المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خامساً: العسكر والتحول نحو "رأسمالية الدولة" وتطوير القطاع العام

مع إدراك عبد الناصر فشل أو استحالة التنمية عن طريق التطور الرأسمالي الليبرالي الذي عماده القطاع الخاص والمنافسة الحرة، وبالتالي تنبهه إلى أن خيار الرأسمالية الكبيرة المحلية في المجتمع الكولونيالي المصري في التنمية الاقتصادية لا بد أن يكون مرتبطاً بالرأسمالية الاحتكارية العالمية ضمن العلاقة الكولونيالية، حيث أن البرجوازية المصرية المتخلفة ليس لها وجوداً طبقياً مستقلاً قائماً بذاته بالمعنى العلمي للطبقة. بل هي كانت الوسيط "الوطني"، أو الممثلة للبرجوازية العالمية. وفي أعقاب الانفصال بين سورية ومصر في أيلول 1961، اعتقد المجتمع السياسي المصري والحركات الغوغائية الذي أطلقها، بأنه بإمكانه شطب وتغييب الأفكار الليبرالية في المجالين الاقتصادي والسياسي، التي تشبع بها جيل كامل من طلائع المثقفين والسياسيين في مصر طيلة المرحلة الماضية. فقدم عبد الناصر يوم 2أيلول 1961 أول نقد رسمي لمفهوم الاتحاد القومي ونظامه: "إذا كان من الحق الآن أن نمارس النقد الذاتي وهو ضروري، فإنه لابد من التسليم بأن التنظيمات الشعبية التي قامت أو جرت محاولات إقامتها بعد الثورة قد عجزت عن تحقيق دورها.." "وفي 16 تشرين أول1961 أعلن قائلاً: "إن التجربة قد أثبتت خطأ تكوين الاتحاد القومي الذي فتح أبوابه للقوى الرجعية وبالتالي لا بد من أن إعادة تكوينه ليكون أداة لثورة الجماهير الوطنية وحدها، صاحبة الحق والمصلحة في التغيير الثوري وقصر عضويتها على العمال والفلاحين والمثقفين وأصحاب المهن، والملاك الذين لا تقوم ملكيتهم على الاستغلال ورجال القوات المسلحة".

ولعل هذا الاعتراف بالخطأ في التجربة، نابع من أن قيادة عبد الناصر قد بدأت تستشعر خطر تشكل طبقة جديدة نشأت حديثاً، وليست بطبقة منتجة بالمعنى الاقتصادي، لأن ليس لها موقع في علاقات الانتاج.

وهذه الطبقة متشكلة من خليط غريب من البيروقراطية العسكرية المتغلغلة في معظم أجهزة الدولة، والتي تصاعدت سطوتها وأصبحت دولة في صلب الدولة، وذلك من خلال احتكارها لمصادر القوة والثروة في المجتمع بواسطة امتصاص جزء من الدخل القومي، الأمر الذي جعل القادة العسكريين يصبحون من كبار الأثرياء. فسيطرة العسكر على أجهزة الدولة المدنية قد مكنه من توظيفها جميعها في خدمة عملية تراكم الثروة لمصلحة قيادات القوات المسلحة، فضلاً عن إفساح في المجال لأقرباء العسكر، وأبنائهم بالعمل بالتجارة والسمسرة، أو الذين غادروا القوات المسلحة بعد حرب السويس العام 1956، ليستفيدوا من غنائم الحرب وليصبحوا رؤساء مجالس الإدارات والمديرين العامين للمصانع. وهناك فئة التكنوقراط التي تمتلك ناحية العلم والمعرفة، وحملة الشهادات الجامعية، الذين يقدمون دراساتهم وخبراتهم وقراراتهم وتوصياتهم لمصلحة الرأسماليين المصريين والأجانب، ويقبضون عمولات منهم، بالإضافة إلى وظيفتهم في الدولة. وهناك فئة من الراسماليين غير المنتجين الذين يقومون بالأعمال الطفيلية كالوساطة والمقاولة والسمسرة مع الشركات الرأسمالية الاحتكارية عن طريق شركات الاستيراد والتصدير والوكالات التجارية.

هذه الفئات جميعاً شكلت طبقة جديدة تمارس عملية النهب المنظم للدولة، ويقول الدكتور عصمت سيف الدولة في هذا الصدد: بأن "هذه الطبقة الجديدة عوقت حل مشكلة الديمقراطية وأجهضت مشروعات الثورة من ناحيتين: الناحية الأولى: احتكارها لاتخاذ القرارات أو تشويه القرارات التي تتخذها قيادة الثورة وتوجيهها في التنفيذ إلى ما يتفق مع مصالحها والحيلولة بذلك دون أن تسهم الجماهير الشعبية في اتخاذ القرارات. بمعنى أنها أصبحت طبقة فوق الشعب وتحت القيادة، وعازلة بينها، لا تعلم القيادة من إرادة الشعب إلا ما تريده تلك الطبقة ولا يستفيد الشعب في الاتجاه الديمقراطي للقيادة إلا بالقدر الذي تريده تلك الطبقة وفي حدوده..

"وفي الريف كما في المدن -وببساطة قام الملاك والرأسماليون الطفيليون وأعوانهم من البيروقراطيين والانتهازيين المعشعشين في أجهزة الدولة أو "المتشعبطين "عليها بتنفيذ المشروعات الديمقراطية: هم الذين اختاروا أعضاء الجمعيات التعاونية الزراعية من خدمهم أو تابعيهم وأنضم إليهم المشرفون الزراعيون كممثلين للبيروقراطية ومديرو فروع بنك التسليف الزراعي والتعاوني كممثلين للرأسمالية، وسماسرة وتجار المحاصيل والأسمدة والبذور وعلف الماشية كممثلين للطفيليين، وسخروا الجميعات التعاونية لأغراضهم فاستولوا على البذور والأسمدة والأعلاف والسلف بأسماء وهمية وضاربوا على احتياجات الفلاحين، وحولوا الريف كله إلى أسوأ سوق سوداء. فلم يستفد الفلاحون مما أنشأت لهم الثورة شيئاً يذكر ووجدوا أنفسهم وقد تحرروا من الاقطاعيين وتحصنوا ضد الطرد من الأرض أسرى قوة جديدة لا تمكنهم من زراعة الأرض إلا بعد أن تستنفذ طاقتهم وتستولي على محاصيلهم فظلوا كما كانوا -تقريباً- ولو أن السادة قد تغيروا، ثم أن هذه الطبقة الجديدة هي التي أنشأت وشكلت وقادت هيئة التحرير. وهي التي أنشأت وقادت الاتحاد القومي (وكان أحد اقطاعيي الصعيد عضواً في اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد القومي أما كيف وصل فلا أحد يدري)"(44).

وبعد فشل التنمية الرأسمالية في مصر واكتشاف عبد الناصر العلاقة بين الامبريالية وركائزها في الداخل، أي هذه الطبقة الجديدة، ونقده الرسمي لتجربة التساهل مع العدو الداخلي أقر المؤتمر الوطني للقوى الشعبية الذي عقد في مايو 1962 الميثاق الوطني للاتحاد الاشتراكي الذي بلور فيه الخط الايديولوجي للثورة عبر تبنيه "الاشتراكية العلمية"، باعتبارها الأساس النظري والايديولوجي الذي تقوم عليه الدولة وحزبها: "الاتحاد الاشتراكي"، حيث اعتقد عبد الناصر نفسه أن غياب هذا الأساس الايديولوجي كان إحدى النقائص الرئيسية في نظام الاتحاد القومي.

وقد جاء إقرار الوثيقة الأيديولوجية للاتحاد الاشتراكي في أعقاب حركة التأميمات الواسعة التي جرت في يوليو 1961، واختيار طريق التطور في إطار رأسمالية الدولة، حيث أن هذه التأميمات لم تكن محصورة فقط في البنوك والشركات الصناعية والمؤسسات التجارية وشركات الخدمات الأساسية، بل تعدتها أيضاً إلى "تأميم" الصراع الاجتماعي والسياسي، وذلك من خلال القضاء على الأحزاب السياسية المنظمة، واستبعاد فكرة تشكيل أحزاب سياسية جديدة، واستبعاد المفاهيم التي لها علاقة بتشكل الطبقات والصراعات الاجتماعية وتعبيراتهما السياسية والأيديولوجية والثقافية.

وفي ظل عملية الاقصاء المدروسة للقوى الاجتماعية والسياسية المنظمة، وهيمنة الدولة على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية باطلاقية، أنشأ العسكر تنظيمه المصطنع الخاص به، وهو الاتحاد الاشتراكي. وهذا الإطار السياسي الجديد هو بمنزلة تنظيم سياسي فضفاض، يقوم على صيغة تحالف قوى الشعب العاملة مستبعد من إطاره الطبقة البرجوازية المالكة القديمة التي تم تصفية مصادر قوتها بفضل الإجراءات الاشتراكية بسبب رفضها المشاركة في المهام التي أوكلها إليها حكم العسكر، وهو تنفيذ 25 في المئة من برامج الخطة الخمسية سنوياً مقابل اضطلاع القطاع العام بـ75 في المئة، وكذلك كبار ملاك الأراضي الزراعية الذي خفض قانون الاصلاح الزراعي الثاني الحد الأعلى لملكيتهم الفردية إلى 50 فداناً فقط. وكان صدور قانون يناير 1962 قد جرد هذه الطبقة والفئات المالكة القديمة من حقوقها السياسية ومنعها من العمل السياسي لمدة عشر سنوات، ومنعها بعد ذلك من عضوية الاتحاد الاشتراكي.

 

 

 

 

 

 

رقم القوانين

محتوى القوانين

التاريخ

117

تأميم جميع البنوك وشركات التأمين ومنشآت أخرى بلغ عددها 489 منشأة وشركة ومصنعاً

20يوليو 1961

118

اشتراك الدولة بحصة لا تقل عن 50في المئة من منشآت وشركات ومؤسسات بلغ عددها 384 بمقتضى قرارات وقوانين لاحقة أخرها القانون رقم 80لسنة 1963

20يوليو 1961

119

تحديد عشرة آلاف جنيه كحد أقصى لملكية أي فترة في أي مجموعة من الشركات

20يوليو1961

150

تصفية الحراسات وتأميم كافة الأموال الموضوعة تحت الحراسة

1964

127

خفض الحد الأقصى للملكية الزراعية للفرد وأسرته (زوجته وأولاده القصر) من 300 فدان إلى 100 فدان بما فيهم الأراضي البور والأراضي الصحراوية (المادة10) وحرّم هذا القانون على أي مالك لأي أرض مهما كان مقدارها أن يحوز هو وزجته وأولاده القصر بطريقة الايجار أو وضع اليد أو بأية طريقة أخرى أكثر من خمسين فداناً كما حرم الوكالة في إدارة أو استغلال الأراضي الزراعية وما في حكمها ما يزيد على هذا القدر (المادة 7) وبذلك أجبر من يملكون أكثر من خمسين فداناً على تأجير الزيادة لصغار المزارعين فقضى بشكل أساسي على الرأسمالية الزراعية.

 

15

تحريم ملكية الأجانب للأراضي الزراعية إطلاقاً

1963

82

منع توزيع الأراضي المستولى عليها والمزورعة حدائق على خريجي المعاهد الزراعية

1963

 

 

 

 

 

 

104

إن الأراضي الزراعية التي تم الاستيلاء عليها طبقاً لاحكام المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952، والقانون رقم 27 لسنة 1961 المشار إليها تؤول ملكيتها إلى الدولة "بدون مقابل".

23آذار 1964

111

تخصيص 25 في المئة من أرباح الشركات المساهمة للموظفين والعمال (10في المئة عند توزيع الأرباح و5في المئة للخدمات الاجتماعية والإسكان و10في المئة لخدمات اجتماعية مركزية للموظفين والعمال).

19يوليو 1961

114

لا يزيد عدد أعضاء مجلس الإدارة في أية شركة أو مؤسسة على سبعة أعضاء من بينهم عضوان منتخبان عن الموظفين والعمال، ثم سرى هذا القانون على الجمعيات التعاونية بالقانون رقم 56سنة 1964

19يوليو 1961

133

تحديد ساعات العمل للعمال، فجعلها 42ساعة في الأسبوع مع يوم راحة بعد أن كانت 48ساعة

27يوليو 1961

175

عدم تأثر الأجور بتحديد ساعات العمل

7نوفمبر 1961

94

السماح بالتفرغ للعمل النقابي

1962

938

إباحة حق تكوين النقابات لعمال الحكومة والمؤسسات العامة والوحدت الإدارية ذات الشخصية الاعتبارية المستقلة فيما عدا المؤسسات التابعة لوزارة الحربية

1912

62

إعطاء اللجان النقابية الشخصية الاعتبارية في حدود اختصاصها لتمكينها من تمثيل العمال في كل موقع عمل على حدة بدون حاجة إلى النقابة العامة

1964

34

وقف مباشرة الحقوق السياسية ومنها حق الانتخابات لمدة عشر سنوات إلى من: (أ) أجيز وضعهم تحت التحفظ الإداري بمقتضى القرارات الصادرة عن قيادة الثورة في 22يونيو 1956. (ب) الذين اتخذوا قبلهم أحد التدابير المشار إليها في البندين 6-7 من المادة 3 من القانون رقم 533لسنة 1954 في شأن الاحكام العرفية أو البندين 1-4 من المادة 3من القانون رقم 612 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ، وذلك خلال الفترة ما بين 23 يونيو1956 وتاريخ العمل بهذا القانون أي تاريخ نشره في 26 يناير 1963.(جـ) الذي تحددت ملكيتهم الزراعية استناداً إلى المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952 الخاص بالاصلاح الزراعي. (د) الذين تحددت ملكيتهم الزراعية استناداً إلى القانون رقم 27 لسنة 1961 الخاص بالاصلاح الزراعي أيضاً.

1962

هل كان الاتحاد الاشتراكي تنظيماً طليعياً واعياً يمتلك برنامجاً لانجاز ثورة قومية ديمقراطية جذرية، ويناضل لإقامة سلطة الشعب الديمقراطية.ويعمل على تمثيل مصالح العمال والفلاحين الفقراء وشرائح الطبقة الوسطى وتحقيق أهداف الطبقات والفئات الاجتماعية في المجتمع المصري؟

في البداية لابد من الاقرار بأن الاتحاد الاشتراكي ليس حزباً ولا جبهة وطنية، وإنما هو تنظيم وحيد أيضاً، وهو بمنزلة سلطة سياسية تعلو السلطات الثلاث، ويحمل طبيعة أيديولوجية مغايرة للاتحاد القومي. ولم يكن مشاركاً مشاركة فعالة من خلال نضال شعبي وديمقراطي في التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر. ومع ذلك فقد حدد الميثاق العلاقة النظرية بين الديمقراطية وسيادة الشعب، والاشتراكية، حيث أكد على أن "الديمقراطية هي توكيد السيادة للشعب ووضع السلطة كلها في يده، وتكريسها لتحقيق أهدافه. والاشتراكية هي الحرية السياسية، والاشتراكية هي الحرية الاجتماعية، ولا يمكن الفصل بين الاثنتين، إنهما جناحا الحرية الحقيقية". كما نص دستور العام 1964 في المادة الثالثة على مايلي "أن الوحدة الوطنية التي صنعها تحالف قوى الشعب الممثلة للشعب العامل وهي الفلاحون والعمال والجنود والمثقفون والراسمالية الوطنية، هي التي تقيم الاتحاد الاشتراكي العربي، ليكون السلطة الممثلة للشعب والدافعة لامكانيات الثورة، والحارسة على قيم الديمقراطية السليمة". كما نص أيضاً على "أن الجمهورية العربية المتحدة دولة ديمقراطية تقوم على تحالف قوى الشعب العامل". ونصت المادة التاسعة على "أن النظام الاقتصادي للدولة هو النظام الاشتراكي". على الرغم من أن العمال والفلاحين والجنود المصريين هم الرافعة الأوسع بين الطبقات والفئات الشعبية في التحول الاقتصادي والاجتماعي إلى الاشتراكية، حتى أن البعض اعتبر هذا التحول بأنه كان يمثل "تحولاً نحو اليسار" إلا أن الدور التاريخي القيادي في هذا التحول لم يكن لقوى التحالف الثوري الآنف الذكر، الذي يمثل الشرط الضروري لتحقيق ضرورة الانتقال من البنية الاجتماعية المصرية التي قاعدتها التأخر التاريخي إلى البنية الاجتماعية الاشتراكية. فوجود العسكر في القيادة الطبقية لمرحلة التحولات هذه، وتبعية الاتحاد الاشتراكي لجهاز الدولة الذي تضخم دوره بشكل غير طبيعي في ممارسته السياسية، وعجز الطبقة الوسطى من أن تتحول إلى طبقة مهيمنة لأنها لا تحمل في صيرورتها الطبقية نظاماً من الانتاج الاجتماعي مغايراً لنظام الانتاج الكولونيالي السائد في مصر، على الرغم من ادعائها بأن تنتهج الاشتراكية العلمية، ولعجزها أيضاً عن بناء حزب سياسي خاص بها يكون لها في ممارسة السلطة السياسية أداة مستقلة عن جهاز الدولة الذي يسيطر عليه العسكر والمخابرات، أعطى لهذه المرحلة من مراحل الثورية التحررية في مصر طابعاً تاريخياً يختلف كل الاختلاف عن الطابع الذي كان يمكن ان يعطيه إياها وجود حزب سياسي ثوري في قيادة هذا التحالف الطبقي الثوري، يمتلك مشروعاً لتنظيم الجماهير الشعبية نفسها على أسس ديمقراطية، التي لها مصلحة في مواجهة الإمبريالية، ووجودها المستمر في وجود علاقات الانتاج الاجتماعية الخاصة بالبنية الاجتماعية التابعة والمتخلفة، لكسر القيود اللاجمة لتحررها، ولبناء الدولة الديمقراطية، حيث أن هذه المواجهة الثورية تشترط وجود الحزب الثوري نفسه كنقيض مباشر لجهاز الدولة البيروقراطي العسكري.

ويشير الدكتور نزيه نصيف الأيوبي بوضوح إلى هذه النقطة حين يؤكد على الطابع البيروقراطي للاتحاد الاشتراكي المتزايد كثيراً على المألوف، حيث "ظهر هذا الطابع البيروقراطي منذ اللحظة التي أنشئ فيها الاتحاد. فالخبرة السياسية تشير إلى أن المعتاد في نظام الحزب الواحد هو أنها تنشأ حول حزب طليعي أو حركة شعبية أو وطنية تتكون من القاعدة إلى القمة في أثناء وجودها خارج الحكم -ثم تتطلع إلى الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات أو عن طريق القوة. فإذا كان هذا الحزب ينوي التغيير الراديكالي وليس مجرد قبول الأمر الواقع فإن الأغلب أن يتم بناء مثل هذا الحزب في خضم "كفاح" معين يمكن أن يخدم كمعيار لقياس الإخلاص والحماس والقيادية، ويمكن من خلاله اختيار القيادات وتصعيدها، فإذا نظرنا إلى الاتحاد الاشتراكي نجد أنه على خلاف كل ذلك قد نشأ في أثناء وجود منشئيه في الحكم، ومن دون أية نواة سياسية سابقة، وإنما عن طريق القرارات "السلطوية" الصادرة من أعلى"(45).

ولا يمكن إنكار الضمانات التي قررها الميثاق من كفالة الحد الأدنى لتمثيل العمال والفلاحين بنسبة 50في المئة على الأقل باعتبارهم أغلبية الشعب التي طال حرمانها من حقوقها الأساسية، بوصفها أسلوباً ديمقراطياً لمعالجة قضايا التأخر التاريخي، والدور الذي لعبته الدولة في مجال تنفيذ خطط التنمية الاقتصادية (60-1961 -64-1965) وزيادة الدخل القومي، وتوظيف المدخرات القومية في تمويل الاستثمارات الكبيرة، وإعادة توزيع ثروة الطبقات الغنية على الطبقات الدنيا، وزيادة نصيب الفرد من الدخل القومي، وهي كلها تدخل في نطاق مكتسبات الحرية الاجتماعية والتحرر الاقتصادي، والمساواة الاجتماعية. غير أن حل مشكلة الديمقراطية السياسية لجهة إفساح في المجال للحرية السياسية لكي يتمتع بها الشعب، كان مصيره الفشل الذريع، لأن الخطاب الذي يجسده العسكر في البلاد العربية عامة، ومصر بخاصة، يتحدث عن الديمقراطية بمفهومها الشعبوي Populiste والأخلاقي المجرد، وهو لا يطرح سيادة الشعب كإحدى ركائز الديمقراطية السياسية بمفهوم المشاركة السياسية في إدارة شؤون الحكم بل بمفهوم النيابة الضمنية عنه، وانتداب العسكر لتمثيله.

فالمرحلة الديمقراطية على الصعيدين الوطني والقومي، كمرحلة ضرورية في الحركة الثورية التحررية لبناء دولة الحق والقانون والمجتمع المدني، تتحدد كمرحلة انتقال تاريخي من نظام إنتاج كولونيالي إلى نظام إنتاج ذي أفق اشتراكي، أي كمرحلة انتقال من زمان تاريخي خاص ببنية اجتماعية متخلفة وتابعة وغير ديمقراطية إلى زمان تاريخي خاص ببنية اجتماعية متحررة، تقوم على ركيزتين الديمقراطية والاشتراكية. بينما في ظل وجود قيادة العسكر للدولة والمجتمع وهيمنتها على هذا التحالف الطبقي الثوري من الشعب، ينتفي وجود هذه المرحلة الديمقراطية الوطنية في الحركة الثورية للشعب العامل، لأن عملية الربط الضرورية بين الديمقراطية السياسية التي تتطلب المشاركة السياسية من جانب الشعب، والديمقراطية الاجتماعية، اصطدمت بعوائق بنيوية سياسية وتاريخية في فلسفة ممارسة العسكر للحكم، أدت في المحصلة النهائية إلى عملية القطع التاريخي بين طرفي المعادلة الديمقراطية، ولم تطرح المسألة الديمقراطية نفسها على مستوى الأولويات في برنامج عبد الناصر. "وبغياب الحد الأدنى من الحريات الديمقراطية لم يكن لجماهير عبد الناصر القدرة لخوض معركة الدفاع عن مكتسباتها، وأصبح الاستبداد السياسي أداة تصفية لهذه المكتسبات فالشرعية التي كانت لسلطة عبد الناصر المستمدة من الشخصية القيادية الكارزمية زمن الخطاب القومي والشعبوي، بدأت تفقد زخمها ومبررها مع هزيمة 1967 على رغم كل التمييز بين شخصية القائد وجهاز القيادة والحكم" (46).

كان من الطبيعي أن يكون للاتحاد الاشتراكي بوصفه التنظيم الذي يضم في تشكيلاته الحزبية تحالف قوى الشعب العامل من جماهير العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين والجنود والرأسمالية الوطنية دور أساسي في ايجاد الترابط الضروري بين الديمقراطية السياسية وبين التحرر الاجتماعي للطبقات الشعبية. غير أن هذا الدور كان يقتضي من الاتحاد الاشتراكي أن تتوفر فيه السمات التالية كونه قوة جديدة من بين قوى متعددة من المجتمع المدني، يشارك في تثوير الحركة السياسية، وتطوير النقابات للعمال والفلاحين وتكوين المنظمات الشعبية، ويسعى لتجسيد إرادة قوى الشعب العامل في الثورة الديمقراطية والتحول نحو الاشتراكية أولاً. وأن يكون حزباً ديمقراطياً في تكوينه، من حيث الالتزام بالقيم الديمقراطية وممارسة التقاليد الديمقراطية، ومن حيث إيمانه بتكوين تحالف القوى الوطنية في إطار جبهة عريضة لخوض عملية الصراع الكبير من أجل تحقيق ثورة عميقة في بنية المجتمع المصري، وتحرره من التبعية والتخلف، وتحرر المواطن فيه من قيود الاضطهاد والاستغلال والجوع والجهل والحاجة والبطالة، وكل ما يمس كرامة الإنسان، وتفسح في المجال للطبقات الشعبية ضمان التمثيل السياسي والنقابي في مجالس إدارة الشركات والمؤسسات وعضوية مجلس الأمة (البرلمان)، وفي غيرها من الهيئات التي تتكون بالانتخابات ثانياً.

لكن الاتحاد الاشتراكي العربي الذي أنشأ حلف "البيروقراط العسكري -الرأسمالي" لم يكن يتسم بهذه المواصفات، ويذكر على صبري في هذا الصدد في اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي في 26 كانون الأول 1967 مايلي "لا شك أن الوضع السياسي الداخلي لدينا غير عادي، إذ أن المفروض أن لكل دولة حزبها السياسي، ولايعتبر الاتحاد الاشتراكي العربي رغم تنظيماته الممتدة منالقاعدة إلى القمة حزباً سياسياً بالمعنى الصحيح.. وقد أهتمت الثورة فعلاً بهاتين الفئتين وأعطت منذ قيامها -رغم عدم وجود حزب سياسي- حقوقاً كبيرة لكل من العمال والفلاحين، ولكن هناك حقاً رئيسياً لم تعطه الثورة لهما، وهو حق المشاركة والمساهمة، لم يشعر العمال والفلاحون في يوم ما -رغم سعينا الدائم لتوفير حقوقهم- أنهم يشاركون فعلاً ويساهمون بشكل إيجابي في هذا الحكم"(47). ويقول فريد عبد الكريم في الموضوع عينه "ارتبطت سلبيات يوليو... بطبيعة نشأتها التاريخية، أي ببدايتها كطليعة عسكرية... وأخيراً فإنها عجزت وهذا أمر طبيعي عن تكوين حزب ثوري وهي في السلطة. لأن الفرز للعناصر والخامات الثورية لم يكن ممكناً على الاطلاق. غير أنه من الثابت أن هذه السلبيات كانت مرتبطة بضراوة الصراع الخارجي الذي واجهها، وأيضاً لضراوة المواجهة مع الرجعية في الداخل"(48).

وفيما يتعلق بممارسة الاتحاد الاشتراكي سياسة الوصاية والمصادرة للمهمات والحقوق السياسية لقوى تحالف الشعب العامل، يقول طارق البشري "فقد ربط كل هذه الحقوق والأوضاع السياسية الاجتماعية الجديدة بالاتحاد الاشتراكي بوصفه التنظيمي، وتضمنت مجموعة القوانين ذاتها القول معه بأن كل منصب انتخابي في التشكيلات المتنوعة قد شرطت عضوية الاتحاد الاشتراكي لامكان الترشيح فيه ولامكان كسب عضويته. ولهذا تحولت عضوية الاتحاد الاشتراكي من قوة سياسية مؤازرة إلى "شرط صلاحية قانونية" وصار الاتحاد تنظيماً قابضاً ينبغي كسب عضويته كشرط قانوني لممارسة المواطنين حقوق المواطنة، ومن أهم هذه الحقوق حق الترشيح في المجالس والمناصب المنتخبة، أي استوعب الاتحاد الاشتراكي قسماً هاماً من الحقوق السياسية التي تترتب على الجنسية أصلاً.

لقد صارت عضوية الاتحاد الاشتراكي شرطاً فيمن يرشح لعضوية مجلس الأمة (القانون 58 لسنة 1963 معدل بالقانون 47 لسنة 1964) كما صارت شرطاً لعضوية مجلس إدارة الجمعية التعاونية وذلك بقرار وزير الزراعة رقم 165 لسنة 1961، فلما اعترض مجلس الدولة على أن يضاف هذا الشرط بقرار وزاري، صدر القانون 87 لسنة 1964 متضمناً هذا الشرط، ومضيفاً إليه حكماً يسقط عضوية مجلس الإدارة عمن فقد أياً من الشروط الترشيح ومنها عضوية الاتحاد الاشتراكي، وصارت عضوية الاتحاد شرطاً لعضوية مجالس إدارة النقابات العمالية والنقابات المهنية. كما أن قانون نظام الإدارة المحلية رقم 134 لسنة 1960 والمعدل برقم 151 لسنة 1961 وبرقم 54 لسنة 1963 كان يشترط عضوية الاتحاد القومي فيمن يشكلون العنصر المنتخب في المجالس المحلية بالمحافظات والمدن والقرى، واستبدل بهذه العضوية عضوية الاتحاد الاشتراكي بالقانون 65 لسنة 1964 وكان ذلك على طريقة أن فقد عضوية الاتحاد تقيد اسقاط العضوية في المجالس المحلية"(49).

وهكذا تحول الاشتراكي العربي إلى جهاز بيروقراطي مع خلو ساحة العمل السياسي الوطني والديمقراطي من تكوينات ومؤسسات المجتمع المدني، كالأحزاب السياسية والنقابات العمالية وجميعات حقوق الإنسان والمنظمات الشعبية والحركات الاجتماعية المستقلة. لكي يصبح الاتحاد الاشتراكي هو الساحة الوحيدة، التي يمكن فيها للشعب أن يتلائم مع الدولة التسلطية، اقتناعاً، أو خوفاً، أو نفاقاً، والسبيل الوحيد الذي يمكن أن تتحرك فيها دائرة المطالب السياسية والديمقراطية بكل ما تتضمنه من صراعات طبقية ودوافع وطنية، وامتدادات قومية، تتم داخل الإطار عينه، وتحت رقابة أجهزة المخابرات.

وقد لا يخلو الأمر من وجود طليعة مخلصة داخل الاتحاد الاشتراكي مؤمنة بضرورة تحقيق الديمقراطية داخل إطار التنظيم، وفي علاقته مع تيارات المعارضة والشعب، وتعميق التحول الاشتراكي. غير أن تموقع تنظيم الاتحاد الاشتراكي في دائرة سيطرة حكم العسكر الذي يمارس الاحتكار الأعمى للسلطة، وللقرار السياسي عن طريق استيلائه المطلق على أجهزة الدولة، ودفع الزعامة الفردية الوحيدة للرئيس جمال عبد الناصر بأنها تقف في أعلى الأعالي، حرم تلك الطليعة والمواطنين المخلصين من حقهم في حرية الرأي وممارستهم حقهم الانتخابي، وتكوين معارضة تتبلور حولها الاتجاهات المختلفة التي يمكن عبر الصراع السياسي الديمقراطي أن تحدد المسار الصحيح للمستقبل، وتصلح الأخطاء، وتوقف الانجراف.

ومع فقدان الديمقراطية وغياب الانتخابات في عموم تشكيلات التنظيم وسيادة التعيين للقيادات والكوادر المهيمنة على اللجنة التنفيذية، والأمانة العامة، ولجان المحافظات. في الوقت الذي زاد أعضاء التنظيم عن سبعة ملايين، أصبح الاتحاد الاشتراكي يمارس أساليب تنظيم الأجهزة الأمنية بما أن له سلطة إدارية على الحركة السياسية التي قننت الحياة السياسية في مصر عن طريق دمج الوظيفة السياسية في أجهزة الأمن، بحيث تخضع خضوعاً كاملاً لمصالح العسكر وأمزجة أجهزة الدولة التسلطية التي أصبحت قوامة على ما يمكن أن تقوم به الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية من وظائف سياسية، وتزج المعارضين السياسيين في السجون دون أسباب قانونية، وتحتفظ بهم هناك ماشاء ساجنوهم، دون احترام نصوص القوانين المعمول بها، ودون الاهتمام باحترام أي قانون أو تقليد، وتحارب كل رأي مخالف حتى ولو كان داخل الاتحاد الاشتراكي أو من القيادات العسكرية اليسارية، وتقوم بتصفية كل القوى الحليفة والمنافسة والمعادية. وكانت الأجهزة الامنية تسعى إلى انتهاج نهج القمع والقتل وفرضه مذهباً في الحياة، وتأمين الموافقة عليه اجتماعياً، والتنظير له سياسياً، وذلك من خلال عملية الدمج هذه بين أجهزة الأمن والضبط وبين المهام السياسية. بحيث "يكون من الطبيعي أن تصطبغ السياسات في التطبيق بالطابع الأمني، بحسبان ما تحمله السياسات المنفذة من طابع العناصر البشرية التي تجري النشاط، وهي عناصر مدربة فنياً ومهنياً على موجبات حفظ الأمن. بأساليبها الخاصة في استطلاع المعلومات وفي المبادرة بعلاج الأوضاع بالتدابير الضبطية...ومن المنطقي والضروري أن تنشط أجهزة الدولة في مواجهة الجريمة بأسلوب السعي لاجتثاثها وتصفيتها. وبهدف الاستئصال والبتر للجريمة والمجرمين. ولكن سيطرة هذا المنطق على نشاط الدولة في مواجهتها لتيارات المعارضة السياسية هو ما صار خصيصة نجمت عن هذا الدمج بين السياسة والأمن، أو قيام أجهزة الأمن بالوظائف السياسية. ومن نافلة القول الحديث عن الواضحات بشأن التفرقة بين المعارضة السياسية وتوجهاتها الاجتماعية والفكرية المتباينة في المجتمع والتي تواجه بالعمل السياسي وطرح البدائل حول توجهات المجتمع والدعوة لأي منها حسبما تؤديه الأجهزة السياسية، التفرقة بين هذه الأمور وبين المؤامرات الجنائية السياسية، كقضايا التجسس والاغتيالات ونحوها ما يكون لأجهزة الأمن الدور الأساسي في كشفها وتصفيتها. هذه التفرقة لم تقم في النشاط السياسي الأمني المندمج. سواء من حيث الأجهزة القوامة على النشاط أو حتى حيث الفكرية التي تولدت عن اندماج النشاطين"(50).

والواقع أنه في ظل البنية الأحادية التي تتشكل منها الدولة الناصرية التي تقوم على مبدأ الزعيم الكاريزمي. ليس هناك مجال لبناء تراتبية في جسمها السياسي. فالثقة الشعبية المطلقة التي كان يحظى بها الزعيم جمال عبد الناصر لا يرقى إليها شك من حيث التأييد السياسي لنهجه الوحدوي، ولبنائه نموذج من التنمية المستقلة، والتعاطف الوجداني من جانب الشعب العربي، ليس داخل مصر فقط، وإنما من المحيط إلى الخليج. ومع ذلك فإن هذه الثقة الشعبية لم يتم ترجمتها مؤسسياً وسياسياً عن طريق تأصيل حكم ديمقراطي وإقامة علاقة مباشرة مع الشعب، عبر تقوية سلسلة من المستويات الوسطية كالأحزاب السياسية الفعالة، التي تلتزم بأهداف الشعب وتعمل على تكوين الجبهة القومية المتحدة، وإقامة أوثق العلاقات مع قواها السياسية والنقابية والشعبية، وتجسيد مقولة تحالف قوى الشعب العامل الذي تفرضه المعطيات الموضوعية، مثل انجاز الثورة الديمقراطية، وتحقيق الوحدة العربية، وتجذير خيار التنمية المستقلة. ومن الناحية الذاتية؛ ضعف الجسم السياسي، وهشاشة المجتمع المدني الوليد اللذان لا يعالجهما، إلا توفر الديمقراطية والأمان، والحماية ليس داخل الاتحاد الاشتراكي فقط، وإنما بتنمية كل إمكانيات التفاعل والحوار والمناقشة الديمقراطية بين قوى التحالف لاتخاذ القرارات على أسس ديمقراطية وبالأكثرية.

فوحدة قوى التحالف الثوري على أرضية التعدد والإختلاف والتعارض، وتفاعلها، ضروريان ما دامت هناك أحزاب ودولة، وسيظلان ضروريين لصنع القرار، وكيفية تنفيذ القرار، على أساس من الوظيفة الحزبية في نقل اتجاهات الرأي العام إلى القيادة المركزية للدولة، من خلال معايشتها للقواعد الشعبية، وتحسس آلامها، ومن حيث أن الحزب سواء كان في السلطة أو في المعارضة هو صلة الوصل بين الجماهير والقيادة، ينقل عنها وينقل إليها. وكان لغياب فكرة السماح بقيام أحزاب المعارضة الحقيقية، لا الحزب المعارض الصوري الذي تصنعه الدولة، وغياب العلاقة بين الزعيم عبد الناصر والجماهير عبر وجود حزب ثوري قادر على "معرفة النبض الصحيح لرغبات الشعب. وقادر في نفس الوقت على اكتساب ثقة الشعب"، لا تلك العلاقة (اللاسلكية) التي تجعل الجماهير تحتشد حول المذياع أو التلفزيون لسماع خطبه، أنّ تركز العمل السياسي في أجهزة الأمن السياسي، التي تعددت دوائرها بحكم انطوائها على شبكة بالغة التعقيد والامتداد من العملاء، والتي أوكلت إلى كل دائرة فيها أن تراقب الأحزاب وتتجسس عليها، وبحكم تقارب أنشطتها فيما بينها، وعدم انضباطيتها، وتقزمت بذلك الوظائف السياسية للأحزاب السياسية، ولمؤسسات الدولة الأخرى، وضعفت فاعليتها السياسية، وأصبح دورها ومشاركتها في صنع القرار وفي اتخاذ القرارات يكاد يكون معدوماً. لأن الرئيس عبد الناصر يتلقى التقارير من أجهزة الأمن التي تنقل له ما يجري في الساحة السياسية والجنائية من معلومات متعددة ومختلفة، أو محاولات ارتكاب جرائم أمنية. وبذلك اختزلت قضية السيادة الشعبية في دور أجهزة الأمن السياسية في صنع القرار، وفي القيادة المركزية، والقائد الفرد لعبد الناصر، الذي اكتشفت في غير مناسبة انحسار سلطته مع تضخم أجهزة الأمن البيروقراطية بكل عسفها وبطشها، وازدياد تأثيرها الفعال في اتخاذ القرارات السياسية عبر استجابة الحاكم للقرارات المقترحة إليه، بحيث أصبحت لهذه الأجهزة أهداف سياسية خاصة بها، ومتميزة عن سياسات الدولة الناصرية. "ومن ناحية أخرى، فإن هذا الصنيع المتكرر من أجهزة الأمن، كان يسوغ للنظام عامة الإجراءات الاستثنائية التي اعتاد على الحكم بواسطتها ويبرر له استبقاء سلطاتها وصلاحياتها. ثم هو صنيع كان يدعم الفكرة السياسية التي صارت من جذور الفكر السياسي السائد في هذه الحقبة، وهي أن قيام أي نوع من أنواع المعارضة السياسية المنظمة يهدد أمن السياسيات الوطنية ويهدد بقاءها ويؤذي فاعليتها سواء من جوانبها السياسية أو الاقتصادية. "ولا يبدو أن هذه الأوضاع كان من الممكن تفاديها ما بقي الإطار العام للسلطة على حاله، لا من حيث التفرد على رأس النظام السياسي والدولة فقط، ولكن من حيث ما يضاف إلى هذه الظاهرة ويزيدها خطورة وتعقيداً من شمولية النظام واستيعابه كل جوانب النشاط السياسي والاجتماعي في الديار المصرية.(51).

وفي السياق عينه، أي سياق استعمال القوة المنظمة للدولة وشرعيتها كسلطة، بالقضاء أو السيطرة على كل أشكال المعارضات السياسية يقول الدكتور خلدون حسن النقيب "أضف إلى ذلك أيضاً التوسعة الكبيرة التي طرأت على أجهزة الدولة "والمباحث واستعمال بعبع "الأمن القومي" أو "أمن الدولة" كذريعة لمأسسة العنف المسلح والإرهاب المنظم الذي يمارسه العسكر عن طريق استيلائهم على، واحتكارهم، أجهزة الدولة والنظام السياسي. لقد كان من نتائج هذه الإجراءات محاولة العسكر استيعاب عملية التسييس- والتجذير وتوجيهها بما يخدم مصالحهم الخاصة وترسيخ حكمهم بشكل خاص، وبهذه الطريقة يتضح كيف أن العسكر باستعمالهم هذه الإجراءات عزلوا عامة الشعب وقواه وتنظيماته عن كل مشاركة شعبية في الحكم، وكيف كان العسكر يتخذون القرارات المصيرية في السر ثم يعلنونها بشكل مفاجئات بهلوانية، وهكذا اقتصر دور السكان على التأييد والتهليل والتطبيل والتزمير"(52).

سادساً: العسكر ونموذج بناء الدولة الناصرية

على الرغم من وصول الطبقة الوسطى إلى الحكم وامتلاك الفئة العليا منها -أي فئة البيروقراطية التكنوقراطية المتحالفة مع العسكر -سلطة الدولة في معظم البلاد العربية التي حكمها العسكر، ووجودها كطبقة مسيطرة في علاقة موضوعية من العداء مع المراكز الرأسمالية الامبريالية الغربية والكيان الصهيوني، سمحت لها بأن تكون قائدة لحركة التحرر الوطني العربية في مرحلة من مراحل تطورها التاريخي، وسعيها المستمر إلى إعادة تنظيم المجتمع وفق تدخل الدولة كفاعل رئيسي في توجيه وإدارة الاقتصاد وانتهاج نمطاً من التنمية لا رأسمالياً، أي نمطاً من التحديث البيروقراطي لأجهزة الدولة المدنية والعسكرية المختلف كلياً عن نمط التحديث الرأسمالي الذي تدعو إليه الليبرالية الاقتصادية الغربية، ولكنه يتبع النموذج "الاشتراكي" الذي يفسح في المجال للدولة لكي تسيطر على معظم القطاعات الانتاجية من خلال ملكية القطاع العام، رغم كل ذلك، فإن هذه الطبقة الوسطى التي قامت بالفعل بدورها الوطني والقومي من العداء للإمبريالية وقعت في تناقض مأزقها الطبقي الضروري الذي لا خروج لها منه، ويتجسد هذا التناقض المأزقي التاريخي على النحو التالي: في كون الطبقة الوسطى هذه، التي قادت عملية التحرر الوطني، وجاهرت بالعداء للامبريالية والصهيونية خلال الخميسنات والستينات، ووضعت حداً للتجربة الليبرالية الاصلاحية، وجردت أملاك البرجوازية وكبار الملاكين العقاريين من أملاكهم ومن السلطة السياسية وحلت محل البرجوازية الكولونيالية التقليدية في عملية من الاستبدال الطبقي، لم تستطع أن تقود عملية التحرر الوطني إلى مبتغاها الراديكالي من خلال كسر بنية علاقات الانتاج الكولونيالية، وتحويلها جذرياً، حيث أن القاعدة المادية لبقاء السيطرة الامبريالية وركائزها الداخلية في البلاد العربية تكمن في بقاء علاقات الانتاج الكولونيالية هذه، والتي تشكل بدورها الأساس البنيوي الذي تقوم عليه التبعية الطبقية بين الطبقة الوسطى العربية والمراكز الرأسمالية الامبريالية.

لقد كثر حديث الطبقة الوسطى بفئاتها العسكرية والسياسية والبيروقراطية، عن خوض الصراع ضد الامبريالية واسقاط حكم كبار الملاكين العقاريين والبرجوازية التقليدية، وعن رفضها عملية التحديث على النمط الرأسمالي ورفضها الشعار القائل "لنحقق النمو أولاً ثم نعيد الدخل القومي" وانتهاجها نهجاً سياسياً قوامه "لنصحح أولاً البنية الاجتماعية" وعن تحويل قطاعات أو شرائح من هذه الطبقة الوسطى باسم القطاع أو قطاع الدولة إلى لعب دور أساسي في عملية الوساطة التجارية مع السوق الرأسمالية العالمية، ومع كل ذلك فهذه الطبقة الوسطى لم تستطع السير قدماً في عملية "التنمية المستقلة" "أو التحول الاشتراكي"، وأبقت قضية الصراع القومي والطبقي والاجتماعي ضد الامبريالية والكيان الصهيوني والرجعية الداخلية يتحرك في دائرة من عدم الثبات في الموقف السياسي. إذ أن الصراع اتخذ في البداية شكلاً معيناً من "الاستقلال" عن الامبريالية أو "الحياد" عنها، ثم انتقل إلى الموقف القمعي للجماهير المتعاطي مع الحقائق الدولية كما تسميها، وبخاصة إيمانها بأن التسوية حقيقة دولية، ثم إلى المساومة والتحالف التبعي مع الامبريالية لاحقاً. لكنه اتخذ لاحقاً شكلاً من تجدد علاقات التبعية البنيوية لها. ليس من شك أن انجازات عبد الناصر عظيمة، كما نوه عنها رأي سرلود دوفنيو كوف ويرغوسلوفسكي، في مطلع السبعينات في كتابهما عن التطور الرأسمالي، بقولهما "إن جمهورية مصر العربية تحتل مكانة خاصة بين البلدان النامية التي انطلقت في الشرق، على طريق التنمية وأعلنت إنشاء مجتمع اشتراكي بوصفه الهدف العام لجميع التغيرات العميقة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي. وكانت مصر أول بلد في الشرق الأوسط وافريقيا حطم أغلال الاستعمار. فالنصر الذي أحرزته القوى الثورية الوطنية في (23) /يوليو/ 1952 بقيادة جمال عبد الناصر يشكل بداية ثورة مناهضة للامبريالية والاقطاعية، ثورة أثرت في حياة هذا البلد العربي من جميع جوانبها"(53). لكن هذه التنمية اللارأسمالية على حد قول المنظرين السوفيات، الذين كانوا يسوقون نظرية لينين حول إمكانية البلدان المتخلفة التقدم نحو الاشتراكية دون المرور بمرحلة الرأسمالية، قد تمت في ظل غياب الحزب السياسي الثوري، والانتماء الأيديولوجي للاشتراكية العلمية، ووضوح الرؤية الاستراتيجية السليمة، في نطاق الصراع مع الامبريالية والرأسمالية الكبيرة، والقضاء على قاعدة سيطرتها المادية. ويستنتج مهدي عامل أن استمرار السيطرة الامبريالية يكون إذن بتجدد قاعدتها المادية هذه، وقاعدتها في البلدان المستعمرة، في بنية علاقات الانتاج في هذه البلدان. لذا كان التحرر الوطني بالضرورة تحرراً من بنية علاقات الانتاج هذه، فلا فصل إطلاقاً بينه وبين الصراع الطبقي الذي تحدده البنية هذه، بل هو هذا الصراع الطبقي نفسه. أمِنَ الممكن بعد هذا التحديد للتحرر الوطني، نَقْل حركة التحرر من الامبريالية عن حركة الصراع الطبقي الذي من منطقه الضروري أن يقود الانتقال إلي الاشتراكية؟ أوليست هاتان الحركتان حركة تاريخية واحدة في منطق تعقدها؟ إن الفصل بين هاتين الحركتين ليس ممكناً إلا على أساس من القبول بأن التحرر من بنية علاقات الانتاج الكولونيالية لا يقود إلى الانتقال إلى نظام الانتاج الاشتراكي، بل إلى التطور الرأسمالي، فيكون التحرر بذلك تحرراً للرأسمالية نفسها من عائق تطورها الذي هو السيطرة الامبريالية. "فكيف يمكن لطبقة أن تقود عملية التحرر الوطني وتنجح بتحقيقها حتى وإن كانت تجهر بالعداء للامبريالية وتمارس منه شكلاً معيناً، إذا كانت سيطرتها الطبقية قائمة على أساس وجود هذه القاعدة المادية للسيطرة نفسها؟ إن الشكل الذي تمارس فيها عداءها للامبريالية هو نفسه الذي يعيق تحقق التحرر الوطني، وهو الذي يقودها إلى مأزقها الطبقي لأنها تهدف في ممارستها صراعها الطبقي إلى تأبيد علاقات الانتاج التي بتأبيدها تتأبد علاقة التبعية البنيوية للامبريالية، ولا يمكن الجمع أو التوفيق في عملية التحرر الوطني، بين منطق التحرر هذا ومنطق تجدد علاقات الانتاج الكولونيالية، فالتنافي المطلق قائم بالضرورة بينهما (54).

إذا تأملنا في نظام الحكم والانتاج الخاص بالطبقة الوسطى في البنية الرأسمالية المشوهة التابعة، فإننا نجد أن التكون التاريخي لهذه البنية (النظام الاقتصادي، والتركيب الطبقي، والتنظيم الثقافي والسياسي) التي تتسم بأشكال نوعية من التأخر التاريخي، وفقدان الحداثة، قد قطع عليها التطور الامبريالي للرأسمالية الاحتكارية طريق الانتقال إلى الرأسمالية. بما يعني ابدال البنى التقليدية وغير العقلانية في المجتمع ببنى حديثة يسود فيها تبادل السلع، ونمط الانتاج الرأسمالي. كما أن الشكل التاريخي الذي تم فيه تحويل علاقات الانتاج السابقة على الرأسمالية إلى نمط انتاج خاص بالرأسمالية التابعة والهامشية هو الذي قطع في الوقت عينه على الطبقة الوسطى في هذه البنية صيرورتها كطبقة مهيمنة تقوم بعملية التحديث في ارتباطها الوثيق بالتنمية الرأسمالية طبقاً لمقولة النظرية الكلاسيكية الغربية للتغيير الاجتماعي، التي ترى أن الرأسماية مرحلة ضرورية من مراحل تحديث وتطوير المجتمع.

ففي ظل التطور الامبريالي للرأسمالية الاحتكارية، وبفعل تحول الطبقة البرجوازية في البنية الاجتماعية الرأسمالية الغربية إلى برجوازية امبريالية، وتكون الطبقة الوسطى العربية في إطار علاقات الانتاج الخاصة بالرأسمالية التابعة والمشوهة، أي في إطار التبعية البنيوية للامبريالية تكمن الاستحالة التاريخية لأن تتحول الطبقة الوسطى التي حكمت في عدة بلدان عربية إلى طبقة مهيمنة نقيض للبرجوازية الكولونيالية وبالتالي استحالة انتقال تطور الانتاج الاجتماعي نحو التطور الرأسمالي الحر والديمقراطي، لأن عملية تراكم رأس المال وتمركزه في البنية الاقليمية المتأخرة تاريخياً تخضع بالضرورة لسيطرة البرجوازية الاحتكارية في الغرب الرأسمالي، بشكل لا تتم فيه عملية تراكم رأس المال هذه وتمركزه إلا في حدود هذه السيطرة للسوق الاقتصادية الرأسمالية العالمية، وفي الإطار البنيوي الذي تتحدد فيه البرجوازية الاحتكارية الغربية كقطب تراكم رأس المال على الصعيد العالمي، وفي نطاق التخصص والتقسيم الدولي للعمل.

على الرغم من أن هذه الطبقة الوسطى تنطلق من موقع الرفض لواقع الاستحالة التاريخية لعملية الانتقال إلى الرأسمالية، ومن احتلالها مركزاً قيادياً في تطور حركة الصراع الطبقي في إطار حركة التحرر الوطني بقيادة أفكارها الايديولوجية وأهدافها السياسية، الذي كانت تمارسه ضد البرجوازية التقليدية وكبار الملاكين العقاريين والسيطرة الامبريالية، إلا أنها عجزت تاريخياً عن تحقيق هذا الانتقال إلى الرأسمالية، بالشكل التماثلي كما قامت به مثيلتها الطبقة الوسطى في الغرب. لأن الطبقة الوسطى كانت تنطلق من وهمها الطبقي أنها الطبقة المهيمنة الرئيسية، في حين أنها تحمل في صيرورتها الطبقية نظاماً انتاجياً رأسمالياً قائماً بذاته، بل هي كانت تمثل "النتاج الاجتماعي والمباشر لعصر الامبريالية". فحركة نشاطها الاقتصادي في حقل الزراعة وتجارة الاستيراد والتصدير وفي حقل السياسة أيضاً، جعل من هذه الطبقة الوسطى تتحول باسم القطاع العام إلى الطبقة المسيطرة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولكن من دون أن يقودها نشاطها الاقتصادي هذا إلى قطع علاقة التبعية البنيوية للامبريالية، أي إزالة العائق البنيوي لعملية الانتقال إلى الرأسمالية. "فاستحالة الانتقال إلى الرأسمالية إذن ليست استحالة خارجية أي أنها ليست استحالة وصول البنية الاجتماعية الكولونيالية إلى مرحلة لاحقة من التطور لم تصل إليها بعد، وكأن عائقاً خارجاً عنها يمنعها من الوصول إليها، فإن هو زال أمكنها ذلك، بل هو استحالة داخلية في منطق البنية هذه بالذات، أي أن الشكل التاريخي المحدد الذي تم فيه انتقالها إلى الرأسمالية في ظل علاقة التبعية البنيوية للامبريالية وبفعلها، هو نفسه الذي منع، وما زال يمنع باستمرار هذا الانتقال... من هنا بالذات أتت استحالة صيرورة الطبقة المتوسطة في بنية علاقات الانتاج الكولونيالية طبقة مهيمنة. فهذه الطبقة كما رأينا، هي نتاج تاريخي من الشكل الكولونيالي لعملية الانتقال هذه، ومن العبث القول أن عليها أن تقوم هذه العملية التاريخية التي تم بالفعل تحقيقها في شكل معين"(55).

والواقع أن الطبقة الوسطى التي أرادت نفسها قوى تغيير تقود عملية التحرر الوطني تجاهلت أن إنجاز عملاً تاريخياً ينقل بنية المجتمع من بنية تقليدية أو شبه تقليدية إلى بنية اقتصادية وأيديولوجية وسياسية حديثة، هي مشروطة بوجه خاص بخصائص الدولة القومية الحديثة التي يجب أن تملك مشروعاً سياسياً شمولياً وتاريخياً يتناول بناء المجتمع المدني الحديث في كافة بنيات المجتمع وحيزاته ومستوياته، ويهيئ له النضج والتوازن والاتساق وبخاصة انضاج الشروط الأيديولوجية والسياسية اللازمة في بعديها البناء الديمقراطي والنزوع الوحدوي. مهمة على هذا القدر من الراديكالية السياسية والشمول لايمكن للطبقة الوسطى أن تنجزها على وجه الدقة بدون عملية تسييس الشعب التي تشكل محرك سيرورة بناء المجتمع المدني الحديث، وبدون عملية تحرر وطني تقوم بكسر بنية علاقات الانتاج الرأسمالية التابعة والمشوهة، التي تشكل الأساس البنيوي الذي تقوم عليه علاقة التبعية البنيوية بين هذه الطبقة الوسطى والامبريالية..

قيل عن الطبقة الوسطى التي هيمنت على شؤون الدولة القومية لارتباطها بالعسكر في مصر وغيرها من البلدان العربية أنها تلعب في حقل الصراعات الاجتماعية والوطنية والقومية دوراً إيجابياً، إن لم نقل ثورياً بحكم وهمها أنها الطبقة المهيمنة النقيض في المجتمع، واعتمدت في أساس هيمنتها على احتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع من خلال "مواقعها المسيطرة في قمم البناء البيروقراطي -التكنوقراطي للدولة-" والتحكم في مراكز القرارات الاقتصادية بواسطة ما أنجزته في الحقل الاقتصادي من قطاع عام أو قطاع دولة مكنها من توجيه مجرى الحياة الاقتصادية والأستحواذ على مراكز الانتاج وعملياته، والتحكم في الفائض الاقتصادي، وإعادة توزيعه للإثراء الشخصي، والصبوة إلى منزلة اجتماعية أرقى. لكن النتيجة التاريخية التي وصلت إليها هو وقوعها في ذلك التناقض المأزقي الذي تقع فيه الطبقة الوسطى بين منطق التحرر الوطني والقومي، وما يفرضه عليها من تضحية بمصالحها الطبقية وامتيازاتها المتنوعة التي نمتها من خلال وجودها في السلطة وبالتالي خضوعها لتحالف طبقي شعبي عريض يطرح انجاز برنامج الثورة القومية الديمقراطية، ولذلك يصبح الدور الثوري لهذه الطبقة الوسطى سنداً لهذا التحالف الطبقي الثوري، وبين الخضوع لسيطرتها الطبقية وما يترتب عليها من تحول إلى فئة كمبرادورية متجددة تعمل لمصلحتها الخاصة، وتعيد التحالف مع بقايا الاقطاع الذي كان وما زال موجوداً منذ عبد الناصر ومع البرجوازية الكمبرادورية التقليدية التي ضربت ضربات قوية. وجدير بالذكر هنا أن هذه الطبقة التي امتلكت الدولة، وشكل القطاع العام أو قطاع الدولة الأساس الاقتصادي لهيمنتها الطبقية الذي قام على أساس القاعدة المادية للسيطرة الامبريالية، أي على قاعدة علاقات الانتاج عينها التي كانت تقوم عليها السلطة الاقتصادية الاجتماعية للبرجوازية الكمبرادورية التقليدية العربية، والذي تطور في إطار من إعادة انتاج هذه العلاقات الانتاجية الرأسمالية المرتبطة بنيوياً بالامبريالية، لا على أساس هدمها بشكل ثوري، هذه الطبقة الوسطى شهدت حركات تفارق طبقي في داخلها.

وقد أنتجت حركة التفارق الطبقي هذه فئة متميزة من هذه الطبقة الوسطى هي الفئة من البيروقراطية العسكرية التي تضم رجال القوات المسلحة وكبار موظفي الدولة وقيادات الحزب الحاكم، وشرائح وسيطة من أرباب المهن الحرة، والتجار وملاك الأرض ومدراء شركات القطاع العام، التي أصبحت لهم جميعاً مصالح طبقية خاصة لا تتفق بالضرورة مع المصالح الطبقية لجماهير شرائح الطبقة الوسطى، والطبقات الشعبية الأخرى، بل تتناقض معها. "وضمن هذا الإطار طرح بعض أساتذة العلوم السياسية في الغرب مثل ما نفرد هولبرن (Monfred Halpern) وجيمس بل James Bill مقلولة "الطبقة المتوسطة الجديدة" لكي تقتصر على الفئات التكنوقراطية والمهيمنة والبيروقراطية المدنية والعسكرية العليا، والتي أصبحت في نظرهم محور السلطة الاقتصادية والسياسية ورمز الجاه الاجتماعي والإداري الجديد في بلدان الشرق الأوسط"(56).

وهكذا حصلت تحولات طبقية في المرحلة الناصرية، حين أدخلت هذه "الطبقة الوسطى الجديدة" الرسملة إلى المجتمع، ولكن بطريقة غير طريقة البرجوازية التقليدية، من خلال امتلاك الطبقة الوسطى سلطة الدولة وامتلاك سلطة القطاع العام، وتوظيفها الأموال في تحقيق مشاريع اقتصادية وسياسية واجتماعية تخدم أهدافها كطبقة، وتعزز احتكارها لمصادر القوة والسلطة في المجتمع، ولا تخدم أهداف الطبقات الشعبية الكادحة بشكل شامل. فإن كان هذا الوضع بكل تناقضاته الشاملة السياسية والاقتصادية والاجتماعية يفرض علينا أن نرى الايجابيات والسلبيات في التجربة الناصرية كظاهرة، فضرب الإقطاع وإن كان بشكل جزئي هو خطوة على طريق تطور المجتمع. كما أن ضرب البرجوازية التقليدية وتأميم الرأسمال الأجنبي ومقاومة الهيمنة الإمبريالية، التي لم يستطع العمال حتى الآن أن يقوموا به خطوة على طريق تطور المجتمع، خطوة غير كاملة. ولن تكتمل، ولكنها خطوة يجب أن أن نراها.

ولما كانت النتائج التاريخية بعد هزيمة حزيران قد كشفت الاستحالة التاريخية، فضلاً عن الحدود التاريخية عينها للمشروع القومي الناصري والبعثي سواء بسواء الذي حملته في صيرورتها الطبقة الوسطى، للمشروع البرجوازي الوطني المستقل تاريخياً، وللطابع الكمبرادوري الضروري للتكيف لاحقاً، فإنه لم يعد مستغرباً إن نرى تغيرات في الوضع الطبقي نفسه للطبقة الوسطى، من قوة معادية للإمبريالية، وللبرجوازية الكمبرادورية إلى فئة مهيمنة من البرجوازية الكولونيالية المتجددة "أو" برجوازية الدولة "أو" البرجوازية البيروقراطية"، أصبحت ذات مصلحة في أن تقيم علاقات مع السوق الرأسمالية العالمية بطريقة جديدة من خلال فتح مجالات السفر والاستيراد، لأن لها مصلحة في ذلك.

وعلى الرغم من أن الناصرية -الممارسة كما يقول الدكتور خلدون النقيب هي هذا المزيج الغريب من الإيجابيات والسلبيات في صلب الممارسة التي يقودها فكر ومنظر وفئات الطبقة الوسطى، التي كان عبد الناصر خير ممثليها، إلا أن مجيئ العسكر إلى الحكم واختلاقهم للتنظيمات الاجتماعية والسياسية التي تساعدهم على استمرار احتكارهم لمصادرة القوة والثروة في المجتمع جاء ليدعم تياراً تاريخياً نحو تدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع على نطاق العالم، ولكن محصلة الاحتكار الفعال لمصادر القوة والثروة ستكون ميلاد طبقة جديدة وهي الطبقة التي تملك الدولة التي تملك كل شيء في المجتمع - الا وهي الدولة التسلطية المعاصرة(57).

وقد أصبحت هذه الطبقة البرجوازية الكمبرادورية المتجددة طامحة أن تقيم علاقات ودية وتحالفية وتنسيقية مع بقايا الرجعية المنهارة في الداخل، أي بقايا كبار الملاكين العقاريين، وبقايا البرجوازيين التقليديين، ومع الدول والأنظمة الرجعية في الخارج، كالنظام السعودي والنظام الأردني... وأخذ شكل علاقاتها شكل انفتاح في الداخل على القوى الرجعية العربية، وهذا هو الشكل الذي اتخذته السلطة في مصر بعد عام 1971، حين أنهت في الوقت عينه تحالفها مع الشرائح الثورية والديمقراطية من الطبقة الوسطى، ومع العمال والفلاحين، لانها أنشأت تحالفاً آخر مع القوى الرجعية في الداخل مع بقايا الإقطاع وكبار الملاكين العقاريين والبرجوازية التقليدية.

وقد أتاحت السيطرة على النفط وزيادة إنتاجه وإرتفاع أسعاره فرصة تاريخية لتحول هذه الطبقة البرجوازية المتجددة إلى طبقة رأسمالية بيروقراطية، بل وطفيلية أيضاً، إذ تهيمن على مجموع الاقتصاد الوطني وتديره وتعيد توزيع الدخل القومي وفقاً لمصالحها وتدخل من ثم في تحالف وثيق مع الرأسمالية الطفيلية، كما تتعاون أيضاً مع رأس المال الأجنبي والشركات المتعددة الجنسية من خلال عقود التوريد والمقاولات والتسليح وشراء السلاح، وفي أغلب الأحوال تعمد الرأسمالية البيروقراطية وهي التي أنشأت أساساً في أحضان الدولة وقطاع الدولة إلى وضع هذا القطاع في خدمة رأس المال الخاص والمحلي والأجنبي(58).

وارتبطت المصالح الطبقية الخاصة لهذه الطبقة بتطوير القطاع الخاص عينه، ولا سيما في مجالات المقاولات والنقل والسياحة والبناء، والتجارة الداخلية والخارجية، والبنوك، والصناعات التحويلية، مستفيدة من سيطرتها على جهاز الدولة، وبقائها في السلطة، الذي يستلزم بدوره استمرار بقاء السيطرة الأيديولوجية للطبقة الوسطى، بإعتبار هذه السيطرة تمثل الشرط الرئيس لإخضاع جماهير الطبقة الوسطى والعمال والفلاحين للسيطرة الطبقية لهذه الطبقة الجديدة، وكذلك أيضاً القطاع العام الذي أضحى وجوده يكمن في خدمة القطاع الخاص. ولأن تداخل المصالح الطبقية بين البرجوازية الكمبرادورية الجديدة والبرجوازية التقليدية، وبين هذين القطاعين من الإنتاج، قاد إلى إنتفاء العلاقة التناقضية بين القطاع العام والقطاع الخاص. ثم لاحقاً إلى سياسة الإنفتاح الاقتصادي على السوق الرأسمالية العالمية، بسبب من إعادة الهيمنة للقطاع الخاص، الذي تتحكم فيه الطبقة البرجوازية الكمبرادورية الجديدة في إطار التبعية البنيوية المتجددة التي تربطها بالنظام الرأسمالي العالمي، والتخصص الإمبريالي للعمل.

إذا كانت البرجوازية التقليدية جميعها الآن بأقسامها المختلفة الكمبرادورية، وكما كان يسمى البرجوازية الوطنية تلعب دوراً رجعياً لأنها مقتنعة أنها يجب أن تظل على علاقات مع القوى الإمبريالية، ويجب أن تنمي نفسها على هامش السوق الرأسمالية العالمية، وليست مقتنعة أن لها دوراً تلعبه، سواء كان ذلك سياسياً أو اقتصادياً على الصعيد الوطني، فإن الطبقة البرجوازية الكمبرادورية الجديدة التي خرجت من أحشاء الطبقة الوسطى وكانت ذات اتجاه وطني وقومي، اتجهت شيئاً فشيئاً نحو الاستهلاك أكثر من اتجاهها نحو "الاشتراكية" منجذبة إلى الرأسمالية الغربية، أكثر من انجذابها إلى اشتراكية العالم الثالث، مستمدة قوتها من احتكار هيمنتها لأجهزة الدولة الحديثة بإطلاقية، ومن سيطرتها على مصادر القوة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع، مؤسسة بذلك نفوذها الاقتصادي من خلال وضعها في يدها المال والسلطة بواسطة الإستحواذ، لا من خلال تملكها أصول حقوق الملكية التقليدية لرأس المال ووسائل الانتاج.

ولا عجب أن نجد في هذه الطبقة الوسطى حركة مستمرة من "السيولة الطبقية" بين صعود وهبوط، بحكم طبيعتها المزدوجة على الصعيدين الأيديولوجي والاجتماعي. فالطبقة الوسطى لا تمثل طبقة متجانسة ومتماسكة وفقاً للمعيار الماركسي الكلاسيكي، الذي يحدد الطبقة طبقاً لموقعها في نظام الانتاج الاجتماعي وعلاقتها بوسائل الانتاج، ولعلاقاتها بالسلطة السياسية في إطار البنية الاجتماعية المحددة، ولدورها في مجال الصراع الفكري والأيديولوجي، بل هي تمثل خليطاً من الشرائح والفئات الاجتماعية داخل الطبقة الوسطى نفسها، تختلف هذه الفئات عن بعضها البعض بإختلاف فروع نشاطها الاقتصادي. فهناك فئة الحرفيين وصغار التجار المزارعين، وهناك الفئة المرتبطة بالصناعة، والتجارة، والإدارة، والتنظيم الرأسمالي الحديث، والتي تمتلك بكيفية أو بأخرى الثقافة الحديثة، وتتميز بالفكر الاستهلاكي. وهناك فئة الجيش المرتبطة بأجهزة الدولة الحديثة، وتمتلك السلطة السياسية.

وهكذا، فإن الطبقة الوسطى متشكلة من فئات اجتماعية نشأت في المدينة والريف في آن معاً، وتمتلك الثقافة الحديثة إحدى وسائل الترقي الاجتماعي، ولكنها تحافظ في الوقت عينه على الثقافة التقليدية والفكر التقليدي السلفي، لكي تظل تلعب دور الريادة في الثقافة والسياسة. فالطبقة الوسطى قد تصبح فئة منها برجوازية كمبرادورية تقليدية، (مثل مداراء الأمن العام، وقيادات الجيش، ومدراء شركات القطاع العام، الذين يحصلون على تسهيلات وامتيازات كبيرة كمثل السماح بالسفر وبالتجارة، والشراكة الاقتصادية والتجارية مع بقايا الاقطاع والكمبرادور السابق) تحمل سمات انتهازية، واحتمالات التذبذب والارتداد في مواقفها السياسية، رغم أن كثيراً من هذه الفئة كان يحمل موقفاً وطنياً بشكل عام. ولكنه قد تصبح من هذه الطبقة الوسطة فئة برجوازية صغيرة فقيرة عليها سمات هذه الشريحة، من كونها شريحة تتمخض عنها الأفكار الثورية القومية والديمقراطية بمختلف أشكالها، وهي التي تطرح اليوم الإسلام السياسي بأشكاله المختلفة. والحال هذه، بقدر ما تنتج الطبقة الوسطى مثقفين متشبعين بروح ثقافة العصر والتحديث، بقدر ما تنتج في الوقت عينه مثقفين ملتزمين بالثقافة التقليدية. فهي طبقة تتجسد فيها كل تناقضات المجتمع العربي: التناقض بين التقاليد والحداثة، بين الدين والعلمانية، بين الرأسمالية والاشتراكية إلخ.

وتبدو سمات الطبقة الوسطى في نظر الدكتور هشام الشرابي على النحو التالي، إنها طبقة مرتبطة ثقافياً واجتماعياً بأصولها المدنية والريفية، بحيث أنها تشكل كياناً تاريخياً نابعاً من ظروف التبعية الخارجية والداخلية وهي طبقة غير منتجة اقتصادياً، كما أنها متجهة اتجاهاً شديداً نحو الاستهلاك (النزعة الاستهلاكية) أما وضعها في سياق الانتاج فهامشي طفيلي بشكل يفسر على الأقل جزئياً ازدواجيتها الأيديولوجية وعدم استقرار اتجاهاتها الاجتماعية والسياسية..(59).

أما الدكتور عبد الله العروي فهو يعتبر أن السياسة التي تتبعها الفئة الحاكمة من هذه الطبقة الوسطى تهدف إلى تعميق هذه الإزدواجية في سياستها التقليدية. فالمعاهد العلمية، المهنية التجارية إلخ التي تهيئ الأفراد للعمل في القسم العصري، تطبق المناهج الأجنبية العصرية وربما تستعمل اللغات الأجنبية، فتكون نخبة تسييرية على نمط مخالف للنمط العام، غير مندمجة في المجتمع ولا مرتبطة به، تعتبر نفسها في خدمة "الدولة" (أياً كانت تلك الدولة)، أي في خدمة النخبة السياسية والكل من البرجوازية الصغيرة. وأما المعاهد العامة (أداب، حقوق، شريعة) فإنها تطبق المناهج التقليدية وتحافظ على التفكير التقليدي أما في لونه السلفي الديني وأما في كونه القوموي التبريري، وهذه المعاهد هي التي تكون النخبة الثقافية (أساتذة، كتاباً، صحفيين، زعماء دينيين، مثقفين بالمعنى العام) وتكون كذلك قسماً كبيراً من النخبة السياسية(60).

إذا كان العسكر يمثل الطبقة الوسطى المدنية والريفية، فهل استطاعت الدولة القومية الناصرية التي كانت تكافح بجميع قواها الإمبريالية والتدخل العسكري الصهيوني المباشر، بواسطة التأميمات الكبرى في مرحلة الستينات، وجعل التجارة الخارجية قطاعاً عاماً تابعاً للدولة، ومن خلال التصنيع الثقيل، وإنتاج نهج تطبيق اشتراكية عربية خاصة استبعدت منها فكرة الطبقة والصراع الطبقي، وأبدلتها بأيديولوجية الوحدة الوطنية والتعايش السلمي بين الطبقات والنضال في سبيل تحقيق الوحدة العربية، أن تعقلنَ المجتمع، وتبني مجتمعاً مدنياً حديثاً نزاعاً إلى الكونية؟

إن الدولة القومية الناصرية التي تسيطر فيها النخبة الحاكمة المتكونة من ضباط الجيش والخبراء التقنيين والبيروقراطيين، والتي تدعو للتقنية والتصنيع، وترفع راية الاشتراكية، والتي تسيطر على مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، لحقت بها هزيمة "صاعقة مدوية ماحقة" في حرب حزيران 1967، وكشفت هزيمة حزيران هذه هشاشة وتبعثر البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأيديولوجية للنظام الناصري برمته. فالحرب كما يقول كلاوزفيتس هي اختبار لجميع قوى الأمة من اقتصادية وتنظيمية، والقوة العسكرية، كقوة قبضة اليد رهينة بصحة الجسم السياسي وحيويته وصحة المجتمع وحيويته ككل. وعلى هذا الأساس فإن إختبار حرب الأيام الست قد ألقى الأضواء الكاشفة على طبيعة الدولة الناصرية ورجالها، وعلى فشل قيادة الطبقة الوسطى المزدوجة الشخصية أيديولوجيا واجتماعيا في تحقيق تنمية اقتصادية وتصنيع ثقيل، وثورة جذرية شاملة تمكن مصر من اختراق جدار التخلف والخروج من حلقته المفرغة.

أولاً: لقد خاصمت الدولة الناصرية التي كان عمادها الجيش والأجهزة الأمنية تيارات المعارضة السياسية على اختلاف تلاوينها الأيديولوجية من الإخوان المسلمين إلى الشيوعيين. ولم تفسح لها في المجال بالوجود السياسي العلني خلال الفترة الذهبية لصعود الناصرية حتى 1967 على الأقل. وكان من الأفيد والأجدر على الدولة الناصرية أن لا تفرغ العملية السياسية من هذه المعارضة السياسية المنظمة. لأن الإعتراف بوجودها السياسي والسماح لها بالنشاط العلني من شأنه أن يزيد في تقوية المجتمع المدني وتعضيده. وأن يسهم إسهاماً حقيقياً في تصويب خطوات النظام الناصري عبر تقدير وأخذ بعين الإعتبار وجهات نظر هذه المعارضة السياسية باتجاهاتها المختلفة، وبمقدار حجمها وفاعليتها، ضعفا أو قوة ، وبما تمثله من قوى اجتماعية هي جزء من الشعب لها الحق في أن تبدي رأيها في كل ما يجري. وكان ذلك كله كما يقول طارق البشري يمكن من ضبط التقديرات وترشيدها. ويمكن من الإستغناء عن هذا التضخم المبالغ فيه لأجهزة الأمن عدداً وعدة ورجالاً وجبروتاً ويحرر قيادة النظام نفسها من أن تعتقل في إطار هذه الأجهزة، وأن تعاني من تقاذفها إياها، وهو وضع لم يقض في النهاية على الإخوان، ولا على الشيوعيين، إذ ظهروا بعد ذلك في السبعينات من جديد، إنما قضى على نفسه بنفسه. كما أن هذا الوضع المضيق قد أوجد تناقضاً لم يمكن حله. لا بين أنصار الثورة السياسية الاجتماعية وخصومها ولا بين الحركة الوطنية التحررية والاستعمار، ولا بين المستغلين من فئات الشعب، ولكنه تناقض بين الحاكم والمحكوم أي بين الدولة والأهلين، وتناقض بين النخبة الحاكمةوالنخبة الفكرية والمهيمنة والفنية، وذلك رغم كل ما صنعت حكومة ثورة 23يوليو لصالح الحركة الوطنية ولصالح المستغلين من الطبقات الشعبية ولصالح الوضع الاجتماعي المتميز لهذه النخبة الفكرية والمهنية والفنية(61).

ثانياً: إن الدولة الناصرية، على الرغم من أنها قامت ببناء الاشتراكية القومية التي هي مزيج غير مستقر لأجزاء شتيتة في وعي أجوف ومجتمع كتيم، عديم الشفافية. وحققت تقدماً لا ينكسر في مجال التصنيع، وزيادة في الدخل القومي، غير أنها فشلت في تحقيق تحويل جذري في المجتمع لجهة صُنع ثورة اشتراكية قادرة أن تحطم البنى الاجتماعية والأيديولوجية للمجتمع التقليدي المتأخر تاريخياً، ذلك أن تحطيم بنى المجتمع التقليدي هو الشرط الأساس والرئيس في الوقت عينه لتجاوز واقع التخلف ديالكتيكيا.

لقد انهت الإقطاع كبنية اقتصادية. "ولكن القيم الأيديولوجية للإقطاع ما تزال موجودة وقوية، وأنشأت القطاع العام، ورفعت راية التكنولوجيا والتصنيع، ولكن الدولة الناصرية لم تع أن التصنيع إذا لم يقم على أنقاض المجتمع المتأخر تاريخياً في ارتباط صميمي بوجود ثقافة وأيديولوجية ثورية جذرية تواجه برفض صارم مطلق ذلك النمط من المجتمع التقليدي، وتطرح بناء المجتمع المدني الحديث، وحل قضية الثورة الديمقراطية، يتحول هذا التصنيع عينه إلى "تصنيع إقطاعي" ويكون بذلك مجرد قشرة لاصقة على سطح المجتمع، وتغدو المصالح مجرد "زريبة إنسانية من نوع جديد كما يقول ياسين الحافظ/: لقد أعادت نكسة حرب حزيران 1967 طرح هذه الحقائق على حركة الجماهير العربية، بعد أحلام كان يختلط فيها الوهم مع الانتهازية مع التشويش. ومن خلال الهزيمة، وعلى حطامها، تاكدت من جديد الحقيقة الأساسية التالية: تجارب العالم الثالث المحققة كلها (عدا تجربة الصين وفيتنام وكوريا) برهنت على عقم ما يسمى بـ "الطريق الثالث" لقد ساهمت هذه الأسطورة بتضليل الجماهير وسترت خلال فترة قصيرة الطريق الاشتراكي الحقيقي. أن "الإشتراكيات الخاصة المتميزة" التي تنادي بها البرجوازية الصغيرة القوماوية ليست سوى وهم خادع، لا يوازيها في درجة الخداع سوى الوهم الأخير المسمى "الطريق اللارأسمالي" ودولة الديمقراطية الوطنية"(62).

ثالثاً: منذ الخمسينات دخل العسكر السياسة، وسيطر على الدولة الناصرية وأصبح عمودها الفقري، وهيمن على المجتمع المدني، ومع ذلك كان النظام الناصري تلاحقه أزمة عميقة تتعلق بهياكله الفعالة، وبخاصة المؤسسة العسكرية ودورها. ذلك أن التماسك والترابط داخل النظام الناصري أخذ في التحلل بدءاً من حرب السويس 1956، وانفصال الوحدة مع سورية 1961، وحتى هزيمة حزيران 1967، وذلك بسبب الأزمة المستعصية بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية للدولة، حيث كانت القيادة العسكرية تنتصر "في موازين الحكم بعد كل فشل يسببها للنظام كله". ففي حرب 1956، حققت الدولة الناصرية نصراً سياسياً مهماً، بإجلاء قوات العدوان الثلاثي، وبروز مصر بزعامة عبد الناصر كقوة رائدة لحركة التحرر الوطني العربية، وللوحدة العربية، تنتهج سياسيات وطنية حقيقية من خلال دمجها القضية الوطنية بقضايا التنمية الاقتصادية المستقلة والعدالة الاجتماعية. غير أن المؤسسة العسكرية كان أدائها فاشلاً على صعيد العمليات الحربية الموكلة إليها، وجاء الانفصال ليؤكد عجز وفشل القيادة العسكرية في معالجة هذا الحدث السياسي، ثم جاءت حرب اليمن لتزيد من قوة وهيمنة نفوذ العسكر على الدولة، في ظل انكسار المشروع الأساسي والتاريخي للدولة الناصرية ألا وهو مشروع الوحدة العربية. وينقل "صلاح نصر عن هذا الصراع الذي كان متفجراً بين المشير عبد الحكيم عامر القائد العام للجيش والرئيس عبد الناصر، من أن هذا الأخير كان يطلب في أزمة 1962 بما كان "محمد نجيب "يطالب به في أزمة 1954، حيث أن المؤسسة العسكرية تستخدم في هذا الصراع ما كان استخدمه "عبد الناصر" في العام 1954 من حجج لأحكام قبضته على الجيش. ويشير "كمال رفعت" من أن "ظاهرة المشير عامر" في قيامها منذ 1952 وفي استمرارها، وفي هيمنتها من بعد، كانت نتاجاً للسلطة الفردية ومنهجها في المحافظة على التوازنات من دونها، ولكن أدى ذلك إلى أن موازين الدولة كلها اختلت، وكانت هذه الظاهرة هي نتاج الرسوم التنظيمية لقنوات السلطة واتخاذ القرار، حسبما أسفر عنها النظام من سلطان شمولي فردي تسيطر فيه أجهزة الأمن على الوظائف السياسية. ولهذا أنتخبت السلطة الفردية نقيضها وهو انقلاب السلطة. ويشير الفريق "محمد فوزي" عن نشاط الجيش في غير شؤون القتال، والتدريب إلى أنه ابتداء من عام 1962 تركزت السلطات "في يد المشير" عبد الحكيم عامر "الذي ثبت مركزه وارتفعت مكانته في القوات المسلحة على حساب رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة. وصارت له كل اختصاصات الدفاع عن الدولة "أما محمود رياض فإنه يشير في مذكراته من أن عبد الناصر لم يكن على معرفة بأوضاع الجيش في صميم أزمة مايو 1967، التي أنتهت بحرب حزيران وهزيمتها المعروفة، لم يكن عبد الناصر على بينة من حالة سلاح الطيران المصري، ولا كان قادراً على سؤال المشير في هذا الشأن.

ولقد ذكر "عبد الناصر" في اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي في 4يوليو 1967 تعليقاً على أوضاع النظام قبل الهزيمة "تفككت الدولة لأحزاب عديدة غير معلنة، حزب "عبد الحكيم" حزب "زكريا" حزب "السادات" حزب "علي صبري"إلخ بهذا الشكل تفسخ في الوزارة... وذكر في اجتماع اللجنة ذاتها في 3آب "إذا احنا جميعاً غلطنا... إننا أكبر هيئة سياسية في البلد... وكان عددنا 7 أعضاء فقط، ولم نتكلم ولم نقل الحقائق في وقتها، بينما كان رئيس لجنة تصفية الإقطاع عبد الحكيم جالساً معنا في هذا المقعد، هذا يعني أن النظام تدهور وتدرج في السقوط إلى الحد أننا شعرنا بالخوف من أن نتكلم وخفنا نقول الحقيقة" ويذكر أمين هويدي بعد خمسة عشر عاماً من وفاة "عبد الناصر" أن الشيء الذي عجزت الثورة عن تحقيقه هو علاقة القيادة السياسية بالقيادة العسكرية... وإذا أؤكد أن النكسة الأساسية لهذه الثورة كانت تتجه لعدم النجاح في تطبيق هذا الأمر"(63).

هوامش الفصل الثاني:

(1) طارق البشري -الديمقراطية ونظام 23يوليو 1952 -1970- مؤسسة الاتحاد العربية- الطبعة الأولى 1987. (ص68).

(2) أنظر

Morroe Berger, Bureaucracy and Society In Modern Egypt A study Of The Higher civil Service (princeton, Nj: princeton University press 1957)

(3) فؤاد اسحق الخوري -العسكر والحكم في البلدان العربية -دار الساقي- الطبعة الأولى 1990 (ص27و30)

(4) جمال حداد -23 يوليو أطول يوم في تاريخ مصر -كتاب الهلال العدد 388 إبريل 1983 دار الهلال القاهرة (ص33)

(5) كتاب قضايا عربية بإشراف دانيس صايغ- عبد الناصر وما بعد المؤسسة العربية للدراسات والنشر- الطبعة الأولى 1980- بحث وحيد عبد المجيد (ص164).

(6) طارق البشري -الديمقراطية ونظام 23يوليو 1952-1970- مصدر سابق (ص57).

(7) مجموعة من الاقتصاديين والمؤرخين السوفييت -الاقتصاد السياسي للرأسمالية الاحتكارية المعاصرة- الجزء الرابع ترجمة د. محمد كمال زبيدة وحمزة برقاوي -مكتبة ميسلون دمشق -(ص202)

(8) أنظر

Andre Gunder Frank. Crisis in the Third World (London: Heinemann, Gower 1981) chaps 6-8.

وأوضح مثال على هذا الانتقال المنظم من وجهة النظر الإمبريالية إلى ما بعد مرحلة الاستعمار أنظر:

Hamza Alavi "the state inpost -Colonial Society: pakistan and Bangladesh" new Left Review No 74 (July- August 1972).

(9) ميثاق الثورة من أقوال رئيس ونائب رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة أعده وقدمه له أحمد عطية الله -صدر عن إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة القاهرة 1953 (ص6)

(10) فؤاد اسحق الخوري -العسكر والحكم في البلدان العربية مصدر سابق (ص72)

(11) كتاب قضايا عربية بإشراف د. أنيس صايغ. عبد المناصر وما بعد. مقال الواقع المصري في ظل ثورة يوليو للدكتورة عواطف عبد الرحمن -المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولى 1980 (ص260)

(12) سعد زهران -مقال 23يوليو ثورة أم انقلاب -جريدة السفير 12 /6/1989.

(13) الدكتور عصمت سيف الدولة -الأحزاب ومشكلة الديمقراطية في مصر -دار المسيرة (ص74-75)

(14) طارق البشري -الديمقراطية ونظام 23يوليو 1952-1970- مصدر سابق (ص75)

(15) اليعازر بعيري -ضباط الجيش في السياسة والمجتمع العربي- ترجمة بدر الرفاعي، سينا للنشر- الطبعة الأولى 1990 (ص114).

(16) محمود حسين، الصراع الطبقي في مصر- دار الطليعة بيروت 1971
(ص137-138).

(17) طارق البشري -الديمقراطية ونظام 23يوليو 1952-1970- مصدر سابق (ص82).

(18) المصدر السابق (ص83-84)

(19) مقطع استشهد به الدكتور نصيف الأيوبي في كتابه الدولة المركزية في مصر -مركز دراسات الوحدة العربية- الطبعة الأولى أيلول 1989 (ص99).

(20) اليعازر بعيري- ضباط الجيش في السياسة والمجتمع العربي -ترجمة بدر الرفاعي- الطبعة الأولى 1990 سينا للنشر (ص131)

(21) الدكتور عصمت سيف الدولة. الأحزاب ومشكلة الديمقراطية في مصر -دار المسيرة (ص67)

(22) المصدر السابق (ص68).

(23) الدكتور خلدون حسن النقيب -الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر -مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى أيار 1991 (ص220)

(24) مقطع استشهد به الدكتور نزيه نصيف الأيوبي في كتابه الدولة في مصر -مصدر سابق (ص98)

(25) الدكتور محمود عبد الفضيل: التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي -مركز دراسات الوحدة العربية -الطبعة الأولى شباط 1988 (ص85)

(26) د. خلدون حسن النقيب (ص228-235)

(27) الدكتور محمد جابر الأنصاري ي-تكوين العرب السياسي ومغزى الدولى القطرية -مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى أيار /مايو 1994، (ص57)

(28) كتاب قضايا عربية بإشراف د. أنيس صايغ -عبد الناصر وما بعد- مصدر سابق- مقال الواقع المصري في ظل ثورة يوليو للدكتورة عواطف عبد الرحمن (ص263).

(29) ياسين الحافظ -الهزيمة والأيديولوجية المهزومة-دار الطليعة- بيروت الطبعة الأولى تموز 1979 (ص126-127)

(30) المصدر السابق (ص98).

(31) جورج طرابيشي -الدولة القطرية والنظرية القومية -دار الطليعة- الطبعة الأولى شباط 1982- (ص41)

(32) ياسين الحافظ -الهزيمة والأيديولوجية المهزومة- مصدر سابق (ص204-205).

(33) المصدر السابق (ص 205-206).

(34) د. علي الدين هلال -تطور الأيديولوجيا الرسمية في مصر -الفصل الثالث من كتاب مصر في ربع قرن (1952-1977) -معهد الأنماء العربي (ص134).

(35) خطاب عبد الناصر بتاريخ 27 تشرين الثاني 1959.

(36) فؤاد اسحق الخوري -العسكر والحكم في البلدان العربية مصدر سابق (ص47).

(37) مقابلة جمال عبد الناصر مع مندوبي التلفزيون الأميركي بتاريخ 7 شباط 1958.

(38) المصدر السابق.

(39) مجيد خدوري -الاتجاهات السياسية في العالم العربي -الدار المتحدة للنشر- بيروت- 1972- (ص59).

(40) تصريح عبد الناصر لجريدة الأهرام في 2تموز 1959- أنظر أيضاً خطابه في 15 كانون اول 1957 أو تصريحه لجريدة النيويورك تايمز في 3 تشرين الثاني 1959، وخطابه في 9 تموز 1960.

(41) محسن خليل- النظم السياسية والدستور اللبناني- دار النهضة العربية- بيروت 1975 (ص461)

(42) نبيل عبد الفتاح -ثورة يوليو ومضامين التجربة العسكرية: الانقطاع والاستمرارية ومزاج اختيار المصادر-جريدة الحياة 18أيلول 1994 صفحة أفكار (3 من 6).

(43) طارق البشري مصدر سابق (ص127-128).

(44) الدستور عصمت سيف الدولة: الأحزاب ومشكلة الديمقراطية في مصر- دار المسيرة بيروت -(ص96-97)

(45) الدكتور نزيه نصيف الأيوبي -الدولة المركزية في مصر - مصدر سابق (ص107)

(46) سعد الدين ابراهيم -في أزمة الديمقراطية، حول الشرعية والسلطة (ص422و405)

(47) صحيفة الأهالي -عدد 10 أغسطس 1983- بعض محاضر اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي نشرها السيد /عبد المجيد فريد.

(48) صحيفة الشعب عدد 15 يناير 1985.

(49) طارق البشري مصدر سابق (136-137)

(50) المصدر السابق (ص164)

(51) المصدر السابق (ص155-168)

(52) د. خلدون حسن النقيب -مصدر سابق (ص141)

(53) أنظر

V.solodovnikov and v. Bogoslovsky -Non- Capitalist Development: Historical Outline (Moscow 1975) (pp236-37)

(54) مهدي عامل -مقدمات نظرية لدراسة الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني دار الفارابي -الطبعة الخامسة 1986 (ص316).

(55) المصدر السابق (ص302)

(56) انظر الأعمال التالية:

Manfred Halpern, The Politics of social change in the middle East and North Africa (princeton, Nj, Princeton University press, 1963) and James A. Bill, "class analysis and The Dialectics of Modernnization in the Middle East" International Journal of Middle East Studies, Vol 3, No4 (October 1972) ,(pp417-434)

(57) د. خلدون حسن النقيب -مصدر سابق (ص144)

(58) انظر دراسة فؤاد مرسي -المأزق العربي الراهن- من القبيلة إلى الأمة- نشر بجريدة السفير اللبنانية بتاريخ 8/6/1989.

(59) د. هشام شرابي- مصدر سابق (ص116)

(60) عبد الله العروى- العرب والفكر التاريخي -المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء- الطبعة الثانية (ص216)

_61) طارق البشري -مصدر سابق (ص173).

(62) ياسين الحافظ : الهزيمة والأيديولوجية المهزومة- مصدر سابق (ص138).

(63) هذه الاستشهادات المتقطعة موجودة في كتاب طارق البشري- الديمقراطية ونظام 23 يوليو 1952-1970- مصدر سابق (ص180-183-184).

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244