التحديثي لم تجسد قطيعة معرفية ومنهجية مع حضور التراث العربي الإسلامي في البرامج التعليمية، على الرغم من أن النخبة السياسية الإدارية كانت تريد توظيفها لـ " خلق نمط من الرجال قادرين على استيعاب الحضارة المعاصرة " أي استيعاب الحضارة الرأسمالية الغربية. ذلك " إن حضور التراث العربي الإسلامي في برامج التعليم حضوراً انتقائي وليس حضوراً تراكمياً، أي أن التلميذ ليس مطالباً بمعرفة تراكمية وكاملة للتراث العربي. بل بمعرفة انماط من التطورات التاريخية ذات الدلالة الخاصة في تكوين وعيه الثقافي والحضاري. عكس الدراسات الشرقية التي تعتمد مبدأ التراكمية.. ومن الممكن الاعتقاد بأن عدم إعلان العلمانية، إعلاناً كاملاً وقطعياً راجع في حد ذاته إلى حسابات سياسية وتكتيكية، لأن موضوع العلمانية موضوع دقيق يصعب معالجته معالجة جذرية في إطار مجتمع عربي إسلامي، فلولا تغلغل الفكر الديني التقليدي والمؤسسة الثقافية القديمة وخشية السلطة من أن تتحول إلى مزاحم سياسي قوي، وهو ما حدث مع الحركة اليوسفية، كان يمكن إعلان دستور لائكي (علماني) وتطبيق مبدأ العلمانية تطبيقاً كاملاً في برامج التعليم " (30).

ومع ذلك، فإن علمانية السياسة التعليمية والثقافية التي قادتها الدولة - الحزب في تونس، اصطدمت بمقاومة المؤسسة التعليمية الدينية الزيتونية، التي ظلت عاجزة عن مواكبة تطور العصر، ورافضة ادخال اصلاحات تنسجم مع منطق التطور هذا ،الذي شهده المجتمع التونسي، وانغلاقها أيضاً. وفضلاً عن ذلك، فإن الجامعة الدينية الزيتونية كانت تشكل تاريخياً اداة لإضفاء الشرعية السياسية والدينية على الطبقة الحاكمة. وهذا يعود إلى استمرار العلاقة التاريخية بين السياسي والديني، التي مارست مفعولها على نطاق المجتمع من جهة، وسعي كل الأنظمة السياسية المتعاقبة، ومنها النظام البورقيبي الذي كان يجسد سياسة التحديث، والعصرنة، والرغبة الجامحة نحو اللحاق بالغرب، على احتكار الشرعية الدينية والثقافية، واحتواء المؤسسة الدينية، وتجريدها من أية سلطة، وجعلها تابعة بشكل مباشر للنظام السياسي القائم، في سبيل تجسيد وضرب توجه الانتلجنسيا الدينية التقليدية من الفقهاء والعلماء ورجال الدين من التفكير في المسائل السياسية الدنيوية، وبالتالي تحقيق الهيمنة على المؤسسات التقليدية والاجهزة الايديولوجية مثل المساجد، والكتاتيب، والمدارس، وتهميش الانتلجنسيا الدينية المعارضة وملاحقتها سياسياً واجتماعياً، وهكذا صفى بورقيبة البنية التحتية الاقتصادية للمؤسسة الاسلامية التقليدية من خلال إلغاء مؤسسة الحبس والأوقاف : قراري 31 أيار 1956، و18 تموز 1957، واتخذ قرارات غاية في الجذرية مثل إعلان مجلة الأحوال الشخصية للمرأة في13 آب 1956، التي تنظم مسائل الزواج وتحد من تعدد الزوجات بشكل قطعي، والطلاق ،وزواج الفتيات القاصرات، والتبني، والوراثة، وحق الانتخاب، والتي تدخل في نطاق تحرير المرأة التونسية، وكسب ولائها سياسياً، باعتبار أن سن هذه القوانين التشريعية الجديدة كما يقول بو رقيبة كان تعبيراً " عن ضرورة التكيف مع متطلبات الحياة المعاصرة، وتسيير شؤون الحياة، وفق المنطق الجديد الذي لا يعد منطقاً متناقضاً مع روح الاسلام " ووحد القضاء على أساس القوانين الوضعية، وألغى المؤسسة القضائية التقليدية التي تعكس البنية التحتية المتأخرة تاريخياً، وتجسد المحتوى الثقافي والايديولوجي التقليدي، فضلاً عن أنها مصدر للتفتت والاختلاف بسبب تعداد مذاهب التأويل في داخلها، وقام بنشر النموذج التحديثي للنخبة السياسية - الإدارية الحاكمة التي تحكمه الرؤية الإصلاحية الراديكالية للفئات الوسطى، بما جعل الأهمية الاجتماعية والسياسية والثقافية للإسلام شيئاً نسبيا في منظور علماني. وفي سياق هذه "الجذرية البرجوازية" من الاجراءات والقرارات التي اتخذها بورقيبة في إطار تدعيم المؤسسات الفوقية للدولة الجديدة، قام هذا الأخير بإصلاح جذري للمؤسسة التعليمية الزيتونية حسب قانون 26 آذار 1956/، وكانت النخبة السياسة - الادارية الجديدة تركز في خطابها السياسي والايديولووجي على أهمية تحديث التعليم، والاستغناء عن مؤسسة الجامعة الزيتونية باعتبارها " مؤسسة تقليدية لا تعطي إلا تعليماً تقليدياً يتركز أساساً على الدين"، وتحويل الجامعة الدينية الزيتونية العميقة الجذور في تاريخ المجتمع التونسي والمغاربي إلى مجرد كلية للشريعة وأصول الدين من الطراز الحديث خاضعة في مناهجها وبرامجها وبيداغوجيتها لخط سلطة الدولة التحديثي، بهدف إقصائها عن المشاركة السياسية والثقافية، باعتبار أن النخبة التقليدية المثقفة ذات التنشئة الزيتونيه (دينية) تفصلها هوة تاريخيه عميقة عن التكوين الثقافي والايديولوجي البرجوازي، أو التعليم الحديث، فضلاً عن عجزها لتقديم مشروع لبناء مجتمع بديل، للمجتمع التقليدي المسكون بالتخلف الشديد، والفقر، والتبعية، وتقديم كادرات كفؤة، تلبى حاجيات بناء الدولة العصرية، وتحقيق التنميه في مختلف المجالات الاقتصاديه والاجتماعيه، والتعليمية والتربوية.

ثم إن هذه النزعة الاصلاحية التحديثية والبراغماتية للدولة التونسية الجديده جعلت هذه الأخيرة تتحلل إلى جهاز للهيمنة، خارج عن المجتمع، يحاول أن يصهر أهداف التحديث والعلمنة مع مبدأ "الجمعنة" السياسية والضبط والاخضاع لمكونات ومؤسسات المجتمع التقليدي القديم وفقاً لبرنامجه السياسي والاقتصادي والثقافي، تحت تأثيرات دوافع ضبط عملية التراكم، والتكامل الاقتصادي، ونشر التجانس الاجتماعي، والتكامل السياسي، الأمر الذي جعل الدولة تتحول إلى أداة للتعبئة الوطنية ومؤسسة رساليه للتحديث، ومرجعاً ليس للإسلام السلفي والاصولية الدينية التي تتبناها الجامعة الدينية الزيتونيه، وللايديولوجية التقليدية المتغلغلة، وإنما للإسلام الجديد كما تفهمه الايديولوجيه القومية الكليه التي تقدم فهماً جديداً للدين، يقوم على مقولة التحديث والبناء، والدعوة إلى " الجهاد الاقتصادي، والخروج من التخلف" ،وعلى توافقه مع المشروع " العلماني" الساعي إلى إقامة المجتمع المدني المنفصل عن المجتمع الديني، الذي يشهد تحولات وتطورات موضوعية، وأفرز تناقضات جديده.

وفي هذا الصدد، فإن الدولة القومية الكلية، التي تمارس الوصاية والرقابة على مختلف مكونات المجتمع المدني سواء كانت دينية، أو ثقافية، أو اقتصادية، أو طوائف حرفية (كوربوراتية) أو نقابية، نجحت في تجريد المعارضة الدينية من أسلحتها، حيث قامت بتحويل المؤسسات الدينية التقليدية إلى منابر دعائية سياسية وأيديولوجية تعيد إنتاج الخطاب السياسي، والأيديولوجي في خطب وكتابات صلاة الجمعة تحفز قوة جاذبية طوباوية شعبوية لإضفاء الشرعية على عملية التحديث والعلمانية التي نشرتها النخبة السياسية -الإدارية الحاكمة، وأحدثت إنشطاراً كبيراً داخل المثقفين، وأدمجت النخبة المثقفة الدينية المتكونة بالجامعة الدينية الزيتونية في دواليب المؤسسات الاجتماعية والقضائية للدولة التونسية الحديثة. جدير بالذكر هنا، أن النزعة الإصلاحية للنخبة السياسية الإدارية، قد كيفت ولونت المؤسسات الدينية التقليدية بعد إخضاعها لإدارة السلطة السياسية على أساس تغذيتها وتعزيزها، لأنها تمتلك مساندات ذات تقاليد راسخة ورصيد تاريخي لا يستهان بهما في أوساط الشعب، حيث تفردت تونس بمثل هذه الراديكالية، والأهمية في إصلاح المؤسسات الدينية التقليدية، خلافاً لباقي العالم العربي والإسلامي، الذي لم يشهد عملية تهميش مأدلج للمؤسسات الدينية كما عرفته التجربة التونسية. فلم يحدث أن أخضعت جامعة الأزهر في مصر والقرويين في المغرب إلى هذا النمط من العزل والتحييد، فجامعة الأزهر بقيت أثناء التجربة الناصرية محافظة على دورها العلمي وبنفس الطاقة على الاستيعاب والتعليم، لأن السلطة السياسية لم تكن تدرك دور هذه المؤسسات في تكريس أنماط من التعبئة المضادة والخطاب الفكري المحافظ المتناقض حتماً لجوهر فلسفة الثورة، أو لم تكن تقدر على إنجاز نفس الخطوة التي أنجزتها السلطة السياسية في تونس لاختلاف الهياكل الثقافية والاجتماعية ولاختلاف المصادر الفكرية"(31).

إن المشروع التحديثي الذي أطلقته دولة الوصاية البورقيبية على المجتمع المدني، قد تم في سياق خيار أيديولوجي تغريبي، تبني الفرنكوفونية وشعار اللحاق بالغرب الرأسمالي، باعتبار "أن كل ما هو مستورد من الغرب يمثل الرقي والتطور والمدنية"، وعمّق التبعية الثقافية للغرب الرأسمالي، وجسّد القطيعة الفجة بين السياسي والديني وأجج التناقض بينهما، بعد أن أصبحت المؤسسة الدينية الزيتونية مهمشة، ونخبتها الثقافية معزولة، حين لم يعد علماء وفقهاء جامع الزيتونة هم وحدهم الناطقين باسم الدين، والممثلين لسلطته في المجتمع. وكان لهذا أثره الكبير في تفجير الصراع بين السلطة السياسية الجديدة والمؤسسات التقليدية الدينية والنخبة الثقافية التقليدية، والمقصية عن المشاركة الثقافية والسياسية في فترة الخمسينات والستينات، ومع الحركة الإسلامية الجديدة لاحقاً، حين تعمقت أزمة الهوية للمجتمع والشباب على أوسع نطاق في تونس، في ظل إرهاصات مرحلة ما بعد الاستقلال. ومن الواضح أن التوتر والصدام بين دولة الوصاية التي تجسد في أيديولوجيتها القومية الكلية، وفي خطابها السياسي والثقافي سياسة علمانية على المستويين الثقافي والاجتماعي تقوم على توظيف وتطويع إسلام الدولة الجديدة في عملية التعبئة والتأطير الشموليين لمختلف الفئات والطبقات الاجتماعية في نطاق مخاطبتها للمجتمع المدني، بهدف تدويله وتنويره بأسلوب تلقيني ووصائي وحصره في إبعاد جهاز يتلقى الدفعات التحديثية والتنويرية الصادرة عن الدولة، وبين الأيديولوجية الإسلامية التقليدية والإسلام الشعبي المجسد في المؤسسات الدينية التقليدية، كما يعكس في جوهره الصراع الثقافي التقليدي في تونس منذ عصر النهضة وحتى مرحلة الاستعمار الفرنسي، بين المؤسسة التعليمية للمدرسة الصادقية التي لعبت دوراً كبيراً في إعداد وتخريج النخبة السياسية والثقافية التونسية المتحدرة في معظمها من الفئات الوسطى، والتي واصلت دراستها الجامعية العليا في باريس متلقية بذلك تعليماً عصرياً وحديثاً، وبين المؤسسة الدينية الزيتونية التي تدرس القرآن، والشريعة الإسلامية، والفقه، دون أن تدخل إصلاحات جذرية لتدريس العلوم الحديثة، والتي كانت تسهم في إفراز النخبة الثقافية التقليدية المرتبطة أيديولوجياً بمصالح شرائح البرجوازية التقليدية التونسية من تجار، وأعيان ومؤسسة العلماء. إذن من المنطقي والتاريخي، بعد هذا الاستطراد في تبيان موقع كل من النخبة السياسية -المثقفة الدستورية (أي المنتمية إلى الحزب الدستوري الجديد الحاكم)، والنخبة المثقفة الزيتونية الدينية من الناحيتين الأيديولوجية والسياسية، إزاء معضلات المجتمع المدني، أن تنفجر التناقضات بينهما عشية الاستقلال، حيث أن الصراع بينهما يعود إلى الفضاء التاريخي لمرحلة الاستعمار، وذلك للأسباب التالية:

1-إن الصراع بين السياسي والديني يعود في الواقع، إلى ثنائية تزداد متطلباتها ثقلاً بين الدستوريين والزيتونيين، منذ مرحلة الاستعمار، وهو يعكس صراعاً أيديولوجياً وسياسياً بين الحزب الدستوري الجديد بقيادة بورقيبه الذي اضطلع بدور قيادي للحركة الوطنية التونسية في مقاومة الاستعمار الغربي، وانتزع الاستقلال، وقام ببناء دولة عصرية، وكان له خطاباً سياسياً ينسجم أكثر فأكثر مع متطلبات التطور، لمختلف قطاعات المجتمع التونسي، وبين الحزب الدستوري القديم بقيادة الثعالبي الذي كانت تسانده المؤسسة الدينية التقليدية، المتحالفة تاريخياً مع البرجوازية التجارية التقليدية، بحكم التجانس في الانتماء إلى الفضاء الأيديولوجي التقليدي. ومن المعلوم تاريخياً أن الحركة السياسية التونسية، لم تكن حركة تحرر سياسي فقط، بل كانت تمتلك برنامجاً خاصاً للعمل في المجالين الثقافي والاجتماعي مستندة في ذلك إلى تراث الحركة الإصلاحية التحديثية في تونس منذ عهد خير الدين التونسي، ورائد تحرير المرأة العربية التونسية الطاهر الحداد/ الذي جوبه بعداء شديد من جانب المؤسسة الزيتونية التقليدية، والفئات الاجتماعية المحافظة، والقيم والمبادئ المتخلفة في المجتمع التقليدي.

2-إن الصراع بين النخبة السياسية الإدارية الحاكمة الحاملة لواء التحديث والعلمنة، والنخبة الزيتونية التقليدية هو صراع مجتمعي، وهو صراع بين مشروع مجتمعي تحديثي علماني يجد مرجعيته السياسية والأيديولوجية في الفكر السياسي البورقيبي المتشبع بالأيديولوجية الثقافية الفرنسية، وبالنزعة التحديثية لكمال أتاتورك، والذي يشكل استمراراً تاريخياً لفكر ونهج خير الدين التونسي السياسي الإصلاحي والتحديثي، حيث أن "الإستراتيجية التي تبناها الرجلان السياسيان، سعى كل منهما إلى تحييد معارضة المنشأة الدينية في تونس العاصمة بتضمين وتوريط ممثليها في عملية الإصلاحات المؤسساتية، وتقدم هذه الإصلاحات الأوروبية الإلهام بوصفها أفضل منظومة دفاع للأمة الإسلامية"(32)، وبين مشروع النخبة التقليدية المعارض لمشروع التحديث، والذي تتحكم فيه الرؤية السلفية الماضوية التي تركز على ضرورة العودة إلى قيم السلف الصالح. وهذا الصراع بين المشروعين هو في جوهره يعكس الصراع التاريخي والتقليدي على الصعيد العربي بين الأصالة والتحديث، والحال هذه، وضعية الصراع "ليست وضعية خصوصية في تونس ذلك أن القرن التاسع عشر شهد ظهور الحضارة الأوروبية بثورتها الصناعية وبرجوازيتها القومية، كنمط تأثير على حضارات قديمة: اليابان، الصين، تركيا، مصر، التي كانت تعيش حالات من تراكم التخلف وتبحث عن بدائل ملموسة لمجابهة الانحطاط". كما أن هذا الصراع المجتمعي يعكس صراعاً ثقافياً واضحاً يتمحور حول المؤسسات الثقافية والاجتماعية التي تقود المجتمع المدني والسلطة المرجعية لهذا المجتمع المدني الوليد، الأيديولوجيا العلمانية القومية الكلية للنخبة السياسية الإدارية الحاكمة أم المؤسسة الدينية التقليدية كجامع الزيتونة، ومنابر المساجد والمؤسسات الثقافية إلخ.

3-إن الصراع بين الدولة التونسية الجديدة والمؤسسة الدينية التقليدية يعكس في بعده الثالث صراعاً طبقياً مكشوفاً بين فئات الطبقة الوسطى وتعدد مكوناتها الاجتماعية وشرائحها، الأمر الذي أعطى ميزة جيدة لخطابها السياسي القائم على التعددية والتغاير، وبين البرجوازية التقليدية التجارية المتضررة من الغزو الرأسمالي الغربي والتي حاولت أن تكون أكثر وطنية من الفئات الوسطى حيث كانت المعارضة اليوسفية هي الممثلة السياسية لهذه البرجوازية التقليدية المهيمنة على المؤسسات الثقافية والسياسية، والتي تتكون من شرائح التجار والحرفيين ومؤسسة العلماء من أئمة ووعاظ وأساتذة. ثم ان الصراع بين المشروع التحديثي ومؤسسة العلماء، يعود في إحدى أسبابه إلى التحالف القوى الذي كان قائماً بين المؤسسة الدينية التقليدية والبرجوازية التجارية التقليدية لدعم المعارضة اليوسفية. "وقد كان الرئيس بورقيبة مدركاً أن العلماء هم الجهاز الأيديولوجي والدعائي للحركة اليوسفية المتصلة في جوهرها بالهياكل الدينية التقليدية، وهكذا يتضح أن الصراع بين بورقيبة وبن يوسف ليس مجرد صراع سياسي كما تتصوره بعض الاطروحات إنما هو صراع ثقافي بالدرجة الأولى طالما أنه يطرح إشكالية الأصالة ومكانة الإسلام في المجتمعات المعاصرة التي مسها التحول الرأسمالي"(33).

بعد القضاء على المعارضة اليوسفية التي كانت تمثل الخط القومي داخل الحركة التونسية، والتي رفعت شعار العروبة والإسلام، واستقوت بالدعم الناصري، والتحالف مع المؤسسات الدينية التقليدية، وعدم السماح للنشاط السياسي لباقي أحزاب وحركات المعارضة الأخرى، وبخاصة الحزب الشيوعي التونسي منع نشاطه منذ العام 1962، وانعدام وجود أي حزب مزاحم للحزب الدستوري الحاكم، انكشفت الهشاشة التكوينية للدولة التونسية الجديدة المنبثقة من عهد الاستقلال السياسي، وانكشف معها طابعها المركزي التسلطي بعد اجهاضها للحظة الليبرالية التي كانت تشكل المجال السياسي الوحيد للمعارضة السياسية. وهذا يقودنا إلى رؤية أن سيرورة تشكل الدولة التونسية الحديثة في علاقتها بالمجتمع المدني من جهة، وبالقوى الاجتماعية من جهة أخرى، لم تتم في نطاق القطيعة مع ميراث الدولة الكولونيالية التي تمثل الاستمرار التاريخي للدولة البيروقراطية الحديثة، التي ولدت في أعقاب الثورة الديمقراطية البرجوازية في الغرب من ناحية، مثلما لم تتم القطيعة مع الدولة السلطانية التي سادت العالم الإسلامي من ناحية أخرى. وهذه الدولة التونسية الجديدة التي اضطلعت بتطبيق مشروعها التحديثي في نطاق علاقته بالمجتمع التقليدي الذي دمرت الرأسمالية الكلونيالية توازنه العرضي الذي كان سائداً والذي وسم المجتمع التونسي الكولونيالي بالتجزأ، والتذرر، والتباعد، والتنافر بين مختلف أطرافه، قد خلقت بيروقراطيتها الحديثة ذات الطابع المركزي المهيمنة على هياكل ومؤسسات السياسة والاقتصاد، والمتغلغلة في بنى ومؤسسات المجتمع المدني الوليد، حيث أصبحت هذه الدولة الحديثة التي توحدت مع جهازها وبيروقراطيتها الحديثة خارجة عن المجتمع المدني، ومنفصلة عنه. وكانت هذه الدولة تمثل في الوقت ذاته العنصر التكويني الرئيسي للعلاقات الرأسمالية وكونها "العلاقات الرأسمالية" باعتبارها دولة كانت تبحث دائماً عن ممارسة سياسة وسط معينة بين النموذج الليبرالي ونموذج رأسمالية الدولة، وكانت تجسد رأسمالية الدولة التابعة للمراكز الرأسمالية الإمبريالية الغربية بامتياز. لكن بعد تضخم هيمنة الدولة على المجتمع المدني وصولاً إلى تدويله، وإلغاء دور القوى الاجتماعية والشعب، انبثقت الدولة البيروقراطية التسلطية الحديثة التي امتلكت ناصية الاستبداد المحدث من "مصادر الاستبداد التقليدي بإحتكار الحكم مركز السلطة" من ناحية، ومن خلال "احتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع "عبر اختراق المجتمع المدني على مختلف مستوياته ومؤسساته"، و"بقرطة الاقتصاد إما خلال توسعة القطاع العام وإما بإحكام السيطرة عليه بالتشريع واللوائح (أي رأسمالية الدولة التابعة) وكون شرعية نظام الحكم تقوم على القهر من خلال ممارسة الدولة للإرهاب المنظم ضد المواطنين"، من ناحية أخرى(34).

إن مشروع التحديث الذي تبنته الدولة التونسية الجديدة ذات النزعة القومية الكلية منظور إليه من زاوية انعكاساته على مستوى المجتمع المدني، وفي علاقة الدولة بالمجتمع المدني، قد قام على أساس تجربة الحزب الشمولي الواحد، وشرعية الزعامة الفردية السياسية والتاريخية للرئيس بورقيبة، التي تتحكم فيها عقلية التكيف والإندماج والتحول في المراحل التاريخية الثلاث التي خاضتها- "النضال والتصدي للنخب التقليدية- التعبئة ضد الاستعمار الفرنسي- التعبئة في المعركة الاقتصادية”. وتكمن خصوصية التحديث في تونس في انفصاله الكلي عن المسألة الديمقراطية، سواء في مفهومها الليبرالي الغربي المتعلق بطبيعة المؤسسات السياسية والدستورية التي تفرزها، أم ببعدها المتعلق بالتوزيع العادل للثروة الوطنية، وتوجيه التنمية وفق اختيارات اقتصادية -اجتماعية تخدم مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية الكادحة. وفي هذه المعادلة غير المنطقية التي تقيم جداراً صينياً بين مشروع التحديث ونمط الديمقراطية تكمن أزمة الفئات الوسطى الحاكمة في ديناميات بناء السلطة، وقضايا التحديث والتحرر، من حيث أنها نخبة مارست الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع، وأفرغت العملية السياسية من المعارضة حين ألغت المجال السياسي بهيمنتها المطلقة على المجتمع المدني، وإخضاعها النقابات لهيمنة الحزب الدستوري الحاكم، وترييف المدن من خلال تهميش فئات الفلاحين وإبعادها عن كل تأثير سياسي، وإزدياد تدخلها في الاقتصاد، وخلقها مجالها السياسي الخاص بها، الذي قصر المساهمة السياسية على بيروقراطية الدولة -الحزب الشمولي، وعلى المؤيدين، والموالين من التكنوقراط، والمنتفعين من السلطة. وأصبحت هذه البيروقراطية تعتبر نفسها هي المالكة الوحيدة لمعنى الدولة، مجسدة بذلك ظاهرة استبدادية محدثة من خلال احتكارها المطلق للدولة إلى الدرجة التي تقضي فيه بإطلاقية على كل مكونات المجتمع المدني السياسية والاجتماعية الأخرى، وعبر سيطرة نزعة التماثل أو التماهي الشمولية السرمدية مع الدولة. وكما يقول الدكتور خلدون النقيب فإن هذه الدولة البيروقراطية التسلطية في العالم الثالث هي تشويه للدولة البيروقراطية الليبرالية الحديثة، من حيث إفتقارها إلى القيود والضوابط الدستورية الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، فإن النظام الاقتصادي للدولة البيروقراطية التسلطية وهو رأسمالية الدولة التابعة (تابعة لدول المركز الإمبريالية) هو تشويه لنمط الانتاج الرأسمالي(35).

إن هذا النزوع الاستبدادي المحدث الذي يتجسد في الحكم الشخصي للرئيس بورقيبة، المعتبر نفسه الرمز الحي لشكل الدولة غير الشخصي، والذي يستمد مبدأه وفعاليته من الواجهة المؤسسية لسلطة بيروقراطية الدولة، ونظام الحزب الواحد، وأيديولوجية بيروقراطية الدولة التي تفهم وتمارس السياسة في بعدها التقني البراغماتي، وترفض منطق الصراع الفكري، والجدل الثقافي والمعرفي، سيعمل على إخضاع تنظيمات المجتمع المدني لمنطق هيمنة أجهزة الدولة التسلطية، وبخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعتبر أعرق منظمة نقابية في البلاد، وعلى صعيد عربي وافريقي، شكلت إحدى الخاصيات المهمة للمجتمع المدني التونسي، بما أنها كانت ولا تزال تمثل القوة الاجتماعية الرئيسية الفاعلة والمنتجة في تونس. هذه القوة التي جذرت الوعي النقابي والثقافة النقابية في أوساط الطبقة العاملة، كثيراً ما قامت بدور الحزب السياسي المعارض، لأنها لم تتقوقع في إطار ضيق الأفق للعمل النقابي المحض، لتشكل وجهاً واحداً من الحركة النقابية (وهو وجه ضيق بالتحديد لأنه أحد الأوجه الأخرى) على حد قول لينين، بل أنها أصبحت إحدى مكونات المجتمع المدني الاجتماعي -السياسي، المحركة لتاريخ تونس الحديث، والسلاح الاستراتيجي الفعال لأية قوة سياسية استخدمتها أو تستخدمها للوصول إلى السلطة. كما ظهر ذلك جلياً بالنسبة للحزب الدستوري العام 1965/ أو كقوة مساندة وحليفة للحكومة والحزب الحاكم من أجل مجابهته الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، بواسطة توفير قدر من السلم الاجتماعي. ثم إن تضخم هيمنة أجهزة الدولة على مكونات المجتمع المدني جعل النقابات عبارة عن قنوات للسلطة الحاكمة تقوم بالتأطير والتعبئة الشعبية لمصلحة خياراتها الاقتصادية- الاجتماعية لبناء "رأسمالية الدولة" في ظل التبعية للمراكز الرأسمالية الإمبريالية الغربية، وكرد فعل مباشر في الوقت عينه على الضعف البنيوي للبرجوازية التقليدية التونسية التي اتبعت سياسة "الاقتصاد الحر"، وعجزها عن تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، وبالتالي عن تحقيق عملية تراكم رأسمالي والسيطرة على السوق الداخلية. وهكذا فقد تحولت النقابات إلى مجرد أداة استعمال لغايات داخلية مرتبطة بسياقات سياسية متعددة تخدم مصلحة النخبة السياسية- الإدارية الحاكمة، وتحافظ على أوضاع اجتماعية سياسية مع تزايد الاستقطاب الاجتماعي، وتفاوت الدخل، وتنامي النزعة إلى الاستهلاك الجماعي، وانعدام الحراك الاجتماعي، على الرغم من أنها تمتلك قاعدة شعبية عريضة، ولكنها ينقصها البرنامج الاقتصادي المحدد والفلسفة الاجتماعية المتكاملة. الأمر الذي جعلها قوة توظف لتمجيد الخطاب السياسي للسلطة التي انقصت إلى الحد الأقصى قيمة المؤسسات الدستورية والسياسية -والنقابية كقواعد للعبة الديمقراطية المرغمة في ذاتها، لكي تحولها إلى رهانات ومواقف تمجد القوة الرمزية للحكم الشخصي الساعية إلى فرض الرقابة عليها، بمقدار ما ينكشف اختلال الدولة المتمظهر في صور التخصيص والتدويل ونقص الشرعية.

إن الدولة البيروقراطية الحديثة عملت على خلق المجتمع، وتأطير العلاقات الاجتماعية في كل الميادين، وفق رؤية أيديولوجيتها القومية الكلية، وكانت بصورة ما التعبير عن السدود ما بين الطبقات والفئات الاجتماعية، التي تفرض تعبئتها التحييد. لكن سياسة التحديث المنفصلة عن الديمقراطية، كرمز للاستغلال والتبعية الخارجية، عمقت من هذه الهوة بين الفئات الاجتماعية، ونزعت إلى القضاء على استقلال المؤسسات الاجتماعية والنقابية عبر التدخلية غير المحدودة للدولة، التي شجعت التبعية لها، وخلقت بذلك مواطنية سلبية. ذلك أن "تناقض دوافع المحكومين يقود إلى نوع من "التبعية للدولة"، الولاء السلبي والمتباعد إزاء سلطة خارجية وعليا، مالكة لأدوات إرغام وضابطة لوسائل الإدارة المادية للحياة الاجتماعية، وهو ولاء يجسد مقابله في منح تقديمات أو مكافآت من شأنها ضمان حياة أفضل وهي "فرحة الحياة" التي منحها الشعبية شعار الستينات، أول على الأقل تلبية الحاجات الأساسية. وهكذا تستطيع الدولة أن تملك قاعدة قوية من المساندات في إطار مواطنية سلبية، مع تبرؤ الإنتساب إلى النظام السياسي على منتجات النشاط الدولتي وحدها. وهذا معناه أن الدولة لكي تضمن استقرارها، محكوم عليها بالفعالية. إن المفهوم يحيل هنا إلى ممارسة الدولة لوظيفتها، وهي ضبط عملية التراكم، وتأثير التدخلات المعوضة (بكسر الواو) سواء من جهة نواقص السوق أم عجز إضفاء الشرعية"(36).

سيطرة الدولة لدوافع وضبط عملية التراكم

إن الدولة البيروقراطية الحديثة التي تعتبر نفسها هي الممثلة للمجتمع، قامت بإقصاء مختلف مؤسسات المجتمع المدني من الأحزاب السياسية المعارضة، إلى النقابات المهنية والعمالية، مروراً بالمؤسسات الاجتماعية المختلفة، من مجالها السياسي، وبنت النخبة السياسية -الإدارية الحاكمة فيها نموذج الدولة التسلطية، التي تعاظم دورها في مختلف الميادين والنشاطات الاقتصادية تحت شعار فلسفة "الاشتراكية الدستورية" بعد فشل تجربة الليبرالية الاصلاحية، وعجز البرجوازية التقليدية التونسية عن حل مشاكل التخلف والتبعية. وهكذا بعد أن أكملت الفئات الوسطى الحاكمة مرحلة تشكلها السياسي والأيديولوجي عبر هيمنتها على جهاز الدولة، (الدولة -الحزب)، وتدويل المجتمع عبر ضمان الدولة التوسط في المنازعات بين مختلف التنظيمات المتنافسة الدينية، والإقليمية، والاقتصادية، والطوائف الحرفية المفتتة إلى ذرات، تحكمها المصلحة الضيقة الآنية، "وغريزة النجاة" من استبداد وطغيان البيروقراطية المهيمنة على مركزية القرار الاقتصادي والسياسي، اتجهت الدولة نحو احتكار مصادر القوة والثروة في المجتمع عبر انتهاج طريق رأسمالية الدولة وخلق القطاع العام وتقويته، في إطار نمط الاستيعاب من قبل النظام الرأسمالي العالمي، بما يجعل الاقتصاد الوطني تابعاً لمتطلبات السوق الرأسمالية العالمية.

والحال هذه، فإن بناء رأسمالية الدولة عبر تدخلية الدولة في التخطيط وإقرار مسألة "الاشتراكية الدستورية" في مؤتمر المصير المنعقد في بنزرت العام 1964، الذي استبدل فيه الحزب الحاكم اسمه، وأصبح يسمى منذ ذلك التاريخ وحتى مؤتمر العام 1988 "الحزب الاشتراكي الدستوري التونسي"، وهيمنة القطاع العام على الاقتصاد الذي يتجسد عيانياً في التشابك والتداخل بين تدويل المجتمع، وتملك وشخصنة الدولة، وتبعية المجتمع للدولة، لم يشكل المظهر "الاقتصادي" لشمولية توسيع دور الدولة التسلطية وتدخلها في الاقتصاد والمجتمع باعتبار ذلك يدخل في نطاق الاستجابة لدوافع ضبط عملية التراكم الرأسمالي فقط، وإنما كانا يدخلان أيضاً في إطار الإستجابة لضرورات التكامل السياسي، وولادة جماعة سياسية جديدة متجانسة.

وبذلك كانت عملية التراكم الرأسمالي في تونس خاضعة لمنطق مزدوج: فالتراكم الذي وظفته الدولة التسلطية جعلته كعنصر تابع صغير من النظام الرأسمالي العالمي في وقت معاً خاضع لقوانين التقسيم الدولي للعمل، لأن مصادر تراكم الرأسمال والحصول على الموارد الضرورية لتمويل خطط التصنيع وتحديث الزراعة القائم على إنشاء حركة التعاضديات في الزراعة وتعميمها منذ بداية الستينات، كانت تعتمد بشكل رئيسي على استيراد رأس المال الاحتكاري الأجنبي، من خلال القروض التي كانت تمنحها البنوك الدولية، مثل البنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي، وصندوق التنمية الأوروبي في إطار السوق الأوروبية المشتركة، حيث أن هذه الأجهزة الدولية للتسليف والتمويل كانت خاضعة لهيمنة الولايات المتحدة الأميركية، التي رسخت مواقعها في النظام الرأسمالي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ثم إن حجم وأهداف هذه الأموال المقدمة إلى تونس يخدم متطلبات تغلغل الرأسمال الاحتكاري الأجنبي في أهم الفروع الاقتصادية، وإقامة الشركات المختلفة، التي يخصص فيها مكاناً للبرجوازية الكمبرادورية، في التجارة والصناعة والنظام المصرفي. إن الاستثمارات العائدة للرأسمال الأجنبي اضطلعت بدور بارز جداً، ذلك أن نسبتها ارتفعت من 48% العام 1960، من حجم الاستثمارات العامة إلى 67% في العام 1969، وبلغ استثمار رؤوس الأموال الأجنبية مبلغ 50% من مجموع استثمارات المخطط العشري (1962-1971). وفي غضون ذلك، تفاقم حجم الديون الخارجية الذي ارتفع من 25% من مجموع المنتوج الداخلي الخام العام 1960إلى 495 بالمئة العام 1971. وبذلك فإن السياسة الاقتصادية للاشتراكية الدستورية قادت إلى ربط الاقتصاد التونسي ربطاً وثيقاً بالسوق الرأسمالية العالمية، والاقتصاد الامبريالي عامة، وسهلت عملية تغلغل الاحتكارات الرأسمالية في الاقتصاد الوطني، وأسهمت في تعميق تبعية البنية الاقتصادية والمالية والسياسية، كنتيجة لذلك، وقدمت ميزات سياسية كبيرة جداً للدول الإمبريالية وبخاصة الإمبريالية الأميركية. وهكذا ظهرت تجربة "الاشتراكية الدستورية" كمنتوج لحركة اجتماعية حاملة لإعادة ضبط عملية التراكم الرأسمالي وفق قوانين التقسيم الدولي للعمل في محاولة عبثية للتأثير فيها.

لكن تجربة "الاشتراكية الدستورية" مهدت الطريق لتطوير الرأسمالية التابعة في الريف، وشكلت القاعدة المادية لعملية التراكم الرأسمالي لمصلحة البرجوازية التقليدية، والبيروقراطية الجديدة. ووفق هذا المنظور أصبح تدخل الدولة تقوده دوافع إنتاج هيمنة على المجتمع، وتوسيع قواعد الرأسمال الخاص، وطبقة الإجراء، لا تفكيك طبقة البرجوازية التقليدية المرتبطة ببنية علاقات الانتاج الكولونيالية، والمتميزة بإرتباطها الطبيعي المباشر بالبرجوازية الاحتكارية الغربية ولقد تشكلت في خضم هذه التجربة "رأسمالية الدولة" وعمليات الضبط التي قامت بها الدولة على الرغم من هامشها، شريحة البرجوازية البيروقراطية ذات النزعة التسلطية بقيادة محمد الصياح/ المدير السابق "للحزب الاشتراكي الدستوري" والتكنوقراطي الهادي نويرة رئيس الحكومة السابق، والمدعومة من قبل جبهة رأس المال الخاص المحلي ومن المساندة الكبرى للإمبريالية الأميركية.

غير أن العواقب لهذه التجربة، تمثلت في إزدياد التفاوتات الاجتماعية في المجتمع والتمايزات الطبقية، واشتداد الاستغلال الرأسمالي، وهو ما أدى إلى احتدام التناحرات الطبقية في الريف مع ازدياد تسلط البيروقراطية، واحتكارها الأعمى للقرار السياسي والاقتصادي، وممارستها الطغيان والاستبداد على جميع الفلاحين، وقمع القوى الوطنية والديمقراطية، وضرب النقابات، وتعميم الشعب المهنية الدستورية (أي خلايا الحزب الحاكم) في كل المصانع والمؤسسات، وتنصيب قيادة مساومة ومتناقضة جذرية مع مصالح العمال على رأس الاتحاد العام التونسي للشغل.

لقد كانت لازمة العام 1969 في نهاية مرحلة "رأسمالية الدولة" التي شهدتها تونس في العام 1962 إلى أواخر العام 1969، تحت راية "الاشتراكية الدستورية"، وتعايش القطاعات الثلاث، بقيادة الجناح البيروقراطي التسييري في الحزب (أحمد بن صالح)، ان جعلت الدولة البيروقراطية عاجزة عن تلبية الانتظارات والحاجات الأساسية التي قدمت الطبقات والفئات الاجتماعية الشعبية أغلى التضحيات على أمل الانتقال نحو صبوة اجتماعية أفضل. فالتجربة أسهمت في تأسيس قاعدة اقتصادية واجتماعية صلبة (أملاك الدولة- التعاضيات الرأسمالية) للبرجوازية البيروقراطية التسلطية التي أصبحت تفرض هيمنتها داخل السلطة السياسية مما مكنها من التحكم في مركزية القرار السياسي بلا منازع. غير أنه مع ازدياد الهجوم الذي قاده أحمد بن صالح ضد جبهة رأس المال الخاص، وتلويحه بخطر التأميم في نهاية الستينات، تعرضت الدولة البيروقراطية لخطر تعرية عجزها، الأمر الذي قاد إلى تحالف جناح البرجوازية التقليدي ذي الميول الليبرالية، مع جناح البرجوازية البيروقراطية المتصلب حيث قاد هذا التحالف حملة تصفية لتجربة "رأسمالية الدولة وتقديم رائدها أحمد بن صالح للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى، وبواسطة الدعم القوي الذي تلقاه من أوساط الرأسمالية الاحتكارية الأميركية، فاتحاً بذلك طريق توجيه عمليات الضبط الدولتية في اتجاه الانفتاح على قوانين السوق، والارتباط بالاقتصاد الليبرالي بإنقاص هامش ضبط من قبل الدولة، ومستغلاً في الوقت عينه القاعدة الاقتصادية والمادية حصيلة عملية التراكم الرأسمالي،في ظل هذه التجربة، التي تمت على حساب الطبقات والفئات الشعبية، وبخاصة الفلاحين الصغار والفقراء. "وقد وجدت أزمة نهاية الستينات صاعقها في محاولة تعميم التعاونيات في الزرعة. وتعبيرها في موجة استياء مست الأوساط الاجتماعية المختلفة، لكن مدلولها قام، كما يبدو، في تحول لدوافع الضبط.

وتحت هذه الزاوية، يمكن الحديث عن أزمة ضبط. خلال العقد الأول جهدت الدولة للاضطلاع، بصورة مباشرة، بالقطاعات الاقتصادية الأساسية وتنشيط وتوجيه التوظيف الخاص وإعادة تكوين البنى الزراعية ومراقبة دوائر التوزيع والمبادلات مع الخارج، وتعزيز المنظومتين التربوية والصحية في منظور تنمية مستقلة المركز. إن السياسة "تعايش القطاعات الثلاثة"- الدولتي والخاص والتعاوني- كانت تنتجها ثقلاً متزايداً للقوى الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعبر عن قوانين السوق. إن هذه الدعوة المكتظة للرساميل الخارجية لأجل تحويل جهد كبير للتوظيف جعلت العمل الدولتي تابعاً للمساعدة الأجنبية. وبالتالي أصبح هذا العمل حساساً إزاء الضغوط بيد أن هذه الضغوط لم تكن في اتجاه إعادة توجيه إلا بمقدار ما جمعت الشروط لذلك، والتحولات والتجميدات الملازمة للسياسة المتبعة.

لقد كان دور الدولة يتلخص في النهاية، في تقوية النسيج الاقتصادي والاجتماعي الذي يستطيع تعبئة الرأسمال الخاص، لكن دور الدولة هذا لم يستطع السيطرة علىتأثير الجذب المنتظر. وفي العام 1968/ كانت المؤسسات الخاصة تضمن ربع التوظيفات -في مقابل زهاء 10 في المئة خلال الفترة 1962-1964 (الخطة الأولى) وكان التكون الخام للرأسمال الثابت يتلقى الضربة القاتلة لتباطؤ التوظيفات المباشرة للدولة، وتدني المساعدة الأجنبية.

ولكن على رغم أهمية نسبية متزايدة، كان القطاع الخاص بصورة عامة يظهر "متردداً" في ميدان التوظيفات، حسب الوصف الذي استخدمه تقرير للبنك الدولي، وحتى حين أكد المخطط (بكسر الطاء الأولى) اهتمامه بـ "تعزيز ثقة القطاع" فإن هذا القطاع، إذا استثنينا بعض الفروع ومنها السياحية خصوصاً، احتفظ بموقف متحفظ، ومن حيث الميل، فإن السيطرة على مجموع الدوائر الاقتصادية التي كانت الدولة تبحث عنها منذ أن أوجدت الشروط الأولية لتوسيع الرأسمال الخاص، أصبحت عقبة مرغمة بصورة خاصة في نظر منطق الربح، لا سيما وإن إتساع التعاونيات في الزراعة كان يغذي توترات ملائمة للانتظارية"(37).

الانفتاح الاقتصادي والإندماج الكامل بالنظام الرأسمالي العالمي

أكدت لنا التجربة التاريخية أنه ما أطلقنا عليها رأسمالية الدولة التابعة في تونس بقيادة الفئات الوسطى بعد فشل التجربة الليبرالية، أنتجت في حقيقة الأمر رأسمالية مشوهة، من خلال إنشاء القاعدة المادية الاقتصادية والاجتماعية، وإيجاد القطاع العام، وعبر التدخيلة للدولة التي كانت مهمة وضرورية ومبرمجة بهدف تحقيق التعبئة المكثفة للموارد وتوظيفها في البناء التحتي لايجاد وتائر قوية، لتراكم الرأسمالية لمصلحة البرجوازية القديمة والحديثة في ظل عجز الرأسمال الخاص بسبب حجمه الصغير ودرجة نضجه القليلة -والتعديل في البناء الطبقي.

إن هذه الفئات الوسطى حين استكملت بناء الدولة البيروقراطية الحديثة تحول ممثلوها الطبقيون في السلطة السياسية -الحزب والحكومة الذين استخدموا ما توفر لهم هذه السلطة من امتيازات عديدة مصادر القوة والثروة في المجتمع عن طريق الاستيلاء على القطاع العام من أجل خدمة مصالحهم الطبقية بالضرورة إلى فئة البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية. ولذا فإن رأسمالية الدولة التابعة خلال عقد الستينات، لم تكن خارج سياق علاقات الانتاج الكولونيالية. وكانت في الوقت عينه عملية تاريخية معقدة ومزدوجة، فهي من ناحية تجددت في سيرورتها البرجوازية الكولونيالية التقليدية في عملية الاستبدال الطبقي السياسي، لمصلحة تحررها الاقتصادي، وهي من ناحية أخرى ولدت بالضرورة التاريخية فرز طبقي داخل الفئات الوسطى التي حلت في السلطة السياسية محل البرجوازية التقليدية، حيث انفصلت تلك الفئة العليا منها، التي تمتلك السلطة وتسيطر على جهاز الحزب والحكومة، عن سائر فئات البرجوازية الصغيرة، لتتحول في إطار من تجدد علاقات الانتاج الكولونيالية إلى فئة البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية. وكانت النتيجة التاريخية لهذه التجربة أن حصل التماثل الطبقي، بين البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية والبرجوازية الكولونيالية التقليدية، لتكون البرجوازية الكمبرادورية الجديدة(38).

إن دولة الاشتراكية الدستورية "عملت على تحقيق الاشتراكية على مراحل أولها "اقناع العمال بأننا بلد (تونسي) لا يتحمل تطاحن الطبقات"، وكانت تدعو بالتخلي عن العقلية البروليتارية التي تجعلهم ينظرون إلى صاحب العمل كعدو طبقي، وكرست الإنفتاح على الغرب وقبلت بشروطه الثقيلة والمتمثلة خاصة في القروض الأميركية الضخمة، وانتزعت الملكيات الصغيرة للفلاحين ودمجتها في التعاونيات الزراعية لخدمة مصالح كبار الملاكين الزراعيين، وضربت مصالح العمال، وعملت على تشتيت قواهم وذلك بفرض الهيمنة على النقابات العمالية واحتوائها وجعلها تحت وصاية الحزب الدستوري الاشتراكي الحاكم. وإزاء هذا التشويه للاشتراكية، والتخريب الزراعي والصناعي والتبعية للسوق الرأسمالية العالمية، انتجت دولة الاشتراكية الدستورية حكماً تسلطياً فرعياً، حيث شكلت البيروقراطية الحزبية وبيروقراطية أجهزة الدولة نموذجه بإمتياز. وشكلت عقبة حقيقية أمام انبثاق فضاء عام بسبب عملية النهب المنظمة التي كانت تقوم بها نخبة المجتمع السياسية التي تتمثل في نهجها وسلوكها السياسيين الوصاية والتملك للدولة، هي بذلك تطابقت مع واقع سوسيولوجي -تاريخي حيث كانت فيه هذه الدولة التسلطية عاجزة عن حماية القطاع العام، الذي نجد فيه الاقتصادي غير متحرر من السياسي الذي يهيمن عليه ويسيره. كما أن الأيديولوجية القومية الكلية التي تأسست في عهد الصراع ضد الاستعمار قامت على أساس النفي للصراع الطبقي داخل المجموعة السياسية، للإنقسامات الاجتماعية، فضلاً عن عدم إعترافها بالطابع السياسي لهذه الإنقسامات، الأمر الذي قاد إلى إفراغ المحتوى السياسي وبالتالي القانوني، لهذا الصراع، طالما أن هذه الأيديولوجية التسلطية تعتبر أن الجسم الاجتماعي موحد لا يحتاج إلى السياسة والقانون بما أنه غير متكون من فئات تحمل في سيرورتها مصالح طبقية متعارضة وفي ظل غياب مفهوم موضوع الحق، أي الإقرار بوجود أشخاص وفئات لهم مصالح متعارضة، بالمعنى الدقيق للكلمة، فإنه من المستحيل أن توجد دولة تسمى دولة الحق والقانون. لهذا السبب بالذات من النفي لمفهوم موضوع الحق للأشخاص والفئات الاجتماعية، تأسست الدولة التسلطية خلال عملية الاستقلال السياسي وتجربة الاشتراكية الدستورية، على الرغم من أن التسلطية لا تمثل نمطاً تاريخياً واحداً".

عشية تصفية تجربة رأسمالية الدولة، انعقد المؤتمر الثامن للحزب الحاكم في المنستير العام 1971، وكان يضم جناحي البرجوازية التونسية، اللذين اكتملا تبلورهما السياسي والأيديولوجي من حيث انطلاقهما من الأرضية الأيديولوجية عينها، أي إعتناق مذهب الليبرالية الاقتصادية، الذي يمثل أساس الوحدة بينهما، وإن كان يحتوي على فوارق على صعيد تصور الوعي السياسي في تطبيقاته الاجتماعية والسياسية.

الجناح الأول: يمثله الهادي نويرة، ومحمد المصمودي، ووسيلة بورقيبة، ومحمد الصياح، والطاهر بلخوجة، وبورقيبة الابن، والشاذلي العياري. وكان هذا الجناح يريد انتهاج سياسة رأسمالية خاصة تقوم على المبادرة الحرة، والمنافسة الرأسمالية على صعيد الانتاج، والمحافظة على المواقع (السياسية والاقتصادية) المناطقية للبرجوازية الكمبرادورية التونسية ذات المنبت الساحلي، والتي ينتمي إليها بورقيبة. إنه الجناح الذي شعر بضرورة الليبرالية الاقتصادية، ولكنه حارب في الوقت عينه الليبرالية السياسية، باعتبارها تشكل خطراً على الدولة التسلطية، الفاقدة لأسس تماسكها الداخلي. والجناح الثاني، ويمثله أحمد المستيري والباهي الأدغم، وقائد السبسي، والحبيب بولعراس، وكان هذا الجناح قد برز كمدافع عن الديمقراطية والليبرالية، رغم أن بعض رموزه مارسوا القمع في الشارع عندما كانوا في السلطة، وتصدى للرئيس بورقيبة، خصوصاً عندما قفز المستيري إلى المنصة أثناء المؤتمر، ليقول لبورقيبة "إن المسؤول الأول يجب أن يفرض بنفسه لا أن يفرض علينا "إن الجناح الذي يطالب بالإنفتاح الديمقراطي للنظام السياسي وبالإستفتاء الشعبي، وبإعادة توزيع المناصب السياسية على صعيد الدولة حسب أهمية المناطق، سكانياً واقتصادياً، وكان يؤمن بفرضية المنطق البرجوازي الليبرالي، بأن الليبرالية الاقتصادية عقيمة بدون الليبرالية السياسية لاستخدامها.

في ظل فشل الجناح الليبرالي للبرجوازية الكولونيالية التونسية، من أن يفرض نهجاً ديمقراطياً، حتى في شكله البرجوازي الليبرالي على ساحة الاختيارات السياسية للبلاد، وتعاظم دور البيروقراطية الحديثة التي تجسد خط البرجوازية التكنوبيروقراطية التي كان يمثلها الثالوث الهادي نويرة رئيس الحكومة السابق، محمد الصياح مدير الحزب وعبد الله فرحات وزير الدفاع، والتي تتميز بنزعتها الاستبدادية المحدثة، حين بايعت الرئيس بورقيبة رئيساً مدى الحياة في "مؤتمر المنستير الثاني -ومؤتمر الوضوح "في أيلول العام 1974. وهذا "يعتبر خرقاً فادحاً للدستور التونسي الذي لا يخول الترشح لرئاسة الجمهورية أكثر من ثلاث مرات. وفرض بورقيبة مرة أخرى رغبته في تعيين أعضاء المكتب السياسي للحزب بدلاً من انتخابهم كما عمد إلى حل مشكلة من يخلفه، فعين الهادي نويرة الخليفة له". وكان يوم آذار 1975، يوماً من أيام تونس المظلمة حين صادق مجلس الأمة (مجلس النواب) على قانون تنقيح الدستور الفصلين (40و51)، ويقضيان بتولي الرئيس الحبيب بورقيبة رئاسة الدولة مدى الحياة".

لقد انتقلت تونس من الحكم التسلطي في مرحلة الستينات في ظل تجربة "الاشتراكية الدستورية" إلى نموذج فرعي جديد للحكم التسلطي في مرحلة السبعينات، يقوم على اتجاه تنمية الرأسمالية الخاصة الليبرالية وتمتين علاقاتها بالرأسمال الاحتكاري الأجنبي، وتعميق الإنخراط أكثر فأكثر بالسوق الرأسمالية العالمية. وكانت الدولة آنذاك تضطلع بدور إعادة توجيه عمليات الضبط من أجل توسيع قواعد الرأسمال الخاص، الذي كانت توظيفاته موجهة أساساً نحو إنشاء المشاريع الصناعية والمعملية المخصصة نحو التصدير للسوق الرأسمالية العالمية، في إطار سياسة استبدال الواردات عن طريق تشجيع السياسة التصديرية، وكانت توظيفات الرأسمال الخاص ذات المنشأ الوطني والأجنبي متمركزة بشكل رئيسي في مدينة تونس والساحل: -90 من المئة من العمالات الصناعية التي أوجدت بين 1973-1979.

ومن المعلوم تاريخياً أن تونس مقسمة في خطط البناء التحتي ومستوى التطور الاقتصادي إلى أقطاب تنموية يكون فيها مستوى التطور الاقتصادي غير متكافئ، وينعدم فيه التوازن بين المنطقة الساحلية، المجهزة ببناء تحتي عصري يتجاوز بصورة واسعة المتوسط الوطني، حيث يتركز فيها النشاط الاقتصادي، سواء أكان صناعياً أو تجارياً أو إدارياً أو سياحياً، وبين مناطق الجنوب والغرب، غير المجهزة ببناء تحتي حديث، وحيث النشاط الاقتصادي فيها محدود، مع بعض الاستثناءات، في الزراعة والتجارة الصغيرة. والحال هذه، فإن المناطق التي يتمركز فيها التصنيع هي تونس والمنطقة الساحلية، وبذلك تكون مولدة للطلب الإضافي من العمالات، في حين تتمركز البطالة في المناطق الداخلية والجنوب، لكي تغذي بذلك سيلاً جارفاً من الهجرات الداخلية (نزوح ريفي) نحو ترييف المدن الكبرى، وبخاصة تونس العاصمة.

إن هذا التفاوت في النمو الناجم عن التأثيرات التراكمية قد خلق جماعات متمايزة بوضوح داخل المجتمع التونسي، بسبب ما خلفته هذه التباينات الجغرافية بالنمو من انقسامات على صعيد البناء التحتي ومستوى التطور الاقتصادي، وجدد النزعة الأقليمية والمناطقية (الجهوية)، التي أصبحت تشكل معطى اجتماعياً وسياسياً ثابتاً في واقع تونس، جسدته الدولة التسلطية التونسية ذات المنبت الساحلي، والتي كانت ولا تزال قناة تعبيرية عن النزعة الإقليمية للطبقة الحاكمة، التي شجعت التباينات في النمو على أساس إقليمي. وهذا يتعارض كلياً مع مفهوم خلق تجانس مجتمعي جديد سياسي واقتصادي، ويقود إلى عملية إقصاء المناطق الداخلية والجنوبية من المجتمع المدني. "وهكذا مثلاً، فإن النزعتين الإقليميتين الساحلية والصفاقسية (للبرجوازية التونسية)، لا يمكن فصلهما عن كيفيات تشكل هيكل الدولة الجديدة، من جهة، وبرجوازية الأعمال الجديدة، من جهة أخرى، انطلاقاً من التأثير الحاسم للرأسمالية الكولونيالية على الخصوصيات القديمة لجماعات الساحل القروية وللمدينة الأم في الجنوب. وبمناسبة أزمة 1969 وتعمق حالات عدم التوازن للبنية الاجتماعية -الاقتصادية، فإن النزعة الإقليمية خرجت من العهد السري، معززة في قواعدها. وهي أي النزعة الإقليمية لم تتبناها ولم تضف عليها الشرعية النخبة الحاكمة، ولكنها ظهرت أكثر منها في أي وقت مضى بمثابة "قاعدة لإعادة تجميع التحالفات "داخل هذه النخبة الحاكمة"(39).

ولما كان الانتاج لا يهدف إلى تلبية حاجات السوق الداخلية الوطنية بل هو مخصص نحو التصدير إلى السوق الرأسمالية العالمية، فإن توجيه عمليات الضبط الدولتية لا تهدف فقط إلى تحقيق تطابق في التركيب الجديد بين متطلبات رفع قيمة الرأسمال ومعطيات سوق العمالة، وإنما تهدف أيضاً إلى تجديد المبادلات مع الخارج، وجعل الاقتصاد التونسي خاضعاً بشكل مباشر لسيطرة الرأسمالية الاحتكارية الإمبريالية، الأمر الذي قاد إلى انقاص في مجال الضبط من جانب الدولة "إنه تعبير نوعي، وتحيل قوانين السوق هنا إلى القوانين الأكثر دقة لـ "أكلاف المقارنة" و"نسبة العوامل". ويتعلق الأمر بتأمين النمو بتطوير تصديرات الخيرات والخدمات بالإستفادة من "الأفضليات المقارنة" المكونة من احتياطي كبير من اليد العاملة ذات الكلمة المنخفضة نسبياً، ومن مجموعة من القياسات البيئوية، والسياسة الملائمة لتطوير السياحة الدولية، وهذا النموذج لا ينبغي أن يؤدي إلى سوء تفاهم أو تبسيط. إنه يفرض تدريجياً في تونس. وذلك ليس بفضل قرار دولتي، بل بفضل السعي لتضبيط دوافع التقسيم الدولي للعمل، وهو يندرج في نزعة تجد حافزها في توترات السوق، وليس في واقع خام (40).

إن تطوير وتسويق المنتجات للسوق الخارجية، جعلت عمليات الضبط من قبل الدولة خاضعة لقوانين السوق الغربية، من هنا اتخذت حكومة الهادي نويرة خطوات مهمة أسهمت في تغلغل الرأسمال الأجنبي، والإرتماء في أحضان السوق الرأسمالية العالمية.

1- قانون 27 نيسان 1972 الذي يسمح لرؤوس الأموال الأجنبية بإقامة مصانع في تونس، والذي يعفي رؤوس الأموال الصناعية الأجنبية المصدرة من الضرائب 100 بالمئة لمدة عشر سنوات.

2- قانون 23 أب 1974 الخاص بالصناعات المعملية. يمنح هذا القانون إمتيازات عديدة في مجال الضرائب بالنسبة للصناعات المانيفا كتورية التي تخلق فرص عمل أكثر من عشرة، وكلما كان حجم رأس المال أكبر، كلما تناقصت الضرائب، وهذا القانون موجه بصورة رئيسة إلى تشجيع الرأسماليين التونسيين على إنشاء صناعات مانيفا كتورية لتطوير السوق الداخلية.

3- قانون تموز 1976 الذي يسمح بتوظيف رؤوس الأموال الأجنبية في إنشاء بنوك فرعية بتونس.

4- الاعتماد على رأس المال الأجنبي في تمويل المخطط الخامس (1977-1981).

إن السياسة الاقتصادية التي انتهجتها البرجوازية التونسية أفرزت نتائج صارخة في أوائل السبعينات، إلى حد أن تونس كان لها نمو اقتصادي يتجاوز 7 في المئة في العام، بشهادة المنظمات المالية الدولية، وهو يعتبر من أفضل معدلات النمو العشرة في العالم.

 

1971-1975

1976-1981

1982-1986

الناتج الداخلي الخام

8.19+

16.1

3+

إنتاج رأس المال

5.5+

1.4-

6.2-

إنتاجية العمل

5.5+

1.9+

00.6-

الاستثمارات

11.8+

7.1+

0.6-

معدلات الاستثمار

21.8

30.1

28.0

لقد عاشت تونس طفرة اقتصادية كبيرة في الخطة الخمسية الأولى 1971-1975، تمثلت في زيادة سريعة للناتج الوطني الخام بنسبة 8.8 في المئة كل عام، وبنحو 5.5 في المئة كمعدل وسطي من إنتاجية العمل، وبنمو إيجابي في إنتاجية رأس مال المال 1.1 في المئة كل عام. وكان هذا التقدم يعزى بصورة أساسية إلى إرتفاع حجم الاستثمارات الذي كان يغطي الخسارة في إنتاجية العمل ورأس المال، ومضاعفة العائدات السياحية من العملة الصعبة -خمسة أضعاف خلال 1972-1981 التي أصبحت تحتل المرتبة الثانية بعد المنتجات النفطية، 17.7 في المئة من عائدات تصدير الخيرات والخدمات، أما وزن المنتجات النفطية فهي بنحو 4.7في المئة من تصدير الخيرات. كما عرفت الاستيرادات من الخيرات ازدياداً قوياً، إذ مثل هذا الإزدياد بصورة وسطية 39 في المئة من الناتج الوطني الخام في مقابل 21 في المئة خلال عقد الستينات، وهو ما يشير إلى إزدياد استيرادات الخيرات الغذائية، خصوصاً الحبوب.

غير أن الاقتصاد التونسي التابع والمندمج كلياً بالسوق الرأسمالية العالمية، والذي يهيمن فيه النموذج التصديري (تطوير وتسويق المنتجات للسوق الخارجية) دخل في أزمة عميقة منذ بداية النصف الثاني من عقد السبعينات، جراء انعكاس أزمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي دخل هو بدوره في أزمة بنيوية عميقة منذ الصدمة النفطية الأولى 1974-1975 على مجموع اقتصاديات بلدان العالم الثالث، وانخفاض بعض أسعار المواد الأولية التي تشكل مصدر الدخل للعملة الصعبة إلى تونس بسبب من التلاعب الذي فرضته الاحتكارات الرأسمالية، وكذلك أيضاً بداية تطبيق الحماية الجمركية من جانب السوق الأوروبية المشتركة على الصادرات التونسية، مثل الزيت والحمضيات، وتبعية الآلة الاقتصادية التونسية إزاء الاستيرادات. وهكذا، فإن خاصية البنية الاقتصادية الاجتماعية في تونس تكمن في السياسة الاقتصادية الموجهة من جانب البرجوازية الكمبرادورية من أجل التعجيل في انتقال تونس إلى شكل الرأسمالية التابعة والطرفية، حيث يحتل فيها الرأسمال الأجنبي دوراً أساسياً في عملية الانتقال هذه، لا سيما وأن المشاريع العائدة لهذا الرأسمال الأجنبي، التي تقدم الخامات والمصنوعات الجاهزة أو شبه الجاهزة للبلدان الإمبريالية تطرأ لإنخفاض الأجور، تخدم في المحصلة النهائية مصالح الرأسمال الأجنبي والإمبريالية العالمية، على حساب تدمير الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق شهدنا عودة مراقبة إلى التحديد الحر للأجور. وهذا التحديد مرفق بالتحديد بمرسوم الأجر الأدنى مضمون لعامة المهن (SMIG.). وكانت سياسة العقد الاجتماعي تهدف إلى إرساء الحوار بين الحكومة ونقابات العمال، ونقابات أرباب العمل أو الأعراف، في نطاق من التعاون الطبقي، في إطار الشرعية البرجوازية، باعتبار أن الاتحاد العام التونسي للشغل أصبح في ظل حكومة نويرة "طرفاً اجتماعياً" لا طرفاً ثانوياً مهمشاً، وخاضعاً لهيمنة البيروقراطية الحزبية في عهد أحمد بن صالح. وكانت الفئة التكنوقراطية من البرجوازية الكمبرادورية التي تقود سياسة الانفتاح الاقتصادي والمسيطرة على جهاز الدولة، سخرت سياسة "العقد الاجتماعي" في الوقت عينه لخدمة مصالح فئة أصحاب المشاريع ورجال الأعمال مبعدة البيروقراطية الحزبية عن الحياة الاقتصادية، لأن استراتيجية الليبرالية الاقتصادية تتطلب بالضرورة تشجيع المبادرة الحرة وإزالة العراقيل والحواجز البيروقراطية لتفضيل الحوار بين مختلف فاعليات وأطراف المجتمع المدني. ولذلك عملت الحكومة وأجهزة الدولة على تقليص نفوذ البيروقراطية الحزبية، وهذا ما أدى على وجه الدقة إلى غياب الحزب وفقدان جماهيريته، وتطور بالمقابل في ديناميكية الاتحاد العام التونسي للشغل، كقوة حية من قوى المجتمع المدني جراء اضطلاعه بدور المدافع عن مطالب الشغالين في البلاد، وإعادة تنشيط الهياكل النقابية. وقد تمكنت الطبقة العاملة من الإسهام في وضع الطبقة البرجوازية الكمبرادورية في أزمة سياسية، بفضل عدد الإضرابات العمالية الذي بلغ 452/ اضراباً في العام 1977/ وزيادة حدة التوترات الاجتماعية، واحتدام التناقضات داخل الدولة التسلطية. وهكذا تطورت في مرحلة السبعينات النضالات النقابية والعمالية والطلابية، والنضالات السياسية لكل القوى الديمقراطية، وشكل الاتحاد العام التونسي للشغل مركز استقطاب للنشاط والنضال القاعدي لكل اليساريين، المتمحور حول القضايا الرئيسية الثلاث: القمع، والحريات الديمقراطية، والسيطرة الإمبريالية. وكانت الأهمية المباشرة لهذه الحالة السياسية من اضطلاع قوى ومكونات المجتمع المدني بتجذير الصراع السياسي والنقابي، إن خلقت انفصاماً لا مثيل له، تتوج بأزمة حادة بين النقابات والدولة التسلطية في ظل تبلور تيار وطني ديمقراطي قاعدي ينادي بتحرير المجتمع المدني من وصاية الدولة، وبإستقلالية النقابات عن هيمنة الحزب الحاكم، وإعلان العصيان المدني على الجناح البيروقراطي المتصلب ذي النزعة الفاشية في النظام. وكان المآل الذي سارت فيه هذه الأمور في ظل الحركة الجديدة لقوى المجتمع المدني التي ما زالت مقيدة بالعلاقة العضوية بين الدولة والحزب الحاكم، اندلاع الانتفاضة الشعبية بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل في 26 كانون الثاني/1978.

التمايزات الاجتماعية

لقد قاد الإختراق الإمبريالي للاقتصاد والمجتمع، وتبرير البرجوازية الكمبرادورية التونسية خيار تبنيها السياسة الاقتصادية الليبرالية المندمجة بالنظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي الذي أخضع الاقتصاد التونسي لمنطق التقسيم الامبريالي للعمل، بحيث أصبح حضور الشركات المساهمة العملاقة، والدول الإمبريالية واضحاً في رسم وتحديد جميع المخططات الاقتصادية والسياسية للدولة، وفي إفشاء بنى اقتصادية تابعة مخصصة بالدرجة الأولى لتلبية الأهداف الاقتصادية والسياسية للإحتكارات من أجل تصدير منتجاتها للسوق الرأسمالية العالمية. لقد قاد هذا إلى تعميق تمايز المصالح بين الطبقات والفئات الاجتماعية، وإلى ظهور الدولة كقوة تحكمها علاقة خارجية مع المجتمع، وضعف قدراتها التوزيعية مع ظهور متطلبات جديدة في نوعية وكمية الاستهلاك الجماهيري التي تغذيها وسائل الاتصال الجماهيري خصوصاً السينما، والتلفزيون، ونمو ظواهر راديكالية لمواطنية سلبية مع صعود الانتظارات الاجتماعية، وانكماش عروض الدولة لجهة عدم توفير فرص العمل في المراكز الحضرية الرئيسية بسبب هجرة الأعداد المتزايدة من سكان الريف إلى المدن، وتنامي الاقتناع عند أقسام أساسية من الشعب بلا أخلاقية الدولة، واستفحال التبعية للدولة في "السخط" كشكل من أشكال نفي الدولة.

لكن تعاظم دور الدولة البيروقراطية في تنسيق البنى التحتية لخدمة سياسة الانفتاح الاقتصادي وإفساحها في المجال لظهور المجتمع الجماهيري الاستهلاكي قد جعل أقلية أي البرجوازية الكمبرادورية والنخبة الحاكمة المتحدرة منها تنزع إلى الترف والاستهلاك التفاخري من جهة، وعملت من جهة أخرى على تهميش قسم أساسي من السكان.

إن عملية تقييم الرأسمال الذي يخدم مصلحة الانفتاح على السوق الرأسمالية العالمية يسهم في عملية التهميش للسكان يغذيه الفائض في احتياطي اليد العاملة، بحكم أن دينامكية النمو الرأسمالي ومتطلباته الاجتماعية المنفتحة على الخارج تضمنها أكثر فأكثر "الأفضلية المقارنة" القائمة على وجود يد عاملة رخيصة، التي يستغلها الرأسمالي باتجاه امتصاص (توظيفات في مشاريع ذات كتلة قوية لليد العاملة) وإعادة إبقاء "الأفضلية للمقارنة" للتهميش "وإزاء وضع الأجراء، فإن التهميش يعني المنافسة من أجل الاستخدام، في حين أن إنشاء عمالات جديدة، يشدد الضغط على الأجور بإشتراط كبح للاستهلاك الخاص. "ثم" أن تباينات مهمة في الأجور تفصل المؤسسات العامة ذا الطابع الصناعي والتجاري، وكذلك بعض الخدمات (البنوك وشركات التأمين)، عن الفروع ذات الكثافة في اليد العاملة، والمؤسسات الأولى تستخدم شغيلة يتضمنون بأجور أفضل نسيباً، بسبب نوعية نشاطاتهم وإنتاجيتهم الأعلى وتمركزهم النقابي القوي. لكن كلما اتسع القطاع التصديري، خيم التهديد على الأفضليات المكتسبة في شركات أو فروع معينة، نظراً لأن الرؤية التصديرية تفرض ضغطاً للاستهلاك الخاص، وانطلاقاً من ذلك، لمجمل الكتل الأجرية، وهذه الظاهرة لا يمكن إلا أن تجمد عملية تكون القطاعات وأن تشجع ميلاً إلى انكماشات خصوصية. هذه الملاحظات تعطي نظرة سريعة إلى الميل نحو "الطوائف الحرفية" (النقابية الضيقة). إن إقامة "طوائف حرفية" (نقابية ضيقة) في المجتمع يعزز الدولة بصورة ظاهرة. ولا يستطيع أي قطاع اجتماعي الإدعاء بأنه يتطلع ويمثل مصالح المجموع. وتبقى ممارسة الهيمنة شاذاً للدولة، التي يتبين أن كل طائفة حرفية منها تابعة لتلك الهيمنة لأجل صيانة مصالحها الخصوصية. إن الرأسمال الخاص تابع للدولة، لأجل تحقيق الربح، والهامشيون لأجل معيشتهم، وهكذا فإن إشاعة "الطوائف الحرفية" (النقابية الضيقة) تميل إلى جعل التبعية للدولة مستفحلة بتحميلها الدولة طلبات تصعب كثيراً تلبيتها، ذلك لأن القدرة التوزيعية للدولة أضعفت كثيراً"(41).

وفي الواقع، فإن الدولة التسلطية التونسية لم تعد قادرة على تحمل أعباء مالية كبيرة في ظل خضوعها لسيطرة قوانين السوق العمياء، وأمام التدفق الهائل للسكان الريفيين باتجاه المدن الرئيسية بحثاً عن عمل وإصابتهم بخيبة الأمل والإحباط نتاج عدم قدرة قطاع الصناعات على استيعاب هؤلاء المهاجرين الجدد من الأيدي العاملة، الأمر الذي قادهم إلى التمركز في تخوم هذه المدن ليشكلوا أحزمة الفقر والبؤس أو مدن الصفيح، وفئات اجتماعية مهمشة نطلق عليها اسم البروليتاريا الرثة، التي تمثل إحدى إفرازات التشويه الفظ للانقسام الطبقي والتمايز الاجتماعي. وقد دفع العوز المادي هذه الفئات إلى ممارسة كل أنواع العمل الشريف وغير الشريف بالمعنى الأخلاقي للكلمة، وإلى خضوعها لاشد أنواع الاستغلال الطبقي فتكاً وتشويهاً، حيث أن هذا المستودع الاجتماعي المهمش نظراً لانفصاله التاريخي والحضاري عن التقاليد والقيم المدنية الحديثة والحضارية، وهيمنة التخلف الثقافي على وعيه ونزوعه البرجوازي الصغير، وانحطاط أساليبه في الحصول على لقمة العيش وتجاوز عوزه المادي بسبب ضعف الانتماء الطبقي الاجتماعي والأيديولوجي، تحول في كثير من المرات إلى أداة بيد أجهزة الدولة التسلطية لقمع نضالات الحركة الطلابية والحركة النقابية والمعارضة اليسارية، مثلما شكل قوة حقيقية لعبت دوراً رئيساً في انتفاضة "ثورة الخبز" في نهاية العام 1983/ بداية العام 1984، التي زعزعت الحكم التونسي، حين لجأت الدولة التونسية إلى إقرار "حقيقة الأسعار"، الأمر الذي قادها إلى رفع الدعم عن المواد الغذائية (الخبز -الزيت- السكر) التي تمثل القوت اليومي للشعب، متذرعة بأن الصندوق العام للتعويض الذي كان يتحمل عبئاً كبيراً في مساندة الأسعار والحبوب وإبقائها بصورة منخفضة، قد أصيب بعجز متراكم منذ 1976، بلغ 208 ميلون دينار تونسي في العام 1983/.

إن التخصيص المتزايد للدولة، وتفاقم التبعية للدولة في ظل مواطنية سلبية، وتداخل المظاهر المالية والسياسية الأكثر نوعية لعبء الدولة الثقيل، واحتدام التناقض بين ازدياد الطلبيات الاجتماعية وعدم قدرة الجاهزية للدولة، وانتشار الطوائف الحرفية في النقابات الضيقة) كل هذه العوامل مجتمعة قد قادت إلى قطيعة بين الحاكمين والمحكومين، وإلى تعميق التعارض بين "مجتمعين" المجتمع السياسي الذي تهيمن فيه البرجوازية الكمبرادورية الحاكمة، والمجتمع المدني الذي لم ينتظر أي شيء من الدولة، خصوصاً في ظل تفاقم البطالة التي لم ترحم الشباب سواء في المدن أم في الأرياف، واستعمال جهاز الدولة المركزية التسلطية في التحول الديمقراطي الذي دشنته الدولة التونسية في بداية الثمانينات. هذا التحول يندرج في إطار الانفتاح الاقتصادي والسياسي والتحرر النسبي للدولة المستمد مبدأه في منطق الخصخصة الرأسمالية على أوسع نطاق، والذي يفترض تقسيماً جديداً بين رسملة الشأن الاجتماعي العام، والخاص لجهة عودة جديدة إلى عملية الضبط للسوق على أسس وقواعد الليبرالية الأميركية الجديدة، التي تسود أكثر فأكثر في مركز النظام العالمي وفي أطرافه على حد سواء، تبعاً لكيفيات ومتطلبات العولمة الرأسمالية الجديدة، وتبعاً أيضاً لتسوية جديدة بين الحاكمين والمحكومين هي في المحصلة النهائية تمثل انتقال تونس من نموذج فرعي للدولة التسلطية في عهد بورقيبة إلى نموذج فرعي آخر للتسلطية في عهد سلطة السابع من نوفمبر بقيادة الجنرال بن علي المدافع عن الليبرالية الأميركية المتوحشة، تهدف أساساً إلى ممارسة سياسة الترضية للانتقال نحو الديمقراطية البرلمانية المقيدة والمراقبة وتكرس التبعية الجديدة للدولة التسلطية. ومع التحول الديمقراطي هذا، تترافق عملية الضبط بواسطة قوانين السوق التي تشكل أساً للمساندات البرجوازية الكمبرادورية الحاكمة، وتتيح تنظيم الاختلافات وحمايتها من قبل أجهزة الدولة التسلطية تبعاً لكيفيات مطابقة وخضوع هذه الدولة التسلطية المتزايدة لقوانين السوق المفروضة من قبل العولمة الرأسمالية الجديدة، ولمتطلبات المرحلة الجديدة التي يحاول فيها "النظام الدولي الجديد" أو النظام الأميركي كما هو قائم بالفعل، نشر قيم الليبرالية الجديدة في معظم مناطق العالم، كمطلب إمبريالي غربي في صيغته الأميركية، ومركزاً على قانون السوق، وحرية المشروع الاقتصادي الفردي، وهو المعنى الأعمق لليبرالية الأميركية، تحت عنوان احترام الإنسان وحرياته الأساسية، وإضفاء طابع ديمقراطي تعددي على مؤسسات الحكم والعولمة والقيام بالإصلاحات الاقتصادية التي يفرضها صندوق النقد الدولي.

"التحول الديمقراطي" وخيار الليبرالية الاقتصادية

عاشت تونس في ظل عقد الثمانينات لحظة جنين الديمقراطية أتضحت ملامحها من خلال تبلور الصراع النقابي والسياسي في أفقه الديمقراطي، وتزايد المطالب الشعبية المنادية باحترام حقوق الإنسان وإعطاء عملية التحول الديمقراطية طابعاً وطنياً معادياً للإمبريالية، ومضموناً اجتماعياً متناقضاً مع مقتضيات العولمة الرأسمالية الجديدة في صيغتها الليبرالية المتوحشة، وشروط صندوق النقد الدولي، وبتحقيق نموذج من التحول الديمقراطي يؤكد استمرارية وتدعيم ركائز الديمقراطية في الواقع التونسي، ويرفض سيطرة الدولة التسلطية التي انتجت رأسمالية تابعة مشوهة متكيفة مع العولمة الرأسمالية الجديدة.

لكن عملية التحول الديمقراطي في ظل سلطة السابع من نوفمبر اصطدمت بعقبات بنيوية حقيقية، لعل أهمها الاختراق الإمبريالي للاقتصاد والمجتمع، وعلاقات التبعية للنظام السياسي إزاء المراكز الرأسمالية الغربية التي توفر له موارد مالية عن طريق القروض والتسهيلات الائتمانية للديون، والتي تكرس في الوقت عينه تسلط الطبقة البرجوازية الكمبرادورية الحاكمة المهيمنة، التي نجدها غير مستعدة لتقديم تنازلات لمصلحة الاصلاحات الديمقراطية. وكذلك البيروقراطية الحديثة التي تعادي انتشار الثقافة الديمقراطية والوعي الديمقراطي بين المواطنين التونسيين. فعملية الانتقال نحو الديمقراطية التعددية التي قادها جهاز الدولة البيروقراطية، وحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم الذي ما زال ماسكاً بزمام السلطة بقوة وما زال يعتبر نفسه أنه الحزب الحاكم فقط باستمرار، ويصر على فرض أيديولوجية أحادية على الدولة التونسية، وعلى وضع نفسه وصياً على المجتمع المدني والشعب محدداً له ما يجب التفكير به، وكيف يفكر، هذه العملية قد قادت إلى اضمحلال وهزيمة المجتمع المدني التونسي، وانسحاب تكويناته وقواه الحية وفي مقدمتها المثقفون، وفئة الانتلجنسيا من المجال السياسي، الذي ملأته الدولة التسلطية، كما تصفها أكثر من قوة ديمقراطية تونسية وعربية، وكذلك لجنة حقوق الإنسان العالمية، بسبب القمع الذي يمارسه الجنرال بن علي بحجة محاربة "الأصولية".

فالديمقراطية التي تطبقها النخبة السياسية الحاكمة في تونس، التي اتخذت عدد من الإجراءات السياسية المهمة ذات الطابع الليبرالي، وأطلقت سلسلة من الوعود المغرية، لتثبيت السلطة الجديدة، تفتقر إلى القواعد الشعبية، وهي ديمقراطية تقوم على التعدد الحزبي، باعتباره نموذجاً "نخبوياً كمبرادورياً" يخدم خيار الليبرالية الاقتصادية وقوى السوق العمياء، وبرنامج الإصلاح الهيكلي للاقتصاد للعام 1986، الذي وافق عليه صندوق النقد الدولي. ففي العام 1986 تراجعت مداخيل الصادرات وترافقت معها زيادة حجم الدين الخارجي، الأمر الذي أدى إلى زيادة الحصة المخصصة لتسديد خدمة الدين من 14 في المئة من الناتج الوطني الخام إلى 28 في المئة من العام عينه، كما تفاقم العجز في الموازنة العام من 3 في المئة من العام 1981 إلى 8 في المئة من الدخل الوطني الخام في الفترة الممتدة ما بين 1982و1986.

وكان إقرار الخطة الإصلاحية البنيوية للاقتصاد هو بمنزلة الجواب على الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها تونس، خصوصا مع ظهور الاختلالات الكبيرة الداخلية والخارجية من جراء التدهور الخطير في الأوضاع التجارية، والتراجع الكبير في احتياط النفط في الوقت الذي بقي فيه الطلب الداخلي قويا، وبلوغ العجز التجاري نسبة 10.9 في المائة في العام 1986، الأمر الذي قاد الحكومة التونسية إلى الاقتراض من السوق الدولية بفائدة عاليه.

كما شمل البرنامج الاقتصادي الذي طبقته الحكومة التونسية خلال الخطة السابعة (1987-1991) إصلاح نظام الضرائب بهدف ترشيد الإجراءات الضريبية وتوحيدها بصيغة ضريبة مفردة على الدخل الشخصي، ومجانسة الضرائب على أرباح الشركات وضريبة القيمة المضافة المفروضة على الإنتاج، ومن أبرز خصائص هذا الإصلاح الضريبي تحسين كفاءة نظام تحصيل الضرائب، وزيادة العوائد الضريبية.

وفي نطاق تشجيع سياسة الانفتاح الاقتصادي بعد إزالة القيود على الاستيراد قامت الحكومة التونسية بتخفيف القيود المفروضة على المبادلات بالعملة الصعبة التي تقوم بها الشركات المقيمة في تونس، حيث تصبح يحق لهذه الشركات المخصص إنتاجها للتصدير لتلبية حاجيات السوق الرأسمالية العالمية، أن تقوم بكل تحويلاتها المالية فيما يتعلق بأنشطتها إلى خارج البلاد بكل حرية. وهذه الامتيازات التي تتمتع بها الشركات الأجنبية، جاءت كنتيجة لقيام النظام التونسي برفع الحظر عن صرف العملات الأجنبية، حيث لم تعد الاستثمارات الأجنبية بحاجة إلى الموافقة المسبقة من البنك المركزي لاستعادة رؤوس أموالها، أو نقل أرباحها إلى الخارج.

ثم أن الدعوة إلى الخصخصة وإلغاء الشركات العامة، وتمجيد اقتصاد السوق من جانب الحكومة التونسية، يمثل استجابة لأيديولوجية صندوق النقد الدولي، الذي اصبح يمارس دور الشرطي العالمي في خدمة هيمنة العولمه الرأسمالية الجديدة على دول العالم الثالث، حيث أن عملية الخصخصة التي بدأت على أوسع نطاق مع اندلاع الثورة المحافظة في الغرب في نهاية عقد السبعينات بزعامة ريغن وتاتشر بدورها استجابة لرغبات الشركات متعددة الجنسية، التي تريد فرض استراتيجيتها الكونية على عالم الجنوب، كما يتضمن ذلك تحميل العالم الثالث عبء الكساد الاقتصادي، السائد في الغرب وجذب الرأسماليات التابعه إلى تحت مظلتها، وشن حملة عنيفة وشعواء على القطاع العام، وتصفية كل ما يمكن تصفيته، باعتباره كان يرمز إلى إرادة مستقلة في التنمية.

أن الرؤية الجدلية والعقلانية التاريخية، تقر بأن هيمنة الدولة على الاقتصاد والقطاع العام، تجعل منه دوله تسلطيه بالضرورة، وتحقق من خلاله الاحتكار الفعال لمصادر القوه والسلطة في المجتمع، وتجعل البيروقراطية تستهلك القسم الأعظم من مواد القطر، وتفسح في المجال لاثراء طبقه برجوازية كمبرادورية، وتحول السلطة إلى مصدر للثروة والنفوذ، وتحول الاقتصاد في ظل سيادة قوانين السوق الرأسمالية إلى نوع من اقتصاد كمبرادوري ريعي. وفي الطرف المقابل، يربط التخصيص تحت عنوان حرية السوق، الاقتصاد الوطني بعجلة الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ولا يعبأ بناء هياكل تحتية للاقتصاد وفروع استراتيجية للاقتصاد، لأنه يبحث عن تحقيق الربح السريع والسهل.

وضمن رؤيتنا هذه، فإن المعارضة مطالبة بإعادة النظر بالملكية والمسألة الزراعية، وبناء الصناعة المرتبطة بالزراعة، وتلبية الحاجات الضرورية للشعب، وفكرة التنافس لأن كل معارضة تطالب سلطة وطنيه نقيضة لسلطة البرجوازية الكمبرادورية من دون أن تحقق واقعياً الأرضية الحقيقية لمثل تلك السلطة الوطنية، إنما تنشد في الواقع الهيمنة على آلة الدولة للتمتع باميتازات السلطة القائمة، وهنا يبدو الفرق واضحاً بين معارضة تنازع السلطة على السلطة فقط، وبين معارضة راديكالية تختلف عن السلطة القائمة، وتصارعها في الوقت عينه ببرنامج مجتمعي آخر واضح المعالم.

ومع فقدان قوى المعارضه اليسارية البديل الواقعي المتمفصل بشكل موضوعي للواقع التونسي والعربي، وبالتالي فقدانها المحتوى الديمقراطي، حيث كانت مسكونة بالصراعات الإيديولوجية الهامشية،وبالتصورات الستالينية واليعقوبية الرومانسية المستوحاة من الماركسية اللينينية، انتقل قسم كبير من المثقفين الماركسيين، وبعض القيادات اليسارية إلى مواقع حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم.

وفي ظل عملية الترحال الإيديولوجي هذه، التحقت بعض من النخبة اليسارية بجهاز السلطة بهدف الاستفادة من الفرصه التاريخية للتأثير في توجيه السياسة الثقافية والتعليمية في تونس، وفي الاشتراك في تأسيس منظومة من المقولات والقيم الجديدة التي توجه نشاط الحزب، وتغذي أساليب عمله، وتبعث فيه حركيه جديدة، جعلت حزب التجمع يعتبر نفسه”المكون الأساسي للمجتمع المدني، والمتحمل لمسؤولية ترسيخ دولة القانون"، وفي طرح مقولة الصراع" العقلاني/ الظلامي " بدل مقولة الصراع الطبقي الاجتماعي " الطليعة العاملة/ الرأسمال المحلي والدولي"، حيث استدرجت السلطة التونسية أصحاب المبادئ العلمانية ووظفتهم في أجهزة الدولة الثقافية والإعلامية والسياسية لاستخدامهم كرصاص في الحرب ضد التيار الإسلامي،" والخطر الأصولي" الداهم المهدد للمجتمع المدني، والحريات العامة، والفردية حسب وجهة نظر السلطة.

وجاءت الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من نيسان العام 1989لتشكل منعرجاً حاسماً في الحياة السياسية في تونس من حيث فوز حزب التجمع الدستوري الديمقراطي بكامل مقاعد البرلمان وعددها 141مقعداً، وحصول القوائم المستقلة التي أيدها الإسلاميون على 14 في المئة من أصوات الناخبين. ومنذ حينئذ حسمت الانتخابات التشريعية الجدل الدائر في داخل أوساط الحكم التونسي لمصلحة الخط المتشدد الرافض الاعتراف بحزب النهضة، وهذا الوضع الجديد جعل سلطة السابع من نوفمبر أمام خيار صعب أما الاتفاق بين الحكومة وأطراف المعارضة بما فيها حركة النهضة على ضرورة التحول السلمي نحو الديمقراطية التعددية عبر الانتخابات التنافسية، ومواصلة التغيير، وتحقيق طموحات القاعدة الشعبية المتزايدة وتعضيد وتقوية المجتمع المدني للتخلص من ميراث الحكم الفردي، وأما الصدام مع الحركة الإسلامية.

ولقد انساقت السلطة في الخيار الثاني مع مستتبعاته المعروفة ووضعت حدا للمسار الديمقراطي، وأغلقت باب الديمقراطية تحت شعار محاربة الأصولية. ثم ان الحرب ضد الحركة الاسلامية فرضت هيمنة الخط المتشدد داخل الحزب والدولة، والتركيز على الإنسجام في الموقف على حساب التعددية، كما فرضت الحل الأمني وأصبحت المسألة الأمنية الشغل الشاغل للدولة، واحد المسوغات لتقييد الحريات السياسية على أحزاب المعارضة، وهيمنة الحزب الحاكم بإطلاقية على مقاليد السلطة والحياة العامة، وانتشار انتهاك حقوق الإنسان بسبب التجاوزات الأمنية حيث تحول الحل الأمني من مسألة مؤقتة واستثنائية إلى سياسة عملية، ونهج كامل وواضح للدولة التونسية، الذي كان من نتائجه إفراغ العملية السياسية الديمقراطية من المعارضة المنظمة الديمقراطية والإسلامية. وطرحت الدولة التونسية نفسها بديلاً عن مؤسسات المجتمع المدني، في تناقض كلي مع المفاهيم والأفكار الجديدة والقيم السياسية، التي استعارتها سلطة السابع من نوفمبر من المرجعية السياسية والإيديولوجية للمعارضة الديمقراطية، وبخاصة فيما يتعلق بمقولتي المجتمع المدني، ودول القانون.

ومن المعلوم أنه ليس ثمة مجتمع مدني بدون مقولة الأمة، ومقولة الشعب، وحرية الفرد، وحقوق الإنسان والمواطن، ومقولة الوطن وصراع الطبقات واستقلال النقابات العمالية والطلابية، الاتحادات المهنية والجمعيات، والمنظمات الشعبية، والمؤسسات الإيديولوجية، وبدون حق المعارضة السياسية المساوي لحق السلطة. وعندما يصبح الانتماء إلى المعارضة إنتماء سياسيا، فإن المجال السياسي ولا سيما مجال دولة لا يجوز أن يتقلص ليطابق حدود الهوية الحصرية لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم النافي لما عداها، أي الإستبدادية بطبيعتها، المصادرة على حق المعارضة السياسية في العمل السياسي،وفي الاعتراف بدورها الوطني والقومي، ولأنه لا يجوز ولا ينبغي أن تكون الدولة التونسية دولة الحزب الحاكم بمفرده الذي يصوغ المجتمع المدني في نطاق مجمتع شمولي على صورة وهوية الحزب الضيقه والحصرية، باعتبار أن هذه الصيغة هي صيغة شمولية.

ومن نافل القول أن الحديث عن الديمقراطية في تونس، وحقوق الإنسان وحرية المرأة، والمجتمع المدني لسيت سوى البسملات التي يبرر بها نظام الجنرال بن علي شرعية الصدام مع الحركة الإسلامية والقوى الديمقراطية المناوئه، وتبرير شرعية مصادرة الحريات وذبح الديمقراطية، وتبرير شرعية اللجوء إلى احتكارمصادر السلطة من جانب الحزب الرئاسي المهيمن، لأوضاع الرأي العام العقلية النخبة الحاكمة، وزرع الخوف بهدف تحقيق عزوفه عن السياسة.

وهذه دلالة واضحة على عدم التحول للمبادئ الديمقراطية في تونس، إذ أنه لم يسفرإلى حد الان عن سيادة الديمقراطية بلا أقصاء،ولا عن التداول السلمي على السلطة عبر الاقتراع، وانتقال السلطة إلى المعارضة التونسية، مهما كان رأينا فيها.

وعلينا أن نعترف أن المسار الديمقراطي لم يفسح في المجال لحرية التعبير، والمنافسة الحرة بين الإيديولوجيات والأفكار السياسية، مثلما لا يعني أن تعدد الأحزاب التي جاءت على أرضية برنامج سلطة السابع من نوفمبر هي الديمقراطية، بل أن الديمقراطية الحقة بقدر ما تتطلب تعددية سياسية، بقدر ما تتطلب منافسة حرة وعادلة بين الأحزاب السياسية، وهذا الأمر يتناقض في تونس مع الحزب الرئاسي المهيمن، "التجمع الدستوري الديمقراطي" الذي ليس على استعداد للتخلى عن احتكاره الفعال لأكثر من ثلاثين عاماً لسلطة الدولة، لمصلحة المجتمع المدني والمسار الديمقراطي.

 

هوامش الفصل الأول:

  1. مهدي عامل- مقدمات نظرية لدراسة اثر الفكر الإشتراكي في حركة التحرر الوطني- الطبعة الخامسة- 1986-دار الفارابي(ص312).
  2. مجموعة من الاقتصاديين والمؤرخين السوفييت- الاقتصاد السياسي للرأسمالية المعاصرة- الجزء الرابع- ترجمة الدكتور محمد كمال زبيده وحمزه برقاوي- مطابع الف باء - الأديب- دمشق (ص 189-190).
  3. مهدي عامل- مصدر سابق (ص269).
  4. د. خلدون حسن النقيب- الدولة التسلطية في الشرق العربي- مركز دراسات الوحدة العربية- الطبعة الأولى ايار 1991 (ص 105). انظر (61) حيث أن الدكتور النقيب يستشهد بمقطع من كتاب محمد سلمان حسن
  5. The EConomic Development Of IRAK 1864-1964

    Study In The Growth Of a Dependent Economy p 364.

    أيضاً اليزابيت لونغنيس" مصادر وأصول الطبقة العاملة: مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، الطريق - السنة 39 العددان- 3-4 (آب أغسطس 1980).

  6. د. هشام شاربي- البنية الذاتية البطركية- بحث في المجتمع العربي المعاصر -دار الطليعة- الطبعة الأولى 1987 (ص22).
  7. ياسن الحافظ- الهزيمة والإيديولوجية المهزومة- دار الطليعة الطبعة الأولى - يوليو 1979- (ص 224-225).
  8. ت- د سعد الدين ابراهيم (منسق الدراسة ومحرر الكتاب) المجتمع والدولة في الوطن العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى تشرين الأول اكتوبر 1988 (ص 186).
  9. د. مسعود ظاهر- لبنان الاستقلال الصيغة والميثاق - دار المطبوعات الشرقية- الطبعة الثانية 1984 (ص215)، انظر ظاهر العكاري"الصحافة الثورية في لبنان (الجزء الأول ص 188).
  10. المصدر السابق (ص 208).
  11. المصدر السابق (ص244).
  12. د. مسعود ظاهر- المصدر السابق (ص246-247).
  13. مهدي عامل في الدولة الطائفية- دار الفارابي 1986 (ص 19) - راجع في هذا المجال. ادمون رباط في كتابه بالفرنسية "التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري" منشورات الجامعة اللبنانية- بيروت 1973.
  14. مهدي عامل- المصدر السابق (ص258).
  15. المصدر السابق (ص24).
  16. د. مسعود ظاهر - مصدر سابق (ص258).
  17. د. غسان سلامه- المجتمع والدولة في المشرق العربي. مركز دراسات الوحدة العربية- الطبعة الأولى ايلول 1987 )ص 138).
  18. المصدر السابق عينه (ص 137).
  19. سامي ذيبان- الحركة الوطنية اللبنانية- دار المسيرة- بيروت- الطبعة الأولى- تشرين الثاني 1977 (ص 93-94).
  20. المصدر السابق (ص100-101).
  21. المصدر السابق ملحق رقم (1)- البرنامج المرحلي للإصلاح السياسي للحركة الوطنية اللبنانية) (ص 372-373)
  22. د. جورج قرم انفجار المشرق العربي- دار الطليعة - الطبعة الأولى كانون الثاني 1987 (ص 123-124).
  23. المصدر السابق (132).
  24. المصدر السابق (ص133).
  25. توفيق المديني- أزمة البرجوازية وطريق الثورة في تونس - دارالزاوية - دمشق الطبعة الأولى نيسان 1989 (ص10).
  26. د. محمد عابد الجابري- اشكاليات الفكر العربي المعاصر- مركز دراسات الوحدة العربية- الطبعة الثانية أيلول 1990 (ص92).
  27. ميشال كامو- الدولة التونسية بين الوصاية والتحرر- جريدة السفير 10/9/1985.
  28. د. المنصف وناس - الدولة والمسألة الثقافية في تونس- دار الميثاق - الطبعة الأولى 1988 (33).
  29. المصدر السابق (ص34).
  30. المصدر السابق (64-65).
  31. المصدر السابق (ص210-211) انظر أيضاً:
  32. La Tribune du Progres, No= 14, Janvier 1965.La Formation CIVIGUE, morale et religieuse dans l,enseignement tunisien, dans IBLA, 1962-3P. 270. Noreddine Sraieb:L aicisation et/ou religiosite, dans l,enseigement secondaire Tunisien in Islam et politique au Magreb editions du CNRS PP231-241.

  33. المصدر السابق (ص185).
  34. عبد القادر الزغل- مقال تونس البورقيبية، الماركسية، الإسلامية، مجلة الواقع العدد الرابع- شباط 1982 (ص97-98).
  35. د. المصنف وناس - مصدر سابق (148) انظر
  36. Ben Selah Hafedh: systeme religieux et systeme politique en Tunisie Memoire de D.E.S Tunis 1973-1974.

  37. د. خلدون حسن النقيب - مصدر سابق (ص 32).
  38. المصدر السابق (ص31-32).
  39. ميشال كامو- مصدر سابق - جريدة السفير 11/9/1985.
  40. المصدر السابق عينه.
  41. توفيق المديني- مصدر سابق (ص27).
  42. ميشال كامو- مصدر سابق جريد السفير 14/9/1985
  43. ميشال كامو- مصدر سابق جريد السفير 12/9/1985.

ميشال كامو- مصدر سابق جريدة السفير 13/9/1985.

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244