المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع

يطرح اليوم عدد متزايد من الباحثين السياسيين وعلماء الاجتماع المهتمين بتأصيل فلسفة سياسية عقلانية عن الدولة الحديثة والمجتمع المدني في الوطن العربي على أنفسهم السؤال التالي : لماذا كانت العقود الماضية الكولونيالية من تطور الدولة العربية على اختلاف تسمياتها الوطنية والقومية، وفي شتى أشكالها الثورية والديمقراطية والتسلطية العسكرية، عقود هيمنت فيها تظاهرات في السياسات العربية متناقضة جذرياً مع روح العصرنة السياسية الديمقراطية، وعقلانية السلطة، والمشاركة الموسعة في السياسة من جانب الشعب؟‏

يمكن التعرف في واقع الدولة العربية مابعد الاستقلال السياسي، إلى أن سيرورة تطور بنيتها وخصائص وظائفها الاقتصادية، أم السياسية القمعية، أم الدمجية، أم التقنية تختلف عن السيرورة التاريخية لتبلور الدولة البرجوازية في الغرب ( أوروبا الغربية وأميركا الشمالية)، بسبب من تطورها كدولة رأسمالية في ظل الراسمالية المتأخرة، لعبت دور رأس جسر للبرجوازية الاحتكارية الامبريالية، ومفوض وكيل للرأسمال الدولي، وتقوم بوظائف إعادة الانتاج المندمج في السوق الرأسمالية العالمية، وبالتالي إعادة إنتاج سيروة الاستغلال من جانب رأس المال.‏

وليس من شك أن هذه العلاقة الأدواتية قد أسهمت في تقليص السيرورات السياسية ضمن وبين مكونات المجتمع المذني الوليد، وتحويل هذه الدولة ذاتها - التي هي بالأساس دولة لا قانونية حيال غالبية الشعب- من دولة في ظل " اللحظة الليبرالية " التي عرفها الوطن العربي، التي تقوم على مؤسسات مستقلة نسبياً في إطار وظيفتها إلى دولة سلطة، أعادت إنتاج مؤسسات الدولة وفق مصالح الفئة الحاكمة، حتى بات التمييز صعباً بين السلطة والدولة. اساس هذا التحول يكمن في تشظى الحقل السياسي للفئات الوسطى التي حملت مشروع الدولة القومية، واستئثار الشريحة المحافظة منها بالحكم، وهيمنتها على الثروة المجتمعية. وقد تحولت العلاقة بين الدولة والمجتمع من علاقة وحدة وتعارض وتفاعل إلى علاقة تحكمها عملية مزدوجة، هي عملية الاحتواء والتهميش جراء هذه العملية تحولت علاقة الدولة بالمجتمع إلى علاقة الدولة بأفراد منعزلين، بعد إلغاء دور المؤسسات الوسيطة التي تلعب دور التمثيل.‏

هذه الدولة المستندة إلى مشروعية إيديولوجية ثورية وليس إلى مشروعية مجتمعية أخذت على عاتقها عملية إعادة إنتاج وعي سياسي مطابق لطبيعتها، وانتقلت من دولة حق وقانون إلى دولة عسف وامتيازات. والامتيازات، هنا ليست امتيازات طبقة برجوازية بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما امتيازات البيرقراطية البرجوازية للدولة التسلطية.‏

يتفق علماء الاجتماع والسياسة على أنه ليس هناك نظرية متكاملة حول طبيعة الدولة في الوطن العربي، ومشروعيتها، بالمقارنة مع دولة القانون التي وضعتها الثورات الديمقراطية البرجوازية المتعاقبة ( الثورة الانكليزية 1690 ،والثورة الأميركية 1776، والثورة الفرنسية 1789 )، ركائزها الحديثة باعتبارها دولة تقوم على المذهب الوضعي الذي يستند بدوره إلى الفكرة القائلة "إن الدفاع عن القانون يقوم على الحرية، وعلى الخروج كلياً من التراث الديني من خلال القطيعة المعرفية والمنهجية التي قطعتها مع التصور الإلهي للقانون، ووضعها مشروعية جديدة لكيان الدولة مستمدة من اعتبار المواطن الانسان مركز الكون لا من الله.‏

ومازال الفكر السياسي العربي يفتقر افتقارً فعلياً إلى بلورة نظرية حول طبيعة الدولة العربية، وهو مايشكل واحدة من أهم أزماته، فضلاً عن أنه يتجاهل التمييز بين الدولة والسلطة، لأن فكرة الدولة في العالم العربي لم تتغير كثيراً عن معنى الدولة قبل الأزمنة الحديثة، حيث كان معنى الدولة عند ابن خلدون على سبيل المثال هو مدة حكم أسرة حاكمة تبعيتها، أو الامتداد الزماني والمكاني لحكم عصبية من العصبيات، سواء أكان هذا الحكم عاماً أوخاصاً.‏

وحين نتأمل في أحوال الدولة العربية الراهنة، فإننا نجدها متماثلة مع السلطة، بماأن هذه الدولة تقلصت إلى حدود العاصمة بحكم مركزية السلطة فيها، وبالتالي فهي دولة هذه العاصمة، لا دولة الأمة ولا دولة الوطن، وهي ليست دولة جميع المواطنين المتساويين أمام القانون، بل هي دولة متحيزة لحزب مهيمن أو لطبقة، أو لدين أو لطائفة أو لأثنية أو لأقليم بعينه. علماً أن الدولة لا تنحل كلياً في السلطة، ولا في الجهاز القمعي فقط، حيث أصبحت هي الجهاز القمعي بامتياز، من خلال اعتدائها، في شخص محتكري السلطة فيها، علىالقانون، والمجتمع المدني، وهذا ماتؤكده دراسة الدكتور خلدون النقيب الجادة والعميقة، التي تتضمن عموماً أفكاراً نظرية حول الدولة التسلطية العربية ،التي نجحت في اختراق المجتمع المدني بالكامل، محققة بذلك الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع.‏

كتب عبد الله العروي في كتابه مفهوم الدولة يقول : مهما من أمر الليبرالية والماركسية في ذاتهما، فإنهما عندما تتنشران في المجتمع العربي تكتسبان بالضرورة حالة طوباوية مكثفة، لأنهما تتلبسان بذهنية معتادة منذ زمن طويل على انتظار الدولة الفضلى وعلى هجران التنظيم السياسي القائم... إن الطوبى الإسلامية انتظار عودة الخلافة بالهام رباني - أظهرت فصم الدولة عن المجتمع بمظهر طبيعي لا مفر منه، وبذلك اقعد الفقهاء عن البحث وعن وسائل عملية لتوحيدهما، كذلك الطوبى الليبرالية، وبعدها الماركسية، أضفتا على نفس الفصم حلة العلميه، فبقي الناس على تشاؤمهم التقليدي، لا ينتظرون من الدولة سوى القمع والاستغلال، حتى تتحقق الدولة الليبرالية المنتجة العلمية حيث تتكلف فقط بالأمن أو تتحقق الدولة الشيوعية المنحلة في إدارة الأشياء. نعم قد تقود الطوبى الموروثة والمستوردة، في ظروف مواتيه إلى الثورة إلى نقض الكيان القائم، لكن، في الظروف العادية، وهي الغالبة تقف حاجزاً على طريق الواقع وبلورة نظرية الدولة. إذا لم يع المرء أن الطوبى طوبى(1).‏

في ظل سيادة أطروحات وتعاريف حول معنى الدولة في الوطن العربي، الذي يعيش حالة استثنائية من الاستبداد المحدّث، فإن علىالفكر العربي المعاصر لاسيما التقدمي منه أن يختار اختيارً أولياً ونهائياً بين مذهبين - في تحليله لبنية دولة الحق والقانون، آخذين بعين الاعبتار الظروف التاريخية المتبدلة التي انبثقت عنها، والتي نعيش فيها - المذهب الوضعي أو الإيجابي والفلسفة الوضعانية، حتى المتجددة والمتحولة والمرتقبة إلى أعلى في زمن أسقط ويسقط أوغست كونت رائدها، والمذهب الديالكتيتكي، نظراً لتناقض الديالكتيك مع الوضعانية، والديمقرطية مع الليبرالية، والماركسية مع الايديولوجيا الاقتصادية والعلموية.‏

أولاً: دولة الحق والقانون في السيرورة التاريخية‏

لقد انبثقت دولة الحق والقانون في سياق التحولات التاريخية الكبرة التي أصابت المجتمعات الأوروبية، منذ أن بدأ المشروع الثقافي التنويري الغربي الذي له خاصياته المتميزة يشق طريقه لجهة إخراج العقلانية من حدود الغيب والتجريد اللفظي إلى عالم المجهول المادي إلى الطبيعة. وبذلك ولدت الدولة الحديثة بفضل الجهد التاريخي الذي قامت به الذات الأوروبية على ذاتها في مراحل الصراع التوتري الهائل بين العقل المسيحي والعقل العلمي الذي دام ثلاثة قرون، والذي توج بإحداث القطيعة الكبرى - وهي قطيعة معرفية وقطيعة ابستمولوجية وسياسية داخل استقلالية العقل نفسه - مع التصور الديني للعالم والحياة الذي أصبح معيقاً للحداثة والتقدم وغير محتمل وغير مقبول في معارضة النظام المعرفي الجديد الذي شكلته البرجوازية كطبقة صاعدة في أوروبا.‏

لاشك ان ميلاد الدولة - الأمة، أساسها، وأصلها، ومعناها، تمظهر تاريخياً في ذاته ولذاته حسب تعبير هيغل، حين بدأت العلاقات الراسمالية تظهر تحت شكل الرأسمالية البضاعية، ومع اندلاع الثورة الديمقراطية البرجوازية التي عمت الغرب بدرجات متفاوتة الحدة والقوة منذ القرن التاسع عشر وفي آواخر القرن الثامن عشر، وعلى امتداد القرن التاسع عشر. ولدت أشكالاً متنوعة عبر التاريخ من الدولة - الأمة، ففي انكلترا، تشكلت الرأسمالية الصناعية من رحم الرأسمالية التجارية، وحققت البرجوازية "وفاقاً تاريخياً" مع الارستقراطية بتحالفها مع النبلاء. غير أن التوازن النسبي للطبقات المسيطرة في مرحلة عملية التراكم البدائي لرأس المال الانكليزية التي عرفت الكثير من العنف لم يفسح في المجال لانبثاق دولة قوية كما هي الحال في فرنسا، بل عجل بقدوم " دولة معتدلة" حسب تعبير مونتسكيو، كما عملت هذه السلطة السياسية المخفضة على إدارة هذا الوفاق في إطار التناقض بين الديمقراطية الداخلية والاستغلال الامبريالي.‏

أما في فرنسا، فقد استولت البرجوازية على السلطة بوساطة الثورة العنيفة، وبسطت هيمنتها الطبقية على مجتمع مازال زراعياً وتكمن المفارقة هنا في أن الهيمنة البرجوازية في فرنسا سبقت التوسع الصناعي والرأسمالية الصناعية التي عرفت انطلاقتها الفعلية تحت حكم الامبراطورية الثانية ابتداء من العالم 1850، على نقيض انكلترا.‏

وهكذا، فإن المصادر النظرية للأفكار الثورية، وكذلك الممارسات المولدة للدولة الحديثة، ارتبطتا تاريخياً بحوامل موضوعية تجسدت في ذلك التفاعل العظيم بين إبداع الأفكار الثورية في الفيزياء والفلك والرياضيات ومانجم عنها من تحولات علمية وصناعية كبرى، وحققت أسس رأسمالية صناعية متطورة، وبين طرح المناهج والأنساق المعرفية الجديدة في الفلسفة، التي تعتبر الانسان -هذا العَلَمُ للثورة، والذي يتصور نفسه تارة ككائن طبيعي، وتارة ككائن عقلي - مركزاً للعالم، وطرحت في الوقت عينه التناقض بين مثالية القانون الطبيعي الذي بقّي قاصراً منهجياً والقانون الوضعي المبني على العقلانية.‏

ويعتبر الحقوقيون أن الدولة الليبرالية للرأسمالية التنافسية التي ولدت في بلدان الغرب هي الشكل النموذج لدولة الحق والقانون بوصفها من أكثر الأنظمة ديمقراطية، وتمثل في الوقت عينه مركباً بين نظريات القانون الطبيعي أسبق منها ومبادئ حملها إليها القانون الوضعي في القرن الثامن عشر.‏

*خصائص نظرية القانون الطبيعي‏

إذا مَاحصرنا بحثنا بالغرب الأوروبي يمكننا القول بأن نظرية القانون الطبيعي كانت تمثل أساساً في القانون العام السياسي المحلي والدولي ومركزاً ريادياً في فلسفة القانون في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وعلى أساس القانون الطبيعي " أقام هوبز نظريته في السيادة، ولوك رأيه في أنه "لاضرائب بدون تمثيل نيابي"، وروسو مذهبه في الإرادة العامة أو الجماعية، ثم طور القانون الطبيعي إلى ماعرف في الثورة الفرنسية وفي وثيقة حقوق الإنسان الأمريكية باسم : " حقوق الإنسان: فيتحول التأكيد من الواجبات إلى الحقوق"(2).‏

كانت فلسفة القانون الطبيعي التي سادت في العصر الكلاسيكي تنبثق من نظرية حالة الطبيعة في مقابل حالة المجتمع، حيث يؤكد المدافعون عن أنصار حالة الطبيعة بأن للإنسان باعتباره إنساناً، حقوقاً طبيعية، أساسها الحرية التي تمثل التعبير الحقوقي عن طبيعة الإنسان، وعن صفة الحق الخاص بالإنسانية والمساواة في الحق. ويقول برنار غروتويزن بهذا الصدد في كتابه فلسفة الثورة الفرنسية "يقتضي الحق إذن أن يتصرف كل امرئ وفق إرادته الحرة، وهذا مبدأ صالح لكل إنسان، فكل إنسان يحب أن يكون حراً، وإذا أكره إنسان إنساناً آخر على القيام بعمل كان في ذلك خرقاً لهذا المبدأ. وكيما يراعي هذا المبدأ ينبغي إذن أن يتجنب كل إنسان الاعتداء على حق إنسان آخر، وبمقتضى الحدود التي تفرضها الصفة العامة لمبدأ الحق على حرية كل فرد، فإن حقه الطبيعي لا يمتد إلى أبعد من هذه الحدود، إن على البشر أن يعيشوا مستقلين بعضهم عن بعض وألا يرتبطوا إلا بعقود متبادلة صالحة من الناحية الحقوقية وأن يكون بينهم احترام لحريتهم متبادل، ولا ينبغي أن يكون النظام الاجتماعي إلا وسيلة لضمان حرية كل فرد" (3). وقد تشكلت فكرتا الحرية والمساواة الملازمتان لطبيعة الإنسان نفسها، أساس إعلان حقوق الإنسان، "يولد جميع الناس ويبقون أحراراً ومستاوين في الحقوق".‏

ويعتبر توماس هوبز THOMAS HOBBES ( 1588 - 1679) من بين فلاسفة العصر الكلاسيكي الذين أرسوا النظرية الحديثة في القانون الطبيعي، حيث أن الإنسان عنده ليس كائناً اجتماعيا بطبعه كما يقول ارسطو، وليس كائناً عقلياً مجرداً كما سيقول فلاسفة التنوير أي في القرن الثامن عشر، بل هو كائن شرير حافل بالنقائص، جبان، فاسد، خبيث تدفعه المصلحة الذاتية، وتتحكم فيه الغرائز الأولية من أنانية وجشع. ويخلص هوبز موقفه هذا بقوله الشهير " الإنسان للإنسان ذئب، والكل في حرب ضد الكل، والواحد في حرب ضد المجموع".‏

homo homini lupus , bellum unisescjusque contra unumquemque. bellb unum contra omnes .‏

وقال هوبز إن الإنسان إنما اضطر إلى تكوين المجتمع المدني بدافع مصلحته في المحافظة على نفسه، وقرر أن القانون الطبيعي الذي يحدد واجبات الإنسان، مستمد من حقه الطبيعي في المحافظة علىنفسه، وهو حق مطلق بينما سائر الواجبات نسبية مشروطة. ولما كان الناس متساوين في رغبتهم في المحافظة على أنفسهم، فإن الناس بطبعهم متساوون: ولهذا لا يوجد تدرج طبيعي بين الناس في طبقات ومن هنا فإن الحاكم هو مجرد شخص ينوب عن الباقي في المحافظة على الناس.‏

إن منهج هوبز شأن العديد من الفلاسفة حتى روسو وكانط وبعض من أتى بعدهما يتمسك بمذهب العقد الاجتماعي، وهو يفسر كل التحولات التي تصيب الدولة والسياسية والقانون والأخلاق انطلاقاً من مفهوم الفرد معزولاً عن كل الآخرين، هذا الفرد الذي يتصور هوبز خصائصه على أنها تمتلك صفة الخلود والثبات. فالأفراد في نظر هوبز هم الذين يشكلون المراكز الوحيدة للعلاقات الاجتماعية بين الناس.‏

وهكذا يكفي معاينة الأفراد، المجردون من علاقات متبادلة وهم على "حالة الطبيعة" لمعرفة الأسباب التي تحدد تكون الدولة. ويستنتج هوبز بأن العدوانية اللا محدودة للإنسان هي التي دفعته إلى أن يبحث بعقله عن تسوية، وإيجاد مجتمع تسوده قوانين - تحكم المجتمع، لإزالة الخوف والنزاع". ولا يمكن أن يوجد مثل هذا المجتمع إلا بتخلي الأفراد عن حقوقهم الخاصة وشهواتهم الخاصة فيما يتصل بتوجيه النظام في المجتمع.‏

وعلى الكل أن يخضعوا لإرادة واحدة. ولهذا اتفقوا على تفويض أمر إرادة واحدة تتولى فرض نفسها على الآخرين، أي إنتقال حقوق كل فرد إلى فرد واحد...‏

Jus omnium in unun Transfertur.‏

فالعقد الأصلي هنا قد أبرم بين الأفراد وبين فرد (حاكم) وهم في حالة فرض، ( فهو ليس عقد ابرم بين الحكومة والمحكومين لأنه لا يوجد أي نوع من أنواع الحكومات في حالة الطبيعة)، وبموجبه تخلى هؤلاء عن حقوقهم ليفوضوها إلى شخص يمثلهم ويقبل عنهم أن يتولى تصريف أمورهم بما يكفل لهم الأمن والسلا م والاستمتاع. والشيء المتميز لهذا العقد، وأنه بين ثلاثة أطراف، الطرف الأول: متعاقد فردي، الطرف الثاني: كل أفراد المجتمع، الطرف الثالث طرف لايدخل في العقد إلا للإنتفاع منه، دون أن يقدم شيئاً في مقابل ذلك، وهو: الحاكم، هوعقد من نوع خاص، إذ فيه الحاكم يوافق على شروط العقد، لكن دون أن يلتزم بشيء تجاه الغير"(4).‏

ماذا نستنتج من كل هذا .؟‏

1- إن المجتمع المدني لا يتكون إلا بواسطة هذا العقد الأصلي المبرم بين سائر مواطني المستقبل في الدولة، من أجل تعيين حاكم، ونقل السيادة إليه، (سواء أكان هذا الحاكم إنساناً واحداً (ملكاً) أم قلة من الناس، أم جمعية ديمقراطية، من دون تقييدها، حيث أن تقييد هذه السيادة يتعارض وروح العقد الأصلي. ثم إن التفويض بالسلطة وهجرها من قبل الجميع، يجعل مسألة التراجع عن هذا التفويض أمراً مستحيلاً، لإنه بمجرد أن أبرم هذا العقد حتى يتعذر علىأي إنسان إجراء أي تغيير عليه.‏

2- إن الحاكم بموجب هذا العقد الأصلي غير القابل للفسخ، يتمتع بسلطة مطلقة، في وضع القوانين، والفصل بين المنازعات، وصيانة الأحكام والحقوق والواجبات، ويمتلك كل سلطة لتحقيق إرادته التي هي ستكون ممثلة لإرادة المواطن. كما أنه من المستحيل على أي مواطن مساءلته عن طريقته في إدارة الحكم، وذلك أن التفويض يسقط الحق في المساءلة. ولما كان الحاكم ليس طرفاً في هذا العقد الأصلي، باعتباره عقداً تم بين المحكومين بعضهم وبعض، والحاكم هنا هومجرد طرف مستلم، فلم يعد مسموحاً للمواطنين أن يعارضوا أو يجادلوا في صحة القوانين التي يصدرها، لأن القانون الأول للفعل هو - في نظر هوبز طبعاً- أن يعتقد في عدالة كل ما يريده الحاكم، لأن الخضوع للحاكم هو الشرط في السلام، وكل القوانين الطبيعية للعقل تصدر عن إرادة السلام.‏

3- إن هوبز ومعه الممثلون الكلاسيكيون لنظرية العقل والحق الطبيعي مثل غروتيوس Grotius وبيفندورف Pofendorf وكريستيان وولف وروسو، ومعظم فلاسفة البرجوازية الكبار حتى بداية القرن التاسع عشر، كانوا قد صاغوا تصورهم للدولة على أساس أنها تمثل الخير الأعظم للمواطنين، استناداً إلى العقد السياسي الأصلي ونظرية القانون الطبيعي. وفي الواقع التاريخي، فإن تكوين مجتمع مدني بموجب وجود ميثاق يتعهد كل من يريدون المشاركة في هذا المجتمع بأن يكونوا هيئة واحدة، وبناء دولة تعتبر تجمعاً لطبقات مختلفة ذات مصالح متباينة، ينسجمان مع مطالب الطبقات التي كانت تناضل من أجل التحرير من النير الإقطاعي، ومع مرحلة الرأسمالية المركنتيلية (التجارية)، حيث " ترتكز السياسة التجارية (المركنتيلية ) جوهرياً على ضرورة وجود نشاط لدولة تأخذ على عاتقها حماية الفروع التجارية البرجوازية"(5).‏

4- إن مذهب هوبز وأتباعه الذي يرتكز على نظرية العقد السياسي الأصلي والقانون الطبيعي، والذي يعتبر أن الدولة والمجتمع مدينين بوجودهما وشرعتيهما إلى إرادة الشعب، بما أن هدفهما هو تحقيق الخير الأعظم للشعب، والذي يتناقض أيضاً مع تصور الدولة في العصر الوسيط المرتكز على نظرية الحق الإلهي في الحكم، هذا المذهب هو تبرير للاستبداد والحكم المطلق والديكتاتورية التام. وهكذا افضت نظرية القانون الطبيعي عند هوبز إلى تبرير الاستبداد المطلق.‏

5- إن الوهم الذي انساق فيه هوبز ومن بعده خلفائه، هو اعتقاده بأن الدولة المتأسسة على أساس العقد السياسي الأصلي ونظرية القانون الطبيعي المتناقضين جوهرياً مع القانون الإلهي من القرون الوسطى، غايتها فقط كفالة عدم عدوان المواطنين بعضهم على بعض، وضمان خير الأفراد مشكوك في صدقيته لأن الواقع يكذبه على مرّ التاريخ. إذ ماهي الضمانات الكفيلة بعدم قيام الدولة بمصادرة حقوق وحريات المواطنين فرادى أو مجتمعين، هذا مايتجاهله هوبز حول إمكان عدوان الدولة ممثلة بالحاكم أو بالهيئة التشريعة. وهذا النسيان أو التجاهل نابع أساساً من نقص الوضوح في مفهوم الدولة عند هوبز وفلاسفة العصر الكلاسيكي، عصر البرجوازية الصاعدة، حيث أنه يتم الفصل بين مفهوم الدولة ومفهوم المجتمع. فالدولة في نظر دعاة العقد الإجتماعي ونظرية القانون الطبيعي هي تعبير عن نتاج مصالح الناس الحيوية، لكن بما أن الناس ينتمون إلى طبقات مختلفة فإن مصالحهم حتماً وبالضرورة ستكون مختلفة، وغير متجانسة، حيث أن هذه الإختلافات وعدم التجانس يتطوران مع تطور الواقع ذاته. فالمجتمع منقسم إلى طبقات، وهو غير موحد، والدولة في هذه الحالة تكون تعبيراً عن مصلحة خاصة، بعد أن كانت تعبيراًعن المصلحة العامة. ويقول عبد الرحمن بدوي في تعليقه على كتاب امانويل كانط فلسفة القانون والسياسة حين تعرض لتوهم هوبز وروسو أن الدولة تضمن الحرية للأفراد، في حين أن الواقع يؤكد أنها لا تضمن الحرية إلا لنفسها فقط "فالحاكم الفرد كما له دائماً حاشيته وأنصاره ومحاسبيه، والهيئات التشريعية لها دائماً مصالحها الخاصة ومحاسبيها ( وإلا فكيف وصل أعضائها إلى هذه المراتب ) ولم يحدث في التاريخ كله، وليس في طبيعة الإنسان نفسه، أن يكون نزيهاً نزاهة مطلقة موضوعية".‏

والكلام عن إخضاع الإرادات الفردية (أو الجزئية أو الخاصة) إلى إرادة عامة- كلام بغير أساس، لأنه قائم على تجريدات وهمية لاتقل وهمية عن الكيانات الميتافيزيقية التي طالما سخرت من هذه النظريات، وإلا فما معنى :" الإرادة العامة"، أليست هي في الواقع إرادة السلطة ذات السيادة أي إرادة فرد إن كانت تتمثل في حاكم مفرد، أو إرادة هيئة مؤلفة من عدد محدود من الناس، إن كانت تتمثل في هيئة تشريعية أو في حاكم مفرد وهيئة تشريعية معاً؟‏

أفليس من الخطورة الشديدة إذن على حرية الإنسان وكرامته وأمته والعدل الذي ينبغي أن يسود بينه وبين مواطنيه أن تطلق السلطة إذن، كما يريد روسو ومن قبله هوبز - للحاكم أو الهيئة ذات السيادة؟‏

لهذا، كله ترى أن روسو قد أخطأ خطأ فاحشاً، حين قال :" إن قوة الدولة هي وحدها التي تصنع حرية أعضائها" أي المواطنين ولو بعث اليوم حياً وشاهد مايجري في العالم اليوم لأنكر كل ماقاله : "وعض بنان الندم عل كل ماتفوه به في هذا المجال" (6)‏

نستخلص من كل هذا، بأن نظرية القانون الطبيعي، مهما كانت تحتوي من تناقضات في نظرتها إلى الأمور، وفي تصورها لبناء دولة قائمة على الحق الطبيعي، تمثل عنصراً ثورياً في فلسفة دولة الحق والقانون عند البرجوازية الصاعدة، والبشير المعلن عن بداية النظام المعرفي الجديد المؤسس على العقلانية. لكن طبقاً لنمط تفكير هوبز ولمواقفه التاريخية كفيلسوف للبرجوازية الصاعدة، وللدولة القومية، فإن هذه العقلانية المتمثلة في مجموعة معارف قابلة للنهوض في كل لحظة على قاعدة التجربة أو المحاكمات المنطقية يجب أن تقام نهائياً: «ما أن توجد حتى ينتفي أي داع لتغييرها. وهكذا لايوجد مفهوم للطبيعة ذو صلاحية فحسب، بل يوجد أيضاً مفهوم للأخلاق وللمصلحة الحقيقية للناس، صالح لكل زمان ولكل مكان وقيم تفكير سائر المقولات التابعة لفكرة المجتمع والدولة على أساس أنها أبدية، مادامت تلك الفكرة ذاتها قد تم الاعتراف بصحتها. ويبدوأن التاريخ أساساً كسيرورة للتطور الذي يقود الناس إلى الامتلاك الكامل للعقل، وما أن تتم تلك السيرورة حتى يتحقق ببساطة أفضل نظام اجتماعي ننزع إليه كحالة نهائية. ونظراً لكون تلك الحالة النهائية محدودة بمبادئ الحق الطبيعي - بلوغ الخير العام عبر التأكيد الحر للأنانية الفدرية - وبما أن تلك المبادئ تشكل جوهر المجتمع البرجوازي ضمن نظام الملكية وحرية المنافسة. ويتشكل معيار هذا التقدم من أفكار المفكرين أنفسهم، وهي أفكار مشروطة بعصرها، لكنها تطرح على أساس كونها أبدية» (7).‏

إن خطأ هوبز ورواد نظرية القانون الطبيعي يكمن في ثقتهم المطلقة بمعارفهم التي رفعوها إلى مقام العقل الخالد الأبدي، ولم ينظروا إليها في ارتباطها التاريخي بعصرهم الذي يشكل مرحلة تاريخية محدودة من مجمل سيرورة النمو اللاحق للمجتمع البرجوازي، وهي معارف ليست قابلة للتحليل فقط، بل للمراجعة النقدية أيضاً، وللتجاوز الديالكتيكي.‏

* مفهوم دولة القانون‏

إن مايتم التعبير عنه بدولة الحق والقانون، هونشوء الدولة الحديثة في سياق التجربة الغربية، بدءاً من القرون الكلاسيكية التي أفرزت أشكالاً متعددة من الدولة القائمة على نظرية القانون الطبيعي، مروراً بالتحولات التي عرفتها المجتمعات الغربية منذ بداية الثورة الإنجليزية وحتى قيام الثورة الفرنسية، والتغيرات التي أدخلتها هذه الأخيرة على صعيد تجسيد القطيعة مع الأشكال السياسية للدولة الاستبدادية التي شهدت نشأة الرأسمالية الميركنتيلية والتي عبرت عن إحدى المراحل الانتقالية من الاقطاعية إلى الرأسمالية، وإرساء الدولة القومية - الأمة التي تعتمد على فكرة سلطة القانون المطلقة، وبناء سياسي وقانوني يتجسد في مؤسسات مدنية تعتمد العمل الايديولوجي وأخرى عسكرية وأمنية تعتمد العنف المشروع داخل حدود جغرافية معترف بها داخلياً وخارجياً. هذا الجمع بين «البناء المدني السياسي والظاهرة القانونية وبين العنف المشروع داخل حدود معينة، هو أساس مفهوم الدولة - الأمة (L´ETAT - nation ) » (8)‏

ولعل مفهوم الدولة - الأمة - يضيء بكامل دلالته عندمايقترن بمأثور الثورات البرجوازية في الغرب، وبخاصة منها الفرنسية التي كنست من أمامها المرجعية الإلهية حين قطعت رأس الملك بتهمة الخيانة العظمى للأمة، وحررت بشكل عنيف هذه الأمة من العلاقات العائلية والدينية والشخصية الملكية، وفصلت المجرد عن المباشر، ووضعت مشروعية جديدة أدت إلى قيام الدولة القومية، المقترنة بذلك المأثور الآخر الفرنسي هذه المرة، الذي عرف بشرعة حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789، والذي أضحى علامة ايديولوجية فارقة للدولة الليبرالية والديمقراطية التمثيلية، حين أكدت بشدة بأن " أي مجتمع (...) لا يحدد فيه فصل السلطات لا يملك دستوراً (البند 16) حيث أن الدولة الليبرالية مبنية على هذه القاعدة.‏

وبذلك أصبح الدستور يمثل القانون الأسمى في تنظيم المجتمع محدداً بذلك أسس الدولة القومية الحديثة وحدودها. «ومنذ نهاية القرن الثامن عشر أصبحت المطالبة بتشكيل دستور في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية عملاً سياسياً من الأعمال الأكثر رمزية وثباتاً التي قادتها البرجوازية المتحدثة باسم الأمة، وابتداء من تلك الفترة أصبح وجود الدستور المكتوب في الظواهر العادية وتحول من ضرورة إلى عادة وليس فقط في أوروبا فحسب بل في كل من أمريكا والعالم الثالث أيضاً» (9).‏

إن مفهوم الدولة- الأمة يتضمن في سيرورته الطابع الكوني العام الذي يحمله إلى العالم، لأن ظهروه ترافق مع ظهور الرأسمالية الناشئة، وانتشار علاقات الانتاج الجديدة الخاضعة للرأسمال. فالبرجوازية الصاعدة تعمل على توطيد هيمنتها، وخدمة أهدافها على أساس أنها قيم حقائق، وتحقيق الوحدة القومية للأمة المتأمثلة للسوق الاقتصادية من خلال إلغاء الحواجز الجمركية الداخلية الموروثة من الانقسامات الاقطاعية، وانتزاع السيطرة والسيادة للسلطة السياسية من الرجعية الاقطاعية والمونارشية وإقامة دولتها، التي لن تكون أتوماتيكياً نتاج سيطرتها كطبقة، وإنما عبر الفتوحات التي تقوم بها لفرض هيمنتها والمرتبطة بخوض الصراعات السياسية المستمرة من أجل السلطة، الأمر الذي أظهرته بأكثر ما يكفي تاريخ الثورات، وبالأخص منها تاريخ الثورة الفرنسية الكبرى.‏

في الواقع والتاريخ، الدولة القومية في الغرب انبنت على فكرة الأمة التي وجدت أرضيتها في المجتمع المدني، مجتمع الأعمال الخاصة والطبقات، كما يقول ميشال مياي في كتابه دولة القانون، «أن ظهور الدولة يترافق مع ظهور الأمة الرأسمالية، ولا يسبق أحدهما الآخر : إذ يتجدد الرأسمال ضمن الزاوية الاقتصادية والأمة ضمن الزاوية السوسيو- سياسية وتحتل الدولة الزاوية القانونية».(10).‏

خلافاً لما هو شائع الاعتقاد، فقد عرف العالم دولة " القانون" عبر العصور المختلفة التي مرّت بها البشرية، منذ أيام حمورابي وإلى يومنا هذا. لكن مايميز الدولة الأتوقراطية والديكتاتورية والتوتاليتارية في هذا المجال عن الدولة الديمقراطية هو كون القانون في الحالة الأولى جائراً، وشكلياً ولا عقلانياً، فضلاً عن انتهاكه وخرقه من السلطة عينها التي يفترض أنها تطبقه، أما في الحالة الثانية فهو يكفل للشخص الإنساني للمواطن، حقوقه الأساسية الحرية والمساواة أمام القانون، ويفصح له في المجال الدفاع عن حقوقه هذه، حتى في مواجهته الدولة التي يفترض أنها ضامنة لها. لكن السياق التاريخي الذي رأت فيه دولة القانون النور هو دولة المجتمع الرأسمالي، باعتبارها النموذج الأكمل للبنيان القانوني والسياسي. فماذا يعني القانون بحرفيته؟ يقول كانط في كتابه «نظرية القانون»: «القانون هو مجموع الشروط التي بها حرية الواحد يمكن أن تتحد مع حرية الآخر وفقاً لقانون كلي للحرية ». و«يكون عادلاً كل فعل يمكّن أو قاعدته تمكّن حرية كل شخص من أن تتعايش مع كل شخص وفقاً لقانون كلي، فإن من يحول بيني وبين ذلك ظالم لي، والواقع أن هذا التعارض (هذه المقاومة) لا يمكن أن تتعايش مع الحرية وفقاً للقوانين الكلية». ولكن إنسان أن يكون حراً، حتى لو كانت حريته أمراً لا يهمني أبداً، أو حتى لو كنت أتمنى أن أسيء إليها، بشرط ألا أضر بها بواسطة فعل خارجي. فالأمر في القانون لا يتعلق بالنية، بل بالفعل الخارجي. فالمهم إذن هو ألا أفعل فعلاً خارجياً يضر بالغير أوتجربة الغير، أما بيني فأمر آخر لاشأن للقانون به مادامت لم يترجم عنها فعل خارجي. وهذا هو الفارق الأكبر بين الفعل الأخلاقي والفعل القانوني.‏

كما يلاحظ من ناحية أخرى أن المبدأ الكلي للقانون ليس هو الوحيد الذي يحد حريتي الأخلاقية، بل ربما كانت هناك أسباب أخرى للحد من حريتي، والفعل الظالم عائق للحرية وفقاً لقوانين كلية. والقهر Contrainte عائق للحرية.‏

لكن ليس معنى هذا أن كل عائق للحرية ظلم، فإن القهر العائق لما يعوق الحرية يعد عدلاً. ولهذا فإن قهرها يضر بالحرية أمر مرتبط بالقانون وبعبارة أوضح: إذا قامت سلطة بمنع التصدي على الحرية، فإن ذلك عدل منها، وإن أضر بحرية المعتدي، ومن حق الدائن أن يقتضي من مدينه أن يدفع الدين، وهذاالقهر يمكن أن يتفق مع حرية كل واحد منهما وفقاً لقانون كلي خارجي. «وهكذا فإن القانون وملكة القهر هما شيء واحد»، فالقانون ليس مؤلفاً إذن من خطين: الالتزام بحكم القانون، وملكة قهر الآخرين لإنجاز هذا الالتزام، بل هماشيء واحد.‏

وملكة القهر مرتبطة مع القانون بالمعنى الضيق Strictum لكن يمكن مع ذلك أن نتصور قانوناً بالمعنى الواسع Latum فيه ملكة القهر لا يمكن أن يتحد بأي قانون. وهذا القانون، الحقيقي أو المزعوم، على نوعين : الانصاف، وحق الضرورة. والانصاف يقر بقانون ليس فيه قهر والضرورة قهر بغير قانون والأصل في هذا الاشتراك المعتدي أن ثم أحوالاً مشكوكاً فيها، لا يستطيع القاضي الفصل فيها... والقانون، بوصفه علماً منظماً، ينقسم إلى : قانون طبيعي لا يقوم إلا على مبادئ قبلية وقانون وضعي يصدر عن إرادة المشرع.‏

أما القانون بوصفه ملكة إلتزام الغير بواجب، أي بوصفه مبدأ تشريعياً شرعياً يتعلق بالغير، فإنه ينقسم إلى قانون فطري، وقانون مكتسب. والأول هو الحق لكل الناس بحكم الطبيعة، بغض النظر عن كل مرسوم قانوني، والثاني هوالذي يفترض مثل هذا المرسوم.‏

والحق الفطري الوحيد هوالحرية بالمقدار الذي به يمكن أن يتعايش مع حرية الغير وفقاً لقانون كلي، وهو حق مكفول للإنسان بماهو إنسان، إي بمقتضى إنسانيته. ومبدأ الحرية الفطرية يشكل في داخله على : المساواة الفطرية، أي الاستقلال، ومفاده ألا يكون المرء ملزماً - عن طريق غيره- بشيء آخر غير مايستطيع هوأن يلزمهم به على التبادل، أي أن يكون الإنسان سيد نفسه Suiiuris وأن يكون الأصل عادلاً usti لا ملام عليه، لأنه قبل كل مرسوم قانوني، لم يفعل شيئاً ظالما. وأن يكون قادراً على أن يفعل تجاه الغير مالا يضر في ذاته بمالهم، على افتراض أنهم لا يريدون ذلك: مثل أن يفضي لديهم بأفكاره، وأن يقول لهم شيئاً أو يعدهم بشيء سواء كان ذلك صحيحاً أوكاذباً Veriloquium aut falsiloqoiom لأنه يتوقف عليهم هم أن يريدوا تصديقه أو عدم تصديقه.‏

وماعدا الحرية فإن سائر الحقوق مكتسبة، لأنها علاقات خارجية مؤسسة بين الإرادات الإنسانية وفقاً لقوانين كلية. ولا توجد علاقات قانونية إلابين أشخاص، لكن الأشخاص أما أن ينظر إليهم على أنهم أفراد يؤلفون مجتمعاً طبيعياً، في علاقاتهم الناشئة مباشرة عن عليتهم بوصفها كائنات حرة، وإما على أنهم أعضاء في مجتمع مدني، في علاقاتهم الناشئة عن تأسيس جماعة سياسة. ومن هنا انقسم القانون إلى نوعين قانون خاص وقانون عام .(11).‏

أسهم كانط في تأسيس نظرة علمية جديدة للعقل البشري،عليها انبنت فلسفة القانون ونمط عقلانيته في عصر النهضة، وكذلك التفكير السياسي الخاص بالحريات السياسية وبدولة المؤسسات الديمقراطية. وتتجلى فلسفة كانط المثالية المتعالية في صياغة الفصل الديكاريتي بين العقل ونظام الطبيعة، وتأسيس عقلانية تجريدية متلازمة مع عقلانية ديكارت النقدية، وواضعة بنية جديدة في صرح الديالكتيك الذي سيعيد هيغل بناءه على أحسن وجه، ومؤسسة لفلسفة عقلانية حديثة تعيد الاعتبار إلى العقل وإثباته في مواجهة تجليات اللاعقل والأسطورة، «لقد استبعدت الفلسفة الكلاسيكية اللاعقل بجميع مظاهره لأنه - بحسب فهمها - منبع الفساد والتشويش والخراب» (12).‏

يقول ميشال فوكو : «العقل (بالنسبة إلى سبينوزا أو إلى فلسفة العصر الكلسيكي عامة) قرار ضد كل اللامعقول في العالم» (13).‏

وقدمت لنا الفلسفة الهيغلية التي تعتبر ذروة العقلانية الحديثة، قبل الماركسية، مفهوماً جديداً للعقلانية، من خلال الصور الذي يكشف العقل نفسه في ثلاث صور وهي:‏

1- الوعي المباشر (استقلال الذات عن الموضوع، وحياديتها إزاءه إنها لحظة الإيجاب).‏

2- الوعي الذاتي وهو اتضاح حقيقة أن الموضوع هوالذات، إذن انهيار الاستقلال وهذه لحظة السلب أو النفي الأول.‏

3- العقل : أي مرحلة اتحاد الموضوع مع الذات واختلافه عنها في آن. وهي لحظة التركيب أو نفي النفي، العقل هو قوة النفي، السلب، ولكن لا تاريخ ولا تقدم بدون نفي النفي.إن لحظة التركيب هذه، لحظة نفي النفي هي التي تضع التلازم الضروري بين العقل والتاريخ، لذلك يمكن القول إن الهيغلية قد أثبتت مفهوماً للعقلانية، يتماثل مع المضوعية، والواقعية والتاريخية في إطار الكلية الشمولية الكونية. «لقد بلغ بالعقلانية الغربية أعلى قممها حين أحل العقل محل التاريخ والتاريخ محل العقل، بأن أعطى للتاريخ معنى وللعقل حركة فأصبح التطابق بين العقل ونظام الطبيعة لا مجرد مسالة منطقية كما كان الشأن من قبل، بل أصبح مسألة صيرورة ومصير مسألة واقع يتحقق عبر التاريخ» (14).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244