المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ثانياً

وانهيار الوعي إلى مادون الواقع‏

ننطلق من رؤيتنا لتحليل طبيعة الدولة العربية من أن نشأتها وسياق تشكلها التاريخي عقب الاجتياح الاستعماري الغربي، وما استتبعه من إعادة رسم التوازنات الدولية الناشئة بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، وتقسيم المنطقة العربية جغرافياً وسياسياً، وخصائصها، تختلف عن السيرورات التاريخية لتبلور الدولة البرجوازية في المجتمعات الصناعية الغربية - الدولة الأمة، حيث أن هذا الاختلاف الواضح بين نمط الدولة العربية ومثيلتها الغربية، يعود في حقيقته إلى وجود اختلاف جذري على مستوى النشأة التاريخية، ومصادر المشروعية، ومدونة الاصطلاح السياسي.‏

الدولة العربية الحديثة، لا تعبر عن الدولة - الأمة كنموذج غربي بأي معنى من المعاني، سواء منها القطرية التي اختزلت مفهوم الأمة في حدودها القطرية الموروثة من الاستعمار الأوروبي، أو القومية الحديثة التي عبرت عن دائرة انتماء أوسع، وحاولت ربط العرب بإيديولوجية قومية علمانية، ترتكز على مفهوم الوطن الواحد. كما أن هذه الدولة العربية ليست متحداً سياسياً فيه إجماع من قبل الشعب على شرعية النظم السياسية الحاكمة، التي يسيطر عليها حكام ذاتيين متقلبين، وتتسم بانتشار الفساد الواضح على صعيد أعضاء الحكومة والمؤسسات والبيروقراطية الحزبية والبوليسية، وبالانتهاك الصارخ والاعتباطي لحقوق المواطنين وحرياتهم.‏

* الدولة العربية الحديثة والعصرنة السياسية‏

على الرغم من حدوث الاستقلال السياسي في معظم الوطن العربي منذ أواسط هذا القرن، إلا أن عملية انبثاق الدولة العربية قد نمت ضمن سيرورة «العصرنة السياسية» التي أدخلتها الامبريالية الأوروبية إلى العديد من البلدان العربية، كالتمدن والتصنيع، وتطبيق نوعاً من الديمقراطية البرلمانية، والنظام البيروقراطي الحديث، والتعليم الحديث، ومشاركة وسائل الإعلام، واستبدال عدد كبير من السلطات السياسية التقليدية والدينية والعائلية بسلطة سياسية «وطنية» علمانية، وضمن البنية وعلاقات التبعية البنيوية للإمبريالية التي يتصف بها المجتمع العربي بشكله «الحديث» الذي يتألف من ثلاث طبقات متميزة على حد قول الدكتور هشام شرابي : «الجماهير الفقيرة ( ومعظمها ريفي) والبرجوازية الصغيرة (التي تسكن المدن)، والبرجوازية الحاكمة التي تمتلك في يدها كل السلطة وكل الثروة الوطنية تقريباً. وقد تم الاستقلال الوطني (بالأحرى التبعية) ونشأة نظام الدولة المعاصرة في العالم العربي، بقيادة هذه البرجوازية (البطركية الحديثة)، وفي ظل أفكارها وأهدافها وهي الطبقة التي تمثل النتاج الاجتماعي المباشر والأكمل لعصر الامبريالية» (26).‏

مع حصول الدول العربية على الاستقلال السياسي، انقسم الوطن العربي إل فئتين من الدول، فئة الدول الحديثة العهد التي اختارت «الطريق الراسمالي للتطور» وحافظت على التقسيم الدولي للعمل في إطار النظام الرأسمالي العالمي، ولكن من دون أن تتبلور فيها قوى برجوازية، قادرة على تحقيق السيطرة الوطنية على عملية التراكم البدائي لرأس المال. وهذه الدول تتمثل بالمملكة العربية السعودية، وإمارات الخليج، وعمان والأردن وتونس ومراكش ولبنان، قد ربطت مصيرها بمصير الرأسمالية العالمية ككل، لأنها ليست بدول برجوازية وطنية، حتى وإن سيطرت البرجوازية الكمبرادورية على جهاز الدولة، إلا أن عملية التراكم ظلت خارج سيطرتها. وحافظت هذه الدول على نمط السلطة التقليدية، وعلى الايديولوجيا التقليدية، التي ترفض وبإطلاقية عملية تسييس الشعب، التي انطلقت سيرورتها في الحقبة الكولونيالية بفعل آلية التحديث بدون تصميم ولا إرادة من السلطة الكولونيالية.‏

وكانت استراتيجية التنمية في هذه الدول تقوم على أساس التكيف مع مقتضيات وشروط النظام الرأسمالي العالمي، وبناء اقتصاد خدمات،وإعادة الكمبرادورية في هذه المنطقة انطلاقاً من المحافظة على علاقات التحالف الوطيدة مع الامبريالية التي قامت عليها الكولونيالية المباشرة المعتمدة على كبار الملاك العقاريين والبرجوازية الكمبرادورية، وفتح الأسواق لكل السلع الأجنبية ،والتخلي عن الاكتفاء الغذائي، والخضوع لرأس المال العالمي، وتصديرالخامات، واستيراد السلع المصنعة والمواد. وهكذا نجد أن حركة الرسملة اقترنت ببقايا القرون الغابرة، لأنها قادتها طبقات وفئات كمبرادورية جديدة، أدرجت غناها في إطار عملية التسويق أكثر منها في عملية الإنتاج، وفي إطار مباركة العلاقات مع القوة الامبريالية، وتدفق السلع الأجنبية وقبول التبعية للمصالح الأمريكية،وإن كان بعض هذه الدول يواصل حملته على الفكر الغربي، والحضارة الغربية، بدراهم أنظمة تابعة للامبريالية كالسعودية، عبر تبني ايديولوجيا سياسية ماضوية معادية للعصرنة السياسية والديمقراطية.‏

أما الفئة الثانية، فهي الدول العربية التي قامت فيها انقلابات عسكرية ضد أشكال الحكم التقليدية، ولعبت فيها الطبقة المتوسطة دوراً رئيسياً، مثل مصر وليبيا والعراق والجزائرواليمن واستولى الجيش في هذه الدول على السلطة، حيث كانت خلفيته الاجتماعية من أصول ريفية، وضباطه من أبناء الطبقة المتوسطة. واتخذت الحكومات التي شكلتها الانقلابات العسكرية اجراءات لاستصلاح الأراضي، والقيام بإصلاح زراعي لاستقطاب العناصر الأكثر عدداً وقوة في الريف وبناء القاعدة الاجتماعية، وانتهجت سياسة جديدة، فضربت العلاقات مع الامبريالية، وأنشأت علاقات صداقة مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية سابقاً، وضربت الاقطاع والكمبرادور، وأنشأت القطاع العام. ولكن هذه النظم التي نصب فيها الجيش نفسه حكماً على القيم الوطنية والقومية، واعتنق مبدأ الوطنية، واستمد شرعيته انطلاقاً من الوعود التي قدمها للمستقبل، ومن تبنيه للعصرنة السياسية، لم تستطع أن تبني مؤسسات سياسية ثابتة، وأن تطور بنية سياسية توطد أسس مبدأ شرعي مايتعلق بالمشاركة السياسية للشعب.‏

وهكذا، فشلت هذه الدول في إقامة علاقات صحيحة مع الجماهير الشعبية، وانتهجت سياسات غير ديمقراطية بمجلمها لأن العسكر الذي خاض اللعبة السياسية، واكتسب الشرعية، أصبح عائقاً رئيسياً أمام قيام مؤسسات سياسية جديدة، بسبب مواقف العسكريين الذاتية من السياسة ومن أنفسهم، ونفورهم من النشاط السياسي بصورة عامة، ومن الأحزاب بصورة خاصة (في ليبيا والجزائر)، وشعورهم بأنهم في حالة صراع بين أولوياتهم وتقويماتهم الذاتية، وبين الاحتياجات الموضوعية لبناء مؤسسات سياسية قادرة على القيام بمهمات العصرنة السياسية لمجتمعاتهم.‏

وأثبتت الهزات السياسية والاقتصادية في هذه الدول خلال العقود الثلاثة الماضية، تعرجات وتراجعات، نجمت عنها اتجاه تلك الدول نحو المزيد من المحافظة داخلياً وفي علاقاتها الدولية، وقد شمل التراجع ميادين مهمة، مثل المراجعة مع الامبريالية عامة والأمريكية خاصة، والمواقف من الكيان الصهيوني، والأنظمة العربية الرجعية ومجالات أخرى كضرب مصالح الاقطاع والفئات التجارية الوسيطة، ونمو العلاقات الاقتصادية مع الامبريالية. فحصل تراجع كامل في مصر، وعادت مصر إلى الحظيرة الامبريالية الأمريكية، وأخرجها مؤقتاً من دائرة الصراع مع الكيان الصهيوني، وأعاد لبقايا الاقطاع والكمبرادور دورها، وانشأ طبقة جديدة من الوسطاء الذين يتفنون في إقامة الفرص أمام رأس المال الأجنبي للسيطرة على اقتصاد مصر.‏

وقد شاركت بقية الدول العربية الأخرى، بشكل أو بآخر، في تفتيت حركة الجماهير الشعبية وتشويه الحركة النقابية، وشرذمة الحركة القومية وإضعافها، وتوسيع قطاع الخدمات، وإضعاف القطاعات المنتجة، وخاصة الزراعية والحرفية وتربية المواشي إلى درجة كبيرة. وقادت تقلباتها وصراعاتها وعجزها عن مواجهة الامبريالية الأميركية والكيان الصهيوني إلى فقدان ثقة قطاعات واسعة من جماهيرها، وإلى نمو الاتجاهات البرجوازية الطفيلية السمسارة في ظلها أو على هامشها. فلماذا لم تثبت تجربة العصرنة السياسية أي نجاح على صعيد الدولة العربية المعاصرة، تجعل الجماهير الشبعبية متمسكة بهذا النهج؟‏

عرّف عدة مؤلفون العصرنة السياسية بطرق متعددة أيضاً، لكن معظم هذه التعريفات تركز على الاختلافات بين مايفترض أنها صفات مميزة لنظام الحكم العصري ولنظام الحكم التقليدي، ويقول صموئيل هانتنتون في هذا الصدد :« من الطبيعي اعتبار العصرنة السياسية على أنها الانتقال من واحد إلى آخر، استناداً إلى هذا الطرح، بالإمكان تصنيف الوجوه الأهم في العصرنة السياسية تحت ثلاثة عناوين عريضة: أولاً: نفترض العصرنة السياسية عقلنة السلطة، واستبدال عدد كبير من السلطات السياسية التقليدية والدينية والعائلية والعرفية بسلطة سياسية قومية علمانية واحدة، هذا التغيير يعني ضمناً أن الحكم من نتاج الإنسان، لا من نتاج الطبيعة ولا هبة من الله. وأن مجتمعاً حسن التنظيم يجب أن تتوافر فيه مرجعية بشرية هي المقدر للسلطة النهائية، وأن إطاعة قوانينه الوضعية تفوق من حيث الأهمية سائر الواجبات. تفترض العصرنة السياسية التوكيد على السيادة الخارجية للدولة القومية لمواجهة العوامل المؤثرة من خارج حدودها القومية، والسيادة الداخلية للحكم القومي لمواجهة القوى المحلية والاقليمية، إنه يعني الاندماج القومي ومركزية النفوذ أو حصره في مؤسسات قومية تشريعية معترف بها.‏

ثانياً : تفترض العصرنة السياسية التمييز بين الوظائف السياسية الجديدة وتطوير بنى متخصصة لتنفيذ هذه الوظائف. وتصبح المجالات مفتوحة للكفاءات الخاصة - القضائية والعسكرية والإدارية والعلمية - منفصلة عن المجال السياسي، وتظهر أدوات مستقلة ومتخصصة، ولكن تراتبية لإنجاز هذه الأعمال، تصبح الهرمية الإدارية أكثر تفصيلاً وتعقيداً، وتنظيماً، ويصار إلى توزيع المراكز والنفوذ حسب المنجزات بالانتساب.‏

ثالثاً: تفترض العصرنة السياسية المشاركة المتزايدة في السياسة من قبل فئات اجتماعية من المجتمع ككل، وقد تسهم المشاركة الموسعة في السياسة في تعزيز سيطرة الحكم على الشعب، كمافي الدول الكليانية أو أنها قد تسهم في تعزيز سيطرة الشعب على الحكم، كما يحدث في بعض الدول الديمقراطية. لكن في كافة الدول العصرية يصبح المواطنون معنيين مباشرة بشؤون الحكم وتحت تأثيرها، إن السلطة العقلانية والبنية التفصيلية والمشاركة الجماهيرية هي إذا ما يميز أنظمة الحكم العصرية عن أنظمة الحكم السابقة» (27).‏

لقد بقيت الدولة في شتى أشكالها التقليدية الموالية للغرب، أو «الثورية العسكرية»، التي انتهجت سياسة تعديل شروط العلاقة مع الامبريالية، دولة تفتقد إلى العقلانية مطبقة في السياسة- ولا زالت سياسة الدول العربية هذه غير متحررة من المطلقات، وذات بنية تقليدية من حيث الجوهر، ولا ترتكز سياستها على خدمة المصلحة القومية أولاً، ولا على التمييز بين الحقيقة الواقعية والمعتقد ثانياً، ولا على مبدأ سيادة الأمة ثالثاً.‏

لاشك أن أوجه العصرنة الاجتماعية والثقافية التي قامت بها الدول العربية أضحت واضحة للعيان، من خلال تعميمها التعليم ومجانيته دون أن تجعله إلزامياً، وبذلك فإن عدد الأميين يتضائل باضطراد وترتفع نسبة خريجي المدارس الثانوية والجامعات والمعاهد العليا، وتشهد المدن العربية نمواً سريعاً وإن كان متوحشاً في غالبيته نظراً للهجرة المكثفة من الريف إلى المدينة، وبروز أحزمة البؤس والفقر في معظم المدن العربية، وتنتشر وسائل الإعلام والاتصال وتزداد توسعاً، ويشهد الدخل الفردي الاجمالي نمواً من الناتج القومي، ويتم تجهيز المستشفيات والأطباء بالآلات الحديثة، ويرتفع مستوى المهارة المهنية بشكل ملحوظ في مجال الزراعة والصناعة. غير أن العصرنة السياسية التي تعني من وجهة نظر عملية عقلانية السلطة، وتوسيع المشاركة السياسية، والانتقال من نظام حكم تقليديي متخلف واستبدادي إلى نظام حكم عصري حديث وديمقراطي، ظلت ضعيفة في الواقع، مع أندثار الديمقراطية في ظل اللخطة " الليبرالية الأولى" مابعد الاستقلال وظهرو تآكل نزوع نحو الأنظمة الاستبدادية وهيمنة الحزب الواحد كما هو الحال في تونس، والجزائر ومصر، والعراق، وسيادة الدولة التسلطية على صعيد عربي ،التي تتيح أوسع الفرص لممارسة أقلية نخبوية هيمنتها المطلقة على أجهزة الدولة، واحتكارها المطلق للسياسة والسلطة والقوة، حيث أصبحت هذه الأقلية أقوى من الشعب وراكبة عليه، وألغت الحياة السياسية للشعب، وعطلت بالنتيجة عملية تحديث السياسة، وعرقلت عملية التحويل نحو الديمقراطية، وبالتالي عرقت عملية تحويل الفرد العربي إلى مواطن عضو في الدولة.‏

* فماهي خصائص الدولة العربية المعصرنة؟‏

تتسم الدولة العربية في شكلها الجمهوري كما في شكلها الملكي، بسمات الدول الراسمالية التابعة، التي تعاظمت أهميتها في مرحلة مابعد الكولونيالية كفاعل أساسي في سيرورة الرأسمالية الشاملة للمجتمعات العربية، وسيرورة تراكم رأس المال في ظروف التبعية البنيوية للمتروبولات الرأسمالية، بفعل قوانين السوق الرأسمالية العالمية من جهة، وبفضل الميول التراكمية السائدة في المجتمعات العربية من جهة أخرى. فالتراكم الذي تقوم به الدولة العربية التابعة، أي دولة الراسمالية المتأخرة المندمجة في التقسيم الدولي للعمل، ليس تراكماً موجهاً نحو تلبية حاجيات السوق الداخلية، لأن مثل هذا التراكم يفترض وجود طبقة برجوازية وطنية، بل هو تراكم يتم لمصلحة المتروبولات الرأسمالية في الغرب. والبرجوازية العربية المتأخرة تاريخياً، الضعيفة عددياً، والمفتقرة لرأس المال الوطني، والرافضة للطريق الثورية في عملية التراكم بسبب افتقارها المشروع السياسي القومي الراديكالي، ليس لها من خيار في ظل عدم التجانس البنيوي للمجال الاقتصادي الذي تحدده الدولة الرأسمالية التابعة، سوى أن تكون وكيلاً لرأس المال الدولي مالكة لسيكولوجية صناع الصفقات الصغار، ومفتقرة لسكيولوجية أساطين الصناعة، مدعومة بشكل مباشر وغير مباشر من الشركات المتعددة الجنسيات، أي الامبريالية.‏

في معرض نقده للدول مابعد الكولونيالية، يتعرف فرانز فانون المراقب النافذ البصيرة لأحداث العالم الثالث، في الرأسمالية المتأخرة على الطبقة البرجوازية المحلية «الوطنية المتأخرة والفاسدة» الحاملة للدولة، والمغتربة على شعبها، ويصفها بأنها طبقة «ترث أو تخلق لنفسها، دولة تنفيذ وظيفتين : تمكين الطبقة الغاصبة للدولة من الأثراء وإضفاء الشرعية عليها من جهة، وعزل النخبة القيادية الجديدة عن شعبها الخاص، وعن طلباته وتوقعاته الناشئة خلال الكفاح من أجل الاستقلال، وحماية هذه النخبة من شعبها من جهة أخرى لا بسبب عجزها الاقتصادي» الذي يقعدها عن خلق ظروف اجتماعية متماسكة تقوم على سلطتها الطبقية، تختار البرجوازية حلاً يبدو الحل الأكثر سهولة، إنه الحزب الواحد. فهي مازالت تفتقر إلى ذلك الضمير المرتاح، وإلى تلك الراحة التي يمكن للقوة الاقتصادية وللسيطرة على أجهزة الدولة منحها لها، فتخلق دولة لا تريح المواطن، بل تقلقه بصورة متواصلة. هذه الدولة، التي يراد منها إشاعة الثقة وتجريد المواطنين من مقاومتهم وتهدئتهم من خلال صلابتها وتحفظها في الوقت نفسه، تفرض نفسها بطريقة أسطورية، وتستعرض ذاتها، وتضايق المواطن وتسيء معاملته، مظهرة له بهذه الطريقة، أنه معرض لخطر دائم. إن الحزب الواحد، هو الشكل الحديث للديكاتورية البرجوازية، وقد نزعت قناعها، ومساحيقها وصارت بلا وازع، وكلبية »(28).‏

هذا النقد اللاذع والانطباعي، ينطبق في جوهره على الدولة الرأسمالية التابعة في الوطن العربي، التي عجزت فيها فئات الطبقة الوسطى التي استلمت السلطة في مرحلة مابعد الكولونيالية - سواء بواسطة حرب الاستقلال التي مثلت تمثيلاً حقاً مصالح الشعب الوطنية ضد السلطة الكولونيالية، أو بواسطة الانقلابات العسكرية التي مكنت تشكيلة من العسكر والتكنوقراط والميلشيات المسلحة من الاستحواذ على السلطة - من أن تكرس نفسها كطبقة برجوازية قائمة بذاتها، كبرجوازية وطنية كاملة القيمة وحاملة في سيرورتها الطبقية نظاماً إنتاجياً وقادرة على المنافسة.‏

وتكون الطبقة السائدة في الدولة العربية في ظل الرأسمالية التابعة والمتأخرة تاريخياً من (البيروقراطية المركزية للدولة: العسكرية والبوليسية والحزبية)، ومن التكنوقراط أي البيروقراطية الاقتصادية أي المدار الذين يديرون شركات القطاع العام ومؤسساته، ويملكون سيطرة حقيقية على وسائل الانتاج، ومن برجوازية القطاع الخاص التي تربطها علاقات وثيقة مع القطاع العام، وتستفيد من سياسات رأسمالية الدولة الاستثمارية والمالية.‏

وتقوم الدولة العربية بدور رجل الأعمال الجبار، من حيث كونها مستخدم ورب عمل، تحدد الأجور والأسعار، وتؤسس المشاريع، وتستغل العمال المأجورين، وتعتصر بلا انقطاع فائض القيمة من المواطنين بصرف النظر عن الادعاءات الايديولوجية حول الاشتراكية المستمدة من ملكية الدولة لوسائل الانتاج، لأن علاقات الانتاج السائدة، هي علاقة رأسمالية، حيث تستخدم سلطة الدولة للإشراف على وسائل الانتاج، ولتحقيق الاستغلال كأي تاجر جشع أو رأسمالي، وتلعب دور الوسيط بين السوق المحلية والشركات المتعددة الجنسيات، من خلال العلاقات الوثيقة التي تربطها مع البرجوازية المتروبولية الامبريالية - حليفها السياسي - والتي تستجدي منها المساعدة والخبرة "الأجنبية"، وترضخ لشروطها، حيث يقول بولانزاس عن هذه الطبقات المحلية الحاكمة في العالم الثالث، بأنها في كل الأحوال لن تستطيع الافلات من موقع الخادم الذي تقوم به حيال هذه البرجوازية المتروبولية.‏

وترفض عالمة الاجتماع من بريمن ميشائيلا فون فرايهولد رفضاً مطلقاً، خلال دراستها، سائر التصورات حول إمكانية طريق وطني خاص للتخلص من التأخر، تقوده برجوازية وطنية ذات توجه تقدمي، وتقول :" لا تستطيع أية برجوازية وطنية أن تسمح لنفسها اليوم بتجاهل الامكانية التي تقدمها لها البرجوازية الدولية"، وعلى كل حال، فإن حلف المصالح بين الطبقة الحاكمة والسائدة قد تزاد توثقاً باضطراد بعد الاستقلال: «يرتبط حجم انخراط البرجوازية المتروبولية، بدرجة كبيرة بقدرة الدولة المتلقية (لمساعدة التطوير) على ضمان الأرباح المتوقعة من الاستثمارات الخارجية (في البلدان الأجنبية)، وترتبط بالتالي بقدرة الدولة على التدخل في الاقتصاد، وإخضاع المنتجين المباشرين، وإبقائهم تحت الرقابة الدائمة. هكذا تصبح البرجوازية الأجنبية المتروبولية، بطرق مختلفة وأساليب متنوعة، «جزء من الكتلة المحلية للسلطة وتسيطر على الدولة من الداخل والخارج». وتضيف فرايهولد، إن السادة الجدد يبدون من منظور العمال والفلاحين «كطفيليين» فهم يأفرقون ويؤممون المناجم والمصارف والمزارع الخ، دون أن يغيروا شيئاً من ذلك في علاقات الانتاج، إنهم ورثة المستغلين الكولونياليين، وهم مهتمون قبل كل شيء برتسيخ سلطتهم ترسيخاً شرطه إخضاع العمال والفلاحين لرقاب دقيقة»(29).‏

وتتميز الدولة العربية من كونها دولة رأسمالية طرفية تشكل «رأس جسر» للبرجوازية الامبريالية في المراكز الرأسمالية المتقدمة، ومفوضة ووكيلة للشركات المتعددة الجنسيات، والرساميل الدولية، وتلبي المتطلبات لسيرورة التراكم الرأسمالي المندمجة في نطاق السوق الرأسمالية العالمية، بقدر ما تتقاطع مع سيرورة ضمان سلطة الأقلية المهيمنة التي لا تعبر عن الوعي القومي، والمصالح القومية لمجموع الأمة، وتفتقر إلى سياسة عقلانية، تلبي موضوعياً المصلحة القومية. وتخضع الدولة العربية الشعب بوسائل الاكراه وأدوات العنف التي تمارس التعذيب الجسدي، وتعتقل المواطنين دون مسوغات قانونية، وتسجن المعارضين السياسيين دون محاكمات، وتقمع المظاهرات والاضرابات العمالية والطلابية برصاص أجهزة المخابرات والشرطة والجيش، وتنفذ عمليات عسكرية حقيقية ضد الانتفاضات الشعبية، كما حصل ذلك في مصر 17و18 يناير 1977، وفي تونس 26 كانون الثاني 1978، وثورة الخبز كانون الثاني 1984، وانتفاضة أكتوبر 1988 في الجزائر، وانتفاضة حزيران في الدار البيضاء 1981.‏

بالنظر إلى عجز الدولة العربية عن إقامة علاقات قانونية بالنسبة للشعب المدني المهمش والخارج عن السياسة، باعتبارها دولة لا قانونية حيال أكثرية مواطنيها غير المالكين، فإننا نجد هذه الدولة لكي تضمن استمرار نموذجها التسلطي تشن «حرب أهلية كامنة» بل و«حرب أهلية صريحة»، كما هو الحال في العديد من البلدان العربية، بوساطة أجهزة العنف المختلفة (العسكر، الشرطة، أجهزة المخابرات، الحزب الحاكم المهيمن، النقابات، قصر الرئاسة)، حيث تمتلك كل منها أجهزتها الأمنية الخاصة بها، وتمارس المراقبة والتخويف والعقوبة والردع ضد المواطنين، كجزء من السياسة الروتينية اليومية، من دون أن تخضع لأية رقابة حكومية أو سياسية بأي شكل من الأشكال.‏

أسهمت الايديولوجية التقليدية السائدة لدى الأقسام الهائلة من الشعب العربي، والرواسب القوية والبنى ماقبل القومية، كالعشائرية والطائفية والقبلية والعائلية، المعرقلة لاندماج الأمة القومي، في إعاقة عصرنة الدولة العربية والسياسية العربية، وفي تحقيق النزعة التسلطية لهذه الدولة العربية. ذلك أن الأكثرية الساحقة من الأمة مازالت تنظر إلى السياسة باعتبارها شأناً من شؤون الحاكم، ولهذا تقتصر المشاركة السياسية في المجتمع العربي على النخبة الحاكمة التي تضع أولويتها السياسية ومصلحتها فوق الهيئات الدستورية، في حين أن الشرط الرئيسي لأي عصرنة سياسية تتطلب مشاركة الكتلة الأكبر من الأمة في السياسة وعلى نطاق المجتمع العربي ككل، وبناء مؤسسات المجتمع المدني الحديث التي تنظم وتضمن هذه المشاركة.‏

ولم تستطع العصرنة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قامت بها الدولة العربية أن تقوض البنى وأسس الولاءات والمؤسسات التقليدية، من عائلية وعشائرية وطائفية ومناطقية، وإذا كانت تأثيرات هذه العصرنة في مختلف جوانبها قد أسهمت في تمزيق القيم القديمة السائدة في الريف وداخل المجتمع الأهلي، وفي إحياء المدن الشعبية، إلا أنها بالمقابل عجزت عن إرساء قيم مدنية عصرية حديثة. ولم تستطع أن تبلور وعياً طبقياً حديثاً لدى الفئات الجديدة في مختلف بنى المجتمع من القبيلة والطائفة إلى الطبقة، لكي يتزايد إدراكها لذواتهاكفئات اجتماعية لهامطالب وأهداف تناضل من أجل تحقيقها، وبخاصة منها دمقرطة النظام السياسي، وإرساء مجتمع مدني حديث، وضرورة الوعي بفكرة الأمة المبنية في الحقيقة على فكرة احترام حرية الفرد والمواطن، حيث إن الأمة، والمواطن والديمقراطية والمجتمع المدني، يشكلون جميعاً أساس الدولة الديمقراطية الحديثة، والمجتمع العصري.‏

والواقع أن فشل العصرنة في البلاد العربية، يعود بالدرجة الرئيسية إلى تأخر سياسة الدولة العربية، ولا عقلانية النخبة السياسية الحاكمة فيها، وعدم اعتمادها على رأي عام قوي. ذلك أن تأخر السياسة العربية كما يقول ياسين الحافظ ذا طابع شمولي «أي لا يقتصر على الأقليات العربية الحاكمة ولا ينحصر في إطار اليمين العربي، بل يتعدى ذلك إلى البنية السياسية العربية في كافة دوائرها ومستوياتها. لاشك أن اليمين العربي، بحكم موقعه الطبقي وبحكم تشربه بالأيديولوجيا التقليدية، هو الكتلة الأشد تأخراً في البنية السياسية العربية، لكن إذا حكمنا مقاييس السياسة الحديثة، المرتكزة على عقلانية تامة وعلى ثقافة عصرية، وبخاصة بالنسبة لسياسة ثورية تستهدف التغيير، أي سياسة تتطلب وعياً مطابقاً لحاجات تقدم الأمة وتحديثها، فلن تفلت الكتلة الأساسية من اليسار العربي من دائرة التأخر، رغم كل نواياه الذاتية، في الالتزام بالمصلحة القومية ومصلحة الجماهير الشعبية، ورغم رغبته الانتساب إلى ايديولوجيا حديثة. والواقع أن النفوذ المحدود لليسار العربي على المجتمع العربي لا يعود فقط إلى عمق نفوذ الايديولوجيا التقليدية، بل يعود أيضاً وبنسبة ليست أقل لقصور وعيه الناجم عن اغترابه الأيديولوجي، وبالتالي عجزه عن القبض على المشكلات المدنية للمجتمع العربي وعلى دوافع تحديثه وجعله معاصراً للمجتمعات المتقدمة. إن عدم تكون يسار عربي حق (بمعنى يسار بلغ الثورية العقلانية، احتل مكانة مرمووقة في متن الأمة وليس في هامشها، استوعب ايديولوجيا عصرية) يسرع ويثبت اطروحة تأخر جماع السياسة العربية، وليس سياسات الأقليات الحاكمة المحافظة وحدها. إن الطابع الايديولوجي للإيديولوجيات اليسارية العربية، دوغمائيتها افتقارها إلى عمق ثقافي وبعد تاريخي، اغترابها كوعي (سواء مسفيت أو متأورب، أو مصين)، تصالح هذه مع الواقع، وشعورية تلك، الخ، يكشف كثافة التأخر السياسي العربي، ويدين بالتالي أن الخلل في السياسيات العربية أبعد وأقصر من الخطأ»(30).‏

إن التأخر التاريخي الذي وسم الدولة العربية على الرغم من تبنيها النظم والقوانين الوضعية الدستورية - الديمقراطية المعاصرة، وانجازها التجربة من التحرر السياسي والاقتصادي، مثل تعديل شروط العلاقة مع الامبريالية بعد الاستقلال السياسي، وتحقيق إصلاح زراعي، وتأميم قطاعات مهمة من الاقتصاد وبناء قطاع عام، وتوجه ما نحو التصنيع، جعل عملية العصرنة السياسية والاقتصادية في الوطن العربي غير جذرية على صعيد نقل الشعب العربي من نمط مجتمعي تقليدي متخلف إلى نمط مجتمعي حديث، معاصر. والسبب في ذلك يعود إلى أن الفئات والطبقات القائدة في الدولة العربية مابعد الكولونيالية لم تكن تملك مشروعاً ثورياً وشمولياً، وتاريخياً لإنجاز ثورة ديمقراطية جذرية تكون بمنزلة القابلة المولدة للدولة الحديثة، والتأكيد عليها في مواجهة البنى التضامنية (من المؤسسة الدينية، والعائلة والعشيرة، والطائفة وتحالف الملاك والتجار،) التي تشكل أساس الدولة التقليدية، حيث أن مهام هذه الثورة القومية الديمقراطية تتمثل في تحقيق الاندماج القومي كشرط لازم، للتقدم، وتسييس الشعب لتكوين حركات شعبية وأحزاب سياسية تصبح متورطة بشكل مباشر في النشاط السياسي العام، عبر الخوض في قضايا سياسية عامة وطنية وقومية، تؤثر على المجتمع ككل، وتنقل الوعي الديمقراطي الجديد إلى صفوف الشعب، وتشكل في الوقت عينه محرك سيرورة بناء الدولة القومية الحديثة.‏

وكان لغياب وضعف المؤسسات السياسية الفاعلة في المجتمع العربي أثر كبير في جعل نظام الدولة العربية في بنيته الأساسية مجرد شكل نظام دولة متعصرن بالاسم، لكنه مبني على السلطة الفردية المطلقة، حيث أصبحت الدولة في الوطن العربي دولة الحزب الواحد المهيمن بإطلاقية على الحياة السياسية، باستثناء سوريا حيث تمارس فيها التعددية السياسية عبر الجبهة الوطنية التقدمية. وامتلأ الفراغ المؤسسساتي وخلو ساحة العمل السياسي من تنظيمات المجتمع المدني بشيوع العنف السياسي والحكم العسكري وهيمنة أجهزة القمع والإرهاب المنظم من جانب الدولة التسلطية، التي تستمد شرعيتها لامن مصادر دستورية وقانونية، بل من حيازة واحتكار النخبة الحاكمة فيها من مصادر الثروة والقوة وأدوات القمع والاكراه. ويوضح الدكتور خلدون النقيب كيف أصبح الوطن العربي في ظل هذه الدولة التسلطية معزولاً، مغترباً عن ذاته ومهمشاً، ومنكفأ على نفسه، لأنه، «من خلال«دولة المخابرات» الرهيبة، بصلاحياتها غير المحدودة التي اقتحمت الحياة الخاصة للمواطنين في أدق دقائقها، تم التلاعب بالتنظيمات والنقابات والجمعيات المهنية وقياداتها، وأطبق الخناق على كل أشكال المشاركة السياسية للمواطنين في السياسة العامة. لقد تطورت دولة المخابرات، على الرغم من انهيارها الظاهري في مصر بانهيار مراكز القوى(في تشرين الثاني/ نوفمبر) في أعقاب هزيمة حزيران / يونيو 1967، بحيث تحولت إلى «منظومات» هائلة «للأمن القومي» لا تخضع لأية رقابة حكومية أو سياسية بأي شكل من الأشكال» (31).‏

* فشل سياسة العصرنة‏

مع ميل الفئات الميسورة العربية إلى الاستهلاك التفاخري‏

ثمة علاقة ارتباطية بين العصرنة في البلادالعربية وظاهرة العنف السياسي شديد اللصوق بممارسات الدولة التسلطية العربية. لقد اسلفنا سابقاً بالحديث عن آلية التحديث التناقضية التي أُخضِعَ لها المجتمع العربي في مرحلة الكولونيالية. غير أنه في الحقبة مابعد الكولونيالية، حين أخذت الدولة العربية، بمفهوم العصرنة، كان مايسمى بالصراع «التقليدي» على السلطة داخل النخب الاجتماعية الاقتصادية والسياسية المتنافسة ذات الخلفيات الاقتصادية - الاجتماعية والطبقية المتقاربة، وافتقاد المشروع الفكري - الثقافي والسياسي العربي للعقلانية، والاندماج القومي، والثقافة العصرية، لتجسيد القطيعة المزدوجة مع الأيديولوجية التقليدية المدافعة عن البنى ماقبل القومية كالعشائرية والطائفية والقبلية والعائلية، والتي تقيم حاجزاً ايديولوجياً مع بناء نظام معرفي وثقافي عربي عقلاني، ومع أنماط التنمية السلبية والاستهلاكية، أثره البالغ في حدوث عدم الاستقرار، وظاهرة العنف السياسي، وانكشاف عصر «النهضة» العربي كبديل فضائحي عن لحظة العصرنة والنهضة، بوصفه «حاجزاً» طوباوياً هائلاً، نقل المشروع الثقافي من تحت استبدادية الانبناء للمغيوب اللاهوتي، إلى الوقوع تحت استبدادية انبناء أشد وأدهى للمغيوب التقنوي المعاصر» (32).‏

مع حلول السبعينات كانت معظم الأنظمة العربية أنظمة معصرنة باعتمادها أنماط حديثة مشوهة وناقصة، تنطوي على ازدواجية أساسية، السطح الخارجي المعصرن، يخفي واقعاً مجتمعياً تقليدياً داخلياً يرتكز على العائلة والعشيرة والطائفة بقي يتمتع بمقاومة عنيدة قل نظيرها في مواجهة تأثيرات الميول والاتجاهات المعصرنة. هذه الازدواجية التي تعكس انعدام الأصالة بمضامينها العصرية ومضامينها التقليدية على حد سواء، والتناقض والتوتر، أصبحت تشكل السمة البارزة في الحياة المجتمعية العربية، فضلاً عن أنها تشكل العمود الفقري للدولة العربية المعصرنة نصف التقليدية نصف العصرية. وبات الاعتماد على الروابط المناطقية والاقليمية والعشائرية والطائفية في معظم البلاد العربية، يمثل شرطاً أساسياً للاحتفاظ بالسلطة من جانب السلطات الحاكمة في الوطن العربي.‏

لم تحدث العصرنة التي قامت بها الدولة التسلطية العربية (على اختلاف تلاوينها الدينية القروسطية أو السلطانية، أو دولة العسكر، أو الدولة الطائفية)، وبخاصة منها تلك المتعلقة بعمليات التحديث والتنمية السريعة، سواء التي ارتبطت عضوياً بالثروة النفطية الطارئة، أم التي ارتبطت بالاشتراكية العربية التقليدية، بسيرورات التحولات الاقتصادية - الاجتماعية التي تنقل المجتمع العربي انتقالاً تاماً وناجزاً، من مجتمع ماقبل القومية الحديثة والأمة، إلى مجتمع الأمة العصرية البرجوازية بهذا المعنى. وقد نجم عن عمليات ارتفاع معدل التغيير نحو العصرنة، الاجتماعية والاقتصادية بروز مجموعة من التناقضات والاختلافات في المجتمع العربي شكلت مصادر للتوتر وعدم الاستقرار السياسي، يمكن أن نوجزها على النحو التالي:‏

1- لقد أسهمت التنمية السلبية والاستهلاكية السريعة في إحداث انعدام الاستقرار، لأنها وإن أوجدت قطاعات اقتصادية «حديثة» : صناعات متوسطة وخفيفة، إنتاج منتجات زراعية وصناعية وتصديرية، تجارة، وبنت قطاع الدولة الاقتصادي، والمؤسسات والورش المدارة بصورة مشتركة من قبل الدولة والشركات الأجنبية و(الاقتصاد المختلط)، إلا أن هذه الاستراتيجية الموظفة قد قادت إلى التوسع والتخصص في الانتاج الأحادي المنتج، إي إنتاج وتصدير سلعة واحدة قابلة للنضوب وهي النفط، أو مواد أولية أخرى. واصبح القطاع النفطي وقطاع الانتاج التصديري للسوق الرأسمالية العالمية هما المحركان الرئيسيان لمجمل هذه التنمية الاستهلاكية التي أجهضت تحت بوارقها العصرية المشروع النهضوي التاريخي، ومزقت التكتلات والبنى الاجتماعية التقليدية (العائلية، والقبلية، والطائفية، والعشائرية)، والتشكيلات الاقتصادية - الاجتماعية ماقبل «راسمالية»، التي امتزجت في تشكيلات اقتصادية رأسمالية حديثة تابعة للاقتصاد الرأسمالي العالمي، أدت إلى تفتيت المجتمع التقليدي، وتقويض الروابط الاجتماعية، وتشجيع على نحو خاص الهجرة السريعة من المناطق الريفية إلى المدن، وعدم بناء اقتصاد انتاجي حديث، بل اقتصاد خدمات تابع عمق التبعية الاقتصادية والمالية والأمنية والعسكرية والغذائية والثقافية لمعظم الوطن العربي، إزاء المراكز الرأسمالية الغربية.‏

وقد أدى هذا الوضع إلى تبلور طبقة برجوازية كمبرادورية، حيث كانت الشريحة البيروقراطية السياسية والعسكرية المسيطرة على المراكز القيادية لجهاز الدولة متحالفة مع النخب التقليدية من حلف التجار وكبار الملاك، وحصلت على ثروات فاحشة بسبب من هيمنتها على مصادر الثروة القوة في المجتمع، خلقت لها بالتالي فرصة بناء قوة اقتصادية تخصها، عبر المضاربة بالأراضي من خلال رسملتها، وفي مجال الخدمات والتجارة، ونقل الأموال إلى مصارف أجنبية المودعة في حسابات خاصة. وبالمقابل أو جدت عمليات التنمية الاستهلاكية هذه اختلاطاً طبقياً وتشويهاً اجتماعياً كبيراً، انعكس في وجود الضواحي للمدن التي تضم عدد كبير من العمال الأميين، الذين لا يملكون أي تأهيل مهني، أو لديهم القليل من الدراية، وتكون جيش من العاطلين عن العمل الذين يعيشون عالة على أقاربهم أو بين قومهم، وفي تدهور أوضاع كتلة الفلاحين الأساسية، بسبب من تحطيم النظام الاقتصادي والاجتماعي الموروث، وبخاصة ندرة الأرض الزراعية، وانحصار الوسائل المخصصة للريف في إقامة بنية تحتية زراعية تكون متخصصة لإنتاج السلع التصديرية للسوق الرأسمالية.‏

ولاشك أن هذا الوضع انعكس لدى أبناء المدن عامة، والمثقفين خاصة، ولدى قطاعات واسعة من الشعب وبخاصة منها الفلاحين الذين يشكلون القسم الأكثر عدداً من السكان، ولكنه أيضاً القسم الأكثر تمزيقاً وحيرة بسبب من ضعفه من الناحية السياسي ة حيث لم تستطيع الانتلجنسيا الضعيفة والمشوشة أن تعكس موقف هذه الكتلة من الجماهير العاملة والكادحة- العاجزة تماماً عن حماية نفسها من التردي المتفاقم لشروط وجودها بسبب افتقارها إلى الوعي «الثوري» والتنظيم السياسي المطابق لمصالحها - من التأخر التاريخي، ومن أشكال الاندماج بالنظام الرأسمالي العالمي، الأمر الذي قاد إلى تعميق الهوة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع العربي، وإلى ظهور مجموعات مدينية هامشية تبدي بسبب الحرمان والفقر والكبت نزوعاً إلى الانعزال والتطرف السياسي، الذي استثمرته الحركات الاسلامية المعاصرة.‏

2- قامت عمليات العصرنة في معظم الوطن العربي بإهمال الزراعة، الأمر الذي انعكس على البنية الانتاجية فيها أو أزمة الغذاء التي يعاني منها العرب، وأفرزت تناقضات اجتماعية حادة بسبب غياب التنظيم في حياة العرب العامة، وانهيار القبيلة وتحلل القرية، وتحول الحي الشعبي إلى جزء من مدينة متغربة، وانهيار نمط الانتاج التقليدي الذي لم يرافقه قيام نمط انتاج حديث، ولا مدينة حديثة بكل معاني الكلمة، ولا قرية حديثة.... سقطت حدود وضوابط اجتماعية، ولم يقع بديل لها، وتعمقت التناقضات بين الأجيال القديمة القابضة على السلطة والأجيال الجديدة ذات التعليم الحديث وذات المستوى المعيشي الآخذ في التدني، وأسهمت نسبة معرفة القراءة والكتابة، وارتفاع مستوى التعليم، وانتشار وسائل الاعلام وسرعة التمدين، في زيادة المطمح لدى خريجي الجامعات، والمبعدين من خريجي المعاهد الثانوية والاعدادية، والمثقفين وأنصاف المثقفين، والنقابيين، والفلاحين، والعمال الأمر الذي جعل الحكومات العربية عاجزة عن تحقيقها، وهو ماعزز الاحباط الاجتماعي بسرعة لدى هذه الفئات، وارتفاع معدل الاستياء الشعبي، لكي يصبح قسماً مهماً من الشباب العربي العاطل عن العمل بصرف النظر عن أصوله الاجتماعية - امداداً للحركات المتطرفة التي تحدث عدم الاستقرار السياسي في البلاد العربية. وحين قامت الدولة التسلطية العربية المعصرنة التابعة، كانت تفتقد إلى الشرعية السياسية، وإلى مؤسسات سياسية قوية وقادرة على التكيف من جهة، ودولة قبيلة، أو عائلة، أو طائفة، من جهة ثانية. ولذلك لم تعلم المواطن النظام، لأنها لا تريد أن تخضع لنظام، واستعدته لأنها تابعة ومعادية، وأسهمت إسهاماً مباشراً في منع المشاركة السياسية للشعب، وفي توليد عدم الاستقرار السياسي وظاهرة العنف السياسي المرتبطة بالتنمية الاقتصادية السلبية، وانعدام التوزيع العادل للثروة، وزيادة الحراك الاجتماعي والجغرافي، وعدم التكامل الوطني بسبب النقص في الاندماج القومي، وشعور القسم الأكبر من الشعب العربي بالغبن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.‏

وتبدو العلاقة الارتباطية بين العصرنة المشوهة والتحريك الاجتماعي والجغرافي وغياب الديمقراطية في معظم البلاد العربية، وزيادة المطامح والتوقعات لدى الفئات الاجتماعية المحرومة والعنف السياسي مباشرة إلى حد كبير. ويقول صموئيل هانتنتون بهذا الصدد مايلي : «يبعث التحريك الاجتماعي على عدم الاستقرار أكثر من التطور الاقتصادي، إن الهوة بين هذين الشكلين في التغيير بمثابة قياس لأثر العصرنة على الاستقرار السياسي التمدن ومعرفة القراءة والكتابة والتعليم ووسائل الاعلام، تكشف جميعها للإنسان التقليدي عن أنماط جديدة من العيش، ومقاييس جديدة للمتعة وإمكانات جديدة للرفاهية، هذه التجارب تحطم الحواجز المعرفية التي تفرض مواقف في الثقافة التقليدية وتشجع مستويات جديدة من المطامح والرغبات - إلا أن قدرة المجتمع الانتقالي على تلبية هذه المطامح الجديدة، تكون أكثر إبطاء في تقدمها من المطامح نفسها، ومن هنا تنشأ ثغرة بين المطامح والتوقع، وبين تشكيل الرغبة وتحقيق الرغبة، أو بين دالة المطامح ودالة مستوى العيش، ينتج عن هذه الهوة الاحباط والاستياء في المجتمع وعملياً، يشكل حجم الهوة مؤشراً معقولاً لعدم الاستقرار السياسي»(33).‏

تتحكم في العصرنة السياسية والاقتصادية في الوطن العربي مجموعة من البنى الاقتصادية والسياسية والايديولوجية التي ينشأ فيما بينها تواصل وظيفي، هدفه إعادة إنتاج الدولة التسلطية العربية، علماً بأن هذه البنى تولد سيرورات اجتماعية تقود إلى تناقضات (اختلالات وظيفية وصراعات) يكون حلها عبر استخدام العنف السياسي من جانب الأجهزة الأمنية ضد الشعب، وعبر استمرار هذه الدولة في بناء نموذج اقتصادي موجه نحو التصدير من خلال إنتاج سلع صناعية تحويلية للسوق الرأسمالية العالمية.‏

وبالمقابل تعزز هذه السوق الدولية بوصفها عاملاً مؤثراً بنيوياً الشكل الخاص للتبعية، والتفكيك، وهيمنة قطاع التصدير، وتنمية الميل العام للاستهلاك التفاخري للسلع الغربية من جانب الفئات والطبقات العربية الميسورة، التي تلعب دوراً وسيطاً كمبرادورياً، غير مهتمة بتنمية الصناعة الثقيلة، بمقدار ماهي مهتمة بتنمية التجارة الداخلية والخارجية، تصدر سلعاً ومنتجات، وتستورد سلعاً ومنتجات. والحال هذه، فإن التبعية التي تعني هيمنة نموذج التراكم المتروبولي الرأسمالي الغربي، الذي يقرر بصورة جوهرية معايير الانتاج والاستهلاك في النظام الرأسمالي العالمي، تعني أيضاً تبعية نموذج الاقتصاد التصديري في الاقطار العربية لرأس المال المتروبولي، وتعزيز مواقع البرجوازية الكمبرادورية العربية المستفيدة مالياً، والتي زادت من ثرواتها ومن رؤوس أموالها وزادت من استغلالها للشعب، وطورت صناعات استهلاكية، أي أنها أنشأت صناعات معينة عبر دراسة إمكانيات الاستفادة من صناعة أميركية، أو فرنسية أو بريطانية، لخدمة هذه الصناعات الغربية أو تلك، وتستورد منها الآلات، ومعظم المواد. ولهذا، فهي لم تفكر بصناعات تغني السوق الداخلية عن الصناعات الخارجية لكي لا ينشئ بينها وبين القوة الامبريالية صراع حقيقي.‏

كما أن نمط الاستهلاك الغربي عمّ البرجوازية البيروقراطية التي تسيطر على السلطة في العديد من الأقطار العربية، حيث ازداد دورها بوساطة قيادة الاقتصاد من خلال القطاع العام، الذي يسيطر عليه كبار الموظفين والمدراء من كبار الضباط والحزب الحاكم الذين كانوا ينتمون إلى الشرائح الفقيرة من الطبقة الوسطى. إن هذا الوضع ينطبق بصورة خاصة على مصر والجزائرحيث أن العديد من مدراء الأمن العام، ورؤساء أجهزة المخابرات وقيادات الجيش، ومدراء شركات القطاع العام، الذين كانوا فقراء، ويتقاضون رواتب زهيدة في الستينات والسبعينات ولا يعرفون كيف يديرون «دراجة»، أخذوا امتيازات مدراء الشركات الكبار، وأصبحوا يبررون لأنفسهم عن قناعة، بأنهم بحاجة إلى استبدال سياراتهم كل سنة. فا إذا لم تفتح السوق العربية للاستيراد، فكيف يغيرون المرسيدس كل سنة، أو يغيرون الفولفو، وحتى يتسنى لهم ذلك يجب أن تكون السوق مفتوحة، ويجب أن تكون هناك علاقة مع الخارج، لأن هذه السيارة لا تصنع محلياً، وكذلك حاجات البيت والسفر، وما اشبه ذلك. وقد أصبحت هذه الشريحة من الطبقة الوسطى التي هيمنت على السلطة قمعية ومعادية لمصالح الشعب، وأقامت في معظم الأحوال علاقات متطورة مع هذ القوة الامبريالية أو تلك، وانتقلت من الموقف الوطني العام إلى الموقف المعادي للجماهير، ثم إلى الموقف المتعاطي مع الحقائق الدولية كما يسمونها، أي الاندراج في نظام العولمة الرأسمالية الجديدة، والتسوية الاستسلامية التي تقود إلى تصفية الصراع العربي - الصهيوني. ولهؤلاء مصالح في الاستيراد والتصدير، ولهم مصالح في الاستهلاك التفاخري، وهم حريصون على رفاهيتهم جداً، وبالتلي ليسوا مستعدين أن يطرحوا موضوع التقشف مثلاً لأن التقشف يصيبهم، ولا يصيب جماهير العمال والفلاحين وَ الشراح الفقيرة من الطبقة الوسطى، لأنهم متقشفون من ألف سنة. لكن التقشف يصيبهم ومعظم هؤلاء مثلاً كانوا في مصر، أو الجزائر أو ليبيا أو العراق قبل سنة 1970 ضد الأنظمة القائمة بشكل أو بآخر، لأنهم يريدون أنظمة تبيح للبرجوازي الصغير أو المتوسط، مدير البنك أو مدير الشركة العامة أو الضابط الكبير أن يستورد مَا يريد بالشكل الذي يريد. وقد حققوا بحركاتهم التي قاموا بها عبر إعادة تركيب السلطة من خلال التحالف مع البرجوازية الكبمبرادورية التي ضربت ضربات قوية في السابق ومع بقايا كبار الملاك، انتصاراً سياسياً لجهة بناء نظام تسلطي جديد في تكوينه، مكوناً من البيرقراطية البرجوازية العسكرية والبوليسية والحزبية التي تحولت إلى فئة كمبرادولية تعمل لمصلحتها الخاصة، ومن بقايا الاقطاعيين والملاك العقاريين الكبار ومن البرجوازيين التقليديين الكمبرادوريين، أتاحوا لأنفسهم من خلاله، أو أباحوا لأنفسهم ماكانو يشتهون.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244