المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

العقلانية ركيزة لدولة القانون والحقوق

العقلانية في فلسفة هيغل هي التفكير والعمل وفق المنهج الديالكتيكي، وهي لا تتصور المطلق واللا متناهي فوق المعرفة أو خارج سلطة العقل بوصفه «الروح الذي ينفي دائماً». فليس اللامتناهي وراء المتضادات المتناهية، بل إن التضادات المتناهية تعقل من حيث هي لامتناهية، الأمر الذي يضع فكرة التاريخ ومفهوم التقدم.‏

وهكذا، فإن مرتكزات دولة الحق والقانون، ومجتمع القانون والحقوق، والتصور الجديد للديمقراطية، وللحريات العامة، والخاصة وللمسؤوليات، تقوم على أساس العقل، والعقلانية الحديثة، أو كما يقول هابر ماز على المعقولية كما تصبح السياسة «علم الممارسة المعتدلة، وهي تهم العمل الكوني الذي وإن كان من خلال أصله العيني عماداً فردياً أو جماعياً، لا يهدف إلى الفرد والجماعة بل يهدف إلى الوصول إلى الجنس البشري»(15).‏

فتوحات الأزمنة الحديثة الكلاسيكية، من ديكارت رائد " العقلانية" وصاحب النظرية المعروفة بـ «الصفحة البيضاء»، إلى كانط الذي مبدؤه ومنطلقه : الطعن بالمعرفة، وإلى إعادة طرحه مسألة المعرفة، ومُدَّ شن تاريخ الفلسفة الكلاسيكية الألمانية بحصر المعنى، أي مسيرة الجدل الحديث الواصلة إلى هيغل، إلى روسو، العقد الاجتماعي، أعطونا منطق وحقوق سياسية، فكرة الحق الطبيعي، أو الثورة الفرنسية، مفاهيم الإنسان، المواطن، ثانونات الوطن والمواطن، الفرد والمجتمع، مفهوم الحق، القانون، مفهوم الحق الطبيعي، الحرية والمساواة، هذه الكليات جميعاً مع كلية العمل، هي التي نقلت أوروبا من العصور الوسطية والنظام القديم إلى الليبرالية، ودولة الحق والقانون.‏

القانون منظور إليه في سياق تطوره التاريخي وسيادته على الحاكم والمحكوم، هوأولى تظاهرات العقلانية في الفكر السياسي، وهو ثمرة تطور الأيديولوجية الليبرالية التي أكدت على موضوعية الطبيعة والمادة ضد فكرة الماوراء، وأكدت على العقلانية والعلم ضد الوحي والأسطورة والميتافيزيقية، وأكدت على الحرية ضد الاستبداد، وأكدت على أولوية الفرد ضد سحق الفرد وامتصاصه في المجموع، وعبرت في مرحلة تاريخية معينة عن انساق متطلبات تقدم البشرية مع متطلبات صعود الطبقة البرجوازية، التي قادت من خلال ثوراتها إلى محاربة الاستبداد على الصعيد السياسي، وإلى العقلانية على الصعيد المعرفي، وإلى إرساء القانون كأساس للمجتمعات الحديثة.‏

القانون موضوعي وعقلاني بطبيعته أي غير شخصي، وهو منطق يعارض مافي الإرادة الفردية من الهوى، وتقلبات المزاج في حكم الاستبداد، ويسهر على المصلحة العامة، ويدافع عن الصالح العام ضد مصالح الأفراد المتقلبة المتضاربة. فالقانون مستقل عن الأشخاص باعتباره مبدأ موحداً للمجتمع والشعب ومنظماً للدولة يعين وظائفها ويحدد مجالات سلطتها، وكائناً غير شخصي يخلق الوحدة بين جميع الأفراد نظراً لامتلاكه صفة عامة، مترفعة فوق جميع الأهواء وجميع المصالح الفردية دونما مراعاة للأشخاص، لأن المراد هو إحلال سيطرة القانون محل سيطرة الإنسان، وتحقيق المساواة بين الأفراد أمام القانون، على الرغم من اختلافهم واختلاف مواقعهم الطبقية التي يحتلونها في نطاق سلم الهرم الاجتماعي.‏

«فالإنسان الحر لايسعه الخضوع لإنسان آخر، ولا يمكنه الخضوع إلا للقانون، فلابد له أن يكون مستقلاً عن كل سلطة إلا سلطة القانون، وليس أمام القانون أي استثناء ولا أي امتياز، فجميع الناس يجب أن يتساووا أمام القانون، وليس على أي إنسان أن يخضع لآخر، ولكنهم يخضعون جميعاً للقانون على حد سواء. هكذا يكون تصور الدولة. كل جماعي لا ينظمه إلا القاون الذي يستبعد كل تحكم شخصي» (16). القاون مفهوم فهماً تاريخياً هو التعبير عن كلية الدولة أي عن طابعها العمومي Puplic ، بما أن الدولة قضية عامة، أو شأن عام، والحال هذه لايمكن إلاّ أن تكون سياسية.‏

إلى من يجب أن يعهد بتشريع القوانين؟‏

لماكان هدف القوانين خدمة المصلحة العامة والسهر عليها، فلابد من أن تكون هناك إرادة عامة تعبر عن هذه المصلحة. وتتجسد هذه الإرادة العامة في مجموع الأفراد الأحرار الذين يؤلفون الأمة، ولابد والحال هذه أن تكون القوانين صادرة عن إرادة الأمة الحرة التي لا يخضع إلا لإرادتها العامةالتي تضع القوانين.‏

«فالأمة لا الفرد هي التي تملك حق سن القوانين، وحق قبول مشاريع القوانين ورفضها. ولم يعد الموضوع حق الفرد بل حق الجماعة، ولا موضوع إرادة فردية بل الإرادة القومية، الإرادة العامة، إذ أن للأمة حقوق. هناك إذ من جهة الفرد بحقوقه الطبيعية الملازمة له، والأمة من جهة ثانية بمالها من حق في التشريع للجماعة بكاملها وهذان طرفان للحق، أحدهما جماعي والآخر فردي، وعلى الفرد أن يخضع للإرادة العامة التي تعبر عن نفسها بالقوانين» (17).‏

إذا كانت الأمة تمتلك وحدها حق تشريع القوانين، وحق فرضها على نفسها، فإنه كي يلتزم الأفراد الأحرار بهذه القوانين ويخضعون لها، بدخولهم في الحالة الاجتماعية، لابد من عقد عقدة بين الأفراد فيما بينهم : هو العقد الاجتماعي. إنه عقد متبادل عقده كل فرد من جميع أفراد الأمة. ولكي يكون العقد الاجتماعي صحيحاً، والالتزام به صحيحاً، يجب أن تكون الإرادة العامة هي التي تشرع القوانين، وهي التي تضمن حرية الفرد، وأمنه الشخصي وأمواله دون أن يفقد حريته حين ينضم إلى المجتمع، ويخضع لإرادة الجماعة العامة، وهو كما يقول روسو « إن كل فرد، بانضمامه إلى الجميع، لا يخضع مع ذلك إلا لنفسه، ويظل حراً كما كان من قبل.... وعندمايعطي الفرد نفسه الناس جميعاً فإنه لا يعطيها أحداً»(18).‏

خلاصة القول، الأمة لا تستنفذ حقوقها في إطار تشريع القوانين، أو امتلاك السلطة التشريعية، فالأمة تملك وتجمع في ذاتها جميع الحقوق السياسية بكاملها بلا استثناء، التي تكمن في الإرادة العامة لجميع أفراد المجتمع، وتجمع في شخصها جميع السلطات،وهي صاحبة السيادة، وفي ممارستها المشروعة لهذه السيادة، فهي مصدر السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية.‏

ولكن ماهي الأمة؟‏

في فلسفة الثورة الفرنسية، وحسب قول سييس الأمة هي الطبقة الثالثة التي تضم كل مايخص الأمة، وكل ماليس بطبقة ثالثة لايمكن اعتباره من الأمة - ماهي الطبقة الثالثة؟ إنها كل شيء " (19). إذن الأمة باعتبارها كينونة اجتماعية واقعية في التاريخ وفي العالم، هي الشعب. وهنا تأخذ فكرة الشعب تحديدات مختلفة، ففي رأي دانتون ليس الشعب سوى الجمهور الذي نماشيه في الشارع كل يوم وندركه إدراكاً ساذجاً آنياً، عن طريق أعيننا إذا جاز التعبير وهو في نظر روبسبير شيء غير شخصي، إنه الإرادة العامة التي يجب أن تكون في أعماق قناعة كل فرد، وهومثل أخلاقي أعلى يجب تحقيقه.‏

لقد أعطت الثورة الفرنسية بعداً راديكالياً لدولة القانون، من خلال أن القانون مصدره وموضوعه ناشئ عن الإرادة العامة التي هي السلطة العليا، وعبر التوفيق بين نظرية جون لوك وخلفائه، التي تحدد سلطة الدولة بحقوق الفرد المقدرة من قبل، أي الحرية وحق الملكية اللذين لايمكن للدولة أن تنال منهما، وبين نظرية روسو، التي تقربأن السيادة يجب أن تكون للإرادة العامة، أي للشعب، حيث ليس من حد لسيادته سوى حد واحد هو القانون. غير أن مثل هذا التعريف لسيادة الشعب يستدعي ألا تكون هناك سوى دائرة حقوق جماعية وأن تنقل جميع حقوق الفرد إلى المجتمع. وهذا ينجم عن العقد الاجتماعي الذي يستلزم أن يتخلى كل مواطن عن جميع حقوقه إلى المجتمع الذي منحه المواطن حقوق عليه لا حدلها. ويبدو أننا نقع هنا في تناقض تام مع مبادئ الحقوق التي كنا قد استندنا إليها لاستنباط الحقوق العامة من الحقوق الطبيعية.... ويعارض روسو ذلك بقوله : «أن الإنسان يظل ينعم بحريته الطبيعية مادام في حالة الطبيعة، ولكنه منذ اللحظة التي ينضم فيها إلى المجتمع ويعقد العقد الاجتماعي يتخلى عن حريته الطبيعية ويلتزم بالخضوع لجميع التدابير القانونية التي تستنفذها الإرادة العامة» (20).‏

إن دولة الحقوق والقانون التي فرضتها أوروبا البرجوازية والرأسمالية كنموذج عالمي بديل لنموذج الدولة الاستبدادية المؤيدة من قبل العقائد الدينية، تحتل فيها حقوق الإنسان والمواطن مركزاً رئيساً في فلسفتها السياسة نظراً للجهد التاريخي الذي قامت به الذات الأوروبية على ذاتها من أجل تأسيس المشروعية العلمانية الحديثة القائمة على الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن هذه، أولاً. وتستمد مشروعيتها السياسية والتاريخية من تصويت المواطنين المكونين للمجتع المدني، حيث أصبح حق التصويت العام - باعتباره ركيزة النظام الديمقراطي وأحد مكتسبات الثورة الديمقراطية البرجوازية - مصدراً للحقيقة ولمشروعية السلطة السياسية ثانياً. وتقوم على النظام الدستوري المبني على التعاقد والتفاعل بين دولة الحق والقانون هذه وحماية الحرية الفردية والملكية الخاصة للمواطن والمجتمع المدني، والدفاع عن حقوق المواطن الفردي التي لا تقبل التنازل عنها، وفكرة المساواة في الحقوق، وفكرة سيادة الشعب التي تشكل أساس دولة القانون التي غايتها الحق، ثالثاً. وهنا تندرج مقولة الأمة في ارتباطها الصميمي بالثورة الديمقراطية، حيث أن المسألة الديمقراطية ترتبط بمسألة الأمة، وتشكل وجودها السياسي، أي الدولة القومية.‏

ديالكتيك الديمقراطية والليبرالية‏

على أن دولة القانون هذه التي بدأت تتبلور في القرون الكلاسيكية أنتجت على الصعيد الايديولوجي أطروحات متناقضة حول الليبرالية والحرية والديمقراطية. فالليبرالية حركة أوروبية، غربية، أي أوروبية غربية المنشأ والمركز تعتبر خيراً كبيراً بالمقارنة، بالقياس مع القرون الوسطى. الليبرالية خير كبير مع ماسبقتها أو ما دونها، كذلك الرأسمالية التي تعتبر شراً كبيراً بالمقارنة مع الاشتراكية هي خير كبير بالمقارنة مع الاقطاعية، كذلك الرق، ومع روسيا السوفياتية المتأخرة، الوسطوية، المتناثرة، الفلاحية، الجاهلة، الأسيوية على حد قول لينين بعد ثورة أكتوبر. كذلك البربرية بالمقارنة مع الهمجية في ثلاثية همجية - بربرية - مدنية عند فورييه. كذلك تطور أوروبا من الحكم المطلق والنظام القديم إلى الليبرالية، من السحرية و«الدين» إلى العلم والتكنولوجيا. وكذلك تطورها من الليبرالية إلى الديمقرطية بفضل نضالات الطبقة العاملة، وحركة العمال بالدرجة الأولى في القرنين التاسع عشر والعشرين.‏

ويمكن القول أن هناك ضلالاً سائداً في الفكر العربي الذي يرتكب خطأ مماثلة الرأسمالية بالليبرالية، واعتبار هذه الأخيرة الشكل النهائي للحكومة البشرية، له نوعان من المصادر، الأول اجتماعي - طبقي، والثاني غنوزيولوجي معرفي.‏

فهذا الخطأ الذي يجب الاحتراز منه هو ربط الليبرالية كما تحددها مكوناتها التاريخية والديمقراطية بالرأسمالية في حين أن الليبرالية التي ارتبطت بحرية المشروع الاقتصادي أو بنظام الانتاج الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، اتخذت في سيرورة تطورها وارتقائها خطين متعارضين أو منفصلين، أحدهما يرقي باتجاه الديمقراطية والديالكتيك، حيث بقي التعارض بين الليبرالية والديمقراطية حياً، واكتسب مزيداً من الجدة جراء بروز مكتسب توسع الاقتراع العام، والمشاركة في السلطة السياسية، ودخول الحركة العمالية إلى الحلبة السياسية، وهي حركة ظلت تزيد من استلهامها للمذاهب الاشتراكية، والماركسية وهذه الأخيرة كانت متناقضة مع الليبرالية.‏

وثانيهما: ينسجم مع الوثنية الرأسمالية التي تشكل منذ نشأتها نظاماً رأسمالياً عالمياً مترابطاً ترابطاً بنيوياً، ويتسم باستقطابات واضحة، ويسعى إلى التراكم الرأسمالي المتعاظم، ولا تكافؤ التطور في ظل الصراع والتنافس، وتختزل الحرية في جانب واحد متمثلاً بالحرية الاقتصادية التي تشترط مسبقاً التزاماً صارماً بالملكية الخاصة لوسائل الانتاج، وتمارس تشيء العلاقات البشرية مثل السلعة والمال، والرأسمال والنهب، والاستغلال لشعوب العالم الثالث، وتحصر الليبرالية في مستنقع الوضعانية، مفسحة في المجال لهيمنة التيارت اللاعقلانية والظلامية في مركز النظام الرأسمالي، حيث تشكل النازية والفاشية والبربرية الأمريكية أشد صورها قتامة وفظاظة.‏

لكن الحرية الليبرالية التي رفعت في قلب المجتمع الغربي، وفي عصر النهضة العربية الأولى، لم تعد من مسلمات ذلك المجتمع، وذلك العصر الليبرالي مع الحركة الوطنية العربية، بل سيكون نقد ذلك الشعار منطلقاً لطرح مسائل جوهرية حول الحرية كمفهوم مجرد مطلق على حد قول عبد الله العروي. وهذه الفكرة تحيلنا إلى تحديد مفهوم الحرية التي تستمد مضمونها وتناقضها الداخلي الذاتي من الإنسان ذاته. فالإنسان الطبيعي الأصلي، لم يكن اجتماعياً، وكانت حريته وإرادته مطلقة ومجردة، تحد نفسها بنفسها، أي ليس لها حد من خارجها. فكرة الحرية تحيل في وعي صحيح إلى علاقة الإنسان مع الطبيعة. فكما كان هذا الإنسان في حالة أرقى في هذه العلاقة، ولم يع جيداً تميزه النوعي عن جميع الكائنات في الطبيعة، بفعله، ووعيه وقدرته على التجريد والاستنتاج الذهني، وقدرته على التفكير والنطق اللغوي، كما كانت حريته هذه المجردة عبودية مطلقة للطبيعة، وضرورتها العمياء. ولكن اعتباراً من اللحظة التي انتقل فيها الإنسان العاقل والصانع من القنص إلى الشغل - أي إلى مرحلة تاريخ الانتاج الاجتماعي لحياة البشر، والتحويل، والتأنيس، أصبح تاريخ الانتاج الاجتماعي، أهم نشاط تاريخي للكيان البشري، وهو تاريخ الشغل باعتباره الشغل العبدي.‏

هذه اللحظة المعنية التي انتقل فيها الإنسان بوساطة الشغل، أو الانتاج الاجتماعي إلى بسط إرادته على أشياء الطبيعة وعلى تحويل الموجود إلى نتاج ومنتوج، هي منطق واقع وتاريخ ولادة الملكية بالضرورة. وهذه الملكية هي في الديمومة والتوالي في كونية البشر أثناء عملية إنتاج الحياة المادية، وفي ميدان تملك الأشياء، سواء كانت أشياء الطبيعة أو منتجات العمل، هي التعبير الواقعي للحرية، وقد انتقلت من الوجود الخالص إلى الوجود المعين. الملكية التي هي عملية بسط في التاريخ، والمكان والزمان، وسيرورة التقدم، انقسمت داخلياً إلى ملكية فردية، وملكية خاصة، وملكية عامة، باعتبارها بنت الانتاج، والشكل الحقوقي لعلاقات الانتاج،وعرفت أشكالاً متنوعة وجدلاً داخلياً بين مستوياتها، مستوى الملكية الفردية كأول سلب للحرية، ومستوى الملكية الخاصة كسلب ثاني للحرية، نفي النفي.‏

في العصر البرجوازي الذي يسود فيه نظام الشغل المأجور،العبودية الأخيرة من عبودية الشغل والانخلاع، تكون الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، التعبير الواقعي للحرية، والشكل الحقوقي لعلاقات الإنتاج الاجتماعية، وهي التي تحدد في نهاية كل تحليل شكل الديمقراطية ومضونها. ويصبح الفكر السياسي المتحول من خلع وإزاحة المونارشية المطلقة إلى الليبرالية والدولة اليبرالية، والديمقراطية والدولةالديمقراطية، وحقوق الإنسان والاقتراع العام، وكوننة الدولة السياسية، أساساً للوحدة الجدلية التناقضية بين الليبرالية والديمقراطية. على الرغم من هذا التزاوج بين الليبرالية والديمقراطية على صعيد المثل والقيم في إطار ارتباطهما بالرأسمالية، إلا أن التعارض بينهما يبقى على قوته الأزلية لجهة، أن الديمقراطية في التاريخ تمثل التخطي الديالكتيكي لليبرالية.‏

الديمقراطية هي موقف اعترف بالكائن والواقع، بذات الواقع والتاريخ موقف اعتراف بالبشرية الأمية صانعة التاريخ، الديمقراطية كما يقول لينين حركة عوام، إنها ديمقراطية فلاحية وديمقراطية عمالية في روسيا، وعلى صعيد عربي، الديمقراطية هي اعتراف بجماهير هذه الأمة، وهي كتل كبيرة مهملة، ويجب أن تتحول إلى ذات تاريخية سياسية فاعلة.‏

الديمقرطية ليست الليبرالية، ولكن يمكن تحديد مسار العلاقات بين الليبرالية والديمقراطية بالإستناد إلى ثلاث صيغ.‏

1- التعايش بين الليبرالية والديمقراطية، بما يعني ذلك إمكانية وجود دولة تكون ليبرالية وديمقراطية في الوقت عينه، من دون استيعاب وجود دولة ليبرالية غير ديمقراطية، كما يراها الليبراليون المحافظون، ودولة ديمقراطية غير ليبرالية كما يراها الديمقراطيون الثوريون الراديكاليون.‏

2- الديمقراطية في تناقض مع الليبرالية، أي أن الديمقراطية لا يمكن تحقيقها تحقيقاًكاملاً إلا في دولة تحقق العدالة الاجتماعية، وقبلت بالتخلي عن نموذج الدولة الليبرالية،وهذا هو رأي الديمقراطييين الثوريين الراديكاليين.‏

3- الترابط الضروري بين الليبرالية والديمقراطية، بمعنى أن الديمقراطية وحدها هي القادرة على التحقيق الكامل للنموذج الليبرالي الأمثل، وأن الدولة الليبرالية هي القادرة على توفير فرص وضع الديمقراطية موضع التنفيذ.‏

الدولة الليبرالية كنموذج لدولة القانون‏

شهدت المجتمعات الغربية الصناعية ولادة نموذج الدولة الليبرالية، التي سيطرت فيها الايديولوجية الليبرالية التي ترتب السياسة على أساس مبدأ العقلانية وتنظيم حرية المشروع الاقتصادي والمتجر على قاعدة «العقلانية الاقتصادية»، التي فكت ارتباطها بالعقلانية عموما في مرحلة الدولة الاستبدادية لرأس المال الاحتكاري، وماقادت إليه من اتجاهات لا عقلانية في المشروع الثقافي الغربي، ودولة القانون على صعيد السياسة.‏

ومع ذلك ترتكز دولة القانون على المبادئ التالية:‏

1- الفصل بين الدولة والمجتمع المدني والذي يمكن تسميته بالإنفصال الخارجي، بما يعني ذلك استقلالية الدولة تجاه المصالح العامة والطبقات والحياة الاقتصادية. إن فصل الدولة عن المجتمع المدني كما يقول ميشال مياي «يعني نزع الصفة الوراثية التي حملتها السلطة السياسة طوال العهود الاقطاعية، حيث ساهم كل من نظام القرابة والتضامن الاقليمي بتحويل السلطة إلى جزء من ميراث بعض الأفراد ومنذ تشييد الدولة الليبرالية أصبحت السلطة ملك للجميع، ولم يعد لأحد تسلمها إلا لمدة محدودة وحسب قواعد معينة» (21).‏

2- تحديد العلاقة القانونية بين الدولة والمجتمع بوساطة الانتخابات التي أصبحت حقا ديمقراطياً بالنسبة للمواطنين الذين يتعين عليهم انتخاب حكامهم، باعتبار أن الانتخابات الديمقراطية هي المصدر الحقيقي والأصلي لشرعية السلطة السياسية. فمشروعية السلطة لا يمكن أن تكون خارج الإرادة الشعبية والانتخابات بوصفها قاعدة للديمقراطية. غير أنه في ظل المجتمع الصناعي، حيث رأس المال الصناعي، أو رأس المال المالي هما الشكل المعمم والموسع للطابع الاجتماعي - الإنساني للعمل والانتاج، ولتركيز الثروة وتركيز رأس المال في الدولة الراسمالية الصناعية في أيدي أقلية ضئيلة في كل دولة على حدة، تظل ديمقراطية دولة القانون الليبرالية ممثلة فعلية للبنية الإجتماعية السائدة التي تسيطر فيها الصفة البرجوازية وإيديولوجيتها.‏

3- المساواة أمام القانون: لماكانت الديمقراطية كمفهوم سياسي مدني ومديني، نسبة إلى المجتمع المدني والمديني في آن معاً، مرتبطة عضوياً بالعقلانية وبالحرية، بوصف الديمقراطية تشكل ممارسة الحرية، بماهي وعي الضرورة، فإن أحد أركان هذه الديمقراطية السياسية تقوم على المساواة أمام القانون لجميع المواطنين، بصرف النظر عن اللون والجنس والدين أو المذهب أو المعتقد أو الانتماء الفكري أو السياسي، باعتبار أن المساواة أمام القانون، وسيادة القانون على الحاكم والمحكومين، يشكلان مظهراً من مظاهر ممارسة السياسة بوصفها مجموعة من الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق المواطن الحر، هو عضو في الدولة السياسية وفي المجتمع المدني على حد سواء.‏

وليست المساواة السياسية أمام القانون التي تؤسس للديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية، أو التي تحمل مفاتيح المساواة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، كما يقول جاد الكريم الجباعي في كتابه حرية الاخر «فكرة مجردة، فهي لا يمكن أن توجد إلا في المجتمع، وتحت راية الدولة، دولة الحق والقانون والعدل، فالمجتمع المدني ودولة الحق والقانون من مقومات وضمانات المساواة وبالتالي من مقومات وضمانات الديمقراطية»(22).‏

4- تقوم دولة القانون على مبدأ المغايرة والاختلاف والتباين والتعدد وحق المعارضة، وتقبل بوجود هذه الحقيقة الواقعية، حقيقة المغايرة المقترنة بالاعتراف بحقيقة التعددية، للقوى والتيارات والأحزاب السياسية، والطبقات والفئات الاجتماعية والاتجاهات والمذاهب الفكرية والأيديولوجية واختلافها وتناقضها في إطار سيرورة وعي نسبية الحقيقة، وإمكان خطأ الذات ووعي الذات بدلالة الآخر كخطوة حاسمة في الطريق الصحيحة نحو المجتمع المدني. وهكذا تقبل دولة القانون الليبرالية بوجود كل الأحزاب على اختلاف مشاربها الفكرية والايديولوجية، شريطة أن لا تشكل هذه التعددية السياسية خروجاً عن إطار الدولة البرجوازية ذاتها التي تراه خروجاً عن القانون. ففي حال الأحزاب الماركسية التي يتمحور برنامجها في تحقيق سياسة اقتصادية واجتماعية تقوم علىالعدل الاجتماعي تدين الليبرالية الاقتصادية، وتناقض جذرياً مع الدولة الليبرالية، يصبح وجودها غير مرغوب فيه وليس عجباً أن تحرم بعض الدول الليبرالية وجود أحزاب شيوعية في بلادها، كالولايات المتحدة الأميركية. وينتقد ميشال مياي حدود التعددية في الدولة الليبرالية، حين يقول : «من المهم التوقف عند الوضع المعقد للأحزاب الديمقراطية التمثيلية الليبرالية «إنها لا تنخرط في نظام الدولة باعتبارها خدمات عامة، بل تساهم في هذه الخدمات عبر ممارستها لنشاط عام » إن الجملة الثانية تكذب علينا الجملة الأولى لأن الأحزاب من الزاوية القانونية تنتمي لنظام الدولة، وهي جهاز من أجهزتها العديدة (باستثناء طبعاً تلك الأحزاب التي تضع لنفسها مهمة تحطيم النظام). وفيما «ينسى» القانون الدستوري ذكر الأحزاب (رغم استمرار وجودها الخفي ) تعتبرها الدولة البرجوازية قطعة ضرورية لتأمين سيرها، ويعبر أحد المؤلفين عن هذه الفكرة بوضوح: «يعود للأحزاب سد الفراغ القائم بين الدولة والمواطنين» إن هذا الكلام هو أبلغ ما قيل عن الانفصال القائم بين الدولة والمجتمع » (23).‏

5- تقوم دولة القانون على مبدأ فصل السلطات،الذي يفرض على الأجهزة المستقلة عن بعضها تأمين مختلف الدولة. ويكمن مصدر مبدأ فصل السلطات في كتاب (روح القوانين ) لمونتسكيو - الفصل الثامن المتعلق «بالدستورالانكليزي» وانطلاقاً من ملاحظة أن من يملك السلطة يميل لاساءة استعمالها استنتج (مونتسكيو) بأن الحل الوحيد هو بمواجهة السلطة بواسطة السلطة ذاتها. ولهذا يجب توزيع السلطة السياسية بين أجهزة مختلفة بحيث لا تحتكر سلطة واحدة مختلف الوظائف، وقد ولدت الحرية السياسية من هذه المقولة بالذات. لايتحقق مبدأ فصل السلطات، إلا إذا توافرت جملة من الشروط الموضوعية والذاتية، تجعل الاستبداد واستئثار الأقلية بالحكم، مستحيلاً. لأن التجارب التاريخية في الغرب مازالت تثبت لنا الفرق الشاسع بين أسطورة فصل السلطات، والوقائع لممارسة مختلف وظائف الدولة الليبرالية. إذ يكتب (مونتسكيو) يجب أن تسير كل السطات معاً بفضل قوة الأشياء، علاوة على ذلك فإن كل الدساتير السياسية تنظم بالطريقة الأفضل طبيعة وأشكال العلاقات بين مختلف الوظائف التي تمارسها الدولة - ففي بعض الحالات تسيطر الجمعية أو الجمعيات على الحكومة ،وفي حالات أخرى تملك الحكومات سلطات مهمة وتستطيع أن تفرض نفسها على الجمعية، كما أن العلاقات بين الحكومة والسلك القضائي أو الاداري تخضع لتبدل الظروف، أخيراً يبدو أن كل شيء في الدولة الليبرالية يتمحور حول أربعة عناصر ثابتة، الشعب والحكومة والجمعية والادارة. يبدو أن الظروف تفرض على الطبقة البرجوازية محاولة الجمع بين هذه العناصر، وتحدد بالتالي إمكانية نجاحها: كما في ممارسة «الترقيع» التي تكلم عنها (ليفي شتراوس) : «إلا إن هذا التعدد في التجارب يخبئ فقراً نسبياً، : إذ أن الدولة الليبرالية هي دائماً دولة البرجوازية وبهذا المعنى يصبح فصل السلطات وهمياً : فالبرجوازية لا تدير كبريات الهيئات العامة فحسب، بل مجمل جهاز الدولة»(24).‏

ويجمع الحقوقيون وعلماء السياسة أن دولة القانون التي عرفت في العهود الكلاسيكية الليبرالية، قد طرأ عليها تغيرات عميقة أدخلت عليها في مجال مفاهيم سيادة الديمقراطية، والمبدأ الانتخابي، وانفصال السلطات، واستقلالية القضاء، بسبب انتقال المجتمعات الصناعية الغربية من مرحلة الرأسمالية التنافسية، إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية، وإن كانت الأشكال المؤسسة للدولة الرأسمالية الاحتكارية قد حافظت على أشكال الدولة الليبرالية.‏

التناقضات الملازمة للنظام الرأسمالي العالمي في صيرورته التاريخية، تولد عدة أزمات، حين تعترض عملية إعادة إنتاج رأس المال حواجز معينة تعيد التساؤل حول هذه العملية، وتبحث في الوسائل التي تؤمن استمرارية نمط الإنتاج الرأسمالي. والتناقضات الاجتماعية التي توصف في كل مجتمع، بمفرده، وانطلاق العملية التاريخية الكبرى التي شهدتها الرأسمالية الاحتكارية من عملية تدويل الاقتصاد، وتدويل رأس المال، وتدويل القوى المنتجة والتقسيم الدولي المتغير للعمل، ولدت تناقضت اجتماعية داخلية في كل مجتمع على حدة، محكومة بعالمية القيمة، وقوى السوق، وآليات التوسع الرأسمالي، والاستقطاب الدولي،والتبادل غير المتكافئ، وبالتالي التطور غير المتكافئ، وتداخل الصراعات القومية التي تشابكت مع الصراعات الاجتماعية في وحدة مركبة تعتبر من أبرز سمات عصر الامبريالية، كل هذه العوامل مجتمعة جعلت من البرجوازية الاحتكارية الساهرة على مصالحها تبحث عن مخرج للحفاظ على سيطرتها من خلال فرض شكل جديد للمجتمع يجسد القطيعة مع الدولة الليبرالية لجهة عمل الدولة الرأسمالية على لجم واغتيال الديمقراطية ليس في مراكز النظام الرأسمالي، بل في أطرافه أيضاً، وإعاقة محاولات تحديث بلدان العالم الثالث وتنميتها المستقلة، وإمكانات التطور الديمقراطي فيها التي تتناسب عكسياً مع الهيمنة الامبريالية الغربية بوجه عام. لقد اتخذت دولة القانون أثناء تطورها، في إطار النظام الرأسمالي، وبالتضاد أو التوافق معه، مسارين متعارضين أو متخالفين أحدها يرقى باتجاه الديمقراطية والديالكتيك مفسحاً في المجال لتطور العناصر العقلانية والانسية والعلمانية والروحية، والثاني يتوافق مع منطق التوسع الرأسمالي، والسيطرة السياسية للبرجوازية التي تجعل إذن من دولة القانون «أداة» لخدمة مصالحها، وتعطي لنفسها كل الوسائل من أجل استمرارية سيطرتها وخاصة من خلال المؤسسات السياسية أي من خلال أجهزة الدولة... "هذه الخلاصة تهدم حينئذ تأكيد الليبراليين ومعهم الاصلاحيين حول دور الدولة وبالتالي حول طبيعتها. فالمحافظون والليبراليون يعلنون حيادية الدولة، يكتشفون انطلاقاً من هذا الطابع الايديولوجي لتأكيدهم هذا. وبالفعل ينهار الفصل بين دائرة المصالح الخاصة( مصالح المجتمع المدني عند هيغل) ودائرة المصحلة العامة (مصلحة الدولة) ومع هذا الانهيار تبدو واضحة الروابط التي تربط مصالح الدولة بالمصالح الخاصة. فهناك تحقيقات وتحاليل قام بها علماء السياسة أظهرت بشكل محدد حقيقة هذه الروابط وهشاشة «حيادية» الدولة. وأيضاً مفهوم المصلحة العامة يكتشف طبيعته الايديولوجية عندما يخفي وجود المصالح الحقيقية. لم تعد إلا «لجنة مناط بها إدارة أعمال مشتركة للطبقة البرجوازية بكاملها»، وهذه الادارة تسير طبعاً تحت غطاء ايديولوجية الخير المشترك والمراقبة الاجتماعية أو المصلحة العامة مترافقة اليوم مع بدائل ناتجة عن الطور الرأسمالي وتصميم، مشاورات تعاون ومشاركة إلخ إن تناوب الحكم : بين أحزاب متعارضة (الأحزاب الإنكليزية أو الأحزاب الأمريكية)، يزيدنا ثقة بفكرة الجهاز يمكنه أن يخدم سياسات مختلفة وأنه لا يرضخ إذن بشكل اقتصادي لأية قوة اجتماعية ولكن المحافظين والليبراليين ليسوا وحدهم مجال اتهام» (25).‏

الثورة الديمقرطية البرجوازية في الغرب استطاعت أن تغير وجه التاريخ والعالم والأرض نفسها، وأن ترسي ديمقراطية اقترنت بظهور طبقة برجوازية ثورية جديدة، ولكنها لم تحقق كل حلمها التنويري الثوري، وإن كانت حققت تحولاً ثورياً، كان حتى هذا الوقت أكبر تحول ثوري حدث في التاريخ، لم يتم تجاوزه ديالكتيكياً من قبل الثورات البلشفية الروسية والصينية، وكرست قيماً جديدة كالحرية والمساواة أمام القانون، والحماية القانونية للفرد ولأمنه، وبنت دولة حق ETAT dedroit ودولة حق وقانون كأساس منطقي للديمقراطية. ذلك أن دولة الحق هي الشطر الرئيسي لولادة دولة ديمقراطية، فلا ديمقراطية بلا دولة حق التي تعني أولاً وأساساً سمو القانون بدءاً من الدستور مروراً بمعظم القوانين الأخرى.‏

إذا كانت دولة الحق أسست لفكرة سمو القانون والدولة والديمقراطية في الغرب، فإن الدولة العربية المعاصرة تتسم بسمات الفوضى والعسف والاستبداد واللاديمقراطية، وهي مخلوطة من الطبقات الكمبردورية والطوائف والعائلات والقبائل وهلمجرا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244