|
|||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:07 AM | |||||||
|
ثالثاً: العسكر في السلطة ومسيرة
البيروقراطية
يأتي وصول العسكر إلى السلطة في الجزائر. وسيطرتهم على مقاليد الحكم فيها، بعد أن تم حل المسألة الوطنية من ناحية، واستفحال الصراع بين الحكومة السابقة والجيش، من ناحية أخرى، الأمر الذي اعتبره بومدين بأنه محاولة لـ "تدمير الدولة" من خلال تدمير الجيش الذي كان أنذاك القوة المنظمة الوحيدة القادرة على إنقاذ ما يحتاج لإنقاذ وضمان استمرارية العملية الثورية العادية. ويضيف بومدين قائلاً: إذا كانت الدولة تقوم في الأساس على بنى سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية فإن إقامة دولة تنطوي على أكثر من هذا. أي على تنظيم جيش وطني.
وتعكس هذه الرؤية الأيديولوجية مسلك العسكر في الجزائر الذي يرى بأن الجيش يتماهى مع الدولة ككل في مجتمع فلاحي مثل المجتمع الجزائري، الذي خرج فيه التنظيم العسكري من صلبه، وحيث جاءت نشأة وتأسيس الجيش النظامي كجزء لا يتجزأ من خطة شاملة لبناء الدولة الجزائرية الحديثة. من هنا كان حرص العسكر ذي الطبيعة والتركيبة الفلاحيتين، على ربط القطاع الفلاحي الذي يشكل الجزء الأعظم من الشعب بالجيش، حيث أن "لتركيبة المجتمع الفلاحي تأثيراً كبيراً على أداء ومسلك العسكر بشكل عام(22).
وتكمن خصوصية مسلك العسكر في الجزائر، الواقع تحت سيطرة البرجوازية الصغيرة، في أنه يطرح نفسه لقيام بدور النموذج الإنمائي لبناء المجتمع الجديد، ويخوض صراعاً تنافسياً مع الطبقات البرجوازية وغيرها من الاقسام الأخرى التي تتوق إلى الاستيلاء على سلطة الدولة، من أجل الحصول على التأييد الاجتماعي. ومن هنا كان تحرك الرئيس بومدين نحو "إعادة الثورة إلى الفلاحين الجزائريين الذين منهم نبعت. وقد نفذ من خلال الاصلاح الزراعي، وبناء "قرى اشتراكية" تمد الفلاحين بمساكن مجهزة بكل المنافع الضرورية، والخدمات الصحية، والمدارس لأطفالهم، وفرصة فلاحة الأرض جماعياً"(23).
دخلت الجزائر ما بعد 1965 في مرحلة سياسية ودستورية جديدة وشهدت قيام الثورة الزراعية والثورة الصناعية وبناء الاشتراكية ذات الخصوصية الجزائرية. وكانت السياسة الاقتصادية التي أنتهجها الرئيس بومدين لبناء الدولة الجزائرية التي حملت هذه الرسالة التاريخية، لتؤسس عليها شرعيتها، وتبني مجتمعاً نامياً، حسب مشروع الدولة للتصنيع والتحديث السريع، من أجل خلق بنية صناعية متطورة، وفي سبيل تعميق الالتزام بنظام عمل فعال، وتحقيق وتيرة انتاج عالية، قد عجزت تاريخياً عن تقويض البنى الاقتصادية والاجتماعية الرأسمالية الموروثة من عهد الاستعمار، وعن بناء قاعدة اقتصادية واجتماعية متحررة من الاستغلال والتبعية، حيث تكون فيها السيطرة الطبقية لجماهير العمال والفلاحين الفقراء والفئات الوسطى.
فهذه السياسة التي تنشد التطور الاقتصادي والتصنيع الثقيل، لم تكن مجانية إذ أن الموقف السياسي الدافع إليها، ومحاولة التغلب على الفشل في التوفيق بين أثار التقدم العلمي والثقافي وبين عوامل التنظيم السياسي والاقتصادي المتوارثة من مرحلة التسيير الذاتي وما قبلها، ومنع التبذير في الأموال العامة، وتجاوز "اشتراكية عشوائية ودعائية" على حد قول بومدين، والطموح الجامح من أجل مجاراة الجزائر العمياء للدول الصناعية المتقدمة، لم تكن أقل خطراً من تجربة التسيير الذاتي.
أولاً: العسكر وسلطة الدولة
من النادر جداً أن نجد في الوطن العربي أن العسكر يخضع لسلطة سياسية عليا متكونة من المدنيين في العصر الحديث. وإذا وجد فهو أمر استثنائي في التاريخ السياسي، وظل وضعاً انتقالياً. لكن الوضع الطبيعي هو استيلاء العسكر على السلطة، باعتباره أصبح المسلك الطبيعي كما قال "عبود" في العام 1958.
وهكذا، فإن استلام العسكر السلطة في الدولة العربية أصبح ظاهرة عامة -خصوصاً بعد مرور بضع سنوات من الاستقلال الواقعي، وانكشاف عجز الحكومات المدنية- ليتحقق للعسكر القدر الكافي من الشرعية، والتبرير السياسي، والثقة بالنفس، لكي ينفذ انقلابه الأول باللجوء إلى استخدام العنف -القوة العسكرية- أو التهديد باستخدامها لفرض سياسته المتعارضة مع الدستور والمؤسسات، وإقامة نظام سياسي يكون للعسكر فيه اليد العليا في صنع القرار السياسي، سواء بالهيمنة المطلقة على مصادر القوة والسلطة في المجتمع، أو بالتعاون مع التكنوقراط المدنيين.
وبما أن العسكر هو من أوائل المؤسسات السياسية المنظمة والقوى الحديثة المستقرة التي ظهرت في الجزائر قياساً للقوى الأخرى، كالأحزاب والتحزبات السياسية على اختلاف طبيعتها ومرجعياتها الفكرية، وحيث أن حكومات بن بلا الثلاث التي حكمت البلاد بعد الاستقلال قد أنهكتها قوى الطرد القديمة للسياسيين المعارضين والصراعات داخل القيادة السياسية، فقد بدى أن أيسر الطرق للإطاحة بهذه الحكومة الضعيفة هو التلويح باستخدام قدرة الجيش على حسم معركة السلطة داخلياً أو تسليم الحكم إلى العسكر. وبالفعل فقد قام بومدين بإنقلابه العسكري دون علم أو تنسيق مع حزب جبهة التحرير الوطني أو أي منظمة نقابية علنية، ليعلن عن ذلك بدء عهد جديد من الديكتاتورية العسكرية السافرة.
وفي البلاد العربية التي سيطر فيها العسكر على مقاليد الحكم وأقام ديكتاتوريته العسكرية يتعلم قادة الجيش الإنقلابيون من بعضهم البعض فقد استعار بومدين فكرة تشكيل "مجلس قيادة الثورة" من التقليد الناصري، الذي انشأه عقب ثورة يوليو 1952، حيث أصبح تشكيل مجلس قيادة الثورة منذ ذلك الحين النموذج المعتمد لاحتكار العسكر مصادر السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في البلاد العربية" وغالباً ما يكون تشكيل هذه المجالس سرا غير معلن. ولذا كان من السهل إجراء التعديلات في عضويتها، أما بضم أعضاء وأما باستبعاد آخرين. وهذه المجالس تعد تقنيناً للجور، حكم متعسف يضع الشعب بأكمله في كفة والضباط في كفة أخرى، إنه حكم غير شرعي، ليس لأحد أن يسائله"(24).
وكان بومدين قد شكل مجلس قيادة الثورة باعتباره أول مؤسسة عرفت بعد الاستقلال بعد أن علق الدستور والجمعية الوطنية (البرلمان)، والمكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني الذي حل وأعطى العسكر لمجلس قيادة الثورة صلاحيات أعلى سلطة سياسية وتشريعية قضائية لا حدود لها للثورة، إلى حين إعداد دستور جديد يحدد أجهزة سلطة الدولة.
كانت الخطوط الرئيسية لتقسيم مجلس قيادة الثورة تستند إلى خلفية الصراع بين قيادات جيش الحدود، أي العسكريين النظاميين والوزراء القريبين لبومدين من جهة، وعصابات حرب التحرير في الداخل أي قادة الولايات والوزراء "المدنيين" من جهة أخرى. لقد حل التمثيل الكبير للعسكريين في مجلس الثورة على أولوية مهمة المجلس في تحقيق النظام والأمن في ضم كافة الأفراد ذوي النفوذ داخل القوات المسلحة، وبالتأكيد تبقى وحدة الجيش الضمانة الكبرى لإستقرار النظام الجديد وقدرته على مقاومة المعارضة، أكثر مما كان عليه بن بلا. وبما أن الجيش كان أقوى منظمة داخل الجزائر يجب أن يتضح لبومدين وحلفائه أن الخطر الأكبر على النظام قد يكون انقلاباً ثانياً من داخل الجيش. وكان القادة المناطقيون لحركة كهذه هم قادة الولايات السابقين الذين عبروا عن كرههم وعدم ثقتهم بضباط الجيش المحترفين من حول بومدين في مناسبات كثيرة سابقة(25).
فإذا كانت الإطاحة بحكومة بن بلا بواسطة الإنقلاب العسكري المهمة الأكثر سهولة بالنسبة للعسكر فإن الصراع على السلطة ظل مستمراً، باعتباره تعبيراً عن الصراع بين القوى الاجتماعية أو الطبقات المتباينة. والحال هذه فإن نجاح انقلاب بومدين، قد أعقبته محاولة انقلابية إضافية -بغض النظر عن عدم نجاحها- بقيادة الزبيري في كانون أول 1967، حسمت الصراع على السلطة بين قيادات الجيش النظامي وقيادات الولايات التي لها انتماءات طبقية متباينة، لمصلحة الجيش النظامي وانتصر بذلك بومدين.
ويكشف الجدول التالي أسلوب انتقال السلطة في الدولة الجزائرية منذ بداية الاستقلال وحتى 1991:
تاريخ انتقال السلطة |
الحكام |
طريقة استلام السلطة |
المدة في السلطة |
|
|
|
الشكل |
النوع |
|
أيلول 1962 |
من فرحات عباس إلى أحمد بن بلا |
انقلاب عسكري ثم استفتاء لتجديد المدة |
عنيف |
ظل في السلطة من أيلول 1962 إلى حزيران 1965، لم يكمل المدة القانونية في السلطة وتم عزله بالقوة. |
19حزيران 1965 |
من أحمد بن بلا إلى العقيد هواري بومدين |
انقلاب عسكري تم تجديد مدة رئاسته ثلاث مرات عن طريق إجراء استفتاء شعبي كل مرة |
عنيف |
ظل في السلطة من 19 حزيران 1965 إلى كانون ثاني 1978 حيث ترك السلطة بسبب الوفاة الطبيعية |
من شباط 1979 |
من هواري بومدين إلى العقيد الشاذلي بن جديد |
سلمي ودستوري، ثم ترشيحه من قبل قيادات الجيش، وجددت مدة رئاسته مرتين عن طريق استفتاء شعبي كل مرة. |
سلمي |
ظل في السلطة من شباط 1979 حتى كانون أول 1991، حيث عزل بالقوة عن طريق انقلاب عسكري. |
في التاريخ السياسي الحديث للجزائر، نلحظ أن عملية الصراع على السلطة من أجل السيطرة على جهاز الدولة قد تمت بواسطة ثلاث حالات من الانقلابات العسكرية. فالانقلابان الأول والثاني، حدثا في مرحلة لم تتكون في الجزائر بعد دولة المؤسسات الدستورية التي تحدد قواعد التداول السلمي للسلطة، أما الإنقلاب الثالث فقد حصل بعد أن وضع دستور للبلاد (الميثاق الوطني 1976 الذي تم تعديله في عهد الشاذلي بن جديد) وبعد انتفاضة أكتوبر 1988 وما نجم عنها من وضع دستور جديد للجزائر ينظم عملية الانتقال السلمي للسلطة. لكن لم يقابل هذا التقنين بناء دولة مؤسسات دستورية مستقرة في الواقع السياسي العملي، إذ أن النظام الجزائري ارتد على الاتجاه التاريخي لنقل السلطة سلمياً في الحالة الأخيرة -(التي كان ورائها الانقسامات داخل حزب جبهة التحرير الوطني، حيث كان هذا الانقسام أحد مصادر الصراعات والأزمات السياسية التي عانى منها النظام، وبخاصة بعد خسارة حزب السلطة في الانتخابات التشريعية، ونجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في تلك الإنتخابات العام 1991، التي برزت فيها كأول حزب سياسي من حيث قوته الجماهيرية في الجزائر)- وحصل الانقلاب العسكريالثالث. ولأن التجربة الديمقراطية التي عبدت الطريق لانتصار الإسلاميين في الجزائر، كانت ستضع حداً لسلطة المؤسسة العسكرية في البلاد، وهو ما رد عليه العسكر برفض التسليم بإرادة الشعب الجزائري، والإستمرار في النهج القديم الملتزم بالدولة التسلطية.
وإذا كان العسكر في الجزائر يخشى من تحول النظام إلى اعتناق المبادئ الديمقراطية، فيما يعني ذلك الإيمان بمبدأ التداول السلمي عن طريق الإنتخابات التشريعية الحرة، وخضوع السلطة لرقابة البرلمان. فإن الانقلاب العسكري الجزائري كان جزءاً من ظاهرة الانقلابات العسكرية التي شكلت اتجاهاً عاماً في بناء الدولة التسلطية العربية في العصر الحديث، "تضرب بجذورها في التاريخ القومي العربي، وفي تراث الحضارة الإسلامية. والاتجاهات الدولية التي يمكن ملاحظتها في العلاقة بين الجنرال ورجل الدولة، ليست أكثر من خلفية لتلك الانقلابات. كذلك لا ينبغي أن نبالغ في تقييم الأثر المحدد للتقليد التاريخي العربي الطويل في الحياة السياسية الحديثة، فلا شك أن هناك تراثاً طويلاً من الفتوحات والغزوات واغتصاب الحكم بالطريق الحربي... "عبء التاريخ في الشرق الأوسط" كما يسميه "جورج .م. حداد" فالعديد من الدوافع والاتجاهات القديمة مازالت موجودة، ولا يزال يعبر عن نفسه وعن مصالحه الخاصة، في الوقت الذي يدعي فيه حماية مصالح الشعب" (26).
لقد أدت سيطرة العسكر على السطة بقبضة حازمة في عهد حكم بومدين، إلى أن يكون الجيش مصدر السلطة الوحيد، عمق من ذلك فشل انقلاب العقيد طاهر الزبيري، الذي أعطى لبومدين المبررات السياسية إلى تصفية المعارضين السياسيين "التاريخيين"، إما بالاعتقال، وإما بالنفي، وتمزيق أشلاء بقية تكوينات المجتمع المدني الوليد من الهياكل الشعبية والنقابية والسياسية. ومنذ ذلك الحين لم يعد الجيش مديناً لأحد بشيءن وبدأت تتبلور بشكل واضح تشكيلة بيروقراطية الدولة، التي عمادها ضباط هيئة الأركان وكبار الضابط من العسكر، والبيروقراطية النامية من التكنوقراط، التي وجدت نفسها سلعة مرغوبة عند العسكريين.
وهكذا كان النظام الجديد يتألف في معظمة من العسكريين المحترفين المهيمنين على مجلس قيادة الثورة ومن المثقفين المؤهلين فنياً، الذين تولوا مناصب حكومية، نظراً لتأكيد النظام على معايير الكفاءة الفنية والتطوير الاقتصادي والانتاج. وجدير بالملاحظة أن نسبة أعضاء حكومة بومدين كانت في معظمها من الوزراء الذين تلقوا ثقافة غربية في إحدى المدارس أو الجامعات الفرنسية، وإن كان الضباط العسكريون قد احتلوا أهم مواقع القيادة السياسية والاقتصادية والنيابية. ذلك أن البيروقراطية العسكرية العليا والفئات التكنوقراطية والمهنية تجمعهما مصالح متطابقة ورؤية واحدة للمستقبل تهتم أساساً بالأفكار التحديثية و"الكفاءة التقنية"، وتنتميان إلى أصول طبقية واحدة الشريحة العليا من البرجوازية الصغيرة التي لا تمتلك وسائل الانتاج، ولكنها تمتلك رأسمالاً رمزياً يتمثل في تخصصها النظري أو التقني المدني أو العسكري المتقدم نسبياً. وعلى صعيد العلاقة بين الوزراء ومجلس قيادة الثورة حدد بومدين في خطابه الذي ألقاه في تموز 1965، تلك العلاقة بالعبارات التالية: سيكون الوزراء مسؤولين أمام مجلس قيادة الثورة الذي يقيم أعمالهم مع إدراك أن الوزير ينفذ القرارات التي تتخذها السلطات العليا (مثل مجلس قيادة الثورة) وإذا كان بومدين أراد استثمار كل الكفاءات الجزائرية لبناء الدولة الجديدة، الموروثة من عهد الاستعمار بما فيها الفئة التكنوقراطية التي لم تساهم بدور رائد في حرب التحرير، أو التي التحقت بها في وقت متأخر أو تسربت إلى صفوفها بشكل أو بآخر، إلا أنه اكتفى بفرض بيروقراطية في الجيش والاقتصاد، لا تمتلك المقومات الثورية لخلق البنى الخاصة بالدولة الحديثة. ويقول محمد حربي في هذا الصدد. بأن نضال الشغيلة الاجتماعي أدى إلى مصادرة أملاك البرجوازية الأوروبية، لكن لمصلحة البيروقراطية التي وسعت قواعدها الاجتماعية بشكل كبير وحصلت على إمكانية اخضاع السيرورة الاقتصادية لأهدافها الخاصة بها..
ثمة حدثان لهما أهمية تاريخية في مسيرة البيروقراطية نحو السلطة الكاملة: انقلاب 19 حزيران 1965 ضد الرئيس بن بلا، والانقلاب الفاشل للعقيد الزبيري ضد العقيد بومدين (كانون الأول /ديسمبر 1967) جعل الأول من الجيش مصدر السلطة والحكم بين الصراعات في الدولة. وقاد الثاني إلى شل الأليات التي كانت تفتح الطريق أمام الضغط الشعبي: قطع القمع رأس الحركة الطلابية، وجرى تحويل النقابات إلى مجرد فروع للسلطة وأقصت المشتركات
COLLECTIFS عن تسيير الاقتصاد"(27).على نقيض نظام بن بله الذي كانت له الجرأة الثورية في اتخاذ عدة مبادرات مهمة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن كان يعوزه الانسجام والتآلف بين أطراف القيادة السياسية العليا، المتخلفة بسبب من سيادة العلاقات المضطربة بين أعضائها من ناحية، ومركزية حكم بن بلا الذي أتهم في حينه بالاستبدادي من ناحية أخرى، أنشأ بومدين نظاماً حقق الاستقرار للقيادة السياسية العليا المجزأة إلى عدة كيانات شبه اقطاعية مثل، جماعة وجدة المرتبطة: ببومدين جماعة الأوراس المرتبطة بالزبيري. جماعة ضباط الجيش الفرنسي المرتبطة بشابو. والأنصار المرتبطين بقيادة الولايات سابقاً.
ونظراً للطبيعة الكارزمية التي كان يتمتع بها بومدين، ولتاريخه الثوري السابق كرئيس لهيئة أركان الجيش الشعبي الوطني، وباعتباره العقل المدبر للانقلاب العسكري في العام 1965، فقد استطاع أن يكون مركز استقطاب لحل الخلافات أو التحكم فيها داخل النخبة الحاكمة. ثم إن أيديولوجية ممارسة دور الحزب الواحد في الدولة، جعلت من بومدين الذي أصبح يمتلك سلطة القرار السياسي والحزبي على صعيد جهاز الدولة والحزب يقوم بترقية الضباط العسكريين ويضع رجاله في المفاصل الرئيسية، سواء داخل أجهزة الدولة، أو البرلمان، أو الهيئات القيادية في الحزب، أو تعيينهم في المناطق المختلفة من البلاد. وقد سمحت له مرحلة تدفق الريع النفطي بفتح قنوات الترقي الاجتماعي للبيروقراطية العسكرية والتكنوقراطية. فهو يغض الطرف عن الرشاوي التي كان الضباط العسكريون متورطين فيها، ولكنه بالمقابل كان يفرض عليهم التزاماً لفظياً وشكلياً بالاشتراكية، ومبادئ جبهة التحرير الوطني الجزائرية.
لقد كان بومدين واعياً بوجود أرستقراطية عسكرية مرتشية، وتعيش حياة مرفهة، ومع ذلك كان يبحث عن كسب الوقت من أجل تدعيم قاعدته الشرعية السياسية والتاريخية، وتوسيع نفوذه الشخصي، والمحافظة على توازن غير مستقر يستبعد فيه انتصاراً مجدداً لأحد أطراف القيادة السياسية المتواجدة، يساعده في ذلك النظام المعتمد على جهاز الجيش والأمن، وإحاطته بشبكات من أقرب المقربين إليه من المساندات الحزبية والحكومية والعسكرية، تكون مواقع سلطتهم تبعاً لموقعه.
وفعلاً، أعاد نظام بومدين إلى المؤسسة العسكرية اعتبارها وهيبتها. لأنه كان يعرف أكثر من السياسيين السابقين كيفية التعامل مع الجيش، لاستعماله وضبط طموحاته السياسية لأبعاده عن القيام بانقلاب عسكري جديد ضده للاستئثار بالسلطة، والإغداق عليه بالمنافع المادية التي توفرها له الدولة التسلطية المسيطرة على مصادر الثورة النفطية في المجتمع من جهة، وتكليف الضباط المنحدرين من أصل بربري مثل قاصدي مرباح برئاسة أجهزة المخابرات الجزائرية الملقبة بالأمن العسكري، للمراقبة والسيطرة على النخبة المنحدرة من الشرق الجزائري التي تشكل النواة الصلبة للجيش الجزائري، لكي يصبح الأمن العسكري -أو دولة الاستخبارات قوة رهيبة يخافها الجيش والمجتمع المدني على حد سواء باعتبارهما عدوين محتملين دائماً من وجهة نظرها، من جهة أخرى.
وبذلك، كان الحكم الشخصي الاستبدادي لبومدين هو الرمز الحي لجوهر الدولة الوطنية غير الشخصي، حيث أن جهاز الدولة الذي احتلته النخبة من البيروقراطية العسكرية والتكنوقراطية لا يحتفظ برجاله. أنه يحتفظ برجل واحد فقط. لأن قوة النموذج الدولتي في الجزائر لا يكمن في المؤسسات وإنما في القوة الرمزية لشخصية بومدين، التي جعلت كل فرقاء أو أجنحة النظام مرتبطة ببومدين شخصياً، لأنه يجيد لعبة الأوزان المعبرة عن الإختلاف الهيكلي في صلب الدولة. وهذا ما جعل كل طرف من أطراف النخبة السياسية العسكرية يعتبر أن بومدين هو ممثله والمدافع عنه.
وبذلك كان بومدين الزعيم الأوحد، وبفضل نكران الذات النسبي الذي كان يتمتع به، وكان يجري التحكيمات بين ممثلي الطبقة السياسية الحاكمة. ويحفظ التوازن والإستقرار السياسي النسبي. فهو رجل الجيش الأوحد، وهو رجل الحزب، وهو رجل الإرادة الذي يعشق النظام ويحرص على عدم التغلغل في المهمات التي كان قد أعطاها كل أطراف الطبقة السياسية الحاكمة والسيطرة في المجتمع، يجدون ضالتهم في شخصه ويطلبون نجدته ومساعدته، أما في غيابه فكانوا يتقاتلون فيما بينهم. لقد خرج بومدين من صفوف الشعب "يحيط به منافسون يتربصون أي حركة خاطئة منه، وتحلى بطباع واكب الجانب الاستبدادي فيها رفضه فرض إرادته على الآخرين. فباسم الائتلاف يضع قضايا الدولة في أيدي خبيرة ولكنها ليست دائماً نظيفة ويبدو وكأن نكران ذاته في وسط الفئة الحاكمة بديل عن الديمقراطية"(28).
ثانياً: العسكر و"اشتراكية الدولة"
"أو استراتيجية الصناعات التصنيعية"
ورثت الجزائر من العهد الكولونيالي، بيروقراطية موروثة من الإدارة الفرنسية معادية للسلطة الوطنية حتى العظم، وتقسيمّاً اجتماعياً للعمل قائماً على تصدير المواد الأولية واستيراد السلع المصنعة. ففي العام 1964 أي بعد سنتين من الاستقلال، مثلت مجموع صادرات الجزائر من المواد الأولية والمواد الغذائية 98.5 في المئة، كانت نسبة صادرات المواد الأولية منها تمثل 59.4، في حين كانت نسبة صادرات النفط من تلك المواد الأولية تمثل 90.6 في المئة. أما على صعيد الاستيراد، كانت نسبة الواردات من السلع المصنعة (التجهيز والاستهلاك) تمثل 76 في المئة من مجموع الواردات في العام 1964، حيث احتلت واردات المواد الاستهلاكية نسبة 60.5 في المئة من مجموع الواردات. وعلى الرغم من مرور ثلاثين عاماً، فإن الاقتصاد الجزائري ظل قائماً على التخصص عينه للتقسيم الدولي للعمل. إذ أنه ما زال يرتكز على تصدير المواد الأولية مخفضة تقريباً إلى تصدير النفط والغاز الطبيعي الذي وصلت صادراتهما إلى نحو 96 في المئة من مجموع الصادرات مقابل 12 في المئة في العام 1961، في حين بلغت الواردات من المواد الغذائية والسلع المصنعة نسبة 91 في المئة من مجموع الواردات، مقابل 94 في المئة في العام 1961.
ومع أن سلطة العسكر قدمت برنامجها الاقتصادي والتحديثي الذي أدى إلى خلق قطاع عام أو قطاع الدولة، وبناء اقتصاد موجه في إطار بنية سياسية استبدادية، حيث جاء ارتفاع أسعار النفط ليمدها بأموال هائلة استفادت منها الدولة لتصنيع المجتمع الجزائري، إلا أن التقسيم الدولي للعمل الموروث عن المرحلة الكولونيالية لم يتم تجاوزه ديالتيكيا من قبل الدولة التسلطية.
لقد تم خلق القطاع العام، الذي كان ولا يزال يعتبر ضرورة اقتصادية نظراً لضعف رأس المال الخاص المحلي وضعف معدل الربح المقتطع في ظل المنافسة الاقتصادية الدولية، باعتبار أن رأسمال الدولة يتحدد بالنسبة للدائرة السياسية التي تحدد بدورها الفضاء العام مصدر الدولة، التي هي بمنزلة أمينة على المصلحة العامة، وممارسة للسلطات العامة. لكن خلق القطاع العام هذا، أو قطاع الدولة في بلدان العالم الثالث عامة، والجزائر بخاصة، لم يكن مقترناً بخلق فضاء عام بوصفه إطاراً تعبيرياً عن تعايش مصالح وحريات الأفراد، ومعبرا في الوقت عينه عن موازين القوى بين المصالح المتعارضة داخل المجتمع المدني من جهة، وبين المجتمع والدولة من جهة أخرى. والحال هذه لا يمكن للدولة أن تكون تعبيراً عن الإرادة العامة، أو الفضاء العام كما تم تحديده، إلا إذا قدرت وراعت تعارض المصالح في المجتمع المدني، وتعايش هذه المصالح عينها.
وترافق خلق القطاع في الجزائر مع إلغاء المجتمع المدني، إذ أن تطور هذا الأخير توقف بمجرد أن انبثقت الدولة التسلطية التي لا تسمح بوجود فضاء سياسي عام، ولا بأية استقلالية للمجتمع المدني عن المجتمع السياسي. في معرض نقده للعلاقة بين الدولة والقطاع العام في الجزائر يقدم الهواري عادي تعريفاً غربياً للفضاء العام، بقوله، أن القطاع العام سيكون حينئذ الحقل الذي يسيطر فيه المجتمع السياسي في نطاق احترام القوى المنظمة لإعادة الانتاج المادي التي يكون مسرحها المجتمع المدني، القائم على أساس الملكية الخاصة، ويبدو أن الفضاء العام هو شرط لعمل قانون القيمة الذي يستشرك دورات العمل الخاصة. ولم يكن الفضاء العام هبة حسنة من المجتمع السياسي إلى المجتمع المدني، فهو وظيفة يحددها المجتمع السياسي للمجتمع المدني من أجل تمكين إعادة الانتاج الاجتماعي أن تسير في صور ملائمة. وإذا أدركنا الفضاء العام من هذا المنظور فإننا نفهم لماذا لا يمكن أن يفقد حقوقه المدنية من دون أن يحدث أزمة في إعادة الانتاج الاجتماعي. فالدولة الغربية ملزمة بتأكيد الطابع العام لقسم من الفضاء الاجتماعي الذي هو بمنزلة التعبير عنه على الصعيد السياسي من جهة، من دون أن يتمكن موظفو هذه الدولة الاستفادة من مزايا مباشرة دون مراعاة قواعد الحق العام. وهكذا فإن التشريع المستوحى من الأيديولوجية الليبرالية يحمي النظام العام من "الإقطاعية" و"النفوس المرتشية" والأيرادات السياسية -الاجتماعية، التي يتم تحويلها عن وظيفتها، فالحق العام الذي يحكم العلاقات الاجتماعية داخل الفضاء العام هو متشبع بقوة من التقليد الليبرالي الذي بلغ قمته في "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" في العام 1789 فارضاً احترام الملكية والأمن ومقاومة الاضطهاد. والحال هذه، فإن الحق العام لا يظهر كوسيلة قضائية في أيدي الدولة تستخدمها لتقييد حرية المجتمع المدني، بل بالعكس وإنما كوسيلة يستخدمها المجتمع المدني للحد من الاتجاهات التسلطية للدولة، والاتجاهات الملازمة لكل سلطة.(29).
وعلى الرغم أن تدخل الدولة في الجزائر ضروري من أجل قهر التأخر التاريخي، وتصفية رواسب التخلف، وتحطيم البنى الأيديولوجية للمجتمع التقليدي، حيث أن دول العالم الصناعي الغربي تعمق التخلف في العالم الثالث عبر ممارسة عمليات الاستغلال والسحق له، وعبر تدهور حدود المبادلة اللامتكافئة التي تمارسها أليات السوق الرأسمالية العالمية على اقتصادياته، وحيث أن الرأسمال المحلي الخاص بسبب من حجمه وعدم نضجه عاجز عن إطلاق دينامية اقتصادية اجتماعية وسيرورة تراكم اقتصادي، إلا أن هذا التدخل من جانب الدولة الجزائرية لخوض عملية تنموية طموحة تسابق فيها الزمن، بذاتها النخبة الحاكمة في منتصف الستنينات، واستمرت حتى العام 1979، مستندة إلى مجموعة من الأفكار والإجراءات، مثل تأميم المناجم، والبنوك الأجنبية، وشركات التأمين، ثم بتأميم النفط في مطلع السبعينات، وبناء قطاع عام ضخم واعتماد المخططات التنموية الهادفة إلى إقامة "اقتصاد موجه" يعتمد على فكرة التصنيع المكثف المستند إلى ما أطلق عليه "الصناعات التصنيعية"، لم يفسح في المجال لانبثاق فضاء عام بسبب من احتكار العسكر مصادر السلطة والثروة في المجتمع من جهة، وعدم قدرة الدولة الوطنية التي ترتكز إلى بيروقراطية عسكرية مركزية على الطريقة السوفياتية لا أحد يسيطر عليها، ولا تحتكم إلى رقابة شعبية على حماية القطاع العام، الذي يهيمن فيه السياسي على الاقتصادي من جهة أخرى.
لكن نظام بومدين لم يستوقف كثيراً عند موضوع الديمقراطية، بل كان همه كيف يتم تجاوز مرحلة التسيير الذاتي، حين أعلن في 9 حزيران من العام 1968 أن "نظام التسيير الذاتي يعتبره بعض منظري الاشتراكية انحرافاً. وهذا هو السبب في أن الماركسيين في بعض البلدان الاشتراكية، خاصة في الاتحاد السوفياتي اعتبروا التسيير الذاتي نشاطاً انحرافياً حينما طبق في يوغسلافيا. أما بالنسبة للجزائر فقد قررنا على الرغم من كل الانتقادات أن نخلق مؤسسات وطنية لأن مهمتنا هي وضع نهاية للفوضى والتبذير والاضطراب في هذا القطاع (أي القطاع الاشتراكي) (30).
لقد تم خلق الشركات والمؤسسات الوطنية الكبيرة باعتبارها نقيض التسيير الذاتي في الصناعة، وتتلقى هذه الشركات رأسمالاً من الدولة وأقيمت الصناعات الكبيرة المعتمدة على التقنية المتطورة، وعلى استيراد التكنولوجيا خاصة من الولايات المتحدة وألمانيا واليابان.
وفي الواقع ومهما كانت الدولة قد أشتطت في دعايتها بتحقيق "الاشتراكية الجزائرية"، فإن استراتجية التنمية القائمة على استيعاب التكنولوجيا من أجل جعل التخطيط الاقتصادي الموجه واقعاً عقلانياً والزامياً في المجتمع الجزائري وتحديث بنية المجتمع، قد أفضت إلى نقيضها. لأن الشركات الوطنية والمشاريع الصناعية اتخذت معايير التشغيل والانتاج الرأسماليين، وهي بذلك عملت على غرار الشركات الرأسمالية الساعية إلى تحقيق الربح والانتاجية، وهذا يتناقض مع الأهداف الاشتراكية في الجزائر. ثم إن هذه الشركات الوطنية نظراً لتمتعها بقدر من الاستقلالية النسبية، طورت علاقاتها الاقتصادية مع الشركات المتعددة الجنسيات، وأبرمت عقوداً معها، طالما أنها تنشد الربح الأقصى.
ولما كانت استراتجية التصنيع المستندة إلى نموذج "الصناعات التصنيعية" غير آخذة بعين الاعتبار عوامل أساسية منها العمال المهرة، والكوادر التقنية المتكيفة مع التكنولوجيا الغربية المتقدمة، وقدرة السوق على استيعاب المنتوجات الصناعية، ومدى قدرة الصناعة الجزائرية على المنافسة في نطاق السوق الرأسمالية العالمية، فقد آلت نتائج هذه الاستراتيجية إلى هدر كبير للأموال والرساميل، التي زودت بها الدولة الشركات والمؤسسات الوطنية، وإلى تعميق التبعية الاقتصادية والتكنولوجية للجزائر تجاه البلدان الرأسمالية الغربية، وإلى دخولها في دائرة التقسيم الإمبريالي للعمل...
ويعزى فشل استراتيجية "الصناعات التصنيعية" إلى أن القطاع العام الذي تم خلقه في الجزائر، لم يكن تنافسياً، ومنتجاً. والفشل هنا لا يجوز إرجائه إلى فشل النموذج، وإنما إلى طبيعة الدولة التسلطية الجزائرية التي لا تقر بأن نجاح القطاع العام في تحقيق وتيرة اقتصادية عالية يتطلب وجود مجتمع مدني حديث قائم على التعدد والتعارض والإختلاف، وهذا الأمر يتناقض جذرياً مع أيديولوجية الدولة التسلطية أي أيديولوجية جبهة التحرير الوطني، التي ترفض الأقرار بوجود انقسامات طبقية داخل المجتمع الجزائري، تتطلب وجود تمثيلات سياسية معبرة عنها، بل استمرت في اِنكار وجود مثل هذه الإنقسامات، وبالتالي النظر إلى الجسم المجتمعي في أحاديته
monolothique لا تشقه تناقضات طبقية لا يقوم على التنوع والتعدد والتعارض المستند إلى خاصيات مهنية، ومهارية، وعقيدية، مرتبطة بدور الأفراد والفئات الاجتماعية، ومواقعهم في التكوين الاقتصادي- الاجتماعي.هذه النظرة السطحية والأحادية الجانب للجسم المجتمعي، تحول دون الإقرار بحقوق الأفراد وبحرياتهم ولا تعترف صراحة بالتنوع في القيم والمعايير للفئات والشرائح الاجتماعية. فمفهوم موضوع الحق الذي يفترض وجود مصالح متعارضة للأفراد، والفئات الاجتماعية، وبين القواعد التي تنظم عملية المنافسة السلمية فيما بينها، ويحدد كذلك "أساليب الإرتقاء والحراك الاجتماعي وطرق التداول على السلطة ودوران النخبات، وأسس توزيع القوة في المجتمع، إضافة إلى تأسيس الصراع" وهو أمر تغيبه كلياً أيديولوجية الدولة التسلطية الجزائرية. فكيف يمكن إذن حين يتم تغييب مفهوم موضوع الحق، أن تنبثق دولة القانونن والفضاء العام.
وهكذا، استمرت أيديولوجية الدولة الجزائرية في ترسيخ مفهوم شمولي وأخلاقي للحق والسياسة. هو مفهوم الجماهير الشعبية ككتلة صماء، والاتجاه نحو بناء دولة مركزية قوية متصلبة ومستبدة تسيطر عليها أيديولوجية أحادية وشعبوية
Ideologie Populiste تمجد الوطنية الجزائرية التي استمدت شرعيتها السياسية والتاريخية من القضاء على الاستعمار الفرنسي وتحقيق الاستقلال، وبرهنت على أنها قوة خارقة في القضاء على حقوق الأفراد وحرياتهم، وفي إنشاء إجماع أساسي حول فكرة حق الدولة في التدخل في كل ميادين الحياة الوطنية دون الاستجابة لفتح أبواب النظام السياسي لفئات جديدة تشارك في السلطة، ودون تشجيع سياسة توفر مشاركة أوسع لمكونات المجتع المدني في العملية السياسية، وفي تحديد الخيارات الاقتصادية الاجتماعية للبلاد التي تخدم قضية التنمية المستقلة والتقدم.ولما كان الاقتصاد لم يتحرر من هيمنة سياسة الدولة التسلطية في الجزائر، فإنه أضحى من المستحيل إنشاء قطاع عام منتج وتنافسي وفعال بالمعنى الدقيق للكلمة، لهذا السبب كانت السمة العامة التي طبعت القطاع العام في بلدان العالم الثالث عامة والجزائر بخاصة، هو الفشل. ولقد تجسد هذا الفشل في الرفض الصارم والمطلق من جانب الدولة التسلطية حل مشاكل الثورة الديمقراطية، وبناء مجتمع مدني حديث على أنقاض المجتمع الجزائري التقليدي، الذي تسود فيه العلاقات الاجتماعية ما قبل الصناعية، وحيث ما زال الانتماء إلى مجموعات تلفها عصبيات مشتركة وتضامن داخلي قوي محدودة في الزمان والمكان. ويحدد هويتها عوامل كمثل الدين، واللغة، والقبيلة، والعائلة، والمنطقة المحلية، أقوى من الانتماء السياسي. وتحولت هذه الدولة التسلطية عن طريق سيطرتها على القطاع العام إلى رأسمالي رئيس مالك للمشروعات الأساسية للتنمية الاقتصادية، تستفيد منه بشكل رئيسي الطبقة الحاكمة المتكونة من البيروقراطية العسكرية والتكنوقراطية، التي تشرف على الجهاز الإداري -الموظفون- وعلى قوى القمع المخابرات والجيش، وترفض بإطلاقية الإقرار بوجود الصراع الطبقي، والسعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والسماح للعمال والفلاحين بالدفاع عن مصالحهم الطبقية بأنفسهم.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد تجسد الفشل الذي طبع مشروع التنمية في "ضعف الأداء والمردودية الاقتصادية للمنشآت والتجهيزات التي كلفت المجتع ثروات ضخمة وتضحيات كبرى. وكانت إحدى نتائج ذلك الفشل، العجز المالي المستمر الذي تعانيه الوحدات الانتاجية. إضافة إلى تعميق عملية التشوه والتبعية، التي تعرضت لها البنية الاقتصادية بسبب الاعتماد شبه المطلق على مداخيل الريع النفطي، جرى كل ذلك على حساب إطلاق سيرورة تراكم اقتصادي داخلي يقوم على تطوير الصناعات التحويلية بمختلف فروعها والتركيز على رفع درجة التكامل الاقتصادي بينها وبين قطاعات أخرى، مثل الفلاحة والري والخدمات التي لم تنل سوى قدر ضئيل من الاهتمام"(31).
وهكذا تحولت الشركات والمؤسسات الوطنية التابعة للقطاع العام إلى أسوأ من داء التسيير الذاتي، بعد أن جاءت لتقويض بنيته لأن تملك الدولة جزءاً كبيراً من وسائل الانتاج، وتحكمها القوي في قوة العمل الجزائرية، وسيادتها على الثروات الباطنية في الأرض -(على الرغم من أن الاشتراكية العلمية تقر على الصعيد النظري، على نقيض اشتراكية الدولة، بوجود حركة عمالية قوية، إذا انفصلت الاشتراكية عنها، تحولت إلى دعامة للنظام الرأسمالي وتتطلب تأميم كل وسائل الانتاج ونقل ملكيتها إلى المجتمع. وتتنبأ "بزوال الدولة") أفسح في المجال للبرجوازية التكنوقراطية الصاعدة المتحالفة مع البيروقراطية العسكرية الحاكمة قيادة الجيش والأمن العسكري، لكي تراكم رأس المال في صلب الدولة عن طريق النهب والسمسرة مع الشركات الأجنبية، وكذلك بواسطة تحويل قسم من عائدات النفط لحسابها الخاص.
وبذلك تشكلت طبقة برجوازية مصطنعة أو كما يذهب أحد المحللين في قوله "إن خلق المؤسسات الوطنية أدى إلى نشوء برجوازية الدولة" وهذه البرجوازية متشكلة من شريحة برجوازية القطاع العام التكنوقراطية المدعومة من شقيقتها البيروقراطية البرجوازية العسكرية المسيطرة على جهاز الدولة منذ العام 1965. على نقيض بناء الاشتراكية ذات الخصوصية الحزائرية التي كان من المفترض أن تقوض البنى الاقتصادية والاجتماعية الرأسمالية الموروثة من عهد الاستعمار، وأن تبني قاعدة اقتصادية واجتماعية متحررة من الاستغلال والتبعية، تكون فيها السيادة الطبقية لجماهير العمال والفلاحين، والفئات الوسطى، سعت استراتيجية "الصناعات التصنيعية" إلى تعزيز استثمار رأس المال الخاص، وتشجيع المشاريع الصناعية والتجارية والخاصة، وكذلك المشاريع المختلطة. ويقول بومدين بهذا الصدد أنه"في صالحنا الوطني وفي إطار خياراتنا الاقتصادية والسياسية أن لا نستبعد وبخاصة أن لا نثني عزم الاستثمار الخاص الوطني، وبالمثل فإن رأس المال الأجنبي سيكون قادراً على إكمال الجهد الوطني في الاستثمارات داخل إطار خياراتنا".
وقد شجعت الدولة سياسة الاستثمارات، سواء تلك التي تتبنى نظم المؤسسات المختلطة من القطاع العام والقطاع الخاص، أو الاستثمارات التي يديرها رأسماليون خواص. وجاء قانون الاستثمارات الصادر في 1966، ليمنح البرجوازية الخاصة والبرجوازية الصغيرة الميسورة، لكي تبني قاعدة اقتصادية اجتماعية، عن طريق سلسلة الامتيازات التي تمتع بها المستثمرون الرأسماليون الجزائريون، وخاصة "إعفاء كلياً أو جزئياً لمدة عشر سنوات من ضريبة العقارات"و"تخفيضاً على الرسوم الجمركية الواجبة الأداء على السلع الرأسمالية المستوردة" وإعفاء كلياً أو جزئياً أو تدريجياً من الضريبة على الارباح الصناعية والتجارية.
غير أن استراتيجية "الصناعات التصنيعية" هذه في اكتشافها لنمط توحيدي للقطاعات الثلاث: الاشتراكي والمختلط والخاص، قد كشفت عن تناقض صارخ بين مقومات التنمية الوطنية والاعتماد على رأس المال الأجنبي، وبين تلك الرغبة القاتلة بتحقيق الاشتراكية، وبين تشجيع رأس المال الخاص، الذي يتبع سياسة تحقيق الربح الأقصى، والاستغلال البشع للعمال، والمتناقض جذرياً مع سياسة التصنيع الثقيل للدولة. وفي هذا السياق أصبحت البرجوازية الخاصة قوة اقتصادية في ظل حكم بومدين، دون أن تدخل في صراع سياسي مباشر معه من أجل السلطة مهيأة نفسها للمستقبل.
وبما أن الدولة الجزائرية تقود عملية تحقيق التراكم، وتعتمد على توزيع فائض الريع النفطي المقتطع من السوق الرأسمالية العالمية، أصبحت الطبقة التكنوبيروقراطية مهتمة بتنمية مشاريعها الخاصة، وتحقيق مصالحها الطبقية على حساب خدمة المشروع الوطني، وذلك من خلال استغلال ثروات الريع النفطي الضخمة بطرق متنوعة وغير شرعية.
ولما كان مصدر الثروة الرئيس في الجزائر هو الريع النفطي المقتطع من السوق العالمية، لا فائض التراكم الداخلي المقتطع من السوق الداخلية، فإن ارتباط الطبقة البرجوازية التكنوبيروقراطية بالسوق العالمية، وبالتالي موقعها في إدارة شكل التمفصل بين الاقتصاد الوطني والسوق العالمية، تحد من قدرتها على النمو المستقل، ذلك أن هذا الفريق يحكمه في الحقيقة منطق الربح، مع ما يعني ذلك من مخاطر إعادة إنتاج التبعية(32).
وإزداد الأمر خطورة حين فشلت الثورة الزراعية والثورة الصناعية، وسادت الهيمنة الفردية المطلقة التي مارسها حكم بومدين على جميع المؤسسات السياسية والدستورية والمنظمات النقابية والشعبية. إذ أن مجلس قيادة الثورة الذي تشكل عقب الانقلاب مارس صلاحيات المجس الوطني (البرلمان) والصلاحيات التي كان يمارسها الرئيس السابق (إعلان حالة الطوارئ) وجميع الصلاحيات التي كانت تمارسها الأجهزة القيادية العليا في الحزب، بالإضافة إلى أن رئيس مجلس الثورة هو رئيس الدولة ورئيس الحكومة معاً، ووزير الدفاع أيضاً، فأين واقع الديمقراطية من الاشتراكية؟
وعلى الرغم من أن الميثاق الوطني دخل حيز التطبيق في 27 حزيران 1976، بعد استفتاء شعبي عام، قد حدد "أن بناء الاشتراكية يتماشى مع إزدهار القيم الاسلامية التي تشكل أحد العناصر الأساسية المكونة لشخصية الشعب الجزائري.. وإن المسائل الأساسية التي تقوم عليها استراتيجية التنمية في الجزائر تكمن في تحقيق الثورات الثلاث 1-الثورة الثقافية -2-الثورة الصناعية باعتبارها المحاور الكبرى لبناء الاشتراكية في الجزائر، إلا أن هذا الميثاق الوطني بعد تفحصه يحتوي على تناقضات كبيرة فيما يتعلق بالإشتراكية الجزائرية، وبعدم تأكيده على الصراع الطبقي. وحتى هذه السياسة التاريخية الصارمة، وإصدار المراسيم بشأن تطبيق استراتيجية التنمية، لا يمكن أن يضاهيها إلا ابتذال الاشتراكية في الجزائر، والوقائع السياسية والطبقية التي أفرزتها.
من "المراجعة إلى إثراء الميثاق الوطني"
إزداد التبلور الطبقي وضوحاً لشرائح البرجوازية الكمبرادورية الجديدة، لتصبح مع وصول الشاذلي بن جديد إلى السلطة في العام 1979 طبقة مسيطرة على نطاق المجتمع، ولتطرح إزاحة الستار نهائياً عن تلك الأزدواجية التي كانت قائمة والتي تستر بها النظام العسكري الجزائري طويلاً، بين طبيعة البنى الاقتصادية الرأسمالية وأهدافها المعلنة والدعائية. وكان لا بد لهذه الطبقة المحافظة وغير المستنيرة ثقافياً وأيديولوجياً وحتى حضارياً والصاعدة سياسياً، أن تطالب بإلغاء العوائق البنيوية في المجال الاقتصادي المفروضة من نظام الرئيس الراحل بومدين من أجل تطوير وتوسيع القطاع الخاص الرأسمالي في ميدان الزراعة والصناعات الخفيفة والإستحواذ تدريجياً على ملكية وسائل الانتاج التابعة للقطاع العام، كما حصل في مصر. وقد وجدت في الرئيس السابق بن جديد باعتباره القطب السياسي القوي، خير ممثل لمصالحها الطبقية، على الأقل في مرحلة الثمانينات.
فكانت عملية "المراجعة" التي قادها النظام الجزائري بهدف إضفاء شرعية سياسية وأيديولوجية ودستورية على الإختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أحدثها في بنية المجتمع الجزائري، والتي توجت بالانفتاح الواسع على السوق الرأسمالية العالمية، بواسطة "إثراء الميثاق الوطني". أنه الوضع الذي قاد إلى إرساء علاقات طبقية جديدة.
إن الجزائر رغم أنها بلد منتج للنفط والغاز الطبيعي قد أقحمت بشكل قسري في عملية التخطيط لبناء الصناعة الثقيلة، وتحقيق الثورة الصناعية، وانخرطت كلياً في دائرة الاقتصاد الرأسمالي العالمي على قاعدة خضوعها للعلاقات التبادلية غير المتكافئة بينها وبين المراكز الرأسمالية الغربية، وللقانون الذي يحكم علاقات العالم الرأسمالي الصناعي بالعالم الثالث، ألا وهو بقاء الجزائر كبلد مصدر للمواد الخام وسوقاً مستوردة للسلع المصنعة. ثم أن استراتيجية الصناعات التصنيعية لم تستطع أن تتجاوز هذا القانون الجديد. فالدعوة التي أطلقتها الجزائر في السبعينات من أجل تأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد، آلت إلى الفشل، كما فشل الحوار بين الشمال والجنوب، لأن المراكز الرأسمالية الغربية لها حساسية مفرطة تجاه أية محاولة لتغيير علاقات السوق العالمية. وظلت الدولة الجزائرية تعتمد على الريع النفطي المقتطع من السوق الرأسمالية العالمية، علماً بأن 98 في المئة من مصادر العملة الصعبة في الجزائر متأتية من صادرات النفط والغاز الطبيعي وبعض مشتقات النفط المكرر، حيث توظف الدولة 43 في المئة من هذه العائدات في تمويل الموازنة.
ولما كانت استراتيجية "الصناعات التصنيعية" تعتمد على توظيف جزء من موارد النفظ، وعلى القروض الأجنبية من أجل بناء المركز الصناعي في أرزو بوهران، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، والسيادة الكاملة على مواردها الطبيعية، فإن التجربة أثبتت فشل هذه الإستراتيجية، جراء ارتباط الفئات التكنوقراطية، والنخب السياسية الحاكمة في الجزائر بالسوق الرأسمالية العالمية، وإدراتها للاقتصاد الوطني في إطار الارتباط بهذه السوق العالمية، يدفعها في ذلك منطلق تحقيق الربح السريع، ومحدودية السوق الجزائرية الوطنية لاستيعاب الانتاج الصناعي، وعدم قدرة المشاريع الصناعية على تحقيق أرباح كلفة إنتاجها، وجعلها قادرة على الحياة.
وقاد هذا الوضع من عدم الفعالية الاقتصادية للتصنيع الثقيل التي واجهتها الجزائر بداية من العام 1986، إلى تفاقم الفشل الاقتصادي عندما انهارت أسعار النفط في السوق الدولية تبعاً لحرب الأسعار التي شنتها البلدان النفطية الخاضعة لنفوذ الرأسمالية العالمية. فتقلصت الموارد المالية بصورة محسوسة، وفي المقابل تزايد مستوى الانفاق العام، نظراً إلى نمط الحياة الاستهلاكية غير الرشيد الذي برز مع بداية الثمانيات، وكان النظام أحد المشجعين له من خلال سلسلة من الإجراءات أشهرها "برامج مكافحة الندرة"، التي جاءت تجسيداً لشعارات رفعتها بيروقراطية الحزب الواحد الحاكم(33).
وفضلاً عن ذلك، تعرضت اسراتيجية بيع الغاز الطبيعي الجزائري إلى هزة عنيفة مع حصول الانقلاب الكبير في العام 1983 بدخول الاتحاد السوفياتي وكندا في منافسة قوية على صعيد سوق الغاز في أوروبا الغربية، والقرار الذي اتخذته شركة "بان هاندل إيسران" الأميركية بتجميد العقد القاضي باستيراد 90 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري على مدى 20سنة وأمام موجة الهبوط الكبير في عائداتها في العملة الصعبة التي بلغت 10.5 مليار دولار سنوياً حيث أن الناتج الوطني الاجمالي في الجزائر يعتمد بالأساس على انتاج النفط والغاز الطبيعي، في حين أن الواردات بلغت نحو 11.44 مليار دولار في العام الماضي، وتراكم الديون الخارجية التي بلغت 26 مليار دولار ووصول قيمة خدمة الدين إلى 8 مليارات دولار سنوياً، أصبحت الأزمة الاقتصادية تلقي بكامل ثقلها ووزرها على كاهل الشعب والاقتصاد الجزائريين. وقاد هذا الوضع الاقتصادي المأزوم للدولة الجزائرية إلى فشل مبادرتها في القيام بمشروعات انتاجية في المجالين الصناعي والزراعي، نظراً لعدم قدرتها على توفير الاستثمارات المطلوبة لها. الأمر الذي يعكس والحال هذه انعدام التنمية، وبالتالي انعدام سيرورة الانتاج.
إن الجزائر المريضة بأزمتها العميقة، ازدادت فيها الأمور سوءً جراء العوامل التالية:
-
الثورة المضادة على صعيد الزراعة، حيث يوجد هناك هجرة كبيرة ومكثفة من الريف إلى المدينة، ولم يبق في الريف إلا الفلاحون المسنون 60 في المئة تفوق أعمارهم الخمسين عاماً. ثم أن المساحة الصالحة للزراعة قد نقصت إلى النصف منذ العام 1963 وإلى يومنا هذا. والذي زاد في تعميق الأزمة الغذائية هو أن نحو 80 في المئة من السكان يعيشون في المدن، ويستهلكون ما قيمته 50 بالمئة من العائدات ثمناً للمواد الغذائية المستوردة من السوق الرأسمالية العالمية. وعمل النظام الجزائري على تطوير الزراعة الخاصة بالإعتماد على التكنولوجيا الأميركية، فالمزارعون الرأسماليون يملكون 66 في المئة من الأراضي، بينما يتصرف القطاع الاشتراكي في 34 في المئة من الأراضي.وهكذا، يتضح من خلال التجربة التاريخية للثورة الزراعية في الجزائر، أنها كانت أولاً وقبل كل شيء عملية سياسية وأيديولوجية من جانب النظام الجزائري، الذي أراد أن يخلق قاعدة ريفية موالية له، ويشترك حزب جبهة التحرير الوطني في هذه التعبئة باسناد دور له في الثورة الزراعية. ويقول الدكتور محمد عبد الباقي الهرماسي في هذا الصدد ، بأن الثورة الزراعية شكلت بجلاء شكلاً من أشكال التعبئة السياسية واحيت من جديد صورة الفلاح كرجل ثوري يمتاز بقيم رفيعة كالتقشف والجهد والأصالة، مقارنة بالحياة المدنية التي أصبحت تنعت بالإغتراب وطغيان النزعة الاستهلاكية.
وصورة الفلاح هذه ليست سوى وهم سياسي، ذلك لأنه وحتى نستعمل عبارة مثيرة -أقول أنه لا يوجد فلاحون، وإن "آلفانونية"
Fanonisme ليست سوى وهم، وكما تدل الدراسة التي قام بها "نادر معروف" بلغ الانهيار الاقتصادي درجة لم تخول ما تبقى من الهياكل الرسمية الكلام عن نشاط فلاحي: "فليست الأرض ولا الماشية هي الأسس الأولى للعمل، ولا هي التي تحدد علاقات الانتاج". فلم يعد هنالك من دواع لتواصل النشاط الفلاحي إلا غياب خيارات أخرى "فإذا لم يعد هناك فلاحون بالمعنى الدقيق للكلمة، فلأنه لم يبق إلا مجموعات من المرشحين للعمل المأجور، وقد برهنت الثورة الزراعية على ذلك بمأساوية... فالفلاحون لا يريدون الأرض... أو قل أن طموحهم لا يتوجه مباشرة إلى الامتلاك الفردي، ولكن إلى رغبة امتلاك مداخيل قارة أجراً" ولكل هذه الأسباب، فالثورة تمثل بالنسبة للريفيين مصدراً ممكناً من مواطن الشغل فلا عجب أن لا يلتزم الناس بحملة تعبوية تمسهم، ولكن لا تدفعهم إلى الالتزام"(34).وليس خافياً على أحد أن تفاقم الفشل الاقتصادي قاد إلى استفحال الأزمة الاجتماعية للانفجارات الشعبية الكبيرة، والاضطرابات الاجتماعية المتوترة، بسبب من تعمق الفوارق الطبقية بين الفئات والطبقات الاجتماعية المختلفة، خصوصاً أن هذا الفوارق تفتقد أسساً مشروعة تبررها، في ظل غياب نسق قيمي يحظى باتفاق نسبي بين القوى الاجتماعية، بل على العكس من ذلك تماماً إذ تقوم الفوارق على مجموعة عناصر تعتبر موضع احتجاج ومعارضة من قبل الغالبية الفاعلة في المجتمع (الطبقة العاملة والطبقة الوسطى) ذلك أنه ارتبط بالتشكل السريع لثروات ضخمة وبطرق مشبوهة وغير مشبوهة كالمضاربة والاختلاس وتحويل الأموال العامة(35).
ولقد تفشى الفساد والرشوة في أوساط الطبقة السياسية الحاكمة ومؤسسات الدولة التسلطية المستفيدة من النظام الريعي. فالأموال التي استولى عليها وزراء ووسطاء وقيادات حزبية كبيرة وخواص عبر الصفقات التي عقدتها الدولة خلال ربع قرن مع الشركات والدول الأجنبية، تقدر بنحو 26 مليار دولار، كما قال عبد الحميد الابراهيمي رئيس الحكومة الجزائرية السابق، في محاضرة ألقاها أمام طلاب كلية الحقوق ببن عكنون بضاحية العاصمة. أنه مبلغ خيالي يساوي مديونية الجزائر الخارجية.
وفي ظل غياب دولة القانون، وغياب انتاج السياسة في صلب المجتمع المدني التي وحدها تفسح في المجال للقوى السياسية المعارضة بمحاسبة الحكومة، أصبحت ظواهر الفساد، والرشوة والتفاوت الاجتماعي، والقهر الذي تمارسه السلطة، سمات بارزة وحادة تطبع بنية المجتمع الجزائري. وهي عاهات أصبح الناس يتحدثون عنها بملء أفواههم في المقاهي، والشوارع في المكاتب والمتاجر، وفي الحانات والملاعب، وفي المساجد والأسواق، من دون أن يعيروا الانتباه لعواقب ما يصدر عنهم من كلام. لأن هذه العاهات والمحرمات، والطابوات التي أنتجتها الدولة التسلطية، حولت السلطة إلى وحش كاسر معادي للمجتمع المدني، على الرغم من هشاشته وانقساماته، ومحدث لتشوهات ثقافية وقيمية في المجتمع، فاقمتها في ذلك أزمات النظام العسكري من سياسية واقتصادية واجتماعية، وعدم صدقية الأيديولوجية الرسمية للدولة الجزائرية، التي تحدثت عن الاشتراكية في حين أنها كرست الثقافة الفجة، والتسطيح الفكري الذي ينهل من الذرائعية المبتذلة للثقافة الاستهلاكية الغربية، والخواء الفكري، وضعف العمق المعرفي. وقد عبر أحد الجزائريين في وصفة هذه الحالة بقوله: "نحن نقرأ أن لدينا بلداً اشتراكيا، فكل ما نراه أفراداً أثرياء يقودون سيارات فاخرة".
ثالثاً: العسكر وعملية المشاركة
السياسية:
وصاية الدولة على المجتمع المدني
كان استيلاء العسكر على السلطة في الجزائر بقيادة العقيد بومدين، وهيمنة العقل السياسي العسكري على العقل الحزبي والحكومة، مصحوبين بالرغبة العارمة في السيطرة على الساحات السياسية والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، والأمنية، والسحق لجميع تكوينات المجتمع المدني الحديث، من أحزاب سياسية، ونقابات، وصحافة حرة، طالما أن الجسم المجتمعي في نظر العسكر لا يزال في الدرجة الصفر، جسم مجتمعي لا يزال في حالة عدم تشكل وانقسام طبقيين، أي بمنزلة كتلة صماء، تخضع للتشكيل وإعادة التشكيل بالأوامر، والقرارات، والتشريعات، التي تصدرها السلطة العسكرية المسيطرة على جهاز الدولة.
فالعسكريون الجزائريون الذين يدعون الثورية وتطبيق الاشتراكية، وأحدثوا تغييرات شكلية في تركيبة النخبة الحاكمة يتماثلون مع العديد من النظم العسكرية في آسيا وافريقيا، في كونهم أنشأوا نظام حكم الحزب الواحد، حيث يقول جويندولين كارتر
Gwendolyn Carter عن دولة الحزب الواحد في افريقيا، بأنه في معظم الحالات تكون "محصلة تعبئة الاشخاص والمجموعات في فترة ما قبل الاستقلال"(36).لقد تحول العسكر بعد أن نالت الجزائر استقلالها إلى تنظيم قومي مستقر، يبغي إقامة الدولة الحديثة، وبناء الوحدة الوطنية، وتحقيق التنمية الاقتصادية، وإضفاء طابع الواحدية على المجتمع بإعتبارها إفرازاً للعقل السياسي العسكري التسلطي الذي هيمن في العالم الثالث غداة الاستقلال، والذي ينطوي على صورة نمطية أحادية عن المجتمع والدولة، ويرفض بإطلاقية التعددية كركيزة للديمقراطية والحرية والإزدهار في المجتمع، حيث أن التعددية والعقل السياسي العسكري التسلطي نقيضان لا يلتقيان. ويشرح الكاتب نبيل عبد الفتاح مخاطر العقل السياسي التسلطي في أنه يزرع اليأس في وسط أوسع القطاعات الاجتماعية، وعندها يزدهر اليأس، واللامبالاة الجماعية بالسياسة، والفعل الاجتماعي يتوارى العقل الناقد، رمز الوجود الإنساني والسياسي الحي -وراء ضجيج الغوغائية السياسية المهيمنة والاجتماعية التي تحركها الجاهلية السياسية والشهوات التسلطية والقمعية في الحكم أو المعارضة أو مساحة العمل المدني(37).
ويعلل العسكر فرض اختيار نظام الحزب الواحد ورفض التعددية السياسية، إلى طبيعة المجتمع الجزائري إثر استرجاع الاستقلال الذي لم تتبلور فيه الطبقات الاجتاعية بشكل بنيوي، والتي تتطلب وجود تمثيلات سياسية معبرة عنها، حيث أن الأكثرية الساحقة من الشعب الجزائري كانت تنتمي إلى الفئات الكادحة، فضلاً عن أن حزب جبهة التحرير الوطني كان يضم فئات الشعب المتكونة في معظمها من الفلاحين الفقراء، بحيث أن الأثرياء لا يشكلون بأي حال من الأحوال طبقة متميزة، حسب وجهة نظره، بل أن الطبقة الوحيدة المتميزة والسائدة في الجزائر كانت طبقة الفرنسيين من موظفين سامين و"كولون"
Colons "ملاك زراعيين" و"أقدام سود Pieds Noirs مستوطنين.لهذا كان العسكر ينظر إلى حزب جبهة التحرير الوطني على أنه حزب مفتوح أمام "كل رجل حزائري أو امرأة جزائرية يشترك في النضال من أجل أهداف التنظيم الذي ينتمي إليه طبقاً للقواعد السارية، وينجز كل التزاماته لذلك التنظيم"، حسب المادة الخامسة من ميثاق الجزائر. فهو ليس حزباً أيديولوجياً خالصاً بالمعنى الليبرالي الغربي ولا هو حزب طبقي بالمعنى الماركسي، بل هو "حزب أمة" كما وصفه بومدين.
ولعل هذا الواقع الذي يمكن اعتباره حقيقة فعلية أو مغالطة منهجية، هو الذي أدى بالرئيس الراحل بومدين إلى عدم اعتبار التعددية السياسية والممارسة الحزبية ضمن أولوية أولوياته، متوجهاً بذلك نحو إنشاء نظام الحزب الواحد، الذي يعتبر أكبر خطأ ارتكبه في مسيرته السياسية على حد قول مثقف جزائري محي الدين عميمور الذي يصف نظام الحزب الواحد، بأنه "كجبيرة الجبس التي تحيط بساق مصابة بكسر مضاعف، وإذا كان وجودها ضرورة مرحلية فإن استمرارها أكثر من المدة المعقولة يؤدي إلى مضاعفات خطيرة من بينها الضمور النهائي للعضلات، وقد يكون من بينها تعفن الساق المحروقة، بكل ما ينجز عن ذلك من أخطار، وربما كان هذا هو أقرب مثال لما حدث في الجزائر.
ويعتقد العقل السياسي العسكري التسلطي أن التعددية السياسية في وضعية الجزائر الغارقة في التخلف الاقتصادي والثقافي والفكري، لن تكون في مصلحة الشعب، وأن الديمقراطية داخل جبهة التحرير الوطني يجب صيانتها بمواد مثل المادة 120، التي أصبحت فيما بعد المادة 121، ثم تم إلغاءها. وتهدف هذه المادة إلى عدم السماح بالدخول في حزب جبهة التحرير للذين ينتمون لتنظيم سياسي آخر، الصيغة جيئ بها من الاتحاد السوفياتي، وذلك حينما بدأ الشيوعيون يتغلغلون في صفوف جبهة التحرير الوطني.
وإذا كان الحزب قد وجد في بعض البلدان العربية قبل وصوله إلى السلطة، حيث عمل بعد وصوله إلى سدة الحكم بوساطة الانقلاب العسكري على بناء نظام الحزب الواحد، والدولة التسلطية التي يحتل فيها العسكر المواقع الاستراتيجية، فإنه في واقع الجزائر لم يكن هناك حزب حقيقي، وإنما كان هناك العسكر. فالعسكر هو الذي وصل إلى السلطة عام 1962، عندما اختار أحمد بن بلا رئيساً للبلاد للدولة قبل أن ينتخبه الشعب. ثم أن العسكر هو الذي أسقط بن بلا، وجاء بهواري بومدين إلى قمة الدولة في العام 1965.
والحال هذه كان حزب جبهة التحرير الوطني في كل المعارك الحاسمة رديفاً تابعاً ومكملاً للعسكر، وهي ظاهرة عامة ملازمة لتاريخ جبهة التحرير الوطني منذ مؤتمرها التأسيسي الأول في وادي الصومام 20 أب 1956، أو مؤتمرها الثاني في ربيع 1964، أو المؤتمر الاستثنائي بعد وفاة هواري بومدين، حيث أن هذه المؤتمرات كانت كلها "ثمرة لتوازن القوى المرحلي القائم أنذاك بين القطاعات والأجنحة والإختيارات الجهوية والأيديولوجية والاجتماعية داخل جيش التحرير الوطني، ثم داخل الجيش الوطني الشعبي"، على حد قول الشريف بلقاسم الذي تحمل مسؤولية الأمانة العامة التنفيذية لحزب جبهة التحرير الوطني، غداة الإطاحة بحكم الرئيس بن بلا.
وكان حزب جبهة التحرير الوطني المستنزف بصراعاته الداخلية عاجزاً تاريخياً عن بلورة مشروع مجتمعي حديث لحل إشكالية الصراع على السلطة، وبناء الدولة الحديثة التي تقوم على فصل السلطات، وإرساء بنية سياسية ديمقراطية تتجاوزها انقسامات المجتمع التقليدي العمودي، الفئوية، المحلية، والأقليمية، وتفسح في المجال لصراع المصالح، الطبقية في الأعم الأغلب. ذلك أن التطور الديمقراطي، ومفهوم المواطنة كقيمة وممارسة تميز الثقافة السياسية الحديثة، وتحديث السياسة بوساطة الديمقراطية، وتحديث الثقافة بالعلمانية والعقلانية، ومشاركة الشعب بالسياسة، يشكلون جميعاً المعطيات الأساسية لسيرورة خلق نسيج متلاحم للبنية المجتمعية السياسية.
ولا شك أن هذا العجز البنيوي الذي لازم حزب جبهة التحرير الوطني، وما رافقه بالمقابل من صعود قوى للمؤسسة العسكرية، يعود إلى افتقار الجبهة لأيديولوجية ثورية، وسياسة عقلانية، تسهمان في تغيير البنى الذهنية، والعقليات، وتشكلان محركاً رئيساً للتعبئة السياسية، وتقدمان تصوراً جديداً لخلق جزب جماهيري ينضج سيرورة توطين فكرة الاشتراكية عامة، والدولة الاشتراكية بخاصة، في النسيج الثقافي والاجتماعي والذهني للشعب. وقد أدى هذا العجز إلى اغتراب العمال والفلاحين عن التفاعل مع الدولة الجزائرية التقليدية المشركة، البعيدة كل البعد عن الدولة الاشتراكية التي تستوعب مكتسبات الثورة البرجوازية وتكمل نواقصها وتتجاوزها نحو مزيد من العقلانية والديمقراطية، والتفاعل أيضاً مع بنية حزب يفترض أنها نظمت لكي تغرس فكرة الاشتراكية في بنية عربية اسلامية كي تتقبلها، وتخدم مصالح الطبقات الفقيرة على أساس أنها "التنظيم الطليعي للشعب الجزائري،" حيث تقول الدكتورة مغنية الأزرق معلقة على ذلك، بأنه "على النقيض من الحزب الشيوعي الصيني، فإن جبهة التحرير الوطني لم تعول على "الجماهير"، ولا هي عبأتها. أنها تحولت نحو حلبة كانت تتحارب فيها الأقسام الراديكالية والمحافظة من البرجوازية الصغيرة إلى أن ساعد إنقلاب 1965 العسكري هذه الأخيرة على أن تسود"(38).
والواقع أنه في ظل النظام السياسي الذي يحكم الجزائر منذ الاستقلال، كانت السلطة الحقيقة باستمرار في يدي الرئيس والرئاسة كانت صاحبة القرار في كل شيء، لا الحزب. ولأن أعضاء مجلس الثورة لم يكونوا مقتنعين بفكرة الحزب، وعملوا على تهميشه، بتركيزهم على "هيكلية الإدارة وبناء الاقتصاد". فالبيروقراطية العسكرية والتكنوقراطية التي احتلت جهاز الدولة، ألحقت بركبها مختلف الفئات الاجتماعية بإمتصاص قادتها، وناصبت العداء للمنظمات الطلابية والعمالية التي خرجت في مظاهرة احتجاجية، تندد بتدخل الحزب في شؤون النقابات ، لفرض هيمنته ووصايته عليها، وضرب استقلاليتها.
وهذه البيروقراطية العسكرية -التكنوقراطية التي تجسدت انطلاقاً من ظاهرات متزامنة للترقي الاجتماعي كانت تعبر عن الموقع المفصلي للطبقة الوسطى، في مجتمع مجزأ بتعدد الإندراج في الاقتصاد الكولونيالي، وفاقد لتجانسه بسبب تواكب انفساخ حزب جبهة التحرير مع انفساخات من الطرازين الصناعي والأولي، وكانت تلحق جميع المطالبات والرغبات الخاصة للعمال الفلاحين بشعارات الاستقلال الوطني وتأميم الدولة.
لقد طغت الدولة في نزعتها الكلية على الجسم المجتمعي الذي دمرت الرأسمالية الكولونيالية توازنه العرضي والذي كانت تتصف به العلاقات بين القبائل والجماعات القروية، والحواضر، واخضعت مكوناته المختلفة لنمط جديد من التنظيم الاقتصادي والدولتي، باسم عقلانية مشروعها الكبير نحو تحقيق مجتمع الاشتراكية والتقدم عبر انجاز الثورة الزراعية والتطوع، وبناء الصناعة الثقيلة والتسيير الاشتراكي للمؤسسات، ونشر ديمقراطية التعليم والطب المجاني ، والإسراع بوتيرة التحديث، والاقتراب من اليسار منقادة في ذلك ببريق اليسار الشعبوي عبر فتح أبواب المنظمات الجماهيرية أمام المعتقلين السياسيين من حزب الطليعة الاشتراكية الذي تم سجنهم غداة انقلاب بومدين ليحتلوا فيها مواقع القيادة وبخاصة منظمتي الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، والاتحاد العام للعمال الجزائريين، وقيادة حركات التحرر عربياً وافريقياً وعالمياً حين ترأس بومدين حركة عدم الانحياز في عام 1973، من خلال انفتاحه على الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية وسعيه إلى تجريب عدد من تجارب هذه الدول في مجال الاقتصاد والزراعة.
ولكن بمقدار ما كانت الدولة تقود تنظيم عملية التراكم، وتشكيل قاعدة لإضفاء الشرعية انطلاقاً من قوة المساندات من جانب العمال والفلاحين، وبفضل وجود الريع النفطي الذي يمنحها القدرة على أن تكون المالكة الأساسية المقررة في توزيع المداخيل، كانت سلطة بومدين تنتهج خطين متوازيين إن لم نقل متناقضين يعكسان بجلاء الإزدواجية الأيديولوجية والسياسية لسلطة العسكر في الجزائر خلال عقدي الستينات والسبعينات، فالخط الأول كان يجسده بومدين ويتمثل في النهج الاشتراكي الشعبوي، الذي يشكل البرنامج الأساسي للنخبة السياسية الحاكمة المسيطرة على مجموع الدولة والحزب، والذي تكمن أهدافه في التحديث السريع والعقلنة، إلا أن الأثار الناجمة عن هذا الخط تمثلت في بناء دولة تقليدية ذات طابع تيوقراطي مطلية بطلاء اشتراكي، ومغلفة بمسحات إدارية وتكنولوجية حديثه. أما الخط الثاني فيتبناه بومدين أيضاً، وإن كان يبدو في الظاهر على الأقل متناقضاً ومتضاداً مع الخط الأول، ويتمثل في تدعيم النهج غير العلماني للدولة من خلال التأكيد على المرجعية الاسلامية، أي أن الإسلام هو دين الدولة، وفي تشجيع جناح من الإسلاميين، وهو جناح المثقفين والجامعيين بإقامة مؤتمر فكري سنوي دولي حول قضايا الفكر الإسلامي. وقاد هذا الخط كل من وزير التعليم الأصلي السيد مولود قاسم ووزير الشؤون الدينية عبد الرحمن شيبان هاتان الشخصيتان قامتا بالإسهام في تشجيع الحركة الدينية بحكم تكوينها الفكري الأيديولوجي من جهة، ومن جهة أخرى لخلق تربة تساعد على الحد من هيمنة اليساريين الفكرية والسياسية على مختلف مؤسسات المجتمع المدني، وعلى مقاومة الاتجاه الفرنكوفوني العلماني الذي كان يقاوم أي مشروع يسعى إلى تعريب المنظومة التربوية والإدارة(39).
في الواقع أن العملية التنموية الطموحة، التي قادتها الدولة الوطنية في الجزائر، تسابق فيها الزمن، هي بمنزلة "ثورة من فوق" يحكمها خطاباً اشتراكياً شعبوياً، يمجد تدخلية الدولة غير المحدود لإنشاء هذا الإعمار الداخلي ذائع الصيت، أي النموذج الوطني للتنمية القائم على استراتيجية "الصناعات التصنيعية" لكن هذه التدخلية للدولة باسم عقلانية مشروعها، التي كانت تقتضي إضفاء تجانس اجتماعي بمحاولة زركشة تحديثية على سطح مجتمع يطغى عليه الطابع التقليدي القديم، وفرضت نفسها بإعتبارها مرجعاً لتكريس الرأسمال عبر تنظيم عملية التراكم المحدد، لا بنواقص السوق الداخلية فقط، بل أيضاً بتبعية الدولة للسوق الرأسمالية العالمية، من خلال جعل الاقتصاد الوطني تابعاً لمقتضيات السوق الخارجية، وبمحاولة هذه الدولة تأكيد "سيادتها الاقتصادية" عبر تأثيرها المحدود في التقسيم الدولي للعمل، هذه التدخلية للدولة قد تخلت عن فكرة المشروع النهضوي، بوصفه الغائب الأكبر في عمل الدولة الوطنية.
وهكذا تجد الدولة الوطنية نفسها محشورة بين دوافع ومقتضيات العملية التنموية، ودوافع هيمنتها هي ذاتها على المجتمع المدني، وبين طمسها كل أبعاد مسألة التأخر التاريخي الذي يعاني منه الشعب الجزائري، سواء منه التأخر المجتمعي (الموقف من المرأة) أو التأخر الثقافي (الموقف من المسألة الثقافية بشقيها الليبرالي والاشتراكي) أو التأخر السياسي (الموقف من الديمقراطية والتعددية السياسية، وسيادة الشعب، وبناء المجتمع المدني الحديث). فالدولة الوطنية التي انخرطت في مشروع تنمية طموح، وافترضت أنها نجحت في تلبية الحاجات الأساسية للشعب في التغذية والسكن، والصحة، والتربية، لم تع جيداً أن المجتمع الجزائري الذي عرف تغيرات اجتماعية واقتصادية مكثفة على نحو تراكمي خلال عقدي الستينات والسبعينات، أفسح في المجال لبروز انتظارات مشروعة، وظهور حاجات جديدة من حيث الكمية والكيفية، لمختلف الطبقات والفئات الاجتماعية، حيث أن خطر بروز هذه الانتظارات يتطلب تلبية تعويضات مطابقة من جانب سلطة العسكر. غير أن الدولة الوطنية التي نبذت المشروع النهضوي تجاهلت أن مسألة التقدم في العملية التنموية الاقتصادية باعتبارها واحدة من نتاجات التقدم الفرعية لا بد أن يرافقها تحقيق تقدم مجتمعي وثقافي وسياسي موازي، حيث تشكل الثورة الديمقراطية "البدوة اللازمة" له.
إن العملية التنموية الاقتصادية التي قادتها البيروقراطية العسكرية -التكنوقراطية، والتي توهمت من منظور مضلل أن بإمكانها تحديث المجتمع التقليدي، وتقويض مخزونه من التقاليد المعادية للتقدم، تلافت مقولة الثورة الديمقراطية. علماً أن الثورة القومية الديمقراطية بقلبها وتصفيتها بنى المجتمع التقليدي القديم من مخلفات القرون الوسطى، وبقايا الإقطاع، والطائفية، والقبلية، وكل ما يعيق تحرر الوطن والمواطن، وتصفية حدود التجزئة وآثارها، وانجاز الوحدة القومية، وإقرار حقوق الإنسان والمواطن، وحقوق الأمم، والنضال لتعميقها وتعميمها: حرية الرأي، وحرية العبادة، حق الاجتماع والإضراب، حرية النشر، حق إصدار الصحف، حق تكوين الأحزاب، ضمان الحريات الشخصية، وإقامة سلطة الشعب الديمقراطية ممثلة بتحالف الكتلة التاريخية من العمال والفلاحين والشرائح الثورية والديمقراطية من الطبقة الوسطى، وإعلان الدولة دولة المواطنين، وإقرار العقلانية والعلمانية في السياسة والثقافة، وضمان المساواة الكاملة للمرأة، وتأمين حق العمل والتعليم لها أسوة بالرجال، وحقها في الأجر المساوي والمشاركة الفعلية في كل أشكال العمل، هي التي "دشنت العصر الحديث وأرست بناه المجتمعية والأيديولوجية والسياسية وأطلقت قواه الإنتاجية.
والحال هذه، سقطت الدولة التسلطية الجزائرية من خلال ممارسة الحكم في نمط "محدث" من الاستبداد الشرقي، وتعرت تدخليتها ليست فقط بمواقف الدولة إزاء المجتمع المدني -حيث أنه بمقدار ما كانت هذه الدولة تشكل وحدة تامة مع جهازها وبيروقراطيتها العسكرية- التكنوقراطية، كانت غير مفصولة عن المجتمع- وإنما من خلال تدويلها المجتمع، وفرض الوصاية عليه وخلق أشكال جذرية من المواطنية السلبية.
وفي الواقع فإن مآزق الدولة التسلطية الجزائرية التي أصبحت خارجة عن المجتمع والمحكومين، بما أن الصفة الخارجية والتداخل، وجدا التعبير عنهما في النظام الشمولي الذي أرساه الرئيس الراحل بومدين، أي مركب الدولة التسلطية- حزب جبهة التحرير الوطني، تجسدت في تغييب المشروع الثقافي النهضوي، الذي كانت نتيجته المنطقية حدوث "اختلال طبيعي" في المرجعية الأيديولوجية للدولة، "فكانت العودة العنيفة إلى الإسلام الأحادي والمنغلق"، وفي هيمنة بيروقراطية الدولة التسلطية- الحزب الحاكم، التي لا تمت بصلة "إلى الاشتراكية كصيغة عصرية وإنسانية للعدالة ولا إلى الديمقراطية كصيغة عصرية للمساواة، إذ أن أفقها الأيديولوجي وذخيرتها الثقافية جعلا نزوعها هذا إلى العدالة الاجتماعية والمساواة ضرباً من تطلع إلى تنظيم بدائي قطيعي للمجتمع، لا مكان للفردية الخلاقة فيه ولا أثر لحقوق الإنسان. أضف إلى ذلك، وهذا أمر من الأهمية بمكان أن المنظورات التنموية تتفق مع منظوراتها المفتقرة إلى النزعة الإنسانية (النزعة التي تعتبر الإنسان مركز الكون وقيمته الأسمى)، التي تشكل حجر زاوية في عمارة المجتمع الحديث"(40).
لقد كان من نتائج سعي الدولة القسري إلى تحقيق معدل أقصى للتراكم الرأسمالي، وضرورة التصنيع بإيقاع سريع، والرغبة في التطبيق السريع للاشتراكية في بلد متخلف، مثل الجزائر، حدوث اختلالات كبرى للدولة الجزائرية، التي هيمنت عليها منظومة للمفاهيم الشعبوية ذات الطابع الاشتراكي والجمعوي. هذه الاختلالات التي تظهرها صور عملية التدويل للمجتمع، باعتبارها ظاهرة طبعت الاشتراكية الشعبوية التي طبقت في بلدان العالم الثالث، حيث تزامنت الصفة الخارجية للدولة، مع تداخلها في المجتمع، والخصخصة، توضح لنا نقص الشرعية والتبعية للدولة من جانب مواطنية سلبية، وتكشف عن المظاهر المترتبة على ذلك.
أولاً: إن إشتراكية الدولة التي تجمع بين بنى رأسمالية وأهداف اشتراكية، أصبحت ملك الأجهزة السياسية، والإدارية لسلطة الدولة. ذلك أن بومدين اعتمد على البيروقراطية الجزائرية بأقسامها المختلفة، لتحقيق الأهداف الاشتراكية فقد ثبت الكوادر غير الوطنية من البيروقراطيين الذين تخرجوا من المدرسة الاستعمارية، وتدربوا على أيدي الحكم الاستعماري الفرنسي، على رأس المناصب الأساسية في مجالات الاقتصاد والإدارة والإعلام، والثقافة، والتعليم، ومسألة منطقية وطبيعية أن تجد هذه البيروقراطية صعوبة كبيرة في التكيف مع الأهداف الاشتراكية، ومع المعايير الاقتصادية- الاجتماعية الجديدة، التي تريد تطبيقها اشتراكية الدولة بصورة شعبوية.
ولهذا تميزت هذه الشريحة من البيروقراطية بدورها السلبي المعادي للاشتراكية داخل جهاز الدولة، وكانت معنية بتحقيق مصالحها الخاصة على حساب المشروع البومديني الوطني، ولم تستطع أن تتجاوز خلفيتها الطبقية البرجوازية. أما البيروقراطية العسكرية والحزبية، والتكنوقراطية، المنحدرة من الفئات الوسطى، فقد اعتبرت الاشتراكية قضية الدولة والسياسة، لا قضية الطبقات الشعبية وأحزابها الثورية والديمقراطية، رغم أن العمال والفلاحين كانوا أقرب إلى الاشتراكية التي تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للعائدات النفطية والثروات، أي للدخل القومي، وممارسة الحرية والديمقراطية على نطاق المجتمع.
وقد لعبت الدولة التسلطية الجزائرية المحتكرة لمصادر الثروة والقوة في المجتمع، بوصفها ممثلة الطبقة السياسية الحاكمة المتكونة من البيروقراطية المركزية العليا للدولة حيث يسيطر قياديو العسكر وأجهزة القمع والإرهاب المنظم للدولة المساندة لهذه البيروقراطية المركزية، ومن البيروقراطية البرجوازية المسيطرة على القطاع العام، والتي تقود الاقتصاد، دوراً أساساً في بناء اشتراكية مزعومة ذات طابع شعبوي، وأدعت لنفسها أنها هي التي خلقت طبقة عاملة من خلال توزيعها على هواها الامتيازات والعائدات المتأتية من الريع النفطي، وفائض القيمة العائد للعمال، بإعتبار أن هذه الدولة هي دولة الرعاية أو "دولة البقرة الحلوب". ويقول محمد حربي في تحليله لبنية الدولة الجزائرية، بأن النظام الجزائري لم يكن نظاماً اشتراكياً ولا هو نظام انتقالي نحو الاشتراكية، إنه نظام بيروقراطية رأسمالية. لقد كان دور الدولة حاسماً في تكوين المجتمع، إذ خلقت بشكل مصطنع برجوازية وطبقة عاملة جديدتين، واستوظفت الأنتليجنسيا. كل الطبقات ألحقت بها، فعناصر الطبقات المدينية، لا سيما المنبثقة من الأرياف لم تتجذر بعد في بيئاتها الجديدة، ولا تزال مطبوعة إلى حد بعيد بالثقافة الفلاحية(41).
ثانياً: إن تحالف البيروقراطية المركزية العليا في الدولة -الحزب (العسكرية والبولسية) مع التكنوبيروقراطية (الاقتصادية) التي تمثل شريحة منقسمة ومتصارعة الأجزاء بسبب توزيع ولاءاتها بين قسم يدعم مشروع الدولة لبناء اقتصاد موجه، وتحديث البلد من خلال رفع شعار "العقلنة" و"العلم" و"التقنية"، وبين قسم آخر -خصوصاً مدراء شركات القطاع العام الذين يملكون سيطرة حقيقية على وسائل الانتاج، وعلى القرار الاقتصادي في شركاتهم -مرتبط بالشركات المتعددة الجنسيات، والسوق الرأسمالية العالمية، عبر العقود، والقوميسيونات، والوساطات من جهة، ومتعاون مع البرجوازية الخاصة، التي تعتبر طبقة حديثة النعمة، وذات أصول شعبية تضم الغالبية العظمى من ضباط المقاومة، الذين اشتركوا في حرب التحرير، وأقصوا عن جهاز الدولة في الفترة ما بين 1962-1967، وأغدقت عليهم الدولة بالرساميل لتمويل عدة مشاريع في الزراعة، والتجارة، والصناعة من جهة أخرى، هذا التحالف هو الذي يهيمن على سلطة الدولة. ولما كان هؤلاء البيروقراطيون ملتفين حول الرئيس الراحل بومدين، والحزب القائد، فقد جعلوا من أنفسهم المالكين الوحيدين لمعنى الدولة، في تعارض كلي مع جمهور المحكومين، الذي تدعي الدولة التسلطية أنها تريد اشراكه في هذا المعنى.
وتبذل هذه البيروقراطية بجميع شرائحها قصارى جهدها لتعزيز دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع، بما يؤدي ذلك إلى تسليط الدولة على المجتمع وتسيدها عليه، وتجعل الدولة احتكاراً لها، مستغلة موقعها كنخبة حاكمة ومسيطرة في مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لتحقق تراكم رأسمالي داخل جهاز الدولة لحسابها الخاص، من خلال إساءة استعمال أملاك الدولة، وتحويل الأموال العامة، وقبض العمولات، والاختلاس، والتلاعب، والتزوير إلخ وتطوير العلاقات مع البرجوازية الخاصة، على أساس الفساد، والنهب لممتلكات الدولة، والسمسرة، أكثر مما هي على القوانين، حيث أن هذه البرجوازية الخاصة هي طبقة كمبرادورية حقيقية، مخترقة من قبل أجهزة المخابرات (الأمن العسكري) وتشارك ذوي الرتب العليا في النظام السياسي في القيام بأعمال يعاقب عليها القانون.
إن النخبة الحاكمة والمسيطرة من بيروقراطية الدولة- الحزب، تقوم هي نفسها بالتماثل أو بالتماهي مع الدولة، وحولت سلطة الدولة إلى مسرح للصراعات على (الحصص) بين مجموعات وأفراد ذوي مصالح متباينة، وإلى كيانات شبه إقطاعية، يقودها حكام غير قابلين للعزل، ويستخلصون مبدأهم للوحدة مع جهاز الدولة، من واقع أنهم يقدمون أنفسهم بصفتهم يمثلون المصلحة العامة تجاه خصوصيات المجتمع، في حين أنهم يوجهون الدولة لخدمة مصالحهم الطبقية متجسدة في تثبيت حكم شخصي كلي القدرة، في طابع تراثي جديد من الاستبداد.
من هنا تبرز الشكلية المؤسسية والدستورية في ظل الدولة التسلطية، وتدويل المجتمع، الذي يخدم مصلحة النخبة الحاكمة، في سبيل إحكام سيطرتها على المجتمع والاقتصاد، على الرغم من الإدعاءات الأيديولوجية الشعبوية حول الخيار الاشتراكي، وحماية القطاع العام (ملكية الدولة). ثم أن بيروقراطية رأسمالية الدولة في الجزائر هي شبيهة برأسمالية الدولة في المشرق العربي، حيث أن نمط الانتاج في ظل رأسمالية الدولة كما يقول الدكتور خلدون النقيب هو نظام لعلاقات انتاج رأسمالية متمركزة أو متمفصلة
Articulate حول ملكية الدولة... وحيث أن العلاقات الرأسمالية هي السائدة، وأن فائض وقت العمل (Surplus labourtime) الذي يولد فائض القيمة (Surplus Value) في القطاع العام يتم الاستيلاء عليه حسب الأسلوب الرأسمالي حتى في ظل ملكية الدولة. ولذلك يمكن، في ظل نمط الانتاج هذا، التفكير في الدولة على أنها بديل للقطاع الخاص الرأسمالي أو شبه الرأسمالي.وإذا أردنا التبسيط، حسب منهج صفاء الحافظ، يمكننا القول أن الدولة تؤدي دور التاجر الشجع أو الرأسمالي الغائب نفسه.إن الدولة في هذا النمط من الانتاج تقوم باستغلال مزدوج للمجتمع من حيث (أ) كونها أكبر مستخدم ورب عمل، تحدد الأجور والأسعار وتقرر الإحتكارات الحكومية، من جهة (ب)وكونها وسيط بين السكان والشركات المتعددة الجنسيات والسوق الرأسمالية العالمية، من جهة أخرى، وهنا يتضح الدور التابع لهذا النوع من النظم الرأسمالية، فقد بينا كيف أن الاختراق الإمبريالي لهذا النظام قد جردها من استقلال القرار السياسي على المستوى المحلي وهي تابعة هنا. كإمتداد للأول، بمعنى فقدانها السيطرة أو القدرة علىالتحكم في مواردها في اتخاذ القرارات الاستراتيجية الاقتصادية وسواها(42).
في ظل الدولة التسلطية، وخيار رأسمالية الدولة، وهيمنة البيروقراطية المركزية العليا على سلطة القرار السياسي، تنفصل المؤسسات الدستورية والديمقراطية عن وظيفتها في الضبط والتنظيم للحياة السياسية العامة. وتتحول هذه المؤسسات التي من المفترض أن تضمن علاقات سليمة وصحيحة بين المجتمع المدني والدولة، إلى رهانات ومواقف تتقيد بالحكم الشخصي للرئيس، باعتباره رمزاً حيا لشكل الدولة غير الشخصي، والذي يتعلق بالرقابة عليها، بدل من أن تكون قواعد للممارسة الدستورية والديمقراطية. وهذا النزوع الاستبدادي المصحوب بالإرهاب المنظم للدولة، يقود إلى انقاص قيمة المؤسسات كقواعد للعبة الديمقراطية وإلى وضعها كرهانات في يد الحكم الفردي، الذي يعمل على نقل القوة الرمزية من المؤسسات إلى شخص الرئيس، الحاكم المطلق.
ثالثاً: تقود إدارة الحكم الفردي في ظل الدولة التسلطية إلى تطوير البنى المساندة للبيروقراطية المركزية، من خلال بناء أجهزة القمع والقتل الضاربة، ممثلة بدولة المخابرات (الأمن العسكري) التي سعت ولا زالت، لفرض سيطرتها الكاملة على حياة المواطنين، وتهديد حياتهم ومصيرهم وانتهاك كل حقوق الإنسان، ودوس كرامته إلى درجة أن حياة المواطنين باتت لا تساوي شيئاً لدى الدولة التسلطية. إن النظام السياسي البيروقراطي الأحادي أي القائم على الحزب الحاكم والملائم للدولة التسلطية، يؤدي إلى تغييب دولة الحق والقانون، والقضاء على المؤسسات الدستورية، وتكوينات المجتمع المدني الحديث، وإفقار الحياة السياسية والفكرية والثقافية، بسبب خلو ساحة العمل السياسي والثقافي من النخبات السياسية والفكرية التي تناضل لتعميم الروح الديمقراطية وتعميقها، وإيصالها إلى صفوف الشعب، وإنشاء المنظمات والأحزاب الديمقراطية في كل ميادين الحياة، وتقديم الأفكار والقيم الديمقراطية في التاريخ العربي، وكل تجارب الثورة البرجوازية الغربية، تحددها في ذلك خدمة المصالح العامة للمجتمع المدني الحديث، ودولة الحق والقانون، لا النزوات الفردية أو المصالح الفئوية الظرفية ضيقة الأفق.
والحال هذه، ليس للمجتمع المدني فعلاً دور في اختيار الممثلين للبرلمان، لأن النظام البيروقراطي التسلطي أصبح بديلاً عن مؤسسات المجتمع المدني ولأن العسكر والحزب الحاكم يعتبران الديمقراطية البرلمانية عدواً يجب إلغاؤه تماماً من المؤسسات. وبذلك كان وجود المجلس الوطني (البرلمان) شكلياً، ومن دون وظيفة فعلية في النظام. ولما كانت الدولة التسلطية قد استولت على المجتمع، فإن النخبة الحاكمة تعتبر أن حزب جبهة التحرير الوطني والمنظمات الجماهيرية المرتبطة به، هي مؤسسات تمثيل شعبي لا تكتفي بالدفاع عن مصالحها المهيمنة الخاصة، وإنما يجب عليها الدفاع عن المشروع السياسي للحزب الحاكم، الذي يمثل الحلقة المركزية في جميع أشكال التمثيل. من هنا، فإن معظم النواب الذين يتم اختيارهم من قبل المجموعة الحاكمة، وحزب جبهة التحرير، لا يمثلون الشعب، لأن مشاركتهم السياسية كانت مؤطرة ومسيسة من قبل النظام السياسي لخدمة أهداف ومصلحة الدولة التسلطية، وقد جعلت هذه الأخيرة من البرلمان مجالاً سياسياً ثانوياً وهامشياً، لا يمكن له أن يتحول إلى مجال لتمثيل نشط لمختلف تكوينات المجتمع المدني، والتيارات المتنامية في صلبه، في مواجهة النظام السياسي.
وبما أن النواب الجزائريين ينتمون كلهم إلى الحزب الحاكم، فإنه يصعب على البرلمان الجزائري أن يتمتع بسلطة فعلية، في ظل غياب كلي لتمثيلية القوى السياسية المعارضة الديمقراطية والاسلامية على غرار الديمقراطية البرجوازية الغربية. وسيظل أي إصلاح ديمقراطي مبتوراً، طالما أنه لم يتم الانتقال من دولة يحكمها العسكر ويسودها الاحتكار السياسي التسلطي من قبل حزب واحد، إلى دولة ديمقراطية برلمانية، تحترم الدستور، وقوامها الإقتراع العام لإنتخاب السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتعدد الأحزاب والمنظمات السياسية، وتنظيم العلاقات الخاصة التي تربط بين السلطة التنفيذية والبرلمان على أساس تحديد دور كل منهما في مجالات اختصاصه، وإتاحة تغييرات في نسبة القوى الطبقية على صعيد تقسيم أنصبة التمثيلية السياسية والسلطة، فيما بين الطبقات في المجتمع. إنه الإصلاح الديمقراطي الحقيقي الذي يقضي على التسلط الاستبدادي في أجهزة الدولة الجزائرية من جانب أجهزة القمع: الجيش والأمن العسكري، ومركزية الدولة البيروقراطية المختلفة جداً.
إن اختلال الدولة التسلطية المزودة بجهاز متطور جداً تظهره الإدارة الخاصة لهذه الدولة بصورة ما، في شكل الإقصاء والتهميش للقوى الاجتماعية ذات التوجهات السياسية والأيديولوجية المغايرة لأيديولوجية الحزب الحاكم، كي لا تعبر عن مواقفها وتصوراتها، وتدافع عن مصالحها في إطار مؤسسات اجتماعية وسياسية مستقلة، تؤدي إلى ولادة جماعة سياسية جديدة، وفي التعبير عن السدود بين الطبقات والفئات الاجتماعية، وعن العلاقات التقليدية البالية في المجتمع، حيث أن تناقضات النظام السياسي البيروقراطي يميل إلى جعل مؤسسات الدولة الحديثة عاجزة عن الفعل ومسكونة بخصوصيات المجتمع التقليدي من مختلف الأنواع، بما في ذلك الرواسب أو البنى ما قبل القومية كالعشائرية والقبلية، والعائلية، والأقليمية. هذه الرواسب تعرقل عملية الإندماج المجتمعي في إطار جماعة سياسية حديثة، وتزحم عملية تكون رأي عام فاعل، ولا تعترف بالمواطن ككائن فاعل يتمتع بكامل حقوق المواطنة، ويقوم بواجباته عن وعي وارادة حرة، بل إن تناقضات الدولة التسلطية تبقي الإفراد رعايا أو شبه قطيع هامد، والشعب بدون "تاريخ" سياسي. "إذ تتعاطى معه كأب في أحسن الأحوال، أو كجلاد ونهاب في أسوء الأحوال".
ذلك ما يقود إلى تناقض دوافع المحكومين مع الدولة التسلطية. وهو ما يؤدي إلى نوع من "التبعية للدولة" في شكل الولاء السلبي والمتباعد إزاء سلطة استبدادية غاشمة خارجية وعليا مالكة لكل أدوات القهر والإرغام، وضابطة لوسائل الإدارة المادية للحياة الاجتماعية. ولعل ذلك كان من بين العوامل التي قادت إلى خلق مواطنية سلبية تتبرأ من الإنتساب إلى النظام السياسي القائم على الحزب الواحد. لأن هذا النظام يعاني من تناقضات جوهرية كما يقول العياشي عنصر: التناقض بين طبيعته التقليدية البالية المتمثلة في إنفراد الزعيم بالحكم والرأي، وإخضاع الجميع بما في ذلك حاشيته وصولاً إلى استخدام العنف والتصفية الجسدية لفرض الهيمنة، ذلك ما يؤدي إلى ظهور ردود أفعال مماثلة لمقاومة الاستبداد الفردي بالسلطة. وفي المقابل، نجد المظهر العصري الذي تجسده ممارسات شكلانية وطقوسية مثل الانتخابات والاقتراع العام، واعتماد طرق عمل بيروقراطية حديثة. أما التناقض الثاني، فنجده بين الطبيعة العشائرية للنظام وسيطرة المصالح الفئوية الضيقة التي تشكل مضمونه الاجتماعي وقاعدته الموضوعية، والاعتماد في استمرار على ثروة ريعية توزع على شكل هبات وإقطاعيات تبعاً لمعايير الولاء والطاعة والتبعية للزعيم وجماعته. في مقابل ذلك، نجد خطاباً شعبوياً ينفي التمايز، ويؤكد التجانس ووحدة المصير والمصالح التي تربط مختلف القوى المكونة للمجتمع. لكنه خطاب ذو فعالية محدودة في تورية الواقع وطمس تناقضاته الحادة.(43).
رابعاً: إن الطابع المميز لنظام الدولة التسلطية في الجزائر، كونه في بنيته الأساسية مجرد زركشة حديثة للسلطة في شكلها "الاشتراكي التقدمي"، لأنه نظام قائم على الحكم المطلق، والسلطة الفردية للرئيس بومدين على الصعيد القانوني وما يتجاوزه. وفي ظل سيطرة هذا النظام البيروقراطي من الناحيتين السياسية والاجتماعية، ومن الزاويتين الطبقية والأيديولوجية، يصبح وجود حزب جبهة التحرير الوطني مجرد ديكور صوري يكتفي بالتصفيق لقرارات السلطة ومبادراتها، ولم يكن في يوم من الأيام حركة ثقافية وأيديولوجية طليعية، تنتهج النقد الراديكالي من أجل تأسيس نظام ثقافي ومعرفي حديث، وتسعى إلى إقامة جسور تربطها بحركة الشعب، الذي أصبح منكفئاً على ذاته ويلتجئ إلى البنى الاجتماعية التقليدية.
وجاءت صحوة بومدين في العام 1977 متأخرة، لإعادة بناء حزب جبهة التحرير الوطني على قاعدة الميثاق الوطني، حيث أسند هذه المسؤولية إلى السيد محمد صالح اليحياوي مجسد الخط الاشتراكي الشعبوي بإمتياز. وقد بدأ اليحياوي الإعداد للمؤتمر بتنظيم مؤتمرات للمنظمات الجماهيرية، مثل الاتحاد العام للعمال الجزائرين، والاتحاد الوطني للفلاحين، والاتحاد الوطني للشباب والمنظمة الوطنية لقدماء المجاهدين. واعتمد في ذلك على أعضاء حزب "الطليعة الاشتراكية" الذين سهل لهم عملية التغلغل في هذه المنظمات، وترك لهم الحرية في استخدام خطاب ماركسي تقليدي. وألقى مجموعة من الخطب، تجمع ما بين الخطاب ذي التوجه الاسلامي والخطاب التحديثي. وجاءت الوفاة المفاجأة للرئيس هواري بومدين لتضع حداً لهذه المحاولة.
وعلى أثر وفاة بومدين، طرحت مسالة الخلافة في الجزائر. وكان رجال الأمن العسكري وعلى رأسهم قاصدي مرباح، الذين يتمتعون بنفوذ كبير داخل النظام البيروقراطي يريدون منع وصول رجل قوي إلى سدة الحكم. وكانوا يرون في ترشيح أحد الطرفين القويين: محمد صالح اليحياوي قائد التيار الاشتراكي الشعبوي والعروبي في الجزائر، الذي كان يرى أن تتم الخلافة وفقاً لمقتضيات الدستور أي أن يتولى السيد رابح بيطاط بصفته رئيساً للمجلس الوطني الشعبي (البرلمان) منصب رئيس الدولة مباشرة ويمارس الصلاحيات المنصوص عليها، في انتظار مؤتمر عام للحزب يقوم بإختيار المرشح للرئاسة باسم الجبهة ويقدمه إلى الشعب لينتخبه -وعبد العزيز بو تفليفة وزير الخارجية السابق، والليبرالي المعتدل، من أجل خلافة بومدين، خطراً كبيراً على مصالحهم، لأن صعود أي من الطرفين يعني نهاية الأمن العسكري.
ولذلك لعب قاصدي مرباح قائد الأمن العسكري أنذاك دوراً بارزاً وحساساً في ترشيح الشاذلي بن جديد كرئيس للجزائر بعد اجتماع عقدتة الإطارات العسكرية. وكان قاصدي مرباح يعتقد أن الشاذلي بن جديد رجل تطبيق، وغير مسيس، أو مؤدلج، ويمثل مرحلة انتقالية على رأس هرم الدولة والحزب، وبالتالي سوف يطلب بحكم يحافظ على سلطته غير المحدودة كما كان في عهد بومدين. غير أن الرئيس الشاذلي بن جديد، قرر أن لا يكون رجل مرحلة انتقالية، وأن يتمتع بكامل السلطات مثل سلفه على صعيد الدولة والحزب فأقام تحالفات وطيدة مع قادة المناطق العسكرية، والذين يرتعدون خوفاً من جهاز الأمن العسكري، والناقمين عليه جراء اضطهاده لهم في عهد بومدين، بسبب خشية هذا الأخير من الإنقلابات العسكرية. ومن خلال هذه العملية، استطاع الشاذلي بن جديد أن يكسب ثقة العسكر، وبخاصة قياداته المتنفذة، وأن يقوم بتصفية خصومه البومدينيين، وأن يكسر جهاز الأمن العسكري.
لقد جاء بن جديد إلى قمة السلطة حين أكدت نتائج الصراع بين الأجنحة المختلفة لقيادة مجلس الثورة والمكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني، رجاحة كفة العسكر على الحزب، حيث ما زال العسكر قادراً على وضع ترتيبات الخلافة. وانتقل حزب جبهة التحرير الوطني في عهد الشاذلي بن جديد من الديكتاتورية العسكرية الفردية، إلى التسلط البيروقراطي الجماعي، إذ عمد إلى توظيف قنوات الحكومة والإدارة والمؤسسات الحكومية لمصلحة وإنساق الأعضاء واسعوا النفوذ في الحزب الوحيد وراء مصالحهم، كالتمتع بالفيلات الجميلة، والسيارات المستوردة، وباتت لهم حسابات بنكية في الخارج.
ومع تعميق الانفصال التام بين السلطة وتطلعات الناس، وانغلاق فجوات الصعود الاجتماعي أمام الطبقة الوسطى، تعمق الإحباط العام في صفوف المناضلين النزهاء داخل حزب جبهة التحرير، وانهارت الثقة بين الحزب والمواطنين. ولأن سلطة بن جديد التي تنتمي نظرياً إلى حزب جبهة التحرير الوطني تمارس سياسة اقتصادية واجتماعية مخالفة تماماً لنصوصه الأساسية. إذ أن هذه السياسة الاقتصادية تتوافق مع نهج الليبرالية الاقتصادية التي اتبعها النظام الجزائري، الذي أعطى للقطاع الخاص دوراً بارزاً من شأنه أن يقود إلى تطور الرأسمالية الطرفية والتابعة في الجزائر، وإلى توثيق علاقاته مع الشركات المتعددة الجنسيات والإحتكارات الرأسمالية، وإلى تعميق تبعية "الاقتصاد الوطني" بالسوق الرأسمالية العالمية، وإلى زيادة مخاطر ارتباط الجزائر بالإمبرايالية العالمية. وهو علاوة على ذلك يؤدي هذا النهج الاقتصادي القائم على قانون الغاب إلى زيادة فاحشة في الأسعار، التي لا يتحملها إلا الأثرياء والمضاربون والمحتالون، وإلى تقويض بنية القطاع العام، بهدف تمتين بنية القطاع الخاص الكمبرادوري والأجنبي، التي تمكنه من الإستيلاء على السلطة نهائياً.
إن السلوك المحموم للطبقة السياسية الجزائرية الحاكمة الساعية والراكضة للحصول على أقصى قدر من الريع النفطي، أياً كانت صورته، أصبح عقلية سائدة وحاكمة لمجمل النشاط والسلوك الاقتصادي لشرائح البيروقراطية الرأسمالية المتنفذة في الدولة والحزب، بما لذلك من انعكاسات على تراجع "الفكر العقلاني"، وصعود قيم "الشطارة"، و"الاحتيال"، و"النهب"، وفقاً لشعار "دعه ينهب... دعه يمر"، وتبلور معادلة اقتصادية اجتماعية فكرية جديدة مضمونها على النحو الآتي: الهجرة، البترو دولارات، الانفتاح= الريعية. السلفية الدينية. السطحية. ويعلق أستاذ اقتصادي في الجامعة الجزائرية عايش الدوائر السلطوية العليا عن كثب على هذا الوضع موضحاً: "نعرف جيداً ماذا كان مصير العائدات النفطية في الفترة ما بين 1969-1979، والتي بلغت 27 مليار دولار: لقد استثمرت في النظامين المدرسي والصحي. لكننا لا نعرف ماذا حل بـ 120 مليار دولار، على مجموع العائدات من 1980 إلى 1988، هناك مبان كثيرة ضخمة وهناك أيضاً رشاوي كثيرة".
وليس خافياً على أحد أن مضاعفات التقسيم الجديد للعمل بين العام والخاص، بإضفاء الطابع الخاص على الخدمات العامة، وتخفيض الضرائب على تمويل النفقات الاجتماعية وتقلص تدفق ينبوع الريع النفطي من العملة الصعبة، حيث أن الدولة التسلطية اعتمدت كلياً على النفط والغاز والخدمات المرتبطة بهما كمصدر أساسي للدخل القومي، قد قادت إلى "رسملة الشأن الاجتماعي" من خلال العودة إلى عملية الضبط استناداً إلى قوانين السوق، التي لا تنفصل عن التحرر النسبي للدولة التسلطية، وعن القواعد الليبيرالية الجديدة التي أرساها الشاذلي بن جديد، والقائمة على إطلاق العنان لليبيرالية الاقتصادية، وتحرير القطاع العام من خلال تفكيكه وبيعه تدريجاً للرأسمالية الخاصة عملاً بمبدأ الخصخصة. هذا الشعار الذي فرضته "الثورة المحافظة" في كل الغرب الإمبريالي، في سبيل تأبيد الاقتصاد الرأسمالي، وإخراجه من حالة الركود التي يعاني منها، وبالتالي إعطاء صورة جديدة للقطاع الرأسمالي الخاص، بإعتباره ركناً أساسياً في الاقتصاد الجزائري، ومطلباً طبقياً ملحاً بالنسبة للطبقة البرجوازية الكمبرادورية الجزائرية، المرتبطة بالسوق الرأسمالية العالمية، والإمبريالية، في آن معاً.
إن التحرر النسبي للدولة، لم يكن حاملاً لقدرات ملائمة لظهور تسوية جديدة بين الحاكمين والمحكومين في الجزائر، التي تسيطر الحكومة على صحافتها بالكامل، وحيث لا تتكلم الصحف إلا بلغة الحزب الحاكم، وترفض أي تجمع خارج إطار جبهة التحرير الوطني. بل إن هذا التحرر للدولة الذي يتوافق مع عملية الضبط بوساطة آليات السوق يرفض بإطلاقية وجود ضمانات تتيح تنظيم الاختلافات داخل المجتمع المدني، وحمايتها، تبعاً لكيفيات مطابقة لدولة الحق والقانون، ويحمل في سيرته توترات اجتماعية وسياسية جديدة لأنه يعبر عن سياسة سيطرة قوانين السوق، ويعمق أزمات الدولة التسلطية الجزائرية، أو لها سياسية بحكم تآكل شرعية النظام البيروقراطي العسكري الحاكم، وسيادة استخدام الأساليب القمعية من جانب الأجهزة، واتساع هوة الطلاق والقطيعة بين الدولة الجزائرية الكمبرادورية والشعب، وبالتالي المجتمع المدني بتشكيلاته المختلفة، وامتداد مأزق الدولة التسلطية المعتمدة أساساً في وجودها واستمرار بقائها على هيمنة الحزب الشمولي الأوحد على جهاز الدولة، وتركز السلطة في أيدي نخبة عسكرية وتكنوقراطية.
إن غرق النظام البيروقراطي الجزائري في خضم هذه الأزمة البنيوية، وتغيير المجتمع كماً وكيفاً خلال عقدي السبعينات والثمانيات، وعجز الدولة التسلطية عن استيعاب متطلبات وحاجات المجتمع المدني للديمقراطية، والتحديات التي أفرزتها الأزمة من ناحية، والانتفاضة الشعبية في أكتوبر 1988 من ناحية أخرى، كل هذه العوامل مجتمعة بما تشكله من خصوصيات داخلية، تؤكد على استفحال "أزمة الأيديولوجيا الشعبوية" التي من سماتها، محاولة "التوليف بين عناصر دينية وعلمانية والجمع بين الحفاظ على الأصالة والتمسك بالتراث وإحيائه من جهة، والإنبهار بالحداثة والتوق إلى العالمية والإندماج في حركة العصرنة من جهة ثانية"، والتي وصلت إلى طريق مسدود، أي إلى نهايتها الطبيعية المتمثلة في "إفلاس النظام"، وتصدع المجتمع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لشرائح عريضة من السكان، وتفاقم أزمة الدولة بعد انكشاف الأمور على حقيقتها بكل ما فيها من تناقضات حادة وممارسات غير رشيدة"(44).
هوامش الفصل الثالث:
(1) - الأومانيته - صحيفة الحزب الشيوعي الفرنسي، عدد3، تشرين الثاني 1954، الحزب الشيوعي الفرنسي وقضية الجزائر ، الياس مرقص.
(2) - محمد حربي، جبهة التحرير الوطني، الاسطورة والواقع، ترجمة كميل قيصر داغر، مؤسسة الابحاث العربية ، ش، م،م، الطبعة العربية الأولى، 1983 (ص142)
(3) - المصدر السباق (ص 147) - انظر برنامج الصومام،
(4) - المصدر السابق (ص 151)
(5)- الحوليات الجزائرية (ص151)
(6) مغنية الازرق، نشوء الطبقات في الجزائر، ترجمة سمير كرم، مؤسسة الابحاث العربية، الطبعة الأولى ايلول 1980 (ص82)
(7) - محمد حربي - مصدر سابق (156)
(8) - وليم ب. كواندت، الثورة والقيادة السياسية - الجزائر 1954 -1968، إصدار مركز الدراسات والابحاث العسكرية دمشق 1981 (ص146)
(9) - المصدر السابق (ص 176) ، أنظر بن خده "المساهمة " ص 4-24"
(10)- المصدر السابق ( ص 202-203) من بين الدراسات المرموقة راجع غرين برنتون "علم أحياء الثورة " وليفو ردت ادوارد " التاريخ الطبيعي للثورة" وف.وفربي" القيادة السياسية التركية توفر هذه الدرسات الدلائل الكثيرة على تغير القيادة في تركية أثناء الجمهورية الأولى، وهارولد لاسويل " في القيادات الثورية العالمية" ، و"طبعات غابريل" 1. الموندوجيمس. كولمان.سياسة المناطق النائية ص547
(11)
ANNUAIRE DE L´AFRIQUE DUNORD ( AIX EN PROVINCE AND PARIS EDITIONS DU CENTRE NATIONAL DE LA RECHERCHE SCIENTIFIQUE 1962 VOL1, P118 (Roun ded percentages)
(12) - وليم . ب. كواندت مصدر سابق (ص273 -274) انظر : عبر خيضر عن هذه المشاعر في مؤتمر صحفي في القاهرة في 10 تشرين الأول 1963، وبين بومدين الذي عرفت عنه أفعاله أكثر من أقواله ، الدور السياسي الذي تنبأ به للجيش الشعبي الوطني، وبينت تصريحات بومدين بعد ما جاء إلى السلطة في عام 1965 بوضوح أكثر الدور السياسي الذي تصوره للجيش، ويقول هارفي في " امتحان القوة في الجزائر" ص 1، إن (أفكار بن بلا كانت وسطاً بين أفكار خيضر الذي يدعو إلى عودة جيش التحرير إلى ثكناته، وأفكار بومدين الذي لم يكن أبداً حتى بعد انتهاء الحرب يميز بين المدنيين والعسكريين) . وعبر بن بلا بوضوح عن أفكاره الأولى في " البيان الوزاري" في 28 أيلول 1962، الذي أعيدت طباعته في حديث الرئيس بن بلا.
(13)
COMISSION CENTRALE D´ORINTATION, LA CHARTE D´ALGER
(ALGER: IMPRIMERIE NATIONALE ALGERIENNE 1964 (P40).
(14)- IBID - (P70)
(15)- IBID -(P110)
(16)- IBID- (P107
(17) - المنصف وناس- مقال الدولة الوطنية والمجتمع المدني في الجزائر - مجلة المستقبل العربي عدد 191 كانون ثاني 1995 (ص105) انظر مذكرات مصالي الحاج (ص 14و 288) كما قدمها أحمد بن بلا حين يقول " لا نريد وطنية كتلك التي نشأت في الغرب متباعدة عن الله، بل وطنية مسكونة بمعتقداتها ومروية بإيمانها في الله ومروية بانتمائها إلى الإسلام".
(18)- المصدر السابق (ص107)
BOUKHOBZA OCTOBRE 88 EVOLUTION OU RUPTURE (PP 26-27 ).
(19) - ياسين الحافظ الهزيمة والايديولجيا المهزومة - دار الطليعة - الطبعة الأولى تموز / يوليو / 1979/ (ص 244)
(20) - الدكتور محمد عبد الباقي الهرماسي - المجتمع والدولة في المغرب العربي - مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى - أيلول / سبتمبر 1987 (ص101) انظر أيضاً حول هذه المسألة :
LECAETVATIN, DEVELOPPEMENT POLITIQUE AU MAGREB (ISI)
CRESM, 1979 ) (PP73 -74) .
(21) -الثورة الإفريقية 23 تشرين الأول 1963.
(22) - الدكتور فؤاد اسحق الخوري، العسكر والحكم في البلدان العربية - دار الساقي - الطبعة الأولى 1990 (ص37)
(23) - مغنية الأزرق - مصدر سابق (ص218)
(24) - العيازر بعيري - ضباط الجيش في السياسة والمجتمع العربي - ترجمة بدر الرفاعي - سينا للنشر - الطبعة الولى 1990 (ص 254).
(25) - وليم ب. كوندت - مصدر سابق (ص 314 - 315)
(26) - اليعازر بعيري - مصدر سابق (ص 275) انظر:
GEORGEM. HADAD,REVOLUTIONS AND MILITARY RULE IN THE.MIDDLE EAST
THE NORTHEM TER , NEW YORK 1965,P 28
(27) - محمد حربي - مصدر سابق (ص310)
(28)- وليم ب. كواندت مصدر سابق (ص 338)
(29)-
LAHOUARI ADDI - FORME NEO - PATIMONIALE DE L, ETAT ET SECTEUR PUBLIC- EN ALEGERIE . ETUDE PARUE DANS LE LIVRE ETAT ET DEVELOPPEMENT LE MONDE ARABE, SOUS LA DIRECTION DE JEAN - CLAUDE SANTUCCI ET
HABIB EL MALKI , EDITION DU CENTRE NATIONAL DE LA RECHERCHE SCIENTIFIQUE - 75700 PARIS 1990( PP80- 81)
(30) - بوميدين - الخطب، 2: 111.
(31) - العياشي عنصر سوسيولوجيا الأزمة الراهنة في الجزائر - مجلة المستقبل العربي (9) كانون ثاني 1995 (ص84)
(32) - الدكتور محمد عبد الباقي الهرمسي - مصدر سابق (ص 77) انظر في ذلك:
GAUTIER DE VILLIERS,”Etat et CLASSES SOCIALES en ALGERIE peuples méditeanéens NO 27-28(Avril- Septembre 1984) (pp207 et 232).
(33)- العياشي عنصر- مصدر سابق (84ص)
(34)- الدكتور محمد عبد الباقي الهرماسي- مصدر سابق (ص102-103).
(35)- العياشي عنصر مصدر سابق (86) انظر تحليلاً لهذه المسألة في :
M. Boukhobza’ Etat de La crise at crise de L’Etat”
EL- Wattan (25-29 Juin 1994 ).
(36)
Gwendolyn M. carter, ed, african one - party states (I thaca: Cornell UniversityPress, 1962), (p31)..
(37) - نبيل عبد الفتاح - عقل الازمة- دار سينا للدراسات والنشر والتوزيع - القاهرة - الطبعة الأولى 1993- (ص 43- 44).
(38) مغنية الازرق مصدر سابق (ص 197).
(39) - احميده عياشي : الاسلاميون الجزائريون بين السلطة والرصاص - دار الحكمة 1992 (ص 88).
(40) - ياسين الحافظ - مصدر سابق ( ص197).
(41) - محمد حربي - مصدر سابق (ص 312).
(42)- الدكتور خلدون حسن النقيب - مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى أيار / مايو 1991 ، (ص 204 - 205).
(43)- العياشي عنصر - مصدرسابق (90).
(44) - المصدر السابق عينه.
(44) - المصدر السابق عينه.
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |